Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > “سارتر” مع “ليفي ستروس” وجهاً لوجه بين فوضى “الوجود” ورهان “البنية”

“سارتر” مع “ليفي ستروس” وجهاً لوجه بين فوضى “الوجود” ورهان “البنية”

المصدر: موقع منتديات إجتماعي

محمد ديلان حنون

برحيل “كلود ليفي-ستروس” (بروكسيل 1908م ـ باريس 2009م) ينطوي جيل كامل من كبار المفكرين الفرنسيين الذين اعتمدوا خطاب المعلم والخطاب الجامعي، مبتعدين عن الخطاب السياسي وخصوصاً الخطاب الهستيري. فزملاؤه كلهم ماتوا بل وحتى تلامذته، فهذا “سارتر” (1905م-1980م) معاصره مات قبل ثلاثين عاماً تقريباً، و”ميشيل فوكو” (1926م-1986م) الذي كان يصغره حوالي بعقدين مات قبل ربع قرن، ومثله “رولان بارت” (1915م-1980م) البنيوي المتمرد على البنيوية، ونفس الامر يقال عن “لاكان” وباقي البنيويين الذين تأثروا بالقواعد الصارمة لـ”ليفي ستروس”، والذين سرعان ما اصبحوا اعداء التعاليم البنيوية وفضائل “ستروس” البنيوي العجوز.

ويعتبر “ليفي ستروس” من جيل “سارتر”، أي الجيل السابق على البنيوية، وقد اشتبك معه في الستينات من القرن الماضي في معركة فكرية حول البنيوية والوجودية…..
يقول “ستروس”: “لم اكن اعرف سارتر اطلاقاً وقد لمحته اول مرة عندما كنت احضر الاستاذية، فقد كنتُ اتابع دروساً في المدرسة العليا وأشار احدهم إليه صارخاً “هذا سارتر”، منذ ذلك الوقت اصبح شيئاً مهماً معرفة من هو سارتر”…….

ويقول “ستروس”: “وفي نيويورك -ايضاً- رأيتُ “سيمون دي بوفوار” عشيقة “سارتر” وشريكة حياته، وكنتُ على معرفة قديمة بها، وقد دعوتها للغذاء في منزلي، واذكر جيداً الامتعاض الذي نظرت فيه إلى مهد ابني الوليد حديثاً: في الواقع إن طفلاً رضيعاً لم يكن الشيء الذي يجب إظهاره لها”…….وعن كيفية اهتداءه الى المنهج البنيوي فقد صرح “ليفي ستروس” بذلك في حديث تلفزيوني: “انه في عام 1940م، وقد كنتُ أتنزّه الى جانب بعض التحصينات، فلمحتُ في الأرض نبات الـ”Pissenlit” وأخذتُ اتأملُ تركيبه وبناءاته، فاهتديتُ لفكرة البناء”……

وحياة “سارتر” الطفولية كانت حياة قاسية، حياة طفلٍ توفي والده بعد سنة واحدة من ولادته، فنشأ الطفل في احضان “زوج أم” لا يحبّه، وجد عنيف لا يعامله كما ينبغي ان يُعامل الاطفال في مثل سنه، بل انه لا يستطيع ان ينسجم مع رفاقه في المدرسة رغم كما يقول: “أني حاولتُ شراء صداقتهم بهدايا دفعتُ ثمنها من نقودٍ سرقتها من كيس والدتي”…. إلى هذا الحد كان طفلاً وحيداً منعزلاً في البيت والمدرسة…. وقصة “سارتر” هذه تشبه -الى حد كبير- قصة حياة “بودلير” الذي هو الآخر فقد والده في سن صغيرة، والذي عاش -أيضاً- مع زوج أم يمقته كثيراً……

وبين عام 1948م عام عودة “ستروس” الى باريس وصدور كتاب “مدارات حزينة” كان انتصار الوجودية، إلاّ ان “ستروس” كان بعيداً عن كل ما يجري من انتصارات واخفاقات….. ويرى “ستروس” ان “سارتر” كان عبقرياً، وكائناً فريداً بموهبة أدبية هائلة وقدرة على التمييز بعدة أجناس، وبالطبع ان حالته تبرهن بطريقة قاطعة: أن الذكاء العالي يتلعثم عندما يريد التكهن بالتاريخ او لعب دور فيه…..

لقد قام ” ليفي ستروس” بدور محوري في فرنسا وخارجها، لاسيّما الولايات المتحدة الأميركية، لأنه قاوم الوجودية التي هيمن عليها رمز “جان بول سارتر”، والذي استمر الأخير في الاعتقاد بأنّ الإنسان كائن-ذات-مسؤول عن مصيره. هذا الموقف وضعه “ستروس” جذرياً موضع مساءلة، متهماً إيّاه بـ «السذاجة».

لقد اكتسبت البنيوية أهميتها من محاولتها الناجحة لانتزاع الفكر الفرنسي‏/‏الأوروبي من متاهات العبث والقلق في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية‏,‏ والتي تمكنت من تنحية الفلسفة الوجودية عن عرشها الذي دام لها طيلة عقدين يمتدان بين صدور مجلة “الأزمنة الحديثة” برئاسة تحرير “سارتر” نفسه‏,‏ ورفاقه من فلاسفة الوجودية وعلى رأسهم “سيمون دي بوفوار”‏,‏ و”صمويل بيكيت”‏,‏ و”ميرلو بونتي”‏,‏ و”ريمو كينو” وغيرهم منذ عام‏1945م.

وأعطى “ستروس” للعلوم الإنسانية بُعدها الإنساني الفلسفي، ولم يذهب إلى الوجودية كمذهب إنساني، بل حاول استئناف “ماركس” من خلال البنيوية، لكن هذه المرة من خلال دراسة الجماعات المهمشة والمستعمرة عموماً، بعدما رأى الشركات الرأسمالية المتعملقة تعطي مسارات اجتماعية جديدة لما عُرف بـ«صراع الطبقات» في القرن التاسع عشر…. وقد تأثر “ليفي-ستروس” في شبابه ما بين 1908م-1948م بعالم الاجتماع الفرنسي “اميل دوركايم” وإبن اخته الاثنولوجي “مارسيل موس”. لكنه خلال إقامته في البرازيل، اكتشف ميله الاثنوغرافي، فكتب عن الأشكال العائلية والاجتماعية لجماعات الهنود الأميركيين (1948م)، ووضع كتابه الاثنولوجي الأساسي “مدارات حزينة” عام (1955م)…. وكان قبلئذ قد التقى الألسني الأميركي “رومان جاكوبسون” في نيويورك سنة 1941م، وعندها خطرت له فكرة تطبيق البنيوية اللّسانية على الظواهر البشرية، الأمر الذي جعله يقدم البنيوية الانثروبولوجية كمذهب إنساني بدلاً من الوجودية……

وفي سنة 1949م ظهرت أطروحة “ليفي ستروس” عن “البنى الأولية للقرابة” التي كتبها بنيويورك، حيث لجأ الأنثروبولوجي خلال الحرب العالمية الثانية الى هناك بعد طرده طبقاً للقوانين المعادية لليهود. وقد جذبت “البنى الأولية للقرابة” انتباه المفكرة الوجودية “سيمون دي بوفوار” و”جورج باتاي” سنة 1958م، وفي عام 1962م نُشر كتاب “نقد العقل الجدلي” وشوهدت الإغفاءة الميثودولوجية الكبرى لـ”جان بول سارتر” والعرش يُنزع منه من طرف كتابين لـ”ليفي ستروس” هما: “الفكر البري” و”الطوطمية اليوم”، فقد أثار الانثروبولوجي مع الفيلسوف جدالاً حول مفهوم التاريخ، فتأرجحت الوجودية وتراجعت إلى الماضي……

ويتساءل الباحث السوري “هاشم صالح” عن بقايا البنيوية ورائدها “ليفي ستروس” عالم الأنثربولوجيا الشهير؟ ويقول في نص طويل: “أولاً أن “ستروس” معروف في العالم كله بأنه مؤسس الحركة البنيوية، ولكن البنيوية الآن أصبحت في خبر كان، ولم يبق منها شيء يذكر لحسن الحظ، اللهم ما عدا تعليمنا على الصرامة والدقة الموضوعية في البحث العلمي: أي في دراسة النص أو دراسة المجتمع، وهذا ليس بالقليل بالطبع، ولكنها بالغت في الموضوعية الجافة والباردة بل والصقيعية إلى درجة أنها قضت على نداوة الإبداع ورطوبة الخيال، بل وحوّلت النص إلى جثة هامدة من كثرة ما شرحته وفككته وهشمته في نهاية المطاف……. لقد ارتكب “ليفي ستروس” خطيئة كبيرة عندما اعتقد أنه يستطيع تحويل الأنثربولوجيا إلى علم يقيني مطلق مثله في ذلك مثل علم الفيزياء أو الكيمياء…… فالإنسان لا يمكن أن يُدرس بشكل موضوعي جاف كل الجفاف، ولا يمكن تحويله إلى معادلات رياضية أو مجرد أرقام حسابية، الإنسان كائن من لحم ودم ومشاعر وأحاسيس وينبغي أن نأخذ كل ذلك بعين الاعتبار، وبالتالي فكفانا جرياً وراء وهم العلمية المطلقة على طريقة علم الرياضيات أو الفيزياء….. وبقدر ما أن زميله “سارتر” بالغ في النزعة الذاتية المفرطة بقدر ما بالغ هو في النزعة الموضوعية المفرطة. نحن بحاجة إلى الذاتية والموضوعية في آن معاً، وليس إلى التطرف في هذا الاتجاه أو ذاك. نقول ذلك ونحن نعلم أن البنيوية حلت محل الوجودية وسيطرت على الشارع الفرنسي والعالمي. “سارتر” هيمن في الأربعينات والخمسينات بل وحتى منتصف الستينات، و”ليفي ستروس” هيمن في أواخر الستينات وحتى نهاية السبعينات، ولكن الموضات الفكرية تمضي والحياة تبقى أكبر من أي موضة، لا يمكن لأي فلسفة مهما كبرت وعظم صاحبها أن تستنفد غزارة الحياة”.

وما يؤخذ انتقاداً على مقالة “هاشم صالح” هو اتهاماته الملفّقة الى البنيوية وصاحبها “ليفي ستروس” على اساس أن عالمنا البنيوي كان يرمي الى تحويل الانثروبولوجيا الى علم يقيني، وهذا في واقعه أمر في غاية الخطورة، حتى ان “ستروس” كان يرفض اليقينات على هذا المستوى من التحليل، بل أن محاوره “ديدييه إريبون” سأله عن امكانية تطبيق المنهج البنيوي على ظواهر الحياة الاخرى غير القرابة والاساطير، ولكن “ليفي ستروس” لم يجزم بقابلية استخدام هذا المنهج على جميع ظواهر الحياة الانسانية، وقال: “من الممكن ان يفشل المنهج البنيوي عند استخدامه كأداة للتحليل على الظاهرات الاجتماعية الاخرى”…….. يضاف الى ان “ستروس” لم يبد أهمية كبيرة للعلوم الرياضية، بل أبعد من ذلك اعتبر المنهج الرياضي منهج غير سليم في دراسة حياة المجتمعات…… ولكن سؤالنا هو: هل أهمل الانثروبولوجي الفرنسي الإنسان وهو يدرس بُناه؟…. أم أنه أعاد وضعه في منزلته أو بنى علاقاته القرابية او العائلية والثقافية، ليكتشف هويته من خلال وظائفه؟…..

أن “ليفي ستروس” يعتقد بأنّ الوجودية هي فلسفة “ذاتية” وبالتالي غير علمية وغير موضوعية على عكس البنيوية. يضاف إلى ذلك أن الوجودية تعتقد بأنّ “الإنسان حر” في حين أنه مقيد بقيود عديدة واعية أو غير واعية، والبنيوية كما يفهمها “ليفي ستروس” تعني أنّ هناك بنية ذهنية عميقة تتحكم بتصرفات الأفراد وسلوكهم دون أن يدروا، كما انّ هناك ثوابت تتحكم بالطبيعة البشرية من خلال هذه التركيبة النفسية أو البنية العميقة الموجودة لدى كل فرد منا. ويرى “ليفي ستروس” أن الطبيعة البشرية واحدة سواء أكنا في مجتمعات بدائية أم مجتمعات متقدمة، لأن الإنسان هو الإنسان أينما كان، فهو يحب ويكره، ويحسد وينافس أخاه على الرزق والأموال في كل مكان، وبالتالي فهناك صفات بنيوية للطبيعة البشرية لا تتغير ولا تتبدل.

والإنسان محكوم بالبيئة والظروف والطبقة الاجتماعية التي ولد فيها أو الطائفة والقبيلة وليس حراً إلى الحد الذي يتوهمه “جان بول سارتر”، وبالتالي فالبنيوية هي فلسفة الحتمية لا الحرية…. وقد شرح “ليفي ستروس” أفكاره هذه في كتب عديدة مشهورة: كـ”الانثروبولوجيا البنيوية”، و”مدارات حزينة”، و”العرق والتاريخ”… الخ. ومعلوم أن “ليفي ستروس” قال عبارته الشهيرة ضد “سارتر”: “نعم إن هدفي هو انحلال الإنسان إلى عناصره الأولية التركيبية البنيوية وليس تركيبه أو الدفاع عنه وكأنه شخص مقدس”…. وكان يعني بذلك أن الإنسان مثله مثل أي كائن حي أو غير حي على وجه الأرض مؤلف من بنيات مصغرة، وإنه ينبغي تحليل هذه البنيات المصغرة لكي نفهمه، فعالم النفس يحلل بنيته النفسية، وعالم الاجتماع يحلل بنيته الاجتماعية، وعالم الأديان بنيته الدينية… الخ، وهذه هي الدراسة البنيوية العلمية للإنسان.

وينتهي عمل “الفكر البري” لـ”ليفي ستروس” بفصل سجالي مع “سارتر” حوالي ثلاثين صفحة اثارت جدلاً طويلاً منذ عام 1962م…….. وعندما نشر “سارتر” كتابه “نقد العقل الجدلي” كان “ستروس” يعكف على كتابة “الفكر البري”، وكان انذاك يتحاور مع زميله “لوسيان سيباغ” حول كتاب “سارتر”، ويرى “ستروس” ان منظور “سارتر” كان يتعارض مع منظور الانثروبولوجيين الذين يرون في نظامهم احدى الطرق لفهم عمل الفكر البشري بينما كانت الانثروبولوجيا تزعج “سارتر” وكان يفضل تفريغها تحت ذرائع متعددة…….
ويقول “ستروس”: انه لم يكن هناك سجال حقاً بيني وبين “سارتر”، لأن “سارتر” لم يرد ابداً على “ستروس” باستثناء مرة واحدة على صفحات مجلة حيث اكتفى بالقول: “انني لم افهم شيئاً” وربما كان يقصد من ذلك ازعاج “ليفي ستروس”، وتحاملاً على بنيوته التي لا يمكنها ان تفهّم الانسان حقيقة وجوده في هذه الحياة والتي ترده –دائماً- الى سجن المواطن اللاشعورية المتمثلة بقواعد تحريك السلوك الانساني…… إلا ان “سارتر” قد ردّ مرات عديدة وصرح بأن “ستروس” يسهم في الاساءة الى التاريخ، وقد ميز “سارتر” في مقال رائع له بين انثروبولوجيا يمارسها الاثنولوجيون ليس الانسان لها إلا موضوعاً، وانثروبولوجيا فلسفية يحاول تأسيسها تعتبر الانسان “موضوعاً-ذاتاً”………

يقول “ستروس”: ان “سارتر” يتحدّر فكره ضمن ايديولوجيا هي ايديولوجية عصره ووسطه الفكري، وتتموضع هي –أيضاً- ضمن سياق اسطوري هو السياق الاسطوري للثورة الفرنسية، لأن الثورة الفرنسية في مجتمعنا –يقصد المجتمع الفرنسي- تلعب فعلياً دور الاسطورة المؤسسة، مما يجعل فكر “سارتر” نسبياً بدلاً من جعله عمومياً…… لقد كانت الثورة الفرنسية إحدى المسائل الهامة التي طرحها “سارتر” والتي يقر “ستروس” بأنها اسطورة……. وأعطت فرنسا أكثر من قرن سحراً واشعاعاً استثنائيين، بيد انّ من الممكن ان نتساءل: ألم تكن –أيضاً- السبب في الكوارث التي انهالت على الغرب؟….. أنّ “سارتر” انشأ مخططاً مجرداً للتاريخ بشكل يمكن فيه للثورة الفرنسية ان تلعب دور اسطورة للبشرية اليوم……..

وكثيراً ما تساءل الباحثون عن المواجهة الفكرية بين الرّجلين والتي آذنت بنهاية الوجوديّة واندثارها من الحياة الفكريّة الفرنسيّة؟…. ويذهب البعض كـ”فرنسوا دوس” مؤلّف كتاب “تاريخ البنيويّة” في جوابه عن هذا السّؤال إلى اعتبار انتصار البنيويّة قد قام -كما في التّراجيديا- على القتل، وقد كان الأب القتيل هو “سارتر” الوجه الفكري اللاّمع بعد الحرب، فهو النّجم الآفل.

ومهما يكن الأمر فإنّ البنيويّة سرعان ما تماهت في شخص “كلود ليفي-ستروس” الّذي ما برح تأثيره في الفكر الفرنسيّ يتزايد مع الأيّام في جميع المجالات الفكريّة: في النّظريّة اللاّكانيّة، وفي النّقد الأدبي، خصوصاً مع “بارت” في طوره البنيويّ، وفي أبحاث “جون بيار فرنان”، وفي أعمال “بيير بورديو” الشّابّ لمّا كان إثنولوجيّاً متخصّصاً في المجتمع القبائلي بالجزائر، أو في كتاب “الكلمات والأشياء” لـ”ميشيل فوكو”….. فهذا الكتاب بصفة خاصّة ينزّله مؤلّفه على نحو صريح في خطّ “ليفي ستروس”، فمشروع “فوكو” قد تحدّد في العنوان الفرعي من الكتاب “أركيولوجيا العلوم الإنسانيّة”، ومعلوم أنّ مشروع الكتاب هو بيان أنّ علوم الإنسان قد تكوّنت في إطار تشكّل معرفيّ تجلّى في تاريخ الثّقافة الغربيّة الحديث، وهي علوم قد جعلت الإنسان في مركز اهتماماتها….. هذا التشكّل المعرفي بدأ يندثر داخل حركة العلم الحديث حيث بدأ سؤال الإنسان أو السّؤال عن الإنسان يمحي ذلك، بمعنى أنّه لا اللّسانيات ولا التحليل النفسي ولا الإثنوغرافيا تتحدّث عن الإنسان، وإنّما عن القواعد اللاواعية التي لا يمثّل الإنسان سوى اتجاهها….. وعن هذه العلوم قال “فوكو” ما قاله “ليفي ستروس” عنها “إنّها تذوّب الإنسان”. ومن ثمّة أمكن لـ”فوكو” أن يتحدّث في عبارة شهيرة عن “موت الإنسان”، وهي عبارة أُسيء فهمها، ولكنّها -في الصميم- صياغة بإسلوب نيتشوي لجملة “ليفي ستروس” السابقة، أي انها تمنح تصور غيري او فهم آخر للإنسان، وفي كلّ الأحوال يتنزّل عمل “فوكو” فيما يمكن تسميته بالكوكبة البنيويّة التي يمثّل عمل “ليفي ستروس” نجمها السّاطع.

إلا انه وبدافع من منظومته الفكرية، هاجم “ستروس” الوجودية والظاهراتية كونهما اعتمدا (أوهاماً ذاتية) وهو ما تنكّر لها، وأنما كان يعتمد البنيوي الأصيل على (اللاوعي الجمعي)، ذلك انّ وعي الانسان هو (وعي جمعي لا واعي) أي لا تاريخي، فالفرد عند “ستروس” لا يكتشف وعيه بالذات اثناء الممارسة وانما يعتمد على بنية داخلية تجعل البشر بوصفهم موجودات اجتماعية وبوصفهم حوامل “لا واعية” لنظام كلي “نابع من ابنية لم تكتشف بعد “….

واذا كان لـ”سارتر” مبرراته الفلسفية في رفضه لمفهوم (الابنية العقلية اللاواعية) التي كانت من اهتمام “ستروس”، كون “سارتر” ينكر وجود (اللاوعي)، الا ان “ستروس” قد اعتمد ذلك المفهوم اعتماداً كلياً عند دراسته للاساطير للوصول الى ان الاسطورة ما هي إلا حقيقة احتفظ بها (اللاوعي) وما على الدارس الا ان يفكّ “مغالق الانساق الرمزية للاساطير ليعيد بناء التاريخ الثقافي”….. وبهذا يتعارض “ستروس” مع “ماركس” في ان الاخير يؤكد على ان الثقافة مشروطة بالبنية الاقتصادية للمجتمع، فيما يؤكد هو على ان الثقافة تنبثق من الابنية اللاواعية الكلية…… والاسطورة هي واحدة من تلك البنى اللاواعية.

وعندما يتناول “سارتر” الوعي فهو يصفه بأنه يمتلئ ويمتلك جسمه عبر حضوره الدائم وسط الأشياء، هنا “سارتر” عمل على تخليص الوعي من المثالية المطلقة وأدخله التاريخ باعتباره وعياً يتحدد ليس سلفاً وبشكل قبلي وإنما في سياق تاريخي تحكمه آليات الحضور وسط الأشياء.

وإذا نظرنا إلى تصور “سارتر” للتاريخ لوجدنا أن التاريخ في رأيه هو قصة تسجيل الفعل البشري لذاته في صميم الواقع المادي، وحينما يتحدث “سارتر” عن الممارسة أو “البراكسيس” فهو يعني به: كل نشاط بشري هادف أو كل فاعلية إنسانية ذات دلالة، فالإنسان هوالموجود الذي يملك إمكانية صنع التاريخ، ولا تظهر هذه الإمكانية إلا بظهور “العملية الديالكتيكية”، ومعنى هذا: أن التاريخ لم يبدأ إلا حينما جاءت بعض الأحداث غير المتوقعة فعملت على إظهار ضرب من التصدع في حياة الناس، ومن ثمّ فقد تسببت في حدوث ضرب من التناقض، وحينما حاول البشر العمل على تجاوز هذا التناقض خلقوا “مؤلفاً جديداً” –أي تركيباً جديداً- كان من شأنه تغيير عللهم، وهكذا يظهر التاريخ إلى عالم الوجود.

والحق أن أهم سمة تميز الإنسان في رأي “سارتر” هي قدرته على تجاوز أي موقف كائناً ما كان، ولهذا يؤكد “سارتر” أنّ البشر لا يصنعون تاريخهم إلا بفضل عملية التجاوز المستمرة التي تسمح لهم بالامتداد إلى ما وراء ظروف حياتهم، فالأحداث البشرية في رأي “سارتر” لا تقع نتيجة لأي مخطط خارجي سابق، كما أنها لا تندرج مطلقا تحت أي نظام محدد أو مقدر سلفاً، وكأن تفسيرها قائم منذ الأزل في لوح محفوظ …….

وترتبط عملية التجاوز بما اسماه “سارتر” بالتركيب الجديد الذي ينتج من خلال العملية الديالكتيكية، وان وجود مؤلف جديد يعني ان الانسان اظهر معاني وجوده عبر الاحساس الآني بكوني موجوداً، ولا يزال الانسان يتواجد وبصورة مستمرة ما دامت العملية الجدلية متواصلة، وما دام الانسان له القدرة على صنع تاريخه……

ولكن “كلود ليفي-ستروس” وجّه انتقاداً حاداً لفكرة “التقدم”، فالقول بما يعني قبول تصنيف وترتيب يسلم بهيمنة النموذج الغربي وبكونيته تكذّبها الأنثروبولوجيا…. فالمجتمعات ليست مطابقة بإتباع نفس المسار التطوري الخطي بدعوى ضرورة التقدم، لأن هذا الأخير لا يكون دائماً منظماً ومتواصلاً، بل إن التاريخ والإنسانية جمعاء لا تشبه في تقدمها مطلقاً الفرد الذي يصعد سلماً حيث يضيف في كل حركة من حركاته خطوة جديدة لتلك التي حققها، بل تشبه لاعب النرد الذي يتوزع حضه على مجموعة من المكعبات التي يراها كلما قام برميها مبعثرة على السجاد ومؤدية إلى حسابات مختلفة…… فتراكم التاريخ لا يتم سوى من فترة إلى أخرى وفق الطفرات والقفزات التي يضاف بعضها إلى البعض
لكي تشكل تركيبة ملائمة.

فتقدم التاريخ باعث على الوهم حسب “ليفي ستروس”، وتقدم العقل كذلك باعث على الوهم حسب “فوكو”: “فليس للتاريخ من معنى أو اتجاه وإن العقل يهذي”!!!….. إن البذور المزروعة خلال قرن من التفكير الأوربي انتجت بفرنسا ردوداً غير منتظرة: على سبيل المثال “الفكر المتوحش أو البري” هذا الكتاب لـ”ليفي ستروس” قد ردّ الاعتبار لمنطق أولئك الذين اعتبروا “بدائيين”: شعوب متروكة حتى ذلك الحين في بحر ما قبل تاريخ الأفكار، والتي لا يتخلى تماسك منطقهم عن شيء، بيد أننا نتساءل: من هم زارعو البذور الأولى؟.. إنهما بالنسبة للجميع “ماركس” و”فرويد” الذين يعشقهم “ستروس”، “ماركس”: لأنه منح شيخ البنيويين وسام الإيديولوجيا العاكسة للبنى التحتية، و”فرويد”: لأنه باكتشافه اللاشعور دمر صورة الوعي الحر، ولكونه رج من جهة، بفعل مفهوم الايديولوجيا، ومن جهة أخرى بفعل فكرة اللاشعور، فقد انهدم تمثال الحرية المنتصرة، وبذلك انطلقت القذيفة……

ويعترف “ستروس” في “الفكر البري” بأنه: يشعر بنفسه قريباً جداً من “سارتر” كلما انكبّ هذا الأخير -بما لديه من مهارة لا تضاهى- على التقاط تجربة اجتماعية راهنة أو سابقة في حركتها الديالكتيكية، إن هذا يفتح القول على الجذور الماركسية المشتركة لكليهما. إلا أنه لا يعني تماثل مواقف البنيوية والوجودية….. وينحصر خلاف “ستروس” مع “سارتر” على التاريخ: فـ”الأنثربولوجي يحترم التاريخ، لكنه لا يضفي عليه قيمة خاصة، وهو يضعه بمنزلة الدراسة المتممة لدراسته، ففي حين تكشف إحداهما النقاب عن المجتمعات البشرية في الزمان، تكشف الأخرى النقاب عنها في المكان، والتباين بينهما أقل حدة مما قد يبدو عليه” ……….

وما أخذه “ستروس” على “سارتر” أنّ الاخير قد أعطى امتيازاً فائقاً للتاريخ مما أثار ذلك مسألة العلاقة بين الفكر الاثنولوجي والتاريخ، الا أنّ “ستروس” لا يأخذ على “سارتر” اعطاءه الامتيازي للتاريخ، بل في بناء “سارتر” فلسفة للتاريخ تبدو حسب وجهة نظره منتمية الى عالم اسطوري……..
ولذلك يفرق “ستروس” بين الاثنولوجيا والتاريخ على الرغم من وحدة موضوعهما المتمثل في فهم الحياة الاجتماعية، فالتاريخ -مثلاً- يركّز كلياً على شهادات مكتوبة وبالتالي على تعبيرات واعية، أما الاثنولوجيا فانها تسعى للوصول خلف الوقائع الملاحظة الى الاليات اللاواعية التي تحكمها…… ويعقد “ستروس” مقارنة بين عمل الاثنولوجيين وعمل الباحثين التاريخيين، فالاثنولوجيون يهتمون بالوقائع الصغيرة للحياة اليومية: طريقة العيش، السكن، اللباس، الطعام……. وهي اشياء لا يعيرها المؤرخون اية اهمية ويعتبرونها نفاية يجب رميها، فاهتمامهم –أي المؤرخون- منصب على الاحداث التاريخية الكبرى والحروب والمعاهدات والتحالفات…. لذلك يقول “ستروس”: “اننا نلم خرق البحث التاريخي ونبحث عن ثروتنا في سلة قمامته”……..

ويبدو أنّ المجابهة بين “سارتر” “وليفي ستروس” لم تتأخّر كثيراً، ففي الفصل التّاسع من كتاب “الفكر البري” بعنوان “التّاريخ والدّيالكتيك” ينتقد “ليفي ستروس” المفكر “سارتر” بهذه العبارات: “من بين الفلاسفة المعاصرين ليس “سارتر” الوحيد الذي يُعلي من قيمة التاريخ على حساب سائر العلوم الإنسانيّة، ويجعل منه متصوراً شبه روحاني، فالإثنوغرافي يقدّر التاريخ، ولكنّه لا يوليه قيمة متميّزة، فهو يتصوره مثل مبحث يكمّل بحثه: الأول يعرض مجموع المجتمعات البشرية في الزمان والآخر في الفضاء”. وينهي نقده بأنّ عقيدة الفيلسوف في التاريخ إنّما هي أسطورة حديثة، وقد ردّ “سارتر” في حواراته على هذا النّقد: بأنّ كل مجتمع -حتى إن بدا جامداً بارداً- له تاريخ، ولو كان هذا التاريخ يجري في آجال بعيدة أبعد من المجتمعات الحارة، وقد استخلص “سارتر” من نقد “ليفي ستروس”: أنّ رجل الإتنوغرافيا لا يدرس الإنسان، لأنّه لا يحيط به إلاّ بوصفه موضوعاً لا بصفته ذاتاً.

ويقول: “لقد احتج “ليفي ستروس” في أكثر من مناسبة على المغالاة في استعمال مفهوم البنية في بعض الميادين التي يكون التطبيق فيها محفوفاً بالمزالق فعلاً: مثل النقد الأدبي…… أما الأبحاث التي يقوم بها هو بالذات في ميدانه فهي أبحاث إيجابية….. ومن المؤكد أن التحليل البنيوي يسمح بفهم أفضل لنسق علاقات القرابة المعقد، أو لدلالة الأسطورة، ويبقى أن الناس هم الذين بلوروا الأسطورة وصاغوها، بل أنّ أوغل المجتمعات في القدم وأكثرها جموداً في الظاهر -تلك المجتمعات التي يسميها “ليفي ستروس” المجتمعات “الباردة”- هي مجتمعات ذات تاريخ، فقط يأخذ (هذا التاريخ) حيزاً زمنياً أطول من الحيز الذي يأخذه تاريخ المجتمعات”الساخنة”…. ويستحيل من منظور بنيوي -أي لا جدلي- تناول هذا التطور، فالتاريخ يتبدّى وكأنه ظاهرة محض منفعلة، إما لكون البنية تحمل في طياتها -ومنذ البداية-أسباب موتها، أو لان عنصراً خارجياً يحطمها”…..

ما يريد بيانه “سارتر” هو انّ التاريخ لا بدّ ان يقوم على أساس جدلي، أما تخيّل التاريخ على أنه ظاهرة هكذا وجدت بدون أي تأثير خارجي/موضوعي أو ذاتي، فهو فهم قاصر عن تصور حقائقه، كما إن العملية الجدلية التي لا تعبأ ان تنتج الفترات التاريخية الواحدة تلو الاخرى تمنح التاريخ تفسيراً معقولاً لولادته وانتاجه، أي انّ التاريخ ظاهرة منتجة، مكوّنة، لم تظهر فجأة أو بفعل قوانين تفرض عليها لتعطي تاريخاً مشابهاً قليل التأثر بقواعد التعديل والتغيير التاريخي…… إلاّ ان اعتبار التاريخ نتاج عملية جدلية هو ما يخضع التاريخ فعلاً الى ملازمة على مستوى القوانين، أي ان العملية الجدلية تسير وفق قوانين ثابتة وبالتالي فإن “سارتر” يقع ضمن تناقاضات الحتمية التي رفضها عندما أعلن مسؤولية الفرد عن اختياره عن طريق حريته…..

ويعتقد “هيجل” أن التاريخ يعرف صيرورة تعبّر فيها الفكرة المطلقة عن ذاتها، كما أن العظماء من الناس يدركون أن وجودهم لا يتحدد في تحقيق غايات خاصة بهم، فالتاريخ ليس تحقيقاً لما ينجزه الناس من أفعال راهنية، وإنما التاريخ بناء متجذر في طبيعة الإنسان يتجه نحو تحقيق ما هو كوني….. وإذا انتهى الأبطال والعظماء إلى الموت، الذي هو مصيرهم، فلا تبقى سوى الغايات التي من أجلها كرسوا أنفسهم…..

إن التصور الهيجلي لدور الإنسان في بناء التاريخ هو تصور جبري، لأن “هيجل” يعتقد أن الكون هو استلاب للفكرة المطلقة، ومن ثم تكون جميع أفعال الإنسان تعبير عن تلك الروح الموضوعية (التي يجب أن تعود إلى أصلها) التي تعبر عن نفسها في جميع منجزات الإنسان……

وعلى عكس ذلك حاول “سارتر” أن يؤكد أن الإنسان هو الذي يصنع تاريخه، وبهذه الكيفية يعيد الفيلسوف النظر في المفهوم الماركسي للتطور، لأن “سارتر” يرفض أن تتحكم الشروط الموضوعية في الناس وإلا أصبحوا مجرد آلات، وينطلق من أن الإنسان يتميز بقدرته على تجاوز الأوضاع القائمة، ويغير من تأثير الشروط المادية باعتباره مشروعاً. فالمشروع يمثل قدرة الإنسان على الخلق والإبداع ضمن حقل الممكنات التي تنفتح أمام الذات، هكذا يكون الإنسان هو صانع تاريخه من خلال قدرته على تجاوز وضعه الراهن، وممارسة مشروعه من خلال التعبير عن حريته في اختيار إحدى الممكنات وتحقيقها.

ولا يناهض “سارتر” البنيوية بشكل قاطع، إذا ما بقي البنيوي واعياً بحدود المنهج الذي يستخدمه، فالناس قد غالوا كثيراً في استعمالهم للتعاقب أثناء دراستهم للسان، وقد آن أوان النظر إلى هذا الأخير من زاوية تزامنية، أي باعتباره نسقاً من التعارضات…. وهذه فكرة لغوية قالها “بينفينسيت” وقبله “سارتر” بسهولة، خصوصاً وان الفكر بالنسبة له لا يختلط باللغة…… وقد مضى زمن كان الناس فيه يحددون الفكر باستقلاله عن اللغة، وكأنه شيء لا يمكن الإمساك به، أو كأنه شيء لا يوصف، يسبق التعبير في الوجود. وها هم اليوم يسقطون في الخطأ المعاكس فيحاولون إقناعنا بأن الفكر ليس سوى لغة.

والحقيقية -حسب سارتر- أنّ ثمة مستويين للغة، بحيث تتمظهر هذه في المستوى الأول باعتبارها نسقاً مستقلاً ذاتياًُ، يعكس (عملية) التوحيد الاجتماعي….. أن اللغة عنصر من عناصر “المجال العملي–الهامد” أي مادة صوتية توحّدها مجموعة من الممارسات…. ويتخذ الباحث اللغوي كلية العلاقة هذه موضوعاً لدراسته، وله الحق في القيام بذلك مادامت هذه الكلية مشكلة سلفاً، هذه هي لحظة البنية، حيث تبدو الكلية وكأنها شيء دون إنسان، أو كأنها شبكة من التعارضات يتحدد طرف كل عنصر فيها من طرف عنصر آخر، وحيث لا حدّ هناك، إذ لا وجود لغير العلاقات والاختلافات.

إلا أن هذا الشيء الذي غاب عنه الإنسان هو في نفس الوقت، مادة شكلها الإنسان، وتحمل اثر الإنسان، وانك لن تجد في الطبيعة تعارضات مثل تلك التي يصفها عالم اللغة….. أن الطبيعة لا تعرف سوى استقلال القوى، وترتبط العناصر المادية بعضها ببعض كما تؤثر بعضها في بعض. إلا أن هذا الرابط خارجي دائماً ولا يتعلق الأمر بعلاقات داخلية، مثل تلك العلاقة التي تضع المذكر مقابل المؤنث، والجمع مقابل المفرد، أي أن الأمر لا يتعلق بنسق –بالنسبة للطبيعة- يشرط وجود كل عنصر داخله وجود باقي العناصر، وإذا ما سلم المرء بوجود نسق من هذا النوع وجب عليه التسليم -أيضاً- بأنّ اللغة لا توجد إلا منطوقة، أي لا توجد بعبارة أخرى إلا وهى قيد الفعل.

ويحال كل عنصر من عناصر النسق إلى كل، غير أن هذا الكل ميت ما لم يتكفل به شخص ما، ويشغله على هذا المستوى وهو “المستوى الثاني”…… فلا يعود -إذن- الكلام عن بنيات جاهزة أن توجد دوننا…… وهناك في نسق اللغة ما يعرف بأثر ممارسة (من الممارسات)، ولا تفرض البنية نفسها علينا إلا في نطاق ما هي مشكلة من قبل آخرين، ولكي نفهم كيف تتشكل ينبغي لنا -إذن- إعادة إدخال الممارسة ( البراكسيس) من جديد كصيرورة مجمعة ومن هنا على التحليل البنيوي أن يفضي إلى فهم جدلي.

فـ”سارتر” لا يعترض على وجود البنيات، ولا على ضرورة تحليل أوليتها، ولكنه يرى أن البنية ليست بالنسبة له سوى لحظة من لحظات “المجال العملي– الهامد”، أي إنها نتيجة ممارسة (براكسيس) تتجاوز منفذيها، وهنا يقع “سارتر” في مغالطة لكنه يحاول تبريرها بقوله: ان لكل إبداع بشرى ميدان سلبيته، لكن ليس معنى ذلك أن السلبية تخترقه كلية…… ويحاول “سارتر” تذكرة عبارة “اوغست كونت”: “التقدم هو تطور النظام” ويرى أنها تنطبق تماماً على الفكرة التي كونّها البنيويون عن التعاقب، والتي تقول: أن الإنسان يتطور -بمعنى ما- من طرف تطور البنية ذاتها…. إلا أنه لا يعتقد بأن التاريخ هو “النظام” وإنما هو “اللانظام”، أي انه نظام لا عقلاني، وفى ذات اللحظة التي يحافظ فيها التاريخ على النظام -أي البنية- فانه يكون بصدد تفكيكها، هكذا يخلق صراع الطبقات بنيات تتجلى عبرها، وتشرطه بالتالي، ولكنه بقدر ما يسبقها زمنيا بقدر ما يواصل تجاوزها دون توقف.

ويضرب “سارتر” مثالاً رائعاً عن “ساد”، ويقول: “أن عمل “ساد” يقع ضمن مجموعة “اركيولوجية” معينة فهناك لغة العصر، وهناك -أيضاً- نمط الفكر الميت المترسب فيها، ومن ضمن الموضوعات الأساسية لهذه الأيديولوجيا نجد موضوعة الطبيعة. أن “بورجوازي” القرن الثامن عشر يعتبر أن “الطبيعة خيرة”، ولكن “ساد” ليس بورجوازياً، فهو “أرستقراطي” يشهد الانحدار المتزايد لطبقته….. وهو يعلم أن الإمتيازات آخذه في الزوال. انه يجد نفسه –إذن- تجاه الآخرين في وضع من يملك –نظرياً- حقوقاً لا حد لها، وفى نفس الوقت الذي لم يعد قادراً فيه على التمتع بها، ولا على تحقيق رغبته الفردية كأرستقراطي”.

هذه هي الوضعية الأصلية ولفهم معناها كان على “ساد” أن يتجاوزها لصالح تركيب ذاتي هو “السادية”. إن “السادية” نظرية للعلاقة بين الناس، وما يبحث عنه “ساد” هو التواصل، لكنه ولكي يعبّر عن أفكاره حول التواصل، سيجد نفسه مضطراً لاستعمال اللغة المعطاة له….. ولو أن “السادية” جاءت متأخرة بقرن من الزمان لعرفت بأنها مناهضة للطبيعة، الأمر الذي لم يكن ممكناً في القرن الثامن عشر، بحيث كان على “ساد” أن يمر عبر فكرة الطبيعة وان يقيم نظرية مماثلة لنظرية البرجوازيين مع فارق واحد هو أن الطبيعة بدلاً من أن تكون خيرة ستكون شريرة، فهي تريد موت الإنسان، فهناك علاقة مزدوجة: فـ”الطبيعة” تسرق من “ساد” معنى فكره، إلا أن “ساد” يسرق –بدوره- المعنى من الطبيعة……

ويربط “سارتر” بين التاريخ وبين مفهومه عن الحرية، فـ”الإنسان ليس شيئاً آخر غير ماهو صانع بنفسه”. هذه الجملة تلخص النظرة الوجودية إلى الإنسان كما يمثلها “سارتر”، أي أن الإنسان يضع/يصنع ذاته باستمرار وفق ما يختاره لنفسه، ووفقاً للصورة المسقبلية التي يضعها نصب عينيه, فالكائن الإنساني هو الكائن الوحيد الذي “يسبق وجوده ماهيته”، أي أنه يوجد أولاً ثم يصنع ماهيته فيما بعد، بخلاف جميع الموجودات الأخرى التي تحدد ماهيتها اولاً ثم توجَد……

لقد أشاع “سارتر” الوجودية في كل مكان عن طريق قصصه ومسرحياته ورواياته ومقالاته واحاديثه، ويرى: أن الوجودية نوع من الوعي الانساني المعنوي والفلسفي، ويعتبر “القلق” أعمق أسس روح المذهب الوجودي، وهو قلق ناتج عن المسؤولية، وعن عدم كشف الجهة والطريق، وعن غربة الانسان في هذا العالم المادي…….

أن رأي “سارتر” هذا يحدد ما يسميه بإصالة الانسان “أومانيسم”، وهي فلسفة ظهرت منذ عصر النهضة وما بعدها، وبرزت هذه النظرية كرد فعل معاكس لمذهب “الاسكولاستيكية” والدين المسيحي في القرون الوسطى والتي تعني “تقديس الانسان”…… يقول “سارتر”: “اننا موجودون على ضوء رؤيتنا للكون، فكل شخص يعيش وفق معرفته للكون، أي على ضوء ما يفهمه عن الكون ورؤيته له”……..

يقول “هاشم صالح”: “وراح “فوكو” و”ليفي ستروس” يهاجمان “سارتر” وتصوره المثالي عن الانسان!!!… وراحا يضحكان عليه ويتهمانه بانه عاجز عن فهم العلوم الانسانية، لانه فيلسوف مثالي تجريدي عاجز عن رؤية الواقع الثقيل بكل اكراهاته وقيوده…… ويبدو ان “لوك فيري” يحاول –هنا- ان ينتقم لـ”سارتر” الذي طغت عليه الموجة البنيوية آنذاك وهمشته الى حد ما….. وكأن الجميع يقولون: بأن “فوكو” حل محله على سدة الفكر الفرنسي، لكن ها هو “لوك فيري” يهجم على “فوكو” لكي يزيحه عن عرشه ويعيد لـ”سارتر” هيبته واحترامه كأحد فلاسفة الحرية الاساسيين في التاريخ”.

كما تقوم الوجودية على إنكار ما يسمى بـ”النفس” و”اللاشعور” و”الطبيعة الانسانية”، لأنها تعتقد اولاً وأخيراً في حرية الانسان، وتعتبر ان هذه المسميات قد تتسبب في تعطيل حرية الانسان لو افترضنا انها موجودة…. كما تتنكر الوجودية لمبادئ الفلسفة الماركسية التي تسقط من حسابها البعد الوجودي للإنسان، فهي لا تلبث ان تستحيل في خاتمة المطاف الى انثروبولوجيا لا إنسانية غاب عنها الإنسان…..

أن “سارتر” لا يريد ان “يفسر” الانسان بقدر ما يريد ان “يفهمه”، أما “ليفي ستروس” فقد كان على العكس تماماً: يفسر الانسان حتى لو أدى ذلك الى تحليله…… ولا ينظر “ستروس” الى المستقبل لأن أحساسه بالزمن هو “احساس جيولوجي”، والتاريخ عنده يأخذ صورة ذاكرة للأحداث الماضية فيصبح جزءاً من حاضر المفكر وليس من ماضيه، وكل خبرة ماضية للكائن الانساني تعتبر معاصرة، كما هو الحال في الاسطورة حيث تكتمل احداثها كأجزاء في كل متزامن.
ويعد النسق عند “ستروس” حقيقة لا زمانية (النسق اللازماني)، أما الوجودية والماركسية فيفهمان النسق -ان وجد- ليس سوى اداة عمل للإنسان العائش او حدث ينبثق عن حياته النفسية.

يضاف الى ذلك؛ فإن وجودية “سارتر” تقوم على التقليل من أهمية المعرفة الموضوعية، بل ان الاشياء لا وجود لها الا كنقطة يبتدئ لها نشاط الانسان، والحرية الفردية هي المبدأ المفسر لكل شيء….. فالعلم –مثلاً- لا معنى له إلا ما يضفيه عليه كل فرد بواسطة مشروعه الخاص، فالحقيقة الاولى والمحرك الاول لفلسفة “سارتر” هو العلم الفردي.

وفي مناقشته للتاريخ يقول “سارتر” ان التاريخ عندي هو تاريخ ذاتي، فردي يصنعه الفرد الفاعل، وهنا يعارض “سارتر” النظرة الماركسية للتاريخ على اعتباره نشاط موضوعي، أي ان الديالكتيك يظهر على المستوى الخارجي/الموضوعي، بينما الديالكتيك الوجودي او الجدلية الوجودية تقوم على مستوى الذات….. إذن ليس هناك توافق واضح بين الوجودية والماركسية سوى انه توافق شكلي ليس إلا…..

ويرفض “سارتر” وجود ديالكتيك في الطبيعة ويقول: لو سلمنا بوجود ديالكتيك طبيعي لترتب على ذلك نتيجة ثانية هي أن يكون الانسان مجرد كائن طبيعي يخضع لذلك القانون الطبيعي وبالتالي لما كان الانسان رب افعاله……. ويرى “ستروس” ان التاريخ يقدّم لنا عن المجتمعات التي سبقتنا صوراً ليست سوى تحولات بنائية للصور التي نعرفها حالياً، هي ليست احسن منها وليست أقل، اما نحن فمركزنا في الحاضر لا يعطينا حق الاستعلاء، وهذا هو معنى الاحساس الجيولوجي بالزمن عند “ليفي ستروس”…. ان صاحب الاحساس الجيولوجي للزمن قد استخدم اصطلاحات ماركسية لخدمة اغراض محددة احياناً وهو في ذلك شأنه شأن “سارتر”……

ويعتقد “سارتر” ان الانثروبولوجيا ينبغي البحث عنها في داخل الفلسفة الماركسية…… فالماركسية قد أورثت ايديولوجيا الوجود ضرورتين كانت الهيجيلية قد سبقتهما، وهما: الصيروة والتجميع….. وهما ايضاً صفتان ينبغي توافرهما في كل الحقائق الانثروبولوجية خصوصاً وأنهما قد تضمنتا تعريف الديالكتيك…… أما الاداة التي تقيم الانثروبولوجيا حسب “سارتر” هي “العقل الجدلي” وليس “العقل التحليلي”…. فالأخير عقل أصابه العجز والشيخوخة لم يعرف التجديد وينظر الى المجتمعات كما ينظر الى المادة الجامدة، فهو أداة للبحث المطبق على المادة الجامدة، ولا يجوز استخدامه في البحث عن الحقيقة الانسانية، فالحقيقة الانسانية تعرف بغاياتها وليس بأسبابها…….

ويرى “سارتر” ان الانثروبولوجيا ستظل ركاء من المعرفة الامبيريقة والاستنتاجات الوضعية والتفسيرات المجمعة طالما اننا لم نثبت مشروعية العقل الجدلي، ويقول: إذا كان هناك وجود للعلاقة بين التجميع التاريخي والحقيقة المجمعة، واذا كانت هذه العلاقة هي حركة مزدوجة للمعرفة والوجود، فإنه يحق لنا ان نسمّي هذه العلاقة المتحركة “عقل”….. ويرى “جان لاكورا” ان العقل الجدلي عند “سارتر” ليس شيئاً آخر سوى حركة التاريخ وهو يواصل سيره ويعي ذاته في النفس الوقت….

ان الانثروبولوجيا البنائية تقوم على التحليل (أي تستخدم العقل التحليلي)، وهو ما يعترف به “ليفي ستروس” صراحة عندما يقرر انّ “الهدف الأخير للعلوم الانسانية ليس تركيب الانسان وإنما تحليله”…. وينتقد “ستروس” المفكر “سارتر” بأنه لا يفرق من حيث المبدأ بين عقل تحليلي وعقل جدلي، فهو يتأرجح بين مفهومين للعقل الجدلي: فهو تارةً يجعل العقل الجدلي مقابلاً للعقل التحليلي، وتارةً أخرى يظهر لنا الاثنين وكأنهما مكملان لبعضهما ويعتبرهما سبيلين مختلفين يؤديان الى نفس الحقائق…….

ويرى “ستروس” انّ المفهوم الأول يقلّل من شأن المعرفة العلمية ويؤدي بالتالي الى افتراض مهين بالبايولوجيا، كما انه بالاضافة الى ذلك يكشف عن تناقض معين لأنّ الكتاب المسمى “نقد العقل الجدلي” هو انتاج عقلي نشأ عن إعمال العقل التحليلي للمؤلف: فهو عقل يميز، ويعرف، ويصنف، ويعارض…الخ.
أما عن المفهوم الثاني، فإن “ليفي ستروس” يتساءل: إذا كان العقل الجدلي والتحليلي يصلان الى نفس النتائج، وإذا كان يؤديان الى حقيقة موحدة، فماذا كانت فائدة تقابلهما ثم التصريح بتفوق الجدلي على التحليلي، وكيف يمكن تفسير هذا التناقض؟…..

ويلاحظ “ليفي ستروس” انّ هذين المفهومين اللذين يتردد بينهما “سارتر” يفترضان وجوداً مستقلاً للعقل الجدلي إما كضد، وإما كمكمل للعقل التحليلي، ويلاحظ كذلك ان التمييز بين عقل جدلي وآخر تحليلي كانت بدايته عند “كارل ماركس” رغم ان التقابل بين العقلين عنده كان نسبياً وليس مطلقاً كما هو عند “سارتر”.

ويوحد “ستروس” بين مفهومي العقل الجدلي والعقل التحليلي، ويرى أن العقل الجدلي يتضمن الجهود المتصلة التي يجب ان يقوم بها العقل التحليلي لكي يتحسن، وكان من نتائج ذلك ان وصفه “سارتر” بأنه “مادي متسامي وبانه حسي”…… ويعتقد “سارتر” ان علوم الانسان لم تسأل عن الانسان، ولا عن الزمان، ولا عن المكان، ولا عن الحركة، وانما تقتصر دراستها على نمو الظواهر الانسانية وعلاقاتها، ويظهر الانسان وكأنه دال على ذاته…… كما ان الدراسات الانثروبولوجية تحاول ان تربط الظواهر الانسانية بعلاقات موضوعية ومحددة بصرامة، فإن حقيقة الانسان من حيث هي تظل بعيدة المنال تماماً كفكرة المكان بالنسبة للهندسة او الميكانيكيا، والسبب في ذلك ان البحث لا يهدف الى الكشف عنها وانما يهدف الى تكوين القوانين والى اظهار علاقات وظيفية………

ويميز “سارتر” بين نوعين من الجدل: الجدل الحقيقي وهو خاص بالمجتمعات التي لها تاريخ، وجدل تكراري وقصير الاجل وهو الذي يخص به مجتمعات يقول عنها انها “بدائية”…… وفي تحليله للطبيعة البشرية عامة يقول “سارتر”: بانه ليس من الممكن ان تجد (طبيعة انسانية) واحدة لدى قبائل “الموريا” -مثلاً- ولدى الانسان التاريخي في مجتمعاتنا المعاصرة…. وعلى ذلك فأنه لمن المستحيل ان تؤسس الانثروبولوجيا على معرفة تصورية…… وعلى الرغم من الاختلاف في الطبيعة بين الجماعات “البدائية” وبين المجتمعات المعاصرة فإنه من الممكن ان يقوم اتصال حقيقي وايضاً تفاهم متبادل بين الفريقين المتمايزين (على سبيل المثال بين افراد جماعة الموريا وبين الاثنولوجي)، وابتداء من التقابل بين هاتين الصفتين (عدم وجود طبيعة انسانية احدة/ والاتصال الممكن دائماً بين افراد البشر)، فإن حركة الانثروبولوجيا تثير من جديد وبصورة جديدة (ايديولوجيا الوجود)…….

ولكن كما نعلم ان الفلسفة الوجودية تمانع من عملية التواصل الحقيقي بين الذوات، فتجد مثلاً “ستروس” يبين ان الاتصال بين الانا والغير تضمنه بناءات فطرية اسماها بناءات الاتصال هي التي تجعل من الذاتية وسيلة للبرهنة الموضوعية، أما “جان بول سارتر” فأنه يجعل الاتصال مع الغير قائماً على “البراكسيس” باعتباره (الانجاز الحر والملموس لعمل حر)….. يقول “سارتر”: ان أساس العلاقة الانسانية كحتمية مباشرة ودائمة لتواجد طرفين، ان اساس هذه العلاقة هو “البراكسيس” نفسه….. أي أنّ الفعل الفردي باعتباره تحقيقاً للمشروع هو الذي يحدد رابطة “المشاركة” او “التبادل” لكل فرد مع كل فرد. كما انه هو الذي يفسر منطق الحركة الجدلية برمتها خصوصاً وانَ هذا “البراكسيس” الفردي هو في نفس الوقت بمثابة العقل المركب داخل التاريخ باعتباره عقلاً مركباً.

وإذا اردنا ان نخلص كيفية العبور الى الاخرين عند “سارتر” فإننا نقول ان الاتصال بالغير عنده قائم على “البراكسيس” اما المشاركة فهي امكانية موضوعية ضمنتها ضرورة الحياة في جماعة ومن الممكن –عند سارتر- ان تقوم علاقة جدلية بين الانثروبولوجي وبين المجتمع المدروس، غير انه لا يمكن ان يكون هناك تبادل للمشاعر، لأن هذا التبادل يحتاج الى تركيب عقلي يضعنا في تطابق مع صور للنشاط هي لنا وللغير في نفس الوقت، وهو ما لا تسمح به وجودية “سارتر”…..

ويرى “سارتر” ان البناءات اللاشعورية عند “ليفي ستروس” ليست مصدراً للضرورة، ولهذا فان تنظيم الزواج الذي تحدث عنه “ستروس” إنما يتضمن الاغتراب، فإذا افترضنا –طبقاً للتنظيم الثنائي- ان رجلاً من الجماعة (A) تزوج امرأة تنتمي الى الجماعة (B)، فإننا نلاحظ ان الرجل (A) مدين لـ(B)، لذا فأن الطفل الذي يولد في (وسط مدين) معناه انه هو نفسه قد التزم بهذا الدين، وهذا يعني انّ الانسان ليس من خلق ذاته……

ويرى “سارتر” ان الاغتراب طبقاً لهذا المعنى انما نشأ من علاقات (التزام، وقسم، وسلطة، وحقوق، وواجبات)، والفرد في المجتمع وان كان يحافظ على دوام نسق العلاقات، إلا انه قد يتغير ويتعدل في نطاق هذا النسق بما لديه من عمل متفرد (Praxis)، فالعلاقات هي شرط “البراكسيس” ولكنها ليست هي “البراكسيس”…….. و”سارتر” يوضح ذلك بمثال حارس المرمى فيقول: إن كفاءة حارس المرمى وامكانياته الشخصية التي تجعله حسناً او ممتازاً إنما تتوقف على مجموعة قواعد اللعب المتفق عليها والتي تحدد دوره….

ان العلاقات باعتبارها وظائف في المجتمع لا تتغير جدلياً بعكس الافعال، لأن هذه الاخيرة تتوقف على الافراد، وعلى هذا فإنّ الضرورة التي تنشأ عند “ليفي ستروس” نتيجة لبناءات لا شعورية هي في الحقيقة عند “سارتر” ناشئة من علاقات آتية من المجتمع وتشرّبها الفرد….. ويرى “سارتر” ان الجماعة تمتلك معرفة صامتة عن ذاتها وموجودة لدى كل فرد فيها، أي ان الفرد يسبر أغوار جماعته، وهذه الحقيقة تحتجب عن كل من لا يشارك الجماعة اهدافها….. وعلى هذا الاساس فإن بعض المعارف المعقدة يمكن ان تتحدى عالم الاجتماع او الاثنوغرافي اذا هو تعرض لها في المجتمعات المتخلفة، ذلك لأنه يتعرض لها كمعلومات نظرية يكتسبها هو بالملاحظة على الرغم من انها بناءات عملية معاشة داخل عمل جماعي……

ويضرب “سارتر” مثالاً لهذه المعارف المعقدة مستشهداً بما ذكره “ليفي ستروس” نقلاً عن “ديكون” بخصوص النظام الامومي، يقول “ديكون”: ان أفراد جماعة “الامبريم” كانوا يصفون نظامهم المعقد بمنتهى الدقة ويلجأون في ذلك الى عمل رسوم بيانية على الأرض: فمن الواضح ان افراد هذه الجماعة (او الاكثر ذكاء منهم على الاقل) يتصورون نظامهم على انه جهاز أعد جيداً حتى انه لمن الممكن ان تمثله الرسوم البيانية….. وهم ابتداء من هذه الرسوم البيانية يتعرضون لمسائل القرابة بطريقة مشابهة لما يمكن أن ننتظره من عرض علمي جيد داخل قاعة المحاضرات…… ولذلك يقول “ستروس”: أن البدائيين لقادرون على التفكير المجرد بدرجة كبيرة…..

ويرى “سارتر” أن هذه المسألة قد عرضت عرضاً سيئاً، لأن ما يفترض معرفته لم يكن قدرة البدائيين على التفكير المجرد بوجه عام (وإلا لكان هذا التفكير بمثابة قدرة عامة يمتلكها كل انسان مهما كانت درجة تطوره)، وإنما معرفة قدرتهم على فهم البناءات المجردة لنظامهم الامومي او نظم القرابة…… أي انه لا ينبغي ان نبدأ من حيث يجب ان ننتهي فنقرر ان البدائيين يفهمون العلاقات المجردة التي تنظم جماعاتهم لأنهم قادرون على التفكير المجرد، إذ على العكس نجد ان العلاقات المجردة التي تكون مجتمعهم هي التي تعرف تفكيرهم بقدرته على التجريد، بل ان التفكير المجرد ليس شيئاً آخر سوى هذه العلاقات نفسها على اعتبار أنها “معاشة بواسطة الانسان العادي الذي يحقق علاقته مع الجميع في نطاق وحدة الهدف المشترك”…..

ان البدائي عندما يعبر عن العلاقات المجردة ويرسمها على الارض فإنه يريد ان يعيد عملية انتاج بناءات في صورة نسق مجرد وجامد، والسبب في هذا هو إنه يريد ان يشرحها لأجنبي آت من خارج الجماعة فيقوم بردها الى هيكل عظمي لا حياة فيه، ان عمل البدائي هذا لا يعكس شعوراً تركيبياً بل أنه ليس تفكيراً على الاطلاق…….

وقد رجع “ليفي ستروس” الى هذا الموضوع في كتابه (تفكير الفطرة)، وفيه يقول: إذا صح ما يقوله “سارتر” من ان البدائي لا يفكر، فسينبغي ان نقول نفس الشيء عن استاذ بكلية الهندسة يقوم بعمل براهين على السبورة وذلك لأنّ كل اثنوغرافي يقيّم تماماً ان الموقف هو هو ذاته في الحالتين.

ويلاحظ “ليفي ستروس” –أيضاً- ان “سارتر” لا يطيق ان يكون البدائي قادراً على التحليل والبرهان او ممتلكاً “لمعارف معقدة” وهو بهذا ينضم الى “ليفي برول”….. فموقف “سارتر” من البناءات يؤدي الى تصور بناءات تاريخية تعكس حقبة معينة من الزمن ورقعة معينة من الارض وجماعة خاصة تمارس “البراكسيس” فردية او جماعية متميزة… ويظل الفرد هنا سجين “كوجيتو” من نوع سوسيولوجي شبيه بـ”كوجيتو” ديكارت، وفي مجال المقارنة بين الاثنين يقول “ستروس”: ان “ديكارت” وقد أراد ان يؤسس علم الفيزياء فإنه يعزل الانسان عن المجتمع، أما “سارتر” وهو يزعم أنه يؤسس الانثروبولوجيا فيعزل مجتمعه عن سائر المجتعمات.

وفي الحقيقة كان “ليفي ستروس” يحتقر رأي “سارتر” الصريح عن إنّ الافراد في المجتمعات البدائية غير قادرين بالمرة على التحليل العقلي وانهم محرومون من أي قدرة على البرهان العقلي….. كما يرى “ليفي ستروس” ان اصرار “سارتر” على التمييز بين البدائي والمتحضر انما يعكس التقابل الاساسي عنده بين الانا والغير…..

ان المتتبع للمجابهة الفكرية بين المفكرين الفرنسيين يلاحظ انّ كلاً منهما كان يحاول احتواء الآخر، فـ”سارتر” يقرر بأن لحظة التحليل البنائي ما هي إلاّ مرحلة من مراحل العقل الجدلي، أما “ليفي ستروس” فإنه يقرر بأن فلسفة “سارتر” ما هي إلاّ وثيقة اثنولوجية هامة لكل من أراد أن يفهم ميثولوجيا العصر…..

والفيلسوف الوجودي بدوره يتفق مع “ليفي ستروس” في ان الانسان هو نتاج البناء. يقول: “الانسان هو نتاج البناء (بشرط ان يتجاوزه)، او اذا شئت فإن البناءات هي لحظات توقف للتاريخ. واذا كان الانسان ينخرط في بناءات جاهزة فيمكننا القول اذن بأنها هي التي تكونه….. والانسان ينخرط في هذه البناءات لأنه ملتزم تاريخياً”…. وهنا نجد “سارتر” يربط بين فكرة البناء وبين التاريخ…… ونلاحظ تقارباً وتكاملاً بينهما فيما يخص تصورهما لهذه العلاقة، فـ”سارتر” يعترف بوجود علاقات انسانية عبر التاريخ، أي بناءات دائمة “بين افراد ينتمون الى جماعات تختلف نظمها وتجهل كل منها الآخر”…. أما “ليفي ستروس” فإنه يعترف بوجود “بناءات تاريخية”، أي بناءات طرأ عليها تغيرات وتحولات على مرالعصور.

ويرى “جان بياجيه” ان “ليفي ستروس” كان يقلّل من قيمة هذه العمليات الجدلية فذلك راجع الى إن البنائية عنده تتصف بالجمود والبعد عن التاريخ….إلا ان الاتجاه الجدلي له دور هام في تكوين جميع البناءات وهو في هذا مكمل للتحليل بل لا ينفصل عنه…..

ان المنهج الجدلي أو “الديالكتيك” إنما يفترض إحلال المقولات التاريخية محل المقولات المنطقية، ولهذا فإن عصرنا ليشهد نهاية المنهج المنطقي، أي نهاية الجهد الذي يهدف الى الامساك بالعلاقات الثابتة بين أفكار محضة تخرج عن الصيرورة التاريخية للفرد والانسانية. واذا كان المنهج المنطقي يفترض امكانية معرفة الانسان والعالم من الخارج، فإن منهج الديالكتيك يكتشف النفس الانسانية وهي تعي ذاتها تدريجياً او عندما تخلق ذاتها من خلال متناقضاتها…..

وقد انتقد “جان بياجيه” تصور “ليفي ستروس” عن أحادية النفس الانسانية، وكان موقف “ستروس” يقول: ينبغي علينا الاعتراف بوجود البناء اولاً كقاعدة يتولد عنها بناءات اخرى، كذلك ان مفهوم الطبيعة الانسانية الذي يصر عليه “ستروس” لا يقصد منه الاشارة الى بناءات ثابتة لا يطرأ عليها أي تغيير، بل هو يشير الى الارحام التي يتولد عنها بناءات ترد الى نفس المجموع…..
وبهذا يقول “عبد الوهاب جعفر”: من هنا يتضح ان “ليفي ستروس” يبتعد تماماً عن أي تصور استاتيكي للبناءات، كما انه بذلك يبتعد عن المذهب الصوري ويقترب من اصحاب الديالكتيك.

المصادر المعتمدة:
-ديدييه إريبون: كلود ليفي-ستروس؛ من قريب ومن بعيد (الدوائر الباردة)، ترجمة: مازن م. حمدان، دار كنعان، ط2، دمشق، 2004.

-جان بول سارتر: الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، ط1، 1964.
-عبد الوهاب جعفر:البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر منها، الهيئة العامة لمكتبة الاسكندرية، دار المعارف، 1989.

-فيلب تودي وهوارد ريد: أقدم لكم سارتر، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة، 2004

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий