Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > صورة الرجل والمرأة: بين الإرث الثقافي والواقع – كارلا سرحان*

صورة الرجل والمرأة: بين الإرث الثقافي والواقع – كارلا سرحان*

الاربعاء 28 كانون الثاني (يناير) 2009
بقلم: الأوان

عبر العصور التصقتْ صفاتٌ ومميّزاتٌ بالمرأة من جهة، وبالرجل من جهةٍ أخرى، وشكّلت الصورةَ التي يرى كلُّ واحدٍ منّا نفسَه والآخرَ من خلالها. وحين قسّم المجتمعُ البطريركيُّ المواصفات، فإنه قسّمها بشكلٍ ثنائيّ قاطعٍ وفقًا للمعادلة التالية: إذا كان الذكَرُ هو القويّ، فالأنثى هي الضعيفة؛ وإذا كان هو صاحبَ القرار والرأيِ الصائب، فهي المتقلّبةُ المزاج؛ وإذا كان هو العقلانيَّ، فهي العاطفية؛ وإذا كان هو المُعيلَ، فهي التي تتمّ إعالتُها. والمعجم الوسيط يعلن أنّ “الأنثى هي خلافُ الذكَر من كلّ شيء.”ارتبطت الصفاتُ أعلاه بالأدوار التي لعبها كلُّ جنسٍ على حدة. فكانت أدوارُ الطبّاخة والمربّية وربّة المنزل، مع ما يستلزمها من صفاتٍ كالحنان والصبر والترتيب والهدوء، ملازِمةً، بل محدِّدةً، لهويّة المرأة. وأما أدوارُ المحارب والمُعيل والمسؤول والمنقِذ، مع ما يرافقها من مواصفاتٍ كالقوة والشجاعة والقرار الصائب، فملازمةٌ لصورة الرجل.

بيْد أنّ المجتمع الكوني يشْهد تحوّلاً من حيث توزيع الأدوار. فمنذ أن خرجت المرأةُ من بوتقة منزلها، لم يعد دورُها مقتصرًا على التربية والأعمال المنزلية، بل تعدّاه ليطاول الكثيرَ من الميادين التي كانت حكرًا على الرجال. والأسئلة الجديرة بالطرح هي: ألا تتطلّب هذه الأدوارُ الجديدة مواصفاتٍ تَخْرج عن نطاق الأنماط التقليدية؟ ألا يؤدّي أيُّ تغيّر في أحد عنصرَي المعادلة (أي النساء) إلى خللٍ في توازن هذه المعادلة؟ بمعنًى آخر، هل يستطيع الرجلُ الاستمرارَ في احتكار صفات القويّ والشجاع والمعيلِ وصاحبِ القرار متى أَثبتتِ المرأةُ أنها ليست ضعيفةً ولا محتاجةً إلى مَن يعيلها، بل شريكةٌ في القرار؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، يقوم البحث التالي بعرضٍ تحليليّ للصورة التقليدية للرجل والمرأة في المجتمع البطريركي، كما تجسّدتْ في نظرية فرويد. ثم يتطرّق إلى الناحية اللغوية كي يبْسط مختلفَ تجلّيات الهيمنة الذكورية في أداة تواصلنا اليومية، كاشفًا بذلك أسبابَ هذه الهيمنة.

فرويد وتجسيد الصورة التقليدية للرجل والمرأة

فرويد أبو التحليل النفسي: فهو واضعُ أُسُسِهِ في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وسببُ اهتمامنا هنا بنظريته هو أنها جسّدتْ بوضوح نظرةَ الرجل إلى المرأة في المجتمع البطريركي، بل برّرتْها وكرّستْها “علميّاً.” وهنا خطورتُها: إذ إنّ تهميشَ المرأة، والنظرةَ الدونيةَ إليها، وجدا أرضيةً “علميةً متينة،” تُقْنع الإنسانَ المتعلّمَ، الذي لم تعد تكفيه الخرافاتُ والتقاليدُ المتوارثة، بأنّ الرجل ـ بفضلٍ وابتداءٍ من تكوينه البيولوجيّ ـ أفضلُ من المرأة.

يقرّ فرويد في غير موضعٍ بأنه يجهل الكثيرَ من الأمور المتعلّقة بالتكوين الأنثويّ. فقد كتب في 8/12/1924 إلى زميله كارل أبرهام: “أعترفُ بأنّ الشقّ الأنثوي من المسألة هو بالنسبة إليَّ بالغُ الغموض.” وفي العام 1926 سأل: “أليست الحياة الجنسية للمرأة الراشدة هي القارّةََ السوداءَ بالنسبة إلى علم النفس؟”1 ومع ذلك، فإنه لم يتردّدْ في إطلاق نظرية حول حياة المرأة الجنسية، وعلاقتِها بجسدها، ومن ثم علاقتِها بالرجل وبالعالم الخارجيّ. وهكذا سلّم بأن مركَّبَ الخصاء هو مصيرُ كلّ فتاة ما إنْ تكتشف في جسدها عضوًا تناسليّاً مختلفًا عن أخيها: “تلاحظ (الفتاة) القضيبَ الكبيرَ الظاهرَ للملإ الذي يمْلكه أخوها أو تِرْبٌ من أترابها، وتجد فيه فورًا النسخةَ الأجودَ لعضوها الصغيرِ المتواري؛ ومنذ ذلك الحين، تقع ضحيةً للرغبة في القضيب.”2 والنتيجة الحتمية لذلك، بحسب فرويد، هو وقوعُ الفتاة ضحيةً لمركّب الدونيَّة. وهذا ما كرّره في غير موضع من كتاباته، إذ قال عامَ 1931 إنّ “المرأة تُقرّ بأنها مخصيّة، معترفةً بذلك بفوقيّة الرجل وبدونيّتها.”3 وهكذا ألغى البعدَ الاجتماعي لهيمنة الرجل على المرأة، ناسبًا إيّاها إلى التركيبة الجسدية لكلٍّ من الجنسين، جاعلاً من ذلك “حقيقةً” علميةً، لا بل حقيقةً فيزيولوجيةً بدهيةً تلاحظها كلُّ فتاة منذ طفولتها!

غير أنّ المشكلة في رأينا ليست في الفيزيولوجيا، بل في نظرتنا إليها. يقول فرويد: “من البدهيّ أنه إذا أكّدنا وجودَ الازدواجية الجنسية (bisexualité) في تركيبة الكائن البشري، فإنّها بارزةٌ عند المرأة أكثر منها عند الرجل. فالرجل لا يملك في النهاية إلاّ منطقةً تناسليةً واحدةً مهيمنة، عضوًا تناسليّاً واحدًا، بينما تَمْلك المرأةُ اثنين: المهْبل، وهو نسائيٌّ محض؛ والبظر وهو مشابِهٌ للعضو الذكوري.”4 ولكنْ لماذا يكون “البظرُ مُشابهًا للعضو الذكوري،” ولماذا يقلُّ أنثويةً عن المهبل؟ (فرويد يسمّيه في مواقعَ أخرى من المرجع نفسه “القضيبَ الصغير”!).5 ولِمَ لا تكون له فرادتُه كعضوٍ أنثويّ (وهو كذلك في الواقع)؟ لِمَ لا يكون، بكلّ بساطة، جزءًا لا يتجزّأ من التكوين الأنثوي الفيزيولوجي المركّب؟ والأهمّ: لماذا لم يتكلّم فرويد عن نقصٍ فيزيولوجي عند الرجل بسبب عدم وجود عضوٍ تناسليّ ثانٍ داخليّ في تكوينه الجسديّ؟ لماذا قارن المرأةَ بالرجل دائمًا، لا العكس؟

لكلّ هذه الأسئلة جوابٌ واحدٌ عند فرويد؛ إنه أولويّة الفَلوس: “بالنسبة إلى الجنسين، ثمة عضوٌ تناسليٌّ واحدٌ، هو العضوُ الذكريّ، يلعب دورًا. لا توجد، إذنْ، أولويةٌ تناسلية، وإنما أولويةُ الفَلوس.”6 هذه الفكرة تختصر نظريةَ فرويد وتبيّن أنّ المرأة بالنسبة إليه ليست إلاّ صورةً مشوَّهةً عن الرجل.

رُبَّ معترضٍ يقول إنّ فرويد عندما يتحدّث عن الفلوس إنما يتحدّث عنه كرمز. ولكنْ هل يمكن اعتبارُ الفَلوس رمزًا حياديّاً؟ أوَليس رمزًا ذكوريّاً؟ بل أليس هو الـ رمز الذكوري؟

ومَن نَظَرَ عن كثبٍ إلى حياة فرويد وَجد أنه، منذ شبابه، مؤمنٌ بهيمنة الرجل على المرأة. ففي رسالةٍ كتبها إلى خطيبته قبل أشهر من زواجهما، قال: “انتظري قليلاً. عندما أعود، ستعتادين من جديد أن يكون لك سيّد؛ سيّدٌ قاسٍٍ بلا ريب، ولكنكِ لن تستطيعي أن تجدي أحدًا يحبُّكِ إلى هذا الحد…”7 وكان قد كتب إليها في رسالة سابقة: “مِن غير المعقول رميُ النساء في معترك الحياة، كما هو الأمرُ بالنسبة إلى الرجال. أعليَّ مثلاً أن أعتبرَ حبيبتي الناعمةَ، الرقيقةَ، منافِسةً لي؟ في هذه الحال، سأَخْلصُ إلى القول، كما فعلتُ منذ سبعة عشر شهرًا، إنني أحبّها، وأفعلُ كلَّ شيء كي أبعدَها عن هذه المنافسة، وأُسند إليها حصرًا هدوءَ الاهتمام ببيتي.”8

وهكذا فإنّ فرويد عالمَ النفس هو، قبل كلّ شيءٍ، فرويد الرجلُ الذي كتب السطورَ السابقة، وهي سطورٌ أقلُّ ما يقال فيها إنها عنصريةٌ ذكورية، وتترجِم النظرةَ الدونيةَ إلى المرأة التي تحتاج إلى “سيّد” والتي لا يمكن أن تَدخل حلبةَ الصراع في العالم الخارجي، بل عليها أن تبقى أسيرةَ بيتِها وعائلتِها و”سيّدِها” الرجل.

إذن، حسب نظرية فرويد، الذكَر هو الكيانُ البشري النموذجي الذي ينبغي على المرأة أن تقارن نفسَها به لتلاحظَ أنّها منقوصة. إنّ وجودَ العضو التناسلي الذكري في جسد الرجل هو دليلٌ، أو الـ دليلُ، على فوقيته، في حين أنّ عدمَ وجوده في جسدها دليلٌ قاطعٌ على دونيتها. ونلاحظ هنا أنّ وجود عضو تناسلي داخلي في جسدها، وغيابَه في جسده، لا وزنَ لهما في هذه المعادلة.

نستطيع، إذنْ، أن نبسِّطَ نظريةَ فرويد كما يلي:

الرجل = المرأة + العضو التناسلي الذكري،

أو:

المرأة = الرجل ـ العضو التناسلي الذكري.

صورة الرجل والمرأة

في اللغة لنبدأ الآن بمعالجة الشقّ اللغوي من المسألة. فإذا أردنا أن نفهم معنى كلمة “ذَكَر،” أفادنا المعجم الوسيط بالتالي: “يقال: رَجُلٌ ذَكَرٌ: قويٌّ شجاعٌ أبيّ. ومطَرٌ ذكرٌ: وابلٌ شديد. وقولٌ ذَكَرٌ: صلْبٌ متين. وشِعْرٌ ذَكَرٌ: فَحْلٌ… والمُذكََّرةُ من النساء: المتشبِّهةُ في شمائلها بالرجال.” بينما يكتفي المعجم نفسُه في المدخل المخصّص لكلمة “أنثى” بتعريفها بما يلي: “الأنثى هي خلافُ الذَّكَر من كلّ شيء”… و”أَنُثَ أُنوثةً وإناثةً: لانَ، فهو أنيثٌ.” ها هو المعجم، إذنْ، يحدِّد لنا الصفات الملتصقة بالذكورة، بينما الأنوثة الملخَّصة بكلمة “ليونة” هي عكسُ الذَّكَر “الشجاع، الصلب، المتين.”

لننتقل الآن إلى الشقّ المتخصّص بالتكوين اللغوي، عنيتُ بذلك علمَ الصرف. إنّ نظرة سريعة إلى قواعد اللغة العربية تفيدنا بأنّ الاسم قسمان: مذكّر أو مؤنّث. ولكي نربطَ اللغة بموضوع بحثنا، فإنّ علينا أن نثبتَ علاقةَ المذكّر اللغوي بالذكر البيولوجي، والمؤنّث اللغوي بالأنثى البيولوجية. يتحدّث معجم المنجد عن “المذكّر الحقيقي” أي الذي “له أنثى من جنسه كالرّجل والجمل،” وعن “المذكّر غير الحقيقي كالكتاب والباب.” وما يهمّنا هنا هو المذكّر والمؤنّث الحقيقيان: ذلك أنه، في ما يخصّ الأشياءَ، حيث المذكّرُ والمؤنّثُ غيرُ حقيقييْن، لا مبرّرَ منطقيّاً لانتساب هذه الكلمة أو تلك إلى المذكّر أو المؤنّث. فلو سألنا أنفسَنا: لماذا نصنّف “جبل” مذكّرًا و”شجرة” مؤنّثًا، فلن نعثرَ على حجّة منطقية. ولهذا السبب نلاحظ في الفرنسية مثلاً أنّmontagne (جبل) مؤنّثة وأنّ arbre (شجرة) مذكّر ــ إذ يبقى المذكّر والمؤنّث في هذه الحال جزءًا من اعتباطية الدليل اللغوي (arbitraire du signe). لكنّ الوضع يختلف تمامًا عندما يتعلّق الأمرُ بالمذكّر والمؤنّث الحقيقيين: فالعلاقة واضحة ومباشرة بين اللغة والواقع البيولوجي، حيث الرجل مذكّر والمرأة مؤنّث، وكذلك الأمرُ بالنسبة إلى ذكور الحيوانات وإناثها.

كما أشرنا، إذن، الاسمُ في العربية مذكّر أو مؤنّث. والواقع اللغوي يبرهن لنا أنّ الثاني مشتقٌّ من الأول لا العكس. فـ “أنّثَ الكلمة” في المعجم الوسيط يعني “ألحقَ بها علامةَ التأنيث.” وأما عبارة “ذكّر الكلمة” فغيرُ موجودة في هذا القاموس، ونادرًا ما تُستعمل في كتب القواعد العربية؛ ذلك لأنّ الاسم ليس بحاجة إلى تذكير لكونه مذكّرًا أصلاً، ومتى أردنا تأنيثَه أضفنا إليه علامةَ التأنيث. ويفيدنا المنجد بأنّ “الاسم المذكّر لا يحتاج إلى علامةٍ تدلّ على تذكيره. أما المؤنّث فعلاماتُه ثلاث: التاءُ المربوطة، نحو: نعمة وقدرة؛ والألف المقصورة، نحو: عذرى وفضلى؛ والألف الممدودة، نحو: سوداء وبيْداء.” هذا بالنسبة إلى الأسماء. أمّا الأفعال فهي أيضًا، ما خلا صيغة المتكلم، تصرَّف بطريقةٍ مختلفةٍ تبعًا لهوية الفاعل الجندرية. ولمعرفة أصل الفعل علينا الرجوعُ إلى جذره الثلاثي، على وزن “فَعَلَ،” وهذا الوزن هو نفسُه المعتمَدُ في مذكّر الغائب المفرد، وتكفي إضافةُ التاء حتى يتحوّل الفعلُ إلى مؤنّث (“فعلتْ”).

وعليه، فلو أردنا تبسيطَ معطيات علم الصرف في ما يتعلّق بالمؤنّث والمذكّر، حصلنا على الآتي:

المؤنّث = المذكّر + علامة التأنيث.

ولكنّ هل نستطيع القول إنّ المذكّر = المؤنث ـ علامة التأنيث؟

الردّ بالإيجاب ليس سهلاً، إذ إنّ اللغة تَعتبر المذكّر هو الصيغةَ الأصلية التي يتفرّع منها المؤنّثُ عبر إضافة علامة التأنيث، ولا تعتبره مشتقّاً من المؤنّث عبر حذف تلك العلامة. وهذا أمرٌ يؤكّده علماءُ الألسنية، بمن فيهم أكثرُ المطالبين بحقوق المرأة، كمارينا ياغلّو التي صرّحتْ بأن ّ “أحدًا لا يشكّ في أنّ المؤنّث مشتقٌّ من المذكّر.”9 وهنا تتّضح علاقةُ هذا التصنيف اللغوي بالواقع الاجتماعي والثقافي. فقد فسّر عالمُ الألسنية أنطوان مييه هذه الظاهرةَ منذ عشرينيات القرن الماضي، قائلاً: “إذا أردنا أن نَفْهم لماذا يكون المؤنّثُ، في اللغات التي تميِّز بين المذكّر والمؤنّث، دائمًا مشتقّاً من المذكّر، لا الصيغةَ الأساسيةَ، فإننا لا نستطيع ذلك إلاّ إذا فكّرنا في الوضع الاجتماعي للرجل والمرأة في العصر الذي تكرّستْ فيه تلك الصيغتان.”10 هذا القول صائب، وتَشْهد عليه العاداتُ اللغويةُ التي تحوّلتْ إلى قواعدَ نحترمها ونطبّقها من دون أن نسائل أنفسَنا عن مدى صلتها بالمنطق أوّلاً وبواقعنا المعاصر ثانيًا.

نلاحظ مثلاً حالةً خاصةً باللغة العربية: إذ لا يُجْمَعُ اسمُ جنسٍ مذكّر لغير العاقل جمعًا مذكّرًا سالمًا، بل يكون جمعَ تكسير أو جمعًا مؤنّثًا سالمًا. يورد د. محمد قاسم في قائمة الأسماء التي تُجمَع بصيغة المؤنّث السالم: “اسم الجنس لغير العاقل الذي لم يُسمعْ له جمعُ تكسير، نحو حمّام -> حمّامات، مطار -> مطارات…”11 وكذلك الأمر بالنسبة إلى صفة اسم الجنس لغير العاقل التي لا يُمْكن أن تُجمع إلاّ بصيغة المؤنّث السالم. ويضيف المرجعُ نفسُه إلى جمع المؤنث السالم ما يلي: “صفة المذكّر غير العاقل، نحو: جبل شاهق -> جبال شاهقات. يوم معدود -> أيام معدودات.” فلماذا يكون جمعُ المذكّر السالم متخصّصًا بالعاقل، بينما يُنسب غيرُ العاقل إلى المؤنث؟ أنعزو الأمرَ إلى المصادفة؟ طبعًا لا، بل إنها إرادة لغوية واضحة تهدف إلى حفظ مكانة القيم الذكورية من خلال إزاحة كلّ ما هو غير عاقل من إطار المذكّر اللغوي!

والواقع أنّ خلف غطاء هذه الهيمنة لغزًا كبيرًا. فلنعدْ إلى معطيات علم الصرف، ولنقارنْها بمعطيات المجتمع البطريركي المتمثّلة في نظرية فرويد. إنّ مجرّد مقارنة المعادلتين الآنفتي الذكر:

الرجل = المرأة + العضو التناسلي الذَّكري (حسب فرويد)

والمؤنّث = المذكّر + علامة التأنيث (حسب علم الصرف)

تفيدنا بأنّ علماءَ الصرف حافظوا على منطق المعادلة نفسه مع إحلال المذكّر مكانَ المرأة، والمؤنّث مكانَ الرجل. وكنّا قد لاحظنا أعلاه أنّ علماء الصرف اعتمدوا الصيغةَ المنقوصة، أيْ صيغةَ المذكّر، كصيغة مولِّدة للمؤنّث. إنه المنطق الذي يتحكّم بـ “الطبيعة،” كما يصفها المجتمعُ البطريركي: “المنقوص” بيولوجيّاً (أي الأنثى) هو الذي يَمْلك صفةَ التوليد. ولكنّ ما فعله اللغويون إنما هو عملية استبدالِ أسماءٍ فقط: فبدلاً من أن يقولوا إنّ الصيغة التي تولّد الصيغَ الأخرى هي المؤنّث، كما هو الحالُ في الطبيعة، فإنهم نسبوا إلى الصيغة الأساسية، المولِّدة، صفةَ المذكّر.

إنّ نقلَ معطيات الطبيعة إلى اللغة أمرٌ طبيعي. ولكنّ إحلالَ المذكّر مكانَ المؤنّث اعترافٌ واضحٌ من قِبل الرجل بأهمية القدرة الأنثوية الاستثنائية على الإنجاب. ولو لم يكن الأمرُ كذلك لما اشتهى الرجالُ هذه القدرةَ وطمعوا بها، بل لتخلّوا عن الفَلوس (phallus)، أساسِ القيم الذكورية، المتمثّل في صفة “الزائد،” ليتّخذوا لأنفسهم في اللغة الصيغةَ المنقوصةَ بهدف حيازة القدرة على التوليد. وعليه، فإنّ ما كان تحقيقُه مستحيلاً فيزيولوجيّاً، أصبح ممكنًا لغويّاً! بعبارةٍ أخرى، لو كانت الفالوسية، المتمثّلةُ في صفة “الزائد،” هي القيمةَ الإيجابيةَ فعلاً، لما تخلّى الرجالُ عنها في اللغة، التي تشكّل (كما تجلّى في دراستنا) معقلاً من معاقل الهيمنة الذكورية. إنّ تخلّيهم عن القيمة الزائدة، بالرغم من أهميتها في نظرهم، أتى، إذنْ، نتيجةً للرغبة في امتلاك ما هو أهمُّ منها: القدرة على التوليد، التي هي ملْك للنساء.

تَدْعم عالمةُ الأنتروبولوجيا فرانسواز إيريتييه الفكرةَ السابقة، إذ تعزو سيطرةََ الرجال على النساء إلى رغبتهم في السيطرة على الولادات، وبخاصةٍ الذكور. تقول إيريتييه: “لمّا كانت النساء هنّ ذلك الموردَ النادرَ الذي يجب استعمالُه على أفضل وجهٍ لإنجاب الذكور، فقد كان على الرجال امتلاكهنّ.”12 ذلك أنه كان من العسير على الرجال أن يتقبّلوا أنّ الطبيعة جعلت النساءَ “قادراتٍ ليس فقط على إنجاب المشابِه، أي الفتيات، بل على إنجاب المختلف أيضًا، أي الصبيان.”13

إذن تبيِّن لنا معطياتُ اللغة والأنتروبولوحيا أنّ سبب سيطرة الرجال على النساء هو الرغبةُ في امتلاك القدرة على التوليد. وبناءً عليه نستطيع القول إنّ هذه الهيمنة ليست قانونًا من قوانين الطبيعة، ولا تتأتّى من تمايزٍ فيزيولوجيّ لصالح الرجل، بل هي استراتيجيةٌ بحتة هدفُها السيطرة على مواقع القوة. وموقعُ القوة هنا، أي الإنجاب، ملْكٌ للمرأة. وامتلاكُه يوجب السيطرةَ على صاحبة هذه القدرة، أي المرأة. ولكي يستطيع الرجلُ السيطرةَ عليها، كان عليه إضعافُها: في البداية كي تكون المنافسةُ سهلة، وفي مرحلة ثانية كي تبرز صورتُه متألّقةً بالمقارنة مع صورتها الباهتة. فما كان منه إلاّ أن نسب إليها كلَّ مساوئ الطبيعة البشرية.

أمازال التقسيم الثنائي للمواصفات ينطبق على واقع الرجل والمرأة؟

جرّاء الظلم الذي ألحقه المجتمعُ البطريركي بالمرأة، كان من الطبيعي أن يأتي يومٌ يستفيق فيه نصفُ البشرية من كبْوته، ليسائل نفسَه والمجتمعَ عن دقّة هذا التقسيم الثنائي للمواصفات؛ وهو تقسيمٌ كان يختبئ دائمًا وراء قناع “التمايز الضروري” بين الجنسين، لِكون هذا التمايز “ملازمًا” (كما زُعم) للطبيعة البشرية، ولأنّ عدمَ احترامه (كما زُعم أيضًا) يُغْرقنا في مستنقعٍ من الفوضى واللَبْس.

ولكنْ، عمليّاً، ما هي الصفاتُ التي تميِّز رجلاً من امرأة حين يمارسان المهنةَ نفسَها في الظروف الاجتماعية ذاتها؟ قد يتحدّث البعضُ عن الفوارق البيولوجية، وهي موجودةٌ طبعًا (وإلاّ لما كان هناك رجالٌ ونساء!)، غير أنّ علينا في هذه الحال أن نتجنّب الوقوعَ في فخّ “القدَر البيولوجي” الذي يربط محاسنَ الشخص الحميدة وعيوبَه بانتمائه الجنسي. ذلك أنّ الطبيعة البشرية واحدة: فالعظمة والنذالة، والقوة والضعف، والشجاعة والجبن، موجودةٌ كلُّها وفي الوقت نفسه لدى الملك ماكبث ولدى كلّ واحد منّا. ولكي نوضحَ كيف يستحيل أن يناط جنسٌ بصفاتٍ دون غيره، وأنّ كل هذا التصنيف اجتماعيٌّ بحت، دعونا ندرس التطورَ الحاصل في مجتمعنا، ونسجّل الفوارق الكبرى بين مجتمعين مختلفين.

أ ـ الرجل/الأب في جزر تروبريان: يتحدث عالمُ الأنثروبولوجيا مالينوفسكي عن الأب في شمال غرب بلاد الميلانيزيا، فيقول إنه “الرجل المتزوّج من الأم، ويعيش معها تحت سقفٍ واحد… وُصف لي الأب… كغريب… وعندما يكْبر الطفل… يعْلم أنّ اسمَه الطوطميّ مختلفٌ عن اسم والده ومطابقٌ لاسم أمّه. ويتعلّم أيضًا أنّ كل الواجبات والممنوعات ومدعاة فخره تجْمعه بأمه وتَفْصله عن أبيه.”14

هذا النمط الاجتماعي مختلف تمامًا عمّا نعيشه في مجتمعاتنا. وما يعتبره البعضُ طبيعيّاً وبدهيّاًً ليس في الحقيقة إلاّ نمطًا اجتماعيّاً وثقافيّاً يختلف باختلاف المجتمعات. ففي جزر تروبْرِيان ليست صورةُ الرجل مرتبطةً بالفوقية، ولا صورةُ الأب ملازمةً للسلطة؛ فالأب ليس ربَّ الأسرة ولا زعيمَها.

ب ـ المرأة والرجل في مجتمعنا: لنرَ الآن التطورَ الحاصلَ في وضع الرجل والمرأة عندنا. إنه تطور يطاول وضعَ المرأة أكثر مما يطاول وضعَ الرجل؛ وهذا أمرٌ طبيعيّ: فهي التي عانت الإجحافَ فترةً طويلةً من الزمن، وأُسندتْ كلُّ الصفات الحميدة إلى الرجال فتمسّكوا بها. وكان من الطبيعي أيضًا أن يأتي يومٌ تحاول فيه النساءُ تصحيحَ المسار الذي فُرض عليهنّ. ولكنّ أيَّ تطور في واقع المرأة لا بدّ من أن يؤثّر في وضع الرجل، لأنّ توزيعَ الأدوار في المجتمع البطريركي تمّ بشكلٍ قاطع: للمرأة الاهتمامُ بالأمور المنزلية فقط، وللرجل حصرًا حريةُ إدارة المسائل الخارجة عن نطاق المنزل. كذلك الأمرُ بالنسبة إلى تقسيم المواصفات، إذ إنّ الصفات المنسوبة إلى الذكور منسوبةٌ حصرًا إليهم، وعكْسَها منسوبٌ حصرًا إلى الإناث. لكنّ التغيير الحاصل في دور المرأة، ولاسيما المتعلّمة والعاملة، شكّل انقلابًا في المعايير. فمعادلة القويّ /الضعيفة، العقلاني/العاطفية، المعيل/ربّة المنزل… اهتزّت بمجرد التحوّل في الركن الثاني من المعادلة. فدراسة المرأة وعملها يتطلّبان الذكاءَ والطموحَ والقدرةَ على أخذ القرارات ـ وكلُّها صفاتٌ لم تكن تُعتبر أنثوية، بل كانت تُنسب إلى الرجال وحدهم. ومجرّدُ إثبات المرأة تمتُّعَها بها ينفي إمكانيةَ حصْرها بالرجال، ومن ثم لم يعد لهذه الصفات أن تحدِّد الذكورةَ دون الأنوثة.

لنبدأْ بدراسةٍ موجزةٍ لعدد الأطبّاء والطبيبات في لبنان بين العامين 1980 و2007. فقد أفادتنا نقابةُ الأطبّاء في بيروت أنّ عدد الطبيبات سنة 1980 كان 153، بينما ارتفع سنة 2007 إلى 1893، بزيادة 1137 %، وهي زيادة عالية جدّاً مقارنةً بنسبة زيادة الأطبّاء الذكور التي تقدَّر بـ 420 % (كان عددهم 1834، وارتفع مع الزيادة السكانية ومتطلّبات المجتمع الحديث إلى 7744). صحيح أنّ عددهم مازال يفوق عددهنّ، ولكنّ عددهنّ زاد 12 ضعفًا في 27 عامًا، أيْ ثلاثَ مرّات أكثر من عددهم. وبينما كانت نسبتهنّ 7،7 % من مجموع الأطبّاء، أصبحت اليوم تناهز 20 %. لا شكّ في أننا لم نزل بعيدين عن المساواة، غير أنّ لهذا التطور معانيَ وأبعادًا كثيرة. فمهنةٌ كالطبابة، التي جرت العادةُ أن يُعهد بها حصرًا إلى الرجال لاستلزامها صفاتٍ إنسانيةً ساميةً مميّزة، أصبحتْ تمارَس بكثافةٍ ونجاحٍ من قِبل النساء. وهذا يدلّ على أنهنّ يمتلكن كلّ الصفات التي تؤهلهنّ لذلك.

على أنّ هذا التطور تعدّى الطبَّ إلى مهنٍ أخرى، كالتدريس الجامعي. تقول عالمةُ الاجتماع المغربية د. فاطمة المرنيسي: “بحسب الإحصائيات الحديثة، نجحت النساءُ المتعلّمات في كلّ البدان العربية، بما فيها بلدانُ الخليج، وبالرغم من كلّ العقبات، في التسلّل إلى الجامعات، حيث تشكّل النساءُ، في أغلبية الحالات، ثلثَ الجسم التعليمي.”15 وتؤكّد د. بثينة شعبان كلامَ المرنيسي،16 إذ تشْهد لتوسّع نطاق نشاط المرأة المهني: “دخلت المرأةُ العربية البرلمانَ، وتسلّمت حقائبَ وزارية، وأخذتْ تمثّل بلادَها في السفارات والمؤتمرات الدولية… حتى النشاطُ العسكري، وميادينُ الرياضة، وقيادةُ الطائرات، وريادةُ البحار، وإدارةُ المؤسسات، وسدّة الفضاء، وصفحات الإعلام، ورئاسةُ الوفود، ومراكز الأبحاث، وتحرّيات الشرطة، والمهمات الأمنية، وغيرها من المجالات، لا تخلو اليومَ من مشاركة المرأة. وهي مشاركة تزداد باطّراد مع الزمن.”

خاتمة

وهكذا أثبتت المرأةُ كفاءتها من خلال قيامها بعملها، وأَقنعتْ حتى أكثر المشكِّكين فيها بأنها أهلٌ لممارسة أية مهنة. وبذلك برهنتْ خطأ كلّ النظريات القديمة التي صوّرتْها كائنًا ضعيفًا، مسلوبَ الإرادة، ذاتَ قدراتٍ فكريةٍ محدودة. وما كان يخشاه فرويد أو غيرُه من أن “تُرمى المرأةُ في معترك الحياة” أثبت أنه يخبّئ استئثارًا ذكوريّاً بكلّ مكاسب العمل المهني، الفكري والمادي، واستئثارًا من ثم بقيم إثبات الذات والنجاح والثقة بالنفس.

وهكذا يكون الواقعُ قد أثبت سقوطَ مبدإ التقسيم الثنائي للمواصفات، مؤكّدًا بذلك أنه اجتماعيٌّ بحت، يختلف من مجتمع إلى آخر (كما هو الحال بالنسبة إلى جزر تروبريان)، ويتطوّر مع تطوّر المجتمعات (كما هو حالُ مجتمعنا).

ولكنْ يبقى السؤال: هل سيؤثّر هذا التحوّلُ في المتخيّل العامّ، أمْ ستبقى البشريةُ أسيرةَ الانفصام بين الواقع والمتخيّل الموروث؟ الإجابة ليست يسيرة؛ إذ لا بدّ من العمل الفكري الدؤوب لتوضيح جذورِ وحقيقةِ ما تنطوي عليه الصورُ التنميطيةُ الملتصقةُ بالرجل من جهة، وبالمرأة من جهة أخرى.

——————————————

* أستاذة الألسنية في جامعة البلمند، لبنان.

1. Sigmund Freud, La question de l’analyse profane (Paris: Puf, 1994), p. 36.

2. Sigmund Freud, La vie sexuelle (Paris: Puf, 1999), p.126.

3. Sigmund Freud, La vie sexuelle (Paris: Puf, 1999), p.126.

4. Sigmund Freud, La vie sexuelle (Paris: Puf, 1999), p.126.

5. Sigmund Freud, La vie sexuelle (Paris: Puf, 1999), p.126.

6. Sigmund Freud, La vie sexuelle (Paris: Puf, 1999), p.126.

7. Sigmund Freud, Correspondance 1873-1939 (Paris: Gallimard, 2001), p.172, 87

8. Sigmund Freud, Correspondance 1873-1939 (Paris: Gallimard, 2001), p.172, 87

9. Marina Yaguello, Les mots et les femmes (Paris: Payot, 2002), p.28

10. Antoine Meillet, “La catégorie du genre et les conceptions des Indo-européens,” Linguistique historique et comparée, 1921, p.29

11. محمد قاسم، النحو الجامع (طرابلس: جروس برس، 1998)، ص021

12. Françoise Héritier, Masculin/Féminin II. Dissoudre la hiérarchie (Paris: Odile Jacob, 2002), p. 133, 131

13. Françoise Héritier, Masculin/Féminin II. Dissoudre la hiérarchie (Paris: Odile Jacob, 2002), p. 133, 131

14. Bronislaw Malinowski, La vie sexuelle des sauvages (Paris: Payot & Rivages, 2000), p.20-21

15. Fatima Mernissi, Le monde n’est pas un harem (Paris: Albin Michel, 1991), p.10

16. بثينة شعبان، المرأة العربية في القرن العشرين (دمشق: دار المدى، 2000).

عن مجلة الآداب

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий