Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > أبحاث ودراسات > عبد الوهاب الأسواني وأنثروبولوجيا الرواية النمل الأبيض نموذجاً

عبد الوهاب الأسواني وأنثروبولوجيا الرواية النمل الأبيض نموذجاً

شوقي بدر يوسفشوقي بدر يوسف

في عالم عبد الوهاب الأسواني الروائي تكمن خطوط عريضة من أنثروبولوجيا الفن الروائي، ترفد في عالم هذه الأنثربولوجيا الروائية وقائع ما يجرى في مجتمعات الجنوب من أحوال وأمور نابعة من الموروث الاجتماعي والتأزمات الإنسانية والحياتية التي تعترض سبيل شخصيات هذا العالم، وعلى الرغم مما قد يبدو من تعارض وتناقض بين مجالي الكتابة الأنثربولوجية والروائية، حيث إن مجال الأنثربولوجيا ينتمى إلى حقل العلوم الإنسانية الطبيعية التي تحكمها معايير ومناهج وقوانين محددة، بينما يجنح الفن الروائى إلى عوامل التخييل وتجسيد المشاعر الإنسانية المتجذرة في عمق التجربة الروائية.

وإن إعادة صياغة الواقع فيها في نسق فنى يهدف إلى رصد وإعادة هذه الصياغة الحكائية السردية بأسلوب دلالى تحكمه اللغة الحكائية السردية، فإن هناك منطقة مشتركة بين المجالين، مجال الأنثروبولوجيا ومجال الرواية، تتمثل في اهتمام كل منهما بإعادة بناء «العالم الإنساني» الذى يتحلّق حوله كل من العمل الأنثروبولوجي والعمل الروائى»(1). ومع أن كلا من العالم الأنثربولوجي والكاتب الروائى يستمدان المادة الأولية التي يصوغان منها عملهما وإنتاجهما العلمى والأدبى من عالم الواقع، أو من الأحداث التاريخية التي وقعت في فترة زمنية محددة، فإن كلا منهما ينظم بطريقته الخاصة تلك الأحداث والوقائع، ويحدد لنفسيه المساحة الزمنية والمكانية التي يختار منها تلك العناصر الأولية، سواء أكانت هذه العناصر هي الأشخاص أو الموضوعات أو الممارسات أو الأشياء أو القضايا الإنسانية التي يتناولها كل منهما في مجاله.

الرواية والموروث
وعالم الروائي عبد الوهاب الأسوانى الجنوبي هو عالم يرتكز على طبائع الناس ومتوارثهم الإنساني وجبلتهم الخاصة النابعة من طبيعة المكان والبيئة والمناخ الجنوبي الجاف وطبيعة ممارساتهم لطرق الحياة والمعيشة في كل شؤونهم وصراعاتهم وحياتهم الخاصة والعامة. لذا فهو في هذا العالم السردي يرصد الإنسان الجنوبي بهمومه وتأزماته الذاتية وصراعاته وأفراحه وقضاياه الخاصة والعامة، والمكان الأسواني هو المكان التي تدور فيه وقائع هذا العالم بنجوعه وناسه وفواصل نيله في ضفتى الشرق والغرب وما يتحلّق حوله من أحوال اجتماعية وسياسية واقتصادية، وعادات وتقاليد وأعراف محددة ومتوارثة منذ آلاف السنين تمثل روح الأنثربولوجيا الحاضرة في هذه البيئة الجنوبية وهذا المناخ القبلى، يرصدها الكاتب من خلال خبرة عميقة مع التجارب الحياتية لهذا المكان، ويضع فيها رؤيته الخاصة تجاه هذا العالم، متغلغلاً في عمق التجربة بكل أبعادها الفنية والإنسانية الثرية، محاولاً النفاد إلى عمق هذه التجربة والمشاعر الطاغية فيها وعليها.

ففي رواية «سلمى الأسوانية» وهي أولى أعماله الروائية ينشأ الصراع بين تقاليد وعادات الأهل في القرية الجنوبية وبين هواجس البطل العائش في غربته المدينية في مدينة الإسكندرية، وتطل الأنثربولوجيا الخاصة بعادات أهل القرية وتقاليدهم الخاصة، على جبلة ذات البطل الذى عاش المدينة بزخمها وأحوالها وطبيعتها الخاصة من خلال صراع ذاتى ينشأ بين هذه التقاليد وهذه العادات وبين مستويات شخصية مصطفى من الداخل ومصطفى هو الشخصية المحورية للرواية الذى أحب نادية بنت الإسكندرية بينما أهله ـ لظروف طارئة ألمت بالعائلة والقبيلة ـ يريدون أن يزوجوه سلمى، ابنة القرية، والتي هي في نفس الوقت ابنة عمه، التي طردها زوجها وهي عروس، ادعاء بعدم عذريتها. وفي خضم هذه الأفكار المتوارثة يرضخ مصطفى لهذا الأمر القبلي بعد أن هدد أبوه بطلاق أمه إذا لم يرضخ لأوامر الأسرة والقبيلة في هذا الشأن القبلي المتجذر في بؤرة الأحوال الاجتماعية للأسرة الجنوبية.

وفي رواية «أخبار الدراويش» نجد أن المكان يهيمن على طبيعة النص من خلال اشتغال الكاتب على جبلة الإنسان الجنوبى وطبيعته الخاصة في الصراعات الدائرة في قرية الدراويش من خلال بعدين رئيسيين شكّلا التيمة الرئيسة للنص، هما المدرسة التي يراد
بناؤها، ورؤية كل من أكابر البلد في طريقة ومكان بنائها، والفتاة «نعمة» التي يطمع فيها الجميع؛ الكبار والصغار داخل النجع لجمالها وفتنتها الطاغية، وعالم قرية الدراويش هو عالم تحكمه مقاييس السلطة الموزعة بين نفر من كبار رجالات القرية وأعيانها، والنيل هو البعد الفاصل بين رؤية كل من أهل الغرب وأهل الشرق في هذه الأمور المعيشية، وهذا العالم يعتبر ترميزا لما يدور في الريف المصرى بصفة عامة، فمن يجلس على مقعد السلطة – العمدة أو غيره ـ يسخّر أحوال الناس لأغراضه الذاتية ويوظف الجميع رجالا ونساء في خدمة أهوائه وملذاته الشخصية، وتمثل كاريزما الشخصية في هذه الرواية البعد المضمر المتحكم في طبيعة النص من خلال أنثروبولوجيا الشخصية والجبلة المتحكمة والمستأثرة بكل شيء أمامها؛ الجاه والسلطان والنساء والمال وكل شيء.

وفي رواية «اللسان المر» تكمن أنثروبولوجيا الرواية في هذا الوصف لوقائع البيئة الأسوانية وطبيعة أهلها وممارسات الناس داخل وخارج مناخ هذه البيئة ومحور تيمة غرائبية هذا النص الكامنة في هذا التقابل القبلي الحادث بين القبائل الأكثر نفوذا وسلطة وجاها، وتلك التي هي أقل منها في هذا الأمر، حيث يلجأ البعض إلى الحيلة في هذا التقارب، خاصة ما حدث من شيخ العرب شمروخ حين استنجدت به أم بتول لنجدة ابنتها حين غرر بها حبيبها معوض في لحظة ضعف إنساني، ويحاول شمروخ ـ بمعاونة بعض الشباب المتحمسين لهذا التقارب ـ أن يحضروا معوض ومحمد السوالمي والد بتول المعارض لهذا الزواج في أجولة دون أن يحس بهما أحد، لإتمام عقد القران بطريقتهم الخاصة وبعيداً عن أعين من يريد تعطيل هذه
الزيجة، لكنهم يكتشفون موت والد بتول داخل الجوال الذى أحضر فيه. ويساق شمروخ إلى السجن وهو مرفوع الرأس، من هنا نجد أن التقارب بين القبائل الجنوبية والتباعد بينها هو أمر من قبيل طبيعة الناس في المنطقة تفرضه أنثروبولوجيا التقاليد والعادات داخل المكان.
عالم الروائي عبد الوهاب الأسوانى الجنوبي هو عالم يرتكز على طبائع الناس ومتوارثهم الإنساني وجبلتهم الخاصة النابعة من طبيعة المكان والبيئة والمناخ الجنوبي الجاف وطبيعة ممارساتهم لطرق الحياة والمعيشة في كل شؤونهم وصراعاتهم وحياتهم الخاصة والعامة. لذا فهو في هذا العالم السردي يرصد الإنسان الجنوبي بهمومه وتأزماته الذاتية وصراعاته وأفراحه وقضاياه الخاصة والعامة

أما رواية «النمل الأبيض» والتي جاءت حاملة في طياتها ونسيجها أنثروبولوجيا الجنوب الأسواني في تفصيلات وتشكّلات عدة من خلال حقبة مهمة من تاريخ هذا المكان، ومن خلال استخدام بعض التيمات التي سبق أن استخدمها الكاتب في رواياته السابقة، حيث تمثل إشكاليات عديدة لطبيعة ما يحدث في المكان من توجهات وممارسات وأعراف البيئة القبلية، حيث اختار الكاتب عنوان «النمل الأبيض» كعتبة أولى استهل بها النص ليؤصل المعنى والبعد الدلالي لما سيرد فيه من ممارسات ووقائع الفساد ووسائل القمع والقهر الإنساني، حين اكتشف أن النمل الأبيض يزحف على المكان وداخل طبيعة الناس، يكتسح أمامه كل شيء، وتعتبر دلالة العنوان ترميزاً للعديد من أوجه الفساد التي عمت الذات والمكان والحياة كلها، والتي بدأت ببعض محاولات التغيير في هذا المجتمع الجنوبي، ثم الانفتاح الاقتصادي، الذى قلب الهرم الاجتماعى للمجتمع المصري بأكمله، والذي سارت به بعد ذلك الأمور، لتجعله مرتعاً لتأثير أصحاب النفوذ والمتسلقين من السلطويين ومحترفي السياسة، بجانب صور الفساد الخلقي خاصة النابع من أصحاب السطوة والسلطان، كل هذا وغيره كثير كان وجها من وجوه النمل الأبيض الذي بدأ يزحف وينخر في جسد الواقع بأكمله، والذي اكتشف فجأة في عروق الخشب الحاملة لسقف بيت عامر من خلال بقعة طينية رآها عامر في سقف حجرة نومه في البيت الذي يقيم فيه مع أسرته، وهو يعاني من هاجس تعرضه لمحنة لا يدرى كيف يخرج منها: «رفعت رأسي أحدق في السقف لعلي أتذكر شيئاً أشغلها به، لاحظت أن أحد عروق الخشب، التي تحمل السقف، ظهرت به بقعة طينية يابسة أشرت إليها متعجباً:
ما هذا؟
رفعت رأسها تنظر إلى عرق الخشب، سال شعرها وراءها حتى غطى ظهرها، قالت: لا أعرف ما الذى جاء بهذا الطين إلى هنا؟»(2).
كان هذا هو مشهد البداية في اكتشاف النمل الأبيض داخل بيت عامر وعروسه الجازية. لكن البداية الحقيقية كانت عند توفيق بك، الذي طلب من عامر أن يطلق زوجته ليتزوجها ابنه المريض نفسياً استناداً إلى تشخيص الأطباء له بأنه لن يشفى إلا إذا تزوج من يحبها، وكانت الجازية هي المقصودة بذلك.ولعلنا نكتشف في هذه التيمة الأولية لنص النمل الأبيض، تناصاً لنفس التيمة مع نص آخر، وهو نص قصصي للكاتب أحمد رشدي صالح جاء تحت عنوان «الزوجة الثانية». النصان يتحلّقان حول فكرة استخدام القهر والقمع والسلطة لطلاق الزوجة من زوجها بغرض إعادة تزويجها بواحد من أصحاب السلطة المهيمنة، ففي قصة أحمد رشدي صالح يطلب عمدة البلد من أحد الفلاحين طلاق زوجته ليتزوجها هو بحجة أن امرأته عاجزة عن الإنجاب، وهو يريد وريثاً لثروته التي تضخمت من النهب والسرقة والسلطة الظالمة، ويوظف العمدة كل سطوته وجبروته من أجل هذا الغرض، وفي النمل الأبيض يطلب توفيق بك ـ أحد كبار أعيان المنطقة ـ من الشاب عامر أن يطلّق زوجته ليزوجها لابنه المريض، استجابة لأوامر الأطباء ولكنه في الحقيقة يلجأ إلى هذه الحيلة ليتزوجها هو وحتى لا يقال إنه طلقها من زوجها بالقوة ليتزوجها، وهو في هذه الحالة يوظف ماله وسطوته ونفوذه أيضاً من أجل هذا الغرض، من هنا بدأ النمل الأبيض زحفه على مقدرات الناس في هذه البلدة الجنوبية الصغيرة، كدلالة لما يحدث فيها من قهر واهتراءٍ في العلاقات الإنسانية بين الكبير والصغير والقوي والضعيف، كما نجد عدة مظاهر من التناص جاءت على سبيل الاستدلال على عنف وسطوة المحتوى وهي سطوة استخدام السلطة الغاشمة والقهر والحيلة في التحكم في حقوق الناس ومقدراتهم الذاتية والمعيشية، وهو أمر وجد في كثير من الروايات التي استخدمت الريف كخلفية لما يدور فيها من وقائع وقهر وعنف وثأر، وغير ذلك من التيمات الموجودة في المجتمع الريفي مثل رواية «الأرض» للشرقاوى، و«دومة ود حامد» للطيب صالح، و«ريح الجنوب» للجزائرى بن هدوقة، وغيرها من النصوص الروائية التي كان فيها الصراع بين سطوة صاحب السلطة والجاه والمال وبين الفلاحين الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة هي التيمة الرئيسية في نسيج النص. ولعل الأحداث التي تضمنها النص في أبعاده المختلفة تكشف عن هذه الدلالة التي حملت معها هذه العناصر المتباينة مثل التلويح بالمال والجاه والأرض كترغيب وتحفيز للوصول إلى الهدف الرئيسي (المرأة)، ثم عنصر التهديد والمؤامرات الخفية كشق طريق وسط بيوت أهل النجع الذين يقفون أمام أهداف توفيق بك سواء في الزواج من الجازية أو في الانتخابات، ثم الزج بزاهر شقيق عامر زوج الجازية في جريمة لم يرتكبها، كوسيلة من وسائل الضغط، لعلمه بأن رابطة الأسرة في هذا النجع من أقوى الصلات الأنثروبولوجية التي يتمتع بها الريف في الجنوب، مما كان سبباً في مرض زاهر ثم وفاته، ووفاة الأب عبد المولى كمدا لوفاة ابنه، لقد كان النمل الأبيض هو الدلالة الرئيسية التي لم تكبحها رغبات ونزوات وسطوة البك الكبير توفيق، والتي انتهت بفصل عامر من عمله ومرضه وتمكن النمل الأبيض من المجتمع برمته»؛ رفعوا رؤوسهم إلى السقف وقال بشير:
كارثة!!
قال عمى عرابى:
هذه «أرضه».
أرضه؟.. قصدك النمل الأبيض؟
أجاب عمي عرابي وهو يقف ويحدق في السقف:
لا صلة لي بهذه الأسماء الجديدة.. أنها «أرضه».. كان الواجب أن تخبرنا بها منذ بدايتها يا بني.
صعد فوق سرير الحبال ومد الخيزرانة يتحسس بها عروق الخشب وقال:
العروق كلها مضروبة.. لو لمسها أحد، سيسقط السقف كله.
قال ابن خالي محروس:
نصف العروق فقط هي التالفة، يمكن الاستفادة بالنصف الآخر.
قال بشير ـ وهو يمد عصا يتحسس بها السقف ـ
كلها تالفة، لا بد من هدم السقف كله وإلا امتد الوباء إلى جميع بيوت النجع»(3).

في هذا النص تتعدد مستويات السرد، لأن السرد الروائى يبدو وكأنه يحكي لنا تفاصيل الصراع بين البك الذى يلجأ إلى أساليب إبليسية مرواغة، وقبيلة عامر التي يسعى أفرادها للتجمع لرد هجمات البك عليهم. ولكن تحت سطح هذه الأحداث ثمة وعي بالصراع المستمر بين عناصر التجمع من أفراد القبيلة، وهي عناصر تعتمد على قيم الترابط الأسرية القديمة، وعلى اعتزاز القبيلة بنفسها، وبين عناصر التفريق والتمزق التي تتسلل إلى جهد تجميعى فتجهز عليه»(4). لذا جاءت مستويات النص متعددة في نسيجه العام من خلال رؤية الكاتب نحو تأسيس حالة من حالات الاتكاء على أبعاد الشخصية السلطوية وشخصية المرأة، وهما اللذان اشتغل عليهما الكاتب في تأصيل مراحل النص المختلفة في شتى توجهاته.

المرأة والنص
ثمة بعد أصيل كما أشرنا له دور كبير في تسيير دفة النص وهو المرأة، حيث إن المرأة كانت هي المحور الأثير في نسيج نصوص عالم عبد الوهاب الأسوانى الروائية، فهي تمثل تيمة لها خصوصيتها ترفد النص، وتمثل داخله معالم وصيغة محورية تتحلق حولها أحيانا صراعات السلطة، وواقع العادات والتقاليد، وفي عالم الأسوانى تكاد تكون لها اليد الطولي في نسيج إبداعه، فهي في كل نص تمثل حالة خاصة من حالات بؤرة الحبكة الدائرة حولها تيمة النص، كما أنها هي البعد الرئيسي الخارج منه الحبكة بكل تشكلاتها وأبعادها ونسقها، كما نجد أن الأنثروبولوجيا في حياة المرأة متجذرة إلى أبعد الحدود في شؤونها وأحوالها الخاصة وموروثاتها الذاتية، وطبيعة وجودها داخل الأسرة زوجة وجدة وابنة وشقيقة، وما تضطلع به من أمور حياتية تمتح من الخرافات والتقاليد والعادات التي تمثل المرأة فيها حالة من حالات الشأن الإنساني المتجذر في الحياة، علاوة على ذلك فهي تمثل نصف المجتمع وهي تعكس صورة صادقة للطرح الإنساني في شؤون الحياة. فهي في «سلمى الأسوانية» العروس المستلبة والمتهمة في عذريتها، لذا فالجميع يتحلّق حول همها، وهمها هو همهم جميعاً، ويحاولون بشتى الطرق تطبيق قانون القبيلة وأعرافها المتوارثة بأن تتزوج الفتاة من ابن عمها، درءاً لشبهات العار وحفاظاً على شرف القبيلة وسمعتها، وهي في «أخبارالدراويش» الفتاة «نعمة» التي يتكالب عليها الجميع، لجمالها وأنوثتها الطاغية مع أنها مخطوبة لغانم الشاب الأجير بعد علاقة حب بينهما. إلا أن المؤامرات تحاك لوأد هذه الزيجة والفوز بها عن طريق استخدام أسرتها في زراعة أرض حمدي الأزرق الدكتاتور الجديد صاحب السطوة والسلطة والصولجان، الذي نجح في الانتخابات في هذه الدائرة الجنوبية، لذا فهو يحاول تجنيد الأسرة كلها للعمل في زراعته للنيل من هذه الفتاة. وهي في «اللسان المر» الفتاة الجميلة الفقيرة «بتول» وهي من قبيلة السوالم المغلوبة على أمرها، يتقدم إليها «معوض» وهو من قبيلة أخرى ذات حسب ونسب، بينما يريد والده أن يزوجه ابنة عمه كما تقضي التقاليد والعادات أن ابنة العم لابن العم حتى لا تخرج الأرض والثروة إلى الغير، خاصة إذا كانت هذه القبيلة قبيلة فقيرة مثل قبيلة السوالم. وهي في «النمل الأبيض» الجازية التي يطمع فيها توفيق بك ويسعى لتطليقها من زوجها بحجة أن يزوجها لابنه المريض ثم يتزوجها هو، وبعد ذلك تنتقل الزيجة بعد إفلاس توفيق بك إلى الأستاذ عبد الودود الذي أصبح من كبار التجار وأصحاب المال الوفير. المرأة في عالم الأسواني هي البعد الأنثروبولوجي القائمة عليه التيمات الرئيسية لكل نص، فهي تعيش في الحريم لا تخرج من أسواره، ومحنة المرأة في جمالها هي المحنة التي تصورها الرواية عند الأسوانى بكل نسقها وأبعادها الخاصة، وفي عالمه نجد أن تجسيد واقع المرأة في هذا العالم القبلي الجنوبي إنما يخرج من عزف الكاتب على وتر ولحن واحد في كل نص من نصوصه الروائية. حيث تبدو كشيء مهمل في البعد الروائي، وغالبا ما تكون جانباً مهماً في الصراع حول السلطة أو الجنس أو وجه من وجوه الهيمنة والتسلط، فهي جزء لا يتجزأ من هذا الصراع ليس لكونها طرفاً فيه ولكن لكونها جزءاً من إرث الصراع ومحتوياته الهشة.

البناء الفني للنص
يعتمد النص على الراوي السارد بضمير المتكلم، وهو الراوي المتعدد الرؤى والمتحدث من بداية النص إلى نهايته، بحكي وسرد وتسجيل الواقع بكل تفاصيله، يستخدم الكاتب لذلك آلية ترسم تفاصيل بالغة الدقة والرهافة لملامح الحياة الريفية التي يحياها هذا النفر من الناس في الجنوب بكل هذه التلقائية والعفوية وبما ينتج عنها من مفارقات بين ما يهجسه هاجس السارد وبين ما يحدث على صعيد نسيج هذا الواقع، والكاتب في سرده الذاتى إنما يحاول تفجير طاقات النص وخروجه من المعنى الواحد إلى عدة معان تربط الماضى بالحاضر، وتحكم هذا الحشد من الأحداث المعتمدة على تسجيل ما يدور في واقع النجع وناسه والقبيلة والعواطف الجياشة الرابطة بين أفرادها والصورة الصارمة لسطوة قوانينها وطقوسها الخاصة والعامة، ووقائع الموروث بطاقات الواقع المعيش في نسيج واحد يمتح منه هموم الناس وطاقات تحايلهم على المعايش وطرق الحياة في النجع. واللافت للنظر في محور هذا النص وفي بعض التيمات الفرعية والمتعارضة مع التيمة الرئيسية أنها جاءت عبر حشد من الأحداث التي جاءت على نحو تسجيلى يسجل فيه الكاتب برؤيته وبضمير المتكلم أحداث النص، وهو في خبرته الحياتية دائماً ينادي كل فرد بلقبه، فهذا عمي عبد المجيد وشقيق أبي حجازي وابن عمي قاسم وعمي الشيخ حسين الكومي، وغير ذلك من الألقاب، كما أن ثمة علاقات متداخلة وعلاقات تداخل تقرن النص بمختلف أنماط الخطاب التي ينتمي إليها. وفي هذا الإطار تدخل الأجناس الأدبية المتعلقة بالموضوع والصنعة والشكل، لجامع النص، أو جامع النسج».(5)، كذلك كان للموروث الأنثروبولوجي دوره الفعال، ليس في هذا النص فحسب، وإنما في عالم الأسواني برمته. فالقص والحكي عنصر هام في العمل الأنثروبولوجي كما هو في العمل الروائي، وفيه يتمثل الجانب الإبداعي الذاتي لدى الباحث أو الكاتب، كما يلعب الخيال فيه دوراً لا يستهان به. لذلك كان المجال الأنثروبولوجي والروائي يمتحان معا من جانب إنساني واحد، إلا أنه في حالة السرد الروائي كثيراً ما يعتمد على الأنثربولوجيا من كافة جوانبها، وصفها، وحكيها، وحبكتها، والشخوص العائشة حقيقة واقعها، في تأصيل معالم المتخيل، خاصة عندما يكون المجال هنا مجالاً له خصوصيته وذاتيته في التناول، مثلما هو قائم في عالم عبد الوهاب الأسواني الروائي، إذ إن الجانب القبلي والبيئة الريفية الجنوبية في أسوان وما حولها والعالم المتبادل بين ما هو أنثروبولوجي وما هو متخيل سردي، كثيراً ما يكون في إطار الشكل التركيبي للإنسان، من خلال ما تفرزه هذه البيئة الزراعية الرعوية، وعلاقة الإنسان بموروثه القديم من كافة جوانبه. وواضح أن رواية «النمل الأبيض» والنتائج الموضوعية في نسيجها السردي تعيش هذه الرؤية بكل مخاضها وزخمها الخاص»: وكما أن الروائي هو باحث أنثروبولوجي بالدرجة الأولى في مثل هذه الأعمال السردية فإن الكتابة الأنثروبولوجية هي شكل من أشكال القص أو الحكي، وإنه لا بد من وجود ما يقابل الحبكة الروائية بها»(6). وتتضح هذه الرؤية من الأحداث الكامنة والمتواترة في فصول الرواية، خاصة من وصف البيئة والمنزل الريفي الجنوبي في نجوع أسوان، وممارسات الشخصيات حول طبيعة حياتهم وما يفعلونه أثناء نوبات الصراعات بين القبائل والعائلات، والتقابلات التي تتضح من همومهم الذاتية وما يفعلونه تجاه هذه الهموم، وفي حالات الموت والزواج، والتجمع القبلي في مواسم الحصاد، والوقوف صفاً واحداً داخل العائلة والقبيلة أثناء الانتخابات ومنح الأصوات لمن تريده القبيلة كلها، والكرم الحاتمي في حالات التجمع، وبيع المواشي التي تعتبر الشريان الحيوي للحياة في البيت الريفي لتزويج البنات والفتيان، مثلما حدث من بيع البقرة الحمرة لعلاج زاهر أثناء مرضه الطويل، والطقوس التي تتبع في حالات موت النساء والرجال»: انتهت أيام العزاء. ها هو صوت عمي الشيخ رزق يأتيني من بعيد ينقر على الدف.. أتخيله الآن في بيته يجلس على حصيرة ويسند ظهره على سرير حبال، وهو لا يمسك بالدف إلا إذا كان في حالة حزن»(7).

البعد الإثنوجرافي
العامل الإثنوجرافي في النص هو البعد المؤصل للرواية المعرفية المليئة بتفاصيل وأحداث الحياة اليومية الواقعية، وهو البعد الإخباري والتوثيقي المليء بخبايا الحياة، من خلال خلفية اجتماعية وعاطفية وإنسانية مستمدة من واقع الحياة اليومية، لذلك نجد أن هذا العامل قد ورد في نصوص الكاتب بطريقة أوضحت تعقد العلاقات بين الشخوص، وهي سمة تتسم بها الرواية الواقعية في بنيتها الأساسية، خاصة هذه البنية التي تستمد أحداثها من الريف والقرى والنجوع والأماكن التي لها سمات خاصة وخصوصية تتصف بها، وهو ما وضح في رواية «النمل الأبيض» حيث المكان الأسوانى الجنوبى المتسم بخصوصيته وطبيعته الخاصة كان حاضراً في أحداث النص منذ بدايته وحتى النهاية، خاصة في اجتماع القبيلة وأولاد العم الذين حضروا من ضفتي النهر لمناقشة أحوال الانتخابات وهو الأمر المعلن، أما الأمر غير المعلن فهو مناقشة الكبار لموضوع الطلب الغريب الذى طلبه توفيق بك من عامر بأن يطلق زوجته. وقد أضمر هذا الأمر في زحمة المناقشات والأمور التي عتمت على الموضوع الرئيسى للاجتماع، وإن كان الأمر يرمي بظلاله على الشخصيات التي هي على علم بهذا الموضوع. كذلك نجد أن البعد الإثنوجرافي متجذر أيضاً في أمور الحياة العادية مثل وصف المساكن وترتيب الحجرات والحياة الداخلية للأسرة ومعاملات الأفراد والملبس والمأكل والغرائز والجنس وغير ذلك من المعلومات الدقيقة، ولعل هذه العبارة تكفي للدلالة على أهمية هذا العامل الذي استخدمه الكاتب في بنية ونسيج النص لتأصيل تجليات سرده وتحقيق البعد المعلوماتي الإثنوجرافي المتوازن في ترتيب وتنضيد سرد روايته: «استقبلني عمي الأستاذ دسوقي في الطابق الأعلى من بيته الذى يتألف من طابقين ويفصله عن البندر أقل من ميل.. جلسنا على أريكتين متقابلتين في شرفة عريضة تطل على أرضه الزراعية.. نجعنا يفخر به ويعتبره من نوابغ القبيلة.. وحين أكون في البندر، يكفي أن أقول إنه عمي حتى أعامل بمودة في الحال.. لملم الروب دي شمبر على جسده الطويل الممتلئ وقال:
اسمع يا أستاذ عامر.. أنت متعلم وأنا أقدر أن أتكلم معك في مواضيع لا أقدر أن أفاتح فيها والدك أو أي أحد من أعمامك..»(8).
تكفي هذه العبارة لتوضح الدلالة على أهمية العامل الإثنوجرافي لتأصيل معالم النص وتوظيف المكان والوصف وتوظيف المناخ لخدمة الحدث الرئيسى والأحداث الفرعية النابعة منه، وعلى الرغم من واقعية المفارقات الموزعة في نسيج النص بين طبيعة الأفراد ومكانتهم الاجتماعية داخل القبيلة وخارجها إلا أن الكاتب قد نجح تماماً في رسم جميع الشخصيات، كلاًّ حسب رؤيته الذاتية مما حقق للنص أن يكشف عن بعض الجوانب الإنسانية الرقيقة، عند كل من زاهر الذى استشعر فداحة اتهامه بالسرقة فمات كمدا، بينما الجازية زوجة عامر ـ وتعمل معه في مهنة التدريس ـ لم تستشعر معنى الحياة في بيت زوجها ومع أسرته، ربما لأنها كانت تريد لنفسها بيتا مستقلاً، شأنها شأن الكثير من بنات النجع، أو أن طبيعتها كانت متمردة على واقعها، لذا كانت دائماً تكون شخصيتها فاترة في تعاملها مع زوجها، ومشاعرها باردة في بعض الأحيان، وكثيرا ما كانت تبيت في منزل أهلها.
لقد كان نص «النمل الأبيض» في واقعيته وغرائبية وما يدور في أحداثه المتواترة، نصاً يعمل على تأصيل جوانب النماذج الإنسانية الحاملة لرؤى خاصة بها ويتوفر لها البعد السلبي والإيجابي، وعلى الرغم من أن الشخصية الرئيسة ـ وهي شخصية عامر ـ كانت هي القائمة بدور الراوي السارد، إلا أن البطولة الجماعية كانت هي الأخرى لها دورها الإيجابي في بلورة واقعية النص، ففي خضم الصراعات الدائرة على صعيد النص، كانت هناك شخصيات إنسانية إيجابية تحاول قدر طاقتها أن تمنع تسرب النمل الأبيض إلى محيط الحياة كلها، وقد جعل الكاتب من أزمة عامر البداية التي سجلت تناقضات النص وتناقضات الشخوص والمكان والرؤية للمواقف المتأزمة.

الإحالات :
1ـ الرواية الأنثروبولوجية بين الواقع الإثنوجرافي والخيال الإبداعي، د. أحمد أبو زيد، عالم الفكر، الكويت، ع 43 م 23، يناير/يونيو 1995 ص 135
2ـ النمل الأبيض (رواية)، عبد الوهاب الأسوانى، روايات الهلال.. دار الهلال، القاهرة، 1995 ص 18
3ـ الرواية ص 205
4ـ النمل الأبيض وانهيار العالم القديم، د. صبرى حافظ، ج القدس العربي، لندن، 17 أكتوبر 1995 ص 10
5ـ مدخل لجامع النص، جيرار جينيت، ت عبد الرحمن أيوب، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1996 ص 90
6ـ الرواية الأنثروبولوجية ص 138
7ـ الرواية ص 152
8ـ الرواية ص 45

Tags: ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий