Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > أبحاث ودراسات > صناعة “البركة” في خطاب المناقب -صابر السويسي

صناعة “البركة” في خطاب المناقب -صابر السويسي

4

المصدر: مؤمنون بلا حدود

قد يكون هذا المبحث من صميم العلوم الإنسانيّة، وخاصة منها العلوم الاجتماعيّة، لكونه من العناصر المركوزة في ذهنيّة مختلف المجتمعات، والمبثوثة في سلوكها واعتقاداتها وعاداتها… وهو سبب أحيانا، في تشكيل روابط مؤثّرة فيها؛ فالاعتقادُ بوجود أشياء أو أشخاص يتمتعون بقدرات خارقة أو بخصائص مفارقة، تمكّن من تحويل السلب إيجابا، والطلاح صلاحا، والشر خيرا، وتسمح بثبوت هذا الخير وتواصله أو كثرته… أمرٌ متداول، ويدخل في باب العادي المألوف أحيانا. لكن ما الذي يكسبه هذه المقبوليّة، ويجعله ذا جاذبيّة ومصداقيّة تتحوّل أحيانا إلى ضرب من التعصّب، قد يؤدّي إلى العنف والتناحر؟

3

كثيرا ما نسمع ونقرأ أخبارا تنقل أحداثا يستغرب العقل البشري وقوعها، ومع ذلك نجد أنّ هذه الأخبار من الرواج والتواتر بمكان، حيث ترسخ في المتخيّل الجمعي للشعوب التي تقبل عليها، وتبرع في صناعتها وتسويقها. والغريب ربّما، أنّها لم تقترن بفترة محدّدة من فترات التطور البشري، بل رافقت مختلف الحقب التاريخيّة، وأضحت أحيانا عدّة بمثابة الحقيقة المطلقة والثابتة التي لا تقبل الدحض والتشكيك، وارتقى أصحابها إلى مرتبة المقدّس والأسطورة التي يتمّ تناقلها عبر الأجيال، فتلج بنية هويّة متناقليها، وتصبح علامة مميّزة لهم ودعامة لوجودهم، وتبرّر التفافهم حولها، وسعيهم إلى تحصينها وحمايتها وإسنادها؛ فهي في عرفهم ضمان خلاصهم، وامتداد فيض الخير عليهم، لكونها مصدر بركة وعلامة عليها، بما هي ثبوت هذا الخير ودوامه.

ولعلّ من أيسر السبل الكفيلة بترسيخ الاعتقاد في هذه “البركة”، نشاط أصحاب كتب المناقب في نحت سير شخصيات، درج اعتبارهم من فئة الصالحين والأولياء، وعدّوا استقصاءهم لأخبارهم، واجتهادهم في تدوينها ونشرها، واجبا مقدّسا اقتضته حاجة العصر وضرورة تدارك ما فسد فيه. وتكاد هذه السير تتشابه، حتّى لكأنّك تجد الخبر نفسه منسوبا إلى عدّة أشخاص في آن واحد، بل إنّ نهج نحت معالم هذه السيرة يكاد يكون واحدا، إذ تنتقل بركة الوليّ من شخصه إلى فضائه، فزمنه، ليخترق بذلك المقدّس جميع ما كانت له به صلة أو علاقة، ويمتدّ في الزمن على هيئة تبرّر مطلق الاعتقاد فيه، والإيمان بتفرّده، وسموّ مرتبته على سائر البشر. ومثل هذا السموّ تدشّنه سلسلة النسب؛ فواضع المناقب يعمد بدءا إلى اختلاق حلقات هذه السلسلة، بقطع النظر عن الفراغات الموجودة بها، وتباعد أزمنة من فيها، سواء اتّصلوا أم لم يتّصلوا، غرضه في ذلك الوصول بنسب الوليّ، أيّا كان موقعه، إلى الرسول أو إلى أهل البيت، ليثبت عنده وعند متلقّيه صفة الشرف، ويهيئ الأرضيّة الملائمة من ثمّ للقول بجواز صدور “البركة” عنه أو حلولها فيه.

فإذا انطلقنا مثلا من شخصيّة، مثل أبي الحسن الشاذلي (593هـ-656هـ/1197م-1285م)، وهو تقيّ الدّين أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبّار بن تميم بن هرمز، من مواليد غمارة؛ فإنّ رواة مناقبه عادة ما يتوقّفون عند كنيته “الشاذلي”، ليربطها بعضهم بالمكان الذي أقام فيه بداية، وفق نصيحة شيخه (الشاذلي، 2004، ص16)، ويصلها آخرون بتدخّل إلهي يقضي باختصاص أبي الحسن، دون سائر الخلق، بمنّة اصطفاء الله له وتقريبه إليه؛ فهو “الشاذّلي” بتشديد الذال المعجمة؛ أي الشاذّ لله بهذا المعنى؛ أي المفرد بخدمته ومحبّته (بوذينة،1989، ص 27). ولا يخلو التفسيران من رغبة خفيّة في الإعلاء من شخصيّة الشاذلي، لأنّهما ينطلقان من خبرين مترعين بالعجيب؛ ففي الأول نجد شيخ الشاذلي، وهو ابن مشيش (ت 622 هـ/1225م)، ينصحه بمغادرة بلاد المغرب إلى شاذلة بإفريقيّة، وينبئه بما سيقع له فيها من محن، ويبشّره بالقطابة إثر انتقاله إلى بلاد المشرق. أمّا الثانية، ففي سؤال الشاذليّ ربّه عن سرّ كنيته كفاية في الخروج عن المألوف والعادي، والالتحام بعالم المفارق.

هذا فضلا عن اهتمام أصحاب المناقب كما أسلفنا بالنسب، والشاذلي يحاط علما بأنّ نسبه يرتفع إلى الرسول عن طريق ابنته فاطمة وزوجها عليّ بن أبي طالب ومصدر معرفته بهذا النسب يعود إلى شيخه ابن مشيش مرّة أخرى (السكندري، د.ت، ص 51). وحتّى إن لم يتسنّ رفع النسب أو القرابة النبويّة إلى الرسول، فإنّ لكتب المناقب سبلا أخرى في إثبات ما يوازي هذه الرابطة، ومنها خاصّة سلسلة لبس الخرقة، إذ تمتدّ من الشيخ المربّي، وصولا إلى الرسول؛ وهي علامة على العهد والبيعة والقبول، وتكتسي ضربا من القداسة لا يقلّ أهمّيّة عن النسب وشرفه.

وإذا ما تمّ إسناد هذا الارتباط بين الوليّ والرسول حقّ المضيّ قدما في الإعلاء من سيرته، عبر حشد أخبار تلتقي عند رسم صورة جامعة لمختلف معاني الصلاح والورع والتقوى، تجعل الوليّ فريد زمانه وعنوانا للكمال في ما اشتمل عليه من فضائل وقيم أخلاقيّة، تؤهّله ليكون صاحب بركة وكرامات، يتفنّن مصنّفو المناقب في تنزيلها ضمن سياقات مختلفة، ليبرزوا شمول مجال تدخّل هذا الوليّ وتأثيره في عصره، ويبرّروا من ثمّ إقبال الناس المتزايد عليه، وطلبهم دعاءه ومباركته، فيضحي طبيبا مداويا، وداعية هاديا، ومخلّصا بلاده، بل بلاد المسلمين، من عدوّ متربّص أو بلاء منتشر…

وتتدعّم “كاريزما” الوليّ بالفضاء الذي يتحرّك فيه، والأشخاص الذين له بهم ارتباط أو صلة متينة، تصل حدّ الملازمة حلاّ وترحالا؛ فالشاذلي مثلا، أثر عنه في كتب المناقب صحبته لعدد من الرجال، اشتهرت تسميتهم بأصحابه الأربعين، وكانوا من المعدودين في زمرة الصلحاء والأولياء، وإليهم يعود الفضل في نشر طريقته وتعاليمه، وجرى الاعتقاد أيضا في بركتهم، يقول الشيخ الهنتاتي: “وعند ذكرهم تنزل الرحمة، ومن استغاث بهم تُقضى حوائجه، ويُغفر ذنبه، ويتوسّع في دنياه، وذلك ممّا جرّب فصحّ” (بوذينة،1989، ص 76)

ولم يتوقّف خيط نظم “البركة” عند هذا الحدّ، بل امتدّ ليشمل أماكن زارها الشاذلي أو أقام بها فضلا عن مكان دفنه. فقد عرف بملازمته للمغارة القائمة بجبل التوبة (جبل الزلاّج)، وهي المسمّاة بالمغارة الشّاذليّة. ولإثبات تفرّد هذا المكان، تستدعي كتب المناقب من أساليب الحكي ما يجعل “البركة” متأصّلة في المغارة، ضاربة في القدم، فيكون حلول الشيخ بها ضربا من تواصل هذه “البركة” وتزكية الاعتقاد فيها، إذ ينقل على لسان الشاذلي أنّ: “هاته المغارة كانت لراهب من الرهبان النصارى اسمه عدل، وكان من المشاهير، مبروك الناصية عند قومه، وكان دأبه قراءة الإنجيل فيها، وكان صاحب مدينة قرطاجنّة يتبرّك به، ويزوره في كلّ عام مرّتين، ويعطيه العطايا الوافرة..” (بوذينة، 1989، ص 87). ومثل هذا الخبر يشرّع ضمنيّا للإقبال على زيارة المكان والعناية به وطلب بركته، وهو ما يتدعّم بأخبار أخرى، تذكر دوريّة حضور شخصيّات لها رمزيّتها الدينيّة العميقة، مثل شخصيّة الخضر، منها ما أسند إلى الشاذلي نفسه، وفيه يقول: “دخلت هاته المغارة يوم السبت، يوم إحدى وعشرين في رجب. ومن دخل مغارتنا يوم السبت، وصلّى فيها على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مائة مرّة، وقرأ آية الكرسي، لا يموت حتّى يرى الخضر عليه السلام، ويحجّ حجّة مبرورة” (بوذينة،1989، ص 89). ومنها ما يروى عن غيره؛ فقد نقل عن ابن عرفة (716هـ – 803هـ/1316م-1401م) مثلا، قوله: “ما زرناها إلاّ وكان الخضر –عليه السلام- فيها جالسا بقرب السارية، ويده عليها. وقرأت كتاب ابن الحاجب فيها، ففتح الله عليّ ببركة زيارتها…” (بوذينة،1989، ص 88)

وتنضاف إلى المكان طقوس، دأب مصنّفو المناقب وأصحاب الوليّ على تكريس أدائها، والتحفيز عليها تحت مسمّى “البركة”، وفيها مزيد الارتقاء بصورته، وترسيخ ذكر مآثره في المتخيّل الجمعي، من ذلك استحضار مقالاته أو أوراده أو أحزابه وسلوكه، وإسناد طاقات عجيبة إليها؛ فـ”من زار المغارة يوم السبت، وتوسّل إلى الله فيها، وقرأ حزب البحر، وصلّى على المصطفى إحدى عشرة مرّة، وقرأ قل هو الله أحد خمس مرّات، فتح الله عليه”. (بوذينة،1989، ص 89)

تبدو مثل هذه العيّنة من نهج مصنّفي المناقب في تقديم سير الأولياء والصالحين، مثالا متواترا دارجا؛ فهم يسعون إلى استقصاء جميع متعلّقات من يقصدون تخليد مآثره، وترسيخ الاعتقاد في صلاحه وتفرّده، فيعملون على اقتناص كلّ التفاصيل المتاحة والممكنة، لرسم صورة أقرب ما تكون إلى الاكتمال والشمول، قبلها العقل أو لم يقبلها، أسندها التاريخ أو لفظها؛ فالقصد عندهم لا يأبه إلى مصداقيّة الوقائع التاريخيّة، بقدر ما يسعى إلى الاستجابة لأفق انتظار مخصوص، تغذّيه الأخيلة والحكايات العجيبة، أكثر ممّا تعنيه الحقائق والتجارب المعيشة؛ فهو يتوسّم في هذا المتخيّل والعجيب ما به يتجاوز واقعه وكينونته، ويتعالى عليهما باستدعاء ما يؤمّل من ورائه سعادة وأملا في واقع أفضل ووجود أسمى. هي “البركة” ينسج معالمها خطاب المناقب، وتتحوّل بفعل التراكم والتداول حقيقة، بل عقيدة تجد من يؤمن بها ويتعصّب لها ويدافع عنها، ويتصدّى لمن يشكّك فيها أو يبحث في مصداقيّتها، وهي ركيزة لعدد من العادات والتقاليد التي ترسّبت في سلوك المجتمعات اليومي والدوري، ممّا أكسبها أبعادا رمزيّة مؤثّرة وفاعلة، وأنتج تبعا لذلك منظومة من الطقوس والتصوّرات التي تسندها وتحفظ استمراريّتها.

ويقيم هذا دليلا على أهمّيّة كتب المناقب، ويكشف في الآن نفسه خلفيّاتها وأهدافها، “إنّ أقصى غايات هذه التصانيف هي استعادة الجوانب الميثيّة (mythique) التي تكرّسها هذه الشخصيّة وإثمارها دينيّا، الأمر الذي يمنح المريد أو “الفقير” نموذجا سلوكيّا مثاليّا، ويمكّن الأطراف التي تصدّرت لوراثة الوليّ من المحافظة على هيبتها أو رأسمالها الكرسماتي (charismatique)” (عيسى، 1993، ص ص 10-11)؛ فهي لا تنقل أخبار “البركة”، بقدر ما تصنعها وتبرع في حياكة أطوارها، واختلاق أسانيدها بشكل يجعلها متشابهة إلى حدّ التطابق من مصنّف إلى آخر. ومع ذلك تبقى “البركة” في ذاتها وفي متعلّقاتها جديرة بالبحث والاستقصاء والدرس.

المصادر والمراجع:

-بوذينة، محمّد، أبو الحسن الشاذلي، 1989، تونس، دار التركي للنشر.

-السكندري، تاج الدين أحمد بن محمّد بن عبد الكريم ابن عطاء الله، لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العبّاس المرسي وشيخه الشاذلي أبي الحسن، د.ت، ط.1، بيروت – لبنان، دار الكتب العلميّة.

-الشاذلي، أحمد بن محمّد بن عيّاد الشافعي، المفاخر العليّة في المآثر الشاذليّة، 2004، ط.1، بيروت-لبنان: دار الكتب العميّة.

-عيسى، لطفي، أخبار المناقب في المعجزة والكرامة والتاريخ، 1993، تونس، دار سيراس للنشر.

صابر السويسي

باحث تونسي حاصل على درجة الدكتوراه من كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، ويشغل أستاذا مساعدا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في القيروان – تونس.. له عدة أبحاث ودراسات من بينها: “الفناء” في التجربة الصوفية إلى نهاية القرن الخامس الهجري، وبحث الصوفية والمرأة في القراءات الغربية موقع الذات في الخطاب الصوفي. يشرف صابر السويسي الآن على وحدة تحرير المفاهيم والأعلام في الأقسام البحثية بمؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

Tags: , , , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий