Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > عالم الاجتماع محمد الجويلي: لا بدّ من تمييز إيجابيّ لفائدة السود في المجتمعات العربيّة

عالم الاجتماع محمد الجويلي: لا بدّ من تمييز إيجابيّ لفائدة السود في المجتمعات العربيّة

بقلم: عادل الحاج سالم

الأستاذ محمد الجويلي، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسيّة، من الذين يعملون في صمت وجدّية على استكشاف الجدران اللامرئية في المجتمع التونسي ومنطقة المغرب بصفة عامّة، وقد رأينا من المجدي ونحن نفتح ملفّا في أهمية هذا الملفّ عن الجدران اللامرئية، وتحديدا العنصرية تجاه السّود أن نحرص على لقائه والاستفادة من أعماله الميدانية، وهو الذي أصدر منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاما دراسته التي صارت مرجعا لا غنى عنه للدارسين عن إحدى الأقلّيات السوداء بالجنوب التونسيّ المسمّاة” عبيد غبنطن”. عنوان الدراسة “مجتمعات للذاكرة، مجتمعات للنسيان” مع عنوان فرعيّ : ” دراسة مونوغرافية لأقلّية سوداء بالجنوب التونسيّ”. وقد أردف هذه الدّراسة بكتاب صدر مؤخّرا بالقاهرة عن مركز البحوث العربية والافريقية بالقاهرة بعنوان” الثّأر الرّمزيّ: تماسّ الهويات في واحات الجنوب التونسيّ” بتقديم من عالم الاجتماع الطاهر لبيب.

عنوانا دراستيك يَشِيان باهتمام بما هو متروك وهامشيّ ربّما لأنّه ملغّم أو لأنّه موكول للنسيان، أو ربّما لأنّه قد يثير الأشجان أو الأحقاد، أو لأنّ الثقافة الرّسمية في تونس ومنطقة المغرب تبشّر بأنّ المجتمع متماسك موحّد…

في الحقيقة، يعود اهتمامي بالسّود كمجموعة اجتماعية في المجتمع التونسيّ، إلى اهتمامي بتعبيرات الهوية، فالمبحث الذي أشتغل عليه هو التعبير الاجتماعي لبناء الهويات. وهذا يتعلّق بكلّ المجموعات لا السّود وحدهم. والمجموعات السّوداء يمكن أن تشكّل مبحثا سوسيولوجيا هامّا، لمعرفة أو تحليل الهويات الاجتماعية والثقافية، أي أنّ منطلقي ليس عرقيا، أي ليس لأنّهم سود، بل إنّ منطقي سوسيولوجيّ يكتفي بتحليل الهويات وتعبيراتها، لكنّ هناك من تصوّر أنني باحث في مجال الأقلّيات، بالمعنى السياسي للكلمة أو بالمعنى الحقوقيّ . لا، أنا أبحث في المجموعات باعتبارها مجموعات..واللّون ليس منطلقي، وهمّي الأساس هو بناء الهويات..فكان أن أخذت تمرينا سوسيولوجيا حاولت تطبيقه على قريتين في الجنوب الغربي التونسي ..في كتابي الثاني الصادر حديثا، اهتممت بقرية “المنشية”حيث تتعايش مجموعتان مختلفتان من السّود والبيض، تعايشا خلق أشكالا متعدّدة في بناء الحدود بين الهويات، وفي بناء الهويات، وفي التفاوض، وفي الصراع. فلكلّ مجموعة هويّتها الخاصّة…فمبحثي كما ترى ليس إلا تمرينا سوسيولوجيا، وهذا لا علاقة له بالمعنى السياسيّ..

لكنّ السياسي لا يمكن أن يغيب..

طبعا، بالتأكيد هو حاضر..ولكن من زاوية نظري فإنّ البحث السوسيولوجي ليس بحثا في الحقوق السياسية بل هو بحث في الهويات الاجتماعية؛ فعندما أتحدّث عن التمايز والصراع والاختلاف فهذا لا ينطبق على السّود وحدهم في المجتمع التونسيّ، بل يمكن سحبه على مجموعات أخرى متشكّلة على اعتبارات لا تتلخّص في اختلاف اللون، فهناك اعتبارات قبلية وأخرى جهوية، أو عائلية..

أو أنصار كرة القدم كما علمت عن دراستك الجديدة…

نعم، يمكن أن تنسحب على عديد المجموعات، والحدود بين المجموعات يمكن أن تضيق أو أن تتّسع، كما يمكن أن تلين أو تتصلّب أكثر حسب السياقات…

لكنّ ما اعتبرته “حدودا”، والعبارة في رأيي ملطّفة، تعني فيما تعنيه الفصل بين مجالات، وفي نفس الوقت هي أماكن التقاء..والحال أنّه في مجتمعاتنا نرى استرسالا في التمايز: في اللغة الموروثة التي ما زالت مستعملة، وفي الزواج المختلط الذي بقي “تابو” بين البيض والسود فحسب، ولا نراه مثلا بين مجموعات أنصار فرق كرة القدم، ولا بين المجموعة المتحدرة من أصول بربرية ومازالت محافظة على عناصر من هذه الهوية وبين باقي السكّان العرب أو المتعرّبين، كما لا نراه بين المجموعات الجهوية، فالتزاوج ليس “تابو” بين هذه المجموعات رغم التعصّب ورغم العنف اللّفظيّ الذي يطبع اللغة اليومية أحيانا.

أعود هنا إلى كلمة “حدود”، فلكلّ مجموعة بشرية حدود تصنعها لنفسها، وليست بالضرورة حدودا جغرافية، لكنها بالأساس حدود رمزية، وعندما نقول رمزية فهذا يعني حدودا في التاريخ، في العلاقة بالذاكرة، وباللغة، بالكلمات، بالتصوّرات الذهنية المتبادلة…أنت تحدّثني عن الزواج أو عدم وجود تزاوج بشكل مطّرد… طيّب، هذا حدّ من الحدود الرمزية…لكنّ هذا لا ينبغي أن يدخلنا في متاهات، فالزواج كما تعلم غير موجود حتى بين جماعات بيضاء في تونس فيما بينها، فالحدّ الفاصل في منع الزواج أو قلّته ليس دائما اللون.

فكلّ المجموعات لها موانع زواجية، يمكن أن ترتبط باللون، وهذا موجود كما يمكن أن ترتبط بالانتماء الجهوي، وهذا أيضا موجود، أو كذلك بالانتماء القبلي، أو بالانتماء الديني … ففي الجنوب هناك مجموعات الأشراف ( المجموعات الشريفية) لا يمكن أن تزوّج بناتها لمجموعات غير شريفية، والعكس، وهذا موجود إلى الآن… دائما هناك موانع زواج، لأنّ الزواج ليس دائما علاقة تبادلية تبادل امرأة برجل، ولكنّ الزواج هو انفتاح على الآخر، علاقة بالآخر( فعندما تمنع فتاة أو شابّا من أن يتزوّج أحدهما من المجموعة الأخرى فإنّك تحمي مجموعتك).

ما أردت تجنّبه في دراساتي، وهذا جليّ في كتابيّ الأوّل ثمّ الثاني، هو أن ألهث حول إثبات أنّ الفصل مبنيّ على اللّون فحسب، هؤلاء سود وهؤلاء بيض… فالتميز ليس فقط مبنيا على اللون، فهناك التمييز العرقيّ والتمييز الدينيّ، والتمييز الجهوي والتمييز القبلي والعائلي أحيانا…

سي محمد، كما تعلم، فأنا أقمت لفترة طويلة نسبيا في إحدى مدن الجنوب التونسي تسكنها قبيلة عرفت تاريخيا بتملّكها لأعداد كبيرة من العبيد، وما لاحظته آنذاك – وأنت تعلم ذلك – أنّ السود هناك في مرتبة دونية مقارنة بأبناء القبيلة، لكنّهم ـويا للمفارقة ـ مبجّلون على السكان البيض المنحدرين من أصول فلاحية والبنية المجتمعية تقوم على تفضيل أبناء القبيلة ثم ” السود” الذين كان أجدادهم في الغالب عبيدا ثم بقية البيض، ويفضّلون حتى في أمثالهم السائرة والموروثة أن تتزوّج ابنة القبيلة من ابن القبيلة أو سود القبيلة، ولكنه عار أن تتزوّج من بقية البيض الذي تقلّ قيمتهم اجتماعيا عن السود، فالمشكل كما أرى ليس في تمييز عنصريّ عرقيّ ولكن في الحفاظ على فكر قبليّ بدويّ يستند إلى خرافة الصفاء العرقي وإلى تبجيل ” العبد الأسود ” لأنه يحمي الحريم ويشارك في القبيلة في انتجاعها، على المزارعين المقيمين، ولو كانوا بيضا أو حتى شقرا في بعض الأحيان، وللأسف فإنّ هذا الأمر مازال متواصلا رغم تحرّر العبيد منذ أكثر من قرن ورغم استقرار القبيلة وتوديعها حياة الترحّل، ورغم الارتقاء الاجتماعي للمزارعين البيض وتبوّئهم مناصب اجتماعية هامّة، واشتراك المكوّنات الثلاثة في مقاعد الدراسة ومقاعد المقاهي ومواطن الشغل والانتماء إلى مؤسّسات حديثة ( أحزاب، نقابات، …).

هذه الحدود ليست ثابتة، فهي تضيق وتتسع حسب المواقف وحسب السياقات. فالعلاقات بين الأبيض والأسود، على الأقلّ من خلال المثال الذي درسته، ومن أهمّ النتائج التي توصّلت إليها فكرة الحدود الإثنية، وهي كما أسلفت غير ثابتة، هي حدود متحركة … ففي سياق ما، يمكن أن تكون لزجة يمكن تجاوزها، وفي سياقات أخرى تصبح أكثر صلابة. ففي الزّواج مازالت الحدود إلى الآن متصلّبة بين الطرفين، ولكن في امتلاك النخل مثلا ـ وما يعنيه ذلك من رمزية عالية جدّا فلا تنس أننا في الواحات- فإنّ هذه الحدود تصبح هشّة ومرنة جدّا، بما يعني أنّ هؤلاء السّود الذين كانوا في السّابق ( خمّاسة) أصبحوا مالكي غابات نخيل، بل أجْوَد الغابات، وذلك في ظلّ التغيرات الديمغرافية الطارئة على القرية بعد نزوح أعداد كبيرة من أبناء البيض للدراسة أو العمل، ولم تعد لهم عناية كبيرة بالنخيل، فاستغلّ السود الفرصة واشتروا غابات. بل فيهم من اشترى الغابات التي كانوا يعملون فيها هم أو آباؤهم باعتبارهم خمّاسة، ويتعمّد هؤلاء أن يستنجدوا بعمّال من خارج القرية، بحيث تنقلب الصورة ليصبح الأسود الذي كان خماسا صاحب عمل، والأبيض يصبح عاملا ( شبه خمّاس) ومن هنا جاءت التسمية ” الثأر الرمزي”.

لا أدري لم يذكِّرُني ذلك بحادثة تاريخية هامّة هي ثورة الزّنج في سباخ العراق، والتي صار فيها السود أسيادا، وفيهم من سعى إلى استرقاق الفتيات من البيض، أو ما يسمّيه الباحث مصطفي حجازي بـ ” التماهي بالمعتدي” identification à l’agresseur”.

نعم ربّما، لكنّ مصطلح “التماهي” ينتمي إلى علم النفس، وأنا كباحث في علم الاجتماع أفضّل عبارة ” الثأر الرمزي”، لأنّ هذه العبارة تدلّ على فعل اجتماعيّ إراديّ لا على ردّ فعل نفسانيّ لا واع أو لا إراديّ، وهو ردّ فعل إراديّ مبرمج أي إنّه خاضع لإستراتيجيا، ويخضع إلى تفاوض..

أعود إلى الفكرة الأساسية، العلاقة بين السود والبيض ـ على الأقلّ من خلال التجربة الخاصّة التي عشتها خلال هذا البحث… فلا يجب أن نتحدّث عن بيض من ناحية وسود من ناحية أخرى، بل على العكس فإنّ العلاقة بينهما علاقة تفاعلية في مستويات متعدّدة، تضيق مرّة وتنفتح مرة أخرى وتتسع. فالحدود يتحكّم فيها الفاعلون الاجتماعيون في كلّ مرة يتحتّم فيها عليهم التفاوض أو السعي إلى الاتفاق والتعاون مع الطرف المقابل، وهذا يغيّر فكرة أنّ هناك سودا وأنهم بالضرورة هم الطرف المضطَهَدُ… بل هناك تفاعلية تسترجع فيها الذاكرة، يستحضر فيها التاريخ والأحداث، وتتمّ إعادة صياغتها وإعادة بنائها، ففي سياق ما ترى السود والبيض متآلفين متآزرين ومتضامنين اجتماعيا، فمثلا عندما يتمّ تجديد الولاء لمؤسّس القرية(في مهرجان سنويّ) تلاحظ أنّ الحدود الفاصلة بين الأبيض والأسود قد محيت تقريبا، فهذه الديناميكية التي تعرفها الحدود بين المجموعات تدلّ على أنّها هويات متحرّكة لا ثابتة… بل ما لاحظته داخل مجموعة “الشواشين”(مفرده شوشان، ومؤنّثه شوشانة) وهي مجموعة من السود تجدها في الجنوب التونسي وفي منطقة فزان في ليبيا…مجموعة الشواشين هذه ليست لوحة ثابتة، بل تشقّها تمايزات هي أحيانا أخطر من تلك الموجودة بين السود والبيض… أنا أبحث هنا عن المرتكزات التي يبنى عليها “الشواشين” التمايزات فيما بينهم.. هناك تمييز حسب درجة السواد: من كان داكن السواد فهو حديث الوجود في المنطقة أي قريب العهد بالعبودية، ومن كان لونه أفتح فتاريخه في القرية أعرق، أي إنّه بعيد عن العبودية، بل قد لا يكون منحدرا من أصول زنجية ومن عائلة كانت مستبعدة، بل هو نتيجة زواج مختلط بين البيض والسود ..يعني هناك رقعة شطرنج، وكلّ يتصرّف حسب اجتهاده، ويبدع طريقته في اللعب وفي بناء هويته الخاصة، وفي خلق تمايزاته مع هويات أخرى، فاللون الأسود الفاتح يجعل صاحبه يشعر بتفوّق، والأسود الداكن يدلّ على قرب عهده بالعبودية فهو لذلك في أسفل السلّم الاجتماعي… هذه التمايزات نجدها داخل الشواشين لترى كيف يتمّ بناء السياجات داخل الحدود الهوياتية…

العنصر الثاني في التمايزات داخل مجموعة الشواشين هو مدى القرب من الجدّ المؤسّس؛ نأخذ مثلا “الفرايجة” وهم من نسل “سيدي فرج” المرافق الأسود لمؤسّس القرية “سيدي حامد الحشاني”، وقربه من الجدّ المؤسّس جعل له امتيازا توارثه أحفاده السود، كما نجد أنّ السود الذين يتبعون تاريخيا العائلات الأقوى، لهم وزن اقتصاديّ واجتماعيّ أفضل، والمجموعات السوداء التي عرفت بقربها من الإنشاد الصوفي وتنظيم الحلقات لأفرادها هم أيضا مكانة خاصة.. بحيث هناك داخل المجموعة السوداء حدود داخلية، والتمييز داخلها أخطر من التمييز سود/ بيض… ومهل هذه الدراسة أبعدتني شخصيا عن الفكرة التي صرت أراها سطحية عن تواصل استعباد الأبيض للأسود..

فالعمق السوسيولوجيّ لأيّ باحث ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أنّ الهويات غير ثابتة، وأنها متحولة حسب السياقات.

داخل هذه القرية هناك تمييز؛ السود من الحوامد أفضل من البدو(من غير السود) الذين قدموا من خارج القرية، واستقرار هؤلاء البدو جعلهم يصنّفون بعد “الشواشين”، فأن تكون أسود لا يعني أنّ لك مكانة ودورا ثابتين لا يتحرّكان… وهذا تقريبا شبيه بما أخبرتني عنه في تلك المدينة في الجنوب الشرقيّ.

إذا قبلنا تحليلك للعلاقات بين المجموعات في الجنوب الغربي، وهذا يتكامل عما عرفته وعايشته في واحات الجنوب الشرقيّ، فكيف نفسّر الجدران الفاصلة اللامرئية في المدن الكبرى حيث لا يوجد إرث العائلات التي كانت تمتلك عبيدا، ولا توجد الخلفية الفلاحية وتملّك الأراضي، وحيث تنشأ بكل يسرعلاقات صداقة متطورة بين البيض والسود واحترام متبادل، لكن الجدران اللامرئية تنكشف فجأة لتشكل حاجزا إذا اقتربنا من منطقة الزواج مثلا… أذكر أنّ صديقا لنا من أصول موريطانية كان مبجّلا في عائلتي إلى حدّ أنّ والدتي تعتبره بمثابة ابن لها، وكان محلّ ترحاب لقضاء أيام في المنزل، وعلى سبيل الدعابة قلنا للوالدة أنه سيخطب أختي، فكان أن انقلبت تماما، وعادت إليها عقليتها الجنوبية المحافظة جدّا، وكانت صدمتي وإخوتي لأننا عهدناها بعيدة عن كلّ تصرّف عنصريّ، وكانت تعلّمنا أن نحترم الناس لذواتهم لا لما ورثوه من لون أو وضع اجتماعي… لماذا ردود الفعل هذه التي تسقط كثيرا من المنطق… أضف إلى ذلك أننا في تونس لم نر كثيرا من السود في وظائف هامّة أو مناصب عليا.

نعم، هنا ندخل في المستوى السياسي، هناك في الولايات المتحدة الأمريكية ما يسمى التمييز الإيجابي” la discrimination positive”، وذلك لإدخال أشخاص منتمين إلى مجموعات مضطهدة، بمن في ذلك السود، إلى الجامعات بنوع من المعاملة الخاصّة، اعتبارا لتاريخ الاضطهاد الذي تعرّضوا إليه. فعندما يدخلون الجامعات يعاملون بنوع من التساهل في شروط الانتساب، وهذا هو التمييز الإيجابيّ، كما يحدث في تونس بالنسبة إلى النساء بتخصيص نسبة من المقاعد ( ثلاثين بالمائة)، أو تخصيص نسبة في الشغل للمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة.. وهذا أمر سليم.

فأن يكون الإنسان سفيرا أو وزيرا هناك تنافس حادّ، والسود لهم مشاكل كبيرة، فأغلبهم في منطقة الواحات ( قابس/ جربة/ توزر/ قبلي) ومع هذا لا بدّ أن نفكر في مشاكل المدرسة والتعليم كواسطتي ارتقاء، لكن هذا لا يمنع أنّ التمييز موجود فالناس لا يقبلون بسهولة أن يكون هناك وزير أسود اللون، أو مثلا في سلك القضاء، ويبدو لي أنّ هذا في تونس من النقاط الحمر، لأنّ الذهنيات لا تتقبل أن يكون القاضي أسود اللون، ليفصل في قضاياهم، هناك أمور محرجة ربّما…

نعم يقال إنّ الرئيس بورقيبة عندما استقال وزيره للخارجية في السبعينات، كان أقدم دبلوماسي وأكثرهم كفاءة رجلا من أصول سوداء، ورفض بورقيبة فكرة تعيينه وزيرا للخارجية قائلا: ماذا سيظنّ الروس والسويديون عن بلد في إفريقيا وزير خارجيته أسود؟ سيظنّون أنّنا شعب زنجيّ، وهذه العبارة قد يكون قالها الرئيس فعلا، أو أنشأها المخيال انطلاقا من حقيقة كفاءة الرجل وحرمانه من المنصب.

نعم، لا يمكن إنكار حقيقة التمييز في المناصب، فنحن نلاحظ ذلك رغم أنه لا موانع دستورية ولا قانونية لأن يتبوّأ السّود الوظائف التي يستحقون بفضل كفاءاتهم. ولكن ربّما نحتاج فقط إلى عامل الزمن، حتّى تتقبل الذهنية التونسية هذه المسائل، وربّما لاحظت أنّ حديثنا ابتعد عن العنصرية في المجتمع التونسي، ربما لأنّ العنصرية صارت تختلف الآن عن المفهوم المكرّس في أرويا وأمريكا على أساس بيولوجيّ ومنها إلى الثقافي.

في الغرب تمّ الاعتراف بأنّ استعباد السود كان خطئا أو ربّما خطيئة حسب اعتراف البابا السابق يوحنا بولس الثاني في خطابه المعروف في جزيرة Gorée بالسينغال سنة 1992، ألا ترى أنّه ينبغي أن تتولّى سلطة مرجعية ما الإقرار بالذنب وتقديم الاعتذار عن تاريخ استرقاق السود(ربّما إمام الأزهر، أو المدير العام للألكسو مثلا؟ ) ثمّ ألا ترى أننا نحتاج في مجتمعاتنا العربية اليوم إلى اعتماد التمييز الإيجابيّ لصالح السود حتى نمكّنهم من الارتقاء اجتماعيا وتدارك المظالم التاريخية نحو مجتمعات أكثر عدلا ومساواة؟ لأنّ المخلّفات مازالت بارزة للعيان: أنظر مثلا موريتانيا أو بلدا مثل السودان، والذي يدلّ إسمه على أنه بلد السود، تجد أنّ المنحدرين من أصول عربية مازالوا يمسكون بمفاصل المياه الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل انظر إلى السود في مجتمعات كالسعودية وليبيا واليمن كيف مازالوا لم يجدوا الفرص الكافية للتساوي مع مواطنيهم ألا يحتاج الأمر إلى اعتذار أوّلا وإلى تمييز إيجابيّ ثانيا؟!

لكلّ بلد خصوصياته، والموضوع في تونس لا يُطرح بالحدّة التي يطرح بها مثلا في موريتانيا أو ليبيا أو المغرب. ففي تونس: المسألة ليست حاضرة بنفس القوّة، لا أدري إن كان يجب الاعتراف أم لا؟ فالرقّ في العالم العربي الإسلامي يختلف عن التجارة المثلّثة. لأنّ الرقّ في عالمنا رقّ منزليّ أساسا، والعرب أنتجوا نصوصا في لحظات مدّهم، وعندما توسعت آخريتهم لم يجدوا حرجا في إنتاج نصوص إيجابية حول السّود “فخر السودان على البيضان” للجاحظ، ولابن بطلان “خصائص السود”، وللسيوطي” نزهة العمر في التفضيل بين البيض والسود والسمر”، ابن مرزباه… في لحظات اتّساع الحضارة العربية لم تجد حرجا في إعطاء صورة إيجابية عن السود، لكن عندما تضيق آخريتهم وتضيق ذهنية الثقافة العربية لأسباب تاريخية معلومة، فيصبح من هو آخر سلبيا إلى حدّ أن يكون عدوّا…

وكذلك اليهود والنصارى…

نعم، ولكنّ الصور الأكثر مقاومة للتعديل هي الصور حول السّود، فالأتراك تغيّرت صورهم في الثقافة العربية، من سياق إلى آخر، وكذلك اليهود والفرس وحتى الصينيون. ولكنّ السّود هم – ربما لثقل تاريخيّ كبير- الذين بقيت صورتهم الأكثر مقاومة للتعديل، رغم، كما قلت، أنه في لحظات الاتّساع الثقافية تجد نصوصا من نوع “فضل السودان على البيضان”.

أنتجنا نصوصا وأنتجنا رموزا، مثال على ذلك عنترة بن شداد ومن كانوا يسمّون بـ” غربان العرب”، وكانوا نموذجا للتمرّد والرقّة في آن، وللبطولة… فكانت لهم مكانة رمزية في الثقافة العربية.

أمّك، لو كان من يخطب أختك أشقر وأزرق العينين لكنّه فرنسيّ، لكان لها نفس الموقف الرافض، ونفس الشيء أعتقد حسب معرفتي بأصولك لو كان الخاطب من منطقة أو أخرى من تونس، لذلك لا بدّ من إعادة النظر، فالرّفض ليس عرقيا لكنّه رفض اجتماعيّ وثقافيّ… هنالك الآن عنصرية ثقافية وعنصرية اجتماعية، أمّا العنصرية القائمة على اللون والبيولوجيا فأعتقد أنها لم تعد موجودة، ففي الغرب مثلا، هنالك نفور من النمط الثقافي الذي يجلبه المهاجرون المغاربة وعدم قدرتهم على الاندماج، فهو رفض ثقافي أساسا، ” le racisme culturel , et le racisme social” ، ورفض للمزاحمة في سوق الشغل، ولو ينزح أعداد من الجزائريين أو المصريين للإقامة في تونس، سترى الرفض كيف يكون … ثم انظر يا صديقي، إنّ العائلة التونسية البيضاء لا تزوّج بناتها لرجال سود، لكن عندما يتعلّق الأمر بشخص مشهور وناجح اجتماعيا فإنّ الزّواج يتمّ، والفرحة تكون واضحة ( وأضرب أمثلة للاعبي كرة قدم من نيجيريا وغانا والكامرون تزوّجوا تونسيات بيضاوات بل وشقراوات وكانت الأفراح واسعة مثل اللاعب “بابا نجيدا”، “أموكاشي”…) فالمسألة إذن مسألة ثقافة واقتصاد لا مجرّد مسألة لون.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

1 коммент. к “عالم الاجتماع محمد الجويلي: لا بدّ من تمييز إيجابيّ لفائدة السود في المجتمعات العربيّة”

  1. يوسف قال:

    لم أجد ما أريد من المعلومات


Оставить комментарий