Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي – الدكتور محمد نجيب بوطالب

سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي – الدكتور محمد نجيب بوطالب

الكتاب: سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي إذا لم يعمل الرابط السابق استعمل هذا الرابط من هنــــــــــــــــــــــــــا أو من هنـــــــــــــــــــــــــا
المؤلف: د. محمد نجيب بوطالب
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009
من مقدمة الكتاب:
يهدف هذا البحث إلى دراسة مظاهر تواصل بعض محدّدات البنية الاجتماعية القبلية في العالم العاصر، وهي بنية ما انفكت في الفترة الأخيرة تحرّك واجهات الأحداث محلياً وإقليمياً ودولياً. لقد ظلّت أغلب الدراسات التي قاربت المسألة القبلية في المغرب العربي تتحرّك في نسق التاريخ أو الأنثروبولوجيا، أمّا علم الاجتماع فإن مساهمته كانت جزئية أو متحفظة. ومن الافتراضات التي يمكن أن تفسر هذا الواقع أن التحولات السريعة والكثيفة التي أصابت هذه المجتمعات، دفعت – على الأغلب – بعلماء اجتماع المنطقهَ إلى المصادقة على أطروحات غيرهم، كما دفعت بهم إلى تهيب الإجابة عن السؤال التالي: ما مدى صحّة القول بتفكّك البنيات التقليدية؟ كما أن التأثيرات الإيديولوجية لنزعة التحديث التي غلبت على الخطاب المعرفي الاجتماعي السائد في الفترة العاصرة، ساهمت في هذا الهجر وذلك التحاشي. ويهدف اعتماد الدراسة على القطيعة والتواصل كثنائية تحليلية إلى منع الانقطاعات البادية من أن تحجب عنّا التواصلات المكنة، وهو فعل تاريخي أساسي بالنسبة إلى مجتمع صور بأنه بلا تاريخ، كما تهدف هذه المقاربة إلى إجلاء عمليات التواصل المتخفية وراء ما يمكن أن يحجبها من انقطاعات. إن المجتمع يحمل في داخل أنساقه أسباب انتظامه وأسباب عدم انتظامه بما يعلنه عادة من تبدلات، ومن جهة أخرى فإن دراسة صيرورة تبدل البناء الاجتماعي القبلي في الشكل وفي المضمون في المغرب العربي ليست مجرد دراسة جهوية، بل إنها تنطلق من رؤية شمولية اعتمدت عمليات المقارنة والكشف عن التفاعلات واماطة اللثام عن الجدليات في علاقة وظيفية بين /ص11/ الجزء والكل، وبين الفرع والأصل. وفي معالجة موضوع التحولات التي عرفتها المجتمعات المغاربية، في إطار مقاربة سوسيولوجية لمفهوم الاندماج الاجتماعي، فقد تئم طرح الأسئلة الرئيسية التالية:

– هل استطاعت الدولة الوطنية تفكيك مرتكزات المجتمع القبلي من خلال مشروعها التغييري؟ وكيف فعلت ذلك؟
– ما هي الاَليات التي اعتمدت لتحقيق الاندماج؟
– ما علاقة الدولة بالمجتمع المحلي؟ وما هي الصور المتبادلة بينهما عبر عقود من التفاعل؟

لقد أفاضت الدراسة في التعمّق في مظاهر تواصل المعطى القبلي والظاهرة القبلية في الممارسات اليومية، علا أن المتابعة لم تكن معزولة عما يجري في بعض مواقع العالم من تفاعلات شبيهة. لقد بينت الدراسات أن التابوات (Taboos) (الأرض والسياسة والقرابة) لا تنفك حتى الآن، وفي فترات متقطعة، تستنهض المعطى القبلي، ولذلك فكثيراً ما تطبع علاقات الفاعلين واستراتيجياتهم اليومية بطابع يستمد جذوره من الإرث القبلي للمجموعات المحلية على الرغم مما يلاحظه الباحث من عمليات تخفي تلك المحركات والنوازع في أثواب قد تبدو جديدة.

إن التضامن الاجتماعي في منطقة الدراسة لا يزال يوظف البنية القرابية والموروث القبلي، وقد بينت المتابعة أن البنية القبلية عرفت عملية تفكيك واسعة لكنّها استمرت رمزياَ وثقافياً. فهي لا تفتا تستعيد إنتاج بعض ملامحها في مناسبات أو بشكل دوري، وبخاصّة حينما تتحرّك المصالح الفردية والجماعية فضلاً عن إمكانية تهيكلها في الخارج. إن الهدف الأساسي الذي يكمن وراء هذا البحث يتمثل في العمل على إجلاء إشكالية استمرار الظاهرة العروشية في المجتمعات المغاربية المعاصرة، ويساعد هذا الطرح في إطار ابستيمولوجي يخص العلوم الاجتماعية، فبمقابل هاجس عولمة المعرفة تطرح قضية توطن المعرفة، وهذه ليست هنا مجرد قضية انتماء وإنّما هي أكثر من ذلك لأنها، بمرورها بالسؤال المنهجي، ذات علاقة بمشكلة الإبداع السوسيولوجي. لقد بيّنت مقاربة القبيلة المغاربية هنا، نظرياَ وتطبيقياً، أن عولمة المفاهيم /ص12/ السوسيولوجية زادت من غموض صورة الواقع الاجتماعي وتشويهها، إن ذلك التمشي الذي ران على الساحة المغاربية العلمية عقوداً طويلة بما شمله من إسقاطات وتعميمات واختزالات بدت مغرية للغالبية ولا تزال، هو الذي عمل على إلغاء الاَخر غير الهيمن، وقد صُور وبدا منفعلاً أكثر مما بدا فاعلاَ، إذ تمّ تجاهل المساهمات المتنوّعة والخلاقة للمجتمعات المستهدفة بالدرس. وبينت هذه الأطروحة أن الأزمة كثيراَ ما ترتبط بالمفاهيم وبالخطاب أكثر مما ترتبط بالمجتمع ذاته. تمثل الظاهرة القبلية في المنطقة العربية إحدى الظواهر التي هجرها البحث الاجتماعي في المرحلة الراهنة، ولعل ضغوطات موضوعات التنمية والبناء الوطني والقومي ونقل العلوم الاجتماعية تمثل بعضاً من مبررات هذا الهجر.

تمرّ عقود ولا تظهر الأبحاث المتعلّقة بالبنية القبلية إلا لماماً، هنا أو هناك، لكن أليست بعض مشكلات التنمية نابعة من استمرارية تحكم بعض البنى الاجتماعية التقليدية في بعض المجتمعات المعاصرة ومنها الظاهرة القبلية؟ ومن جهة أخرى أليس توطين المعرفة أو نقلها يعني توطن الموضوعات بدراسة المشكلات الجوهرية والتحرر من أسر موضوعات الآخر؟ على كل حال، فقد كانت القبائل والزوايا والمجموعات الأهلية تمثل مجال دراسات كثيرة في المرحلة الاستعمارية، مع اختلاف في أسباب التناول باختلاف المراحل والسياقات. فهل يمكن التساؤل- من هنا- عن أسباب ضعف الدراسات حول البنية القبلية في أغلب الأقطار المغربية، رغم أنها وبدون استثناء عرفت الظاهرة وتأثر تاريخها بها، وهل يمكن القول من جهة أخرى إن النفور من الاستعمار هو الذي أدى إلى النفور من موضوعات السوسيولوجيا والاثنولوجيا الكولونياليتين هذا الانفلات لم يمنع عودة المنسي من الذاكرة، من خلال استعادة المجتمع في عدة أقطار عربية لإنتاج العلاقات والمشاعر القبلية. غير أن بعض الدارسين لا يحبذ الحديث عن عودة، لأنه يشك بحقيقة الغياب قبل الحديث عن العودة، باعتبار أن البنى القبليهَ بمعناها الواسع لا يصح الحكم عليها بالقطيعة والانحلال إلا باعتبار أن ذلك الحكم هو مجرد افتراض أو نتيجة غير صادقة لدراسة الواقع. يمكن القول إن إعادة إنتاج بعض العلاقات الأولية أو استمرارها في /ص13/ المنطقة، ما هي سوى ردة فعل على الأزمات والتوترات التي اعترضت التغير الاجتماعي في المجتمعات العربية.

ولعل التفسير الأكثر قدرة على تبرير النقص الحاصل في التناول العلمي الرصين يكمن في اللهاث وراء استهلاك ما ينتجه الاَخر من نظريات ومناهج وتجارب دون القدرة على هضمها، فلم يتم تيسير الفجوة بينها كأدوات مساعدة للفهم والتغيير، وبين الواقع الاجتماعي المحلي كموضوع للبحث والتفسير. إن الانتشار الواسع اليوم للعلاقات الحميمية والشخصانية والوثيقة في المجتمعات العربية، وكذا الأفريقية والآسيوية بشكل خاص، يدل على ازدواجية الأداء الاجتماعي. وهذا ما يفسر بأن الهياكل المدنية لم تستطع بعد أن تلغي الهياكل الأهلية بشكل نهائي أو تحل محلها، بالنسبة إلى بعض الوظائف على الأقل. لا يزال الفرد رغم تغير وضعيته في التعليم والعمل والمكانة الاجتماعية محكوماً بسلطة الجماعة الأولية. إن ظاهرة الاستنجاد بالقرابة والتوسط بالمعارف في الحصول على العمل أو المنصب، بل حتى ضمان الحقوق المعيشية الأساسية لا تختفي عن أي وسط اجتماعي عربي. كما أن التنافس لا يتحقق دوماً وفق القوانين والضوابط الرسمية، وإنما ضمن شبكة خفية أو شبه علنية من الأعراف والتوسطات.
يسعى هذا البحث قدر المستطاع لأن يكون حلقة من حلقات العمل العلمي حول المجتمع العربي، جامعاً بين التنظير المؤطر الذي يمثل أداة للرؤية والتحليل، وبين التطبيق الميداني دون إغراق في التفاصيل. كما كان التوغل في التاريخ الاجتماعي سنداَ أساسياَ لتتبع الظواهر الاجتماعية، على رغم ما كان يتطلبه هذا التوغل من جهد إضافي قد يبلغ حد لعب دور المؤرخ أحياناَ.

إن هذا العمل يمثل بالأساس جزءاً معدلاَ من أطروحة دكتوراه الدولة في علم الاجتماع، كانت قد نوقشت سنة 1999 في رحاب الجامعة التونسية، واستغرق إعدادها عقداً من الزمن، فهو يركز الاهتمام على منطقة مهمة من الوطن العربي هي منطقة بلاد المغرب، أو ما يصطلح على تسميته اليوم بالمجتمعات المغاربية ذات التقاليد العريقة في الظاهرة القبلية. /ص14/

صحيفة المستقبل اللبنانية/عمر كوش: ينطلق مؤلف هذا الكتاب في دراسته للقبيلة في المغرب العربي من اعتبار أن المجتمع يحمل في داخل أنساقه أسباب انتظامه وأسباب عدم انتظامه بما يعلنه عادة من تبدلات، ويعتبر أن دراسة صيرورة تبدل البناء الاجتماعي القبلي في الشكل وفي المضمون في المغرب العربي ليست مجرد دراسة جهوية، بل إنها تنطلق من رؤية شمولية اعتمدت عمليات المقارنة والكشف عن التفاعلات وإماطة اللثام عن الجدليات في علاقة وطنية بين الجزء والكل، وبين الفرع والأصل. ويطرح سياق معالجة موضوع التحولات التي عرفتها المجتمعات المغاربية ضمن مقاربة سوسيولوجية لمفهوم الاندماج الاجتماعي أسئلة تتعلق بقدرة الدولة الوطنية على تفكيك مرتكزات المجتمع القبلي من خلال مشروعها التغييري، وبالآليات التي اعتمدت لتحقيق الاندماج، وماهية علاقة الدولة بالمجتمع المحلي، وماهية الصور المتبادلة بينهما عبر عقود من التفاعل.
ويجهد المؤلف في التعمق في مظاهر تواصل المعطى القبلي والظاهرة القبلية في الممارسات اليومية، ليؤكد أن الأرض والسياسة والقرابة لا تنفك حتى الآن، وفي فترات متقطعة، تستنهض المعطى القبلي، حيث كثيراً ما تطبع علاقات الفاعلين واستراتيجياتهم اليومية بطابع يستمد جذوره من الإرث القبلي للمجموعات المحلية على الرغم مما يلاحظه الباحث من عمليات تخفي تلك المحركات والنوازع في أثواب قد تبدو جديدة.
ويسكن المؤلف طموح في أن تخرج دراسته بنتائج نظرية وتطبيقية، قد تفيد في فهم الواقع الاجتماعي لمجتمعاتنا العربية المعاصرة، ذلك أن الاتجاه الغالب على الدراسات في الحقل الاجتماعي، والتي تناولت حتى الآن موضوع العلاقات الاجتماعية الأولية والهياكل الناظمة لها، وخاصة في الريف، هو نقص التحليل المعمق للآليات المتحكمة فعلياً في البناء الاجتماعي رغم التحولات السريعة والشاملة أحياناً.
والواقع هو أن التمفصلات بين النظم والعلاقات المتفاعلة ضمن المؤسسات الآخذة في الاندثار والهياكل البديلة بين النظم التقليدية والعصرية لم تستوف حقها من الدرس والتحليل، الأمر الذي زاد من غموض صورة المجتمع وانفلاته من أغلب التحليلات والتصنيفات. وتزيد أهمية هذه الحاجة البحثية حين تكون إزاء نموذج مثالي هو مجتمعات المغرب العربي التي يمكن اعتبارها مختبراً لمقاربة مشروع الحداثة لدى الدولة العربية الاستقلالية.
ويرى المؤلف أن القبائل المخزنية وجدت في سائر أنحاء المغرب العربي، حيث أطلق عليها في المغرب الأقصى اسم قبائل “القيش”، وتتمثل بالخصوص في الأوادية والشرافة. وفي الجزائر تمثلها الدواير والزمايل. أما في تونس فقد لعبت قبيلة دريد الدور الريادي في العلاقة التوظيفية مع الدولة، مثلما لعبت مجموعتا المحاميد وأولاد نوار الدور نفسه في ليبيا. وغالباً ما تضع هذه القبائل على ذمة الدولة مجموعة من فرسانها مقابل بعض الامتيازات، حيث تمثل مجموعات عسكرية ثانوية تساعد الجيش النظامي “المحلة” خلال الجولات الخاصة بجمع الضرائب في فترة الانتفاضات. وإذا كان هؤلاء لا يلعبون دوراً أساسياً في أثناء نشوب الحروب بين الجيوش النظامية، فإنهم يلعبون الدور الأهم فيما يتعلق بالعمليات العسكرية الداخلية ضد مجموعات قبلية يجاورونها أو يتحدرون منها.

اندماج
غير أن مفهوم القبائل المخزنية يثير إشكالاً منهجياً وتطبيقياً، فهل أن جميع رجال القبيلة الموصوفة بالمخزنية اندمجوا فعلياً في خدمة الدولة، أم أن الأمر يتعلق ببعض الأسر وبعض الأعيان فقط؟ وهل أن هذا الدور كان يتحقق في مختلف المراحل؟ أم أن الخدمة المقدمة للدولة كانت تقتصر على بعض الفترات؟ وما هو المقابل الذي يتحصل عليه أفراد القبيلة المخزنية؟ وهل كانت عملية التوظيف تستوجب بالفعل تقديم خدمات يتمتع بها الأفراد والجماعات المستخدمون؟ وهنا يعتبر المؤلف أن الأمر لا يزال بحاجة إلى مزيد من التعمق. وفي المقابل فقد قامت بعض المجموعات والأفراد من القبائل المعارضة للقبائل المخزنية بدور مخزني معروف، مثل بعض المجموعات من ورغمة ومن الهمامة والمثالثيث وجلاص في تونس.
ويطلق اسم القبائل الريعية على القبائل الخاضعة لهيمنة الدولة، والتي توجد في وضعية متوسطة بين المجموعات المخزنية والمجموعات المستقلة. وعادة ما تستقر في السهول والمنخفضات، وتتكون من منتجي الحبوب في المناطق المجاورة لمراكز السلطة. لكن عملية الجباية المرتبطة بالموقع والحالة الاقتصادية والأمنية كانت تفرض درجات مختلفة من الخضوع أو التحالف مع السلطة المركزية. فقد خضعت علاقة الدولة بالقبائل الريعية إلى ظروف مختلفة، لذلك كانت المحلة في تونس والحركة المحلة في تونس والحركة في المغرب تقومان بجمع الضرائب من هذا الصنف من القبائل دون حاجة دائمة لاستعمال العنف.
ولعبت الأسباب الجيوسياسية دوراً في تفسير استقلالية المجموعات السكانية تجاه المخزن، فالمناطق الجبلية والمناطق المتاخمة للصحراء لم تخضع للمخزن بشكل دائم أو كامل حتى أواسط القرن التاسع عشر، وتلك كانت حالة جبل البربر بالمغرب بشكل عام، وكذا جبال القبائل والأوراس بالجزائر، والمرتفعات المحصورة بين خمير وجبل وسلات ومطماطة بالبلاد التونسية، وصولاً إلى جبل نفوسة بليبيا. كما أن التركيبة القرابية المرتبطة عادة بالعنصر الجغرافي والأمني لسكان الجبال والمناطق شبه الصحراوية يمكن أن تساهم في تفسير استقلاليتهم. وهذا ما فسره الانقساميون بتوزيع السكان إلى قسمات متشابهة متوازنة، أو بصدد التوازن بما يجعلها في غنى عن الخضوع لسلطة عليا.

مستويات
ويتحدث المؤلف عن وجود مستويين في علاقة قبائل المنطقة بالدولة: مستوى ماكروـ قبل ومستوى ميكروـ قبلي. حيث يشمل الأول اتحاده ورغمه، ولا يتجسد حضوره الفاعل سوى في أثناء التحديات الخطيرة التي تهدد المجتمع المحلي بأكمله، مثل مجيء محلة الدولة، وهجوم النوايل، وهجوم بني زيد، والتوتر الأمني في الجهة نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي، وفي هذه الحالة يحصل الالتحام بين المجموعات، حتى تلك التي كانت علاقاتها تتميز بالصراع. والثاني يشمل دوائر داخلية تتحدد حسب المكانة الاجتماعي والقوة العسكرية للمجموعات، وعادة ما يكون هذا المستوى مجسداً بشكل مستمر في الانقسام إلى اتحادات صغيرة، مثل “الودارنة”و”التوازين” اللتين احتلتا موقعاً متميزاً في المنطقة من حيث التأثير في الوصع الأمني.
وكانت علاقة هاتين المجموعتين، وخصوصاً الودارنة، بالسلطة المركزية علاقة متوترة، والتي تتجسد في ممثلي الدولة جهوياً ومحلياً سواء في قابس (الأعراض) بداية، أو في مدنين(مركز ورغمة) ثم في تطاوين وبنقردان. وتبلورت هذه العلاقة المتوترة بين مجموعات أقصى الجنوب وممثلي الدولة، من خلال الموقع التخومي والحدودي الذي شكل بالنسبة إلى القبائل ملجأ وملاذاً تحتمي به من الضغوطات والمساومات. كما ساعدت التقاليد المحلية لتقسيم العمل والفضاء في خلق تلك الوضعية. أما في الفترة الاستعمارية فقد بادرت الدولة بالتوازي مع سلطات الاحتلال الفرنسي إلى مغازلة قبائل أقصى الجنوب، خصوصاً تلك المتمرسة بعادة الغزو والتمرد، فعملت على جلبها وتوظيف مكانتها وموقعها. ومن أهم الإجراءات التي اتخذت لإخضاع روع ورغمة غير المستقرة تتتمع الودارنة والتوازن باعفاءات جبائية “واعتبارها قبائل مخزنية، مقابل توفير الفرسان كلما دعت الحاجة للدفاع عن الحدود. وكان ذلك بأمر من الباي في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1884”.
ويميز المؤلف بين عدة متغيرات خلال تناول موضوع المخزنة، معتبراً أنه ليس كل خضوع يعني أن المجموعة أصبحت مخزنية، لأن المخزنة حالة غير طارئة وهي تعتمد على القوة. أما اصطلاح “قبيلة مخزنية” فهو لا ينطبق على قبائل ورغمة. وتوجد مجموعات مستقرة من الجبالية كانت تدفع ضريبة المجبى بشكل شبه دائم تحت ضعط قوى الدولة وممثليها. وهم هنا بصدد دفع ضريبة مزدوجة، الأولى للدولة والثانية للمجموعات المحلية الحامية. وتمتلك المنطقة تقاليد عريقة في التمرد على ممثلي الدولة المركزية بسبب موقعها الجغرافي وتركيبة قبائلها. قبيلة ورغمة كما يقول عبد الرحمان تشايجي “لا تعرف الاستقرار… وكانت لا تعيش في الغالب إلا من اللصوصية والنهب”. وأخيراً، فإن عمليتي الخضوع والتمرد كانتا تعبران عن واقع متغير فرضته الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فالسكان المستقرون، سواء في الساحل (جربة ـ جرجيس) أو في الداخل (الجبالية)، اتخذوا قرار “تقبل” السلطة الاستعمارية، ليس لأسباب نفسية أو أخلاقية بقدر ما كان ذلك لأسباب فرضتها طبعة الموقع ونمط العيش المستقر. أما قبل الاحتلال الفرنسي فقد كانت هذه المجموعات المستقرة في أقصى الجنوب التونسي تتعرض لهجمات المحلة التي أخضعتها وفرضت عليها دفع الجباية، مثلما كانت قبيلة عكارة بجرجيس عرضة لهجمات القبائل الليبية (التدنوايل بالخصوص) وهجمات بني زيد من الشمال.

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий