Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > علم الأنثربولوجيا والتنمية … بقلم: عبد المنعم خليفة خوجلي

علم الأنثربولوجيا والتنمية … بقلم: عبد المنعم خليفة خوجلي

المصدر: موقع سودا نايل

1- 3 مقدمة

ظل التنوع الإثني والثقافي الذي تزخر به بلادنا دوماً عنصر جذب للباحثين في حقل الدراسات الاجتماعية ومحوراً لاهتمامهم؛ بل ونستطيع القول بأن علم الأنثربولوجيا الاجتماعية على نهج المدرسة البريطانية قد تأسس بناء على المادة الإثنوغرافية الثرية التي كتبها الرواد من الأساتذة المؤسسين لهذا العلم عن القبائل السودانية (النوير والزاندي والشلك والنوبة  والمسيرية) ، كما سيأتي في سياق هذا المقال.

ورغم الشروخ العميقة، والقروح الباقية التي أصابت النسيج الاجتماعي السوداني في العقود الأخيرة نتيجة للحروب التي انتشرت في مختلف أرجاء البلاد، وما نتج عنها من مآسي إنسانية ونزوح، مضافاً إليها الجفاف وتدهور البيئة، فإن جذوة الأمل لم تخبو في نفوس الوطنيين. فهم لا يزالون يثقون في أن ذلك الثراء الإثني والثقافي سيظل مصدر إثراء عظيم ودعم لنهضة سودان المستقبل. وهذا المقال ليس بدراسة أكاديمية بل هو عبارة عن انطباعات وذكريات تاريخية عن فترة كنت قد ارتبطت فيها بعلم الأنثربولوجيا الاجتماعية، رأيت أن أسجلها علها تكون مفيدة كمدخل للنظر في كيفية توظيف مثل تلك العلوم الاجتماعية بفعالية لخدمة قضايا الوطن الملحة. لقد أصبح ضرورياً، بل مصيرياً لمستقبل السودان ووحدته رتق النسيج الاجتماعي بالسير على نهج التنمية المتوازنة اقتصادياً وثقافياً. وللدراسات الاجتماعية في تقديري دور يمكن أن تقوم به في وضع أساس سليم لذلك. المهم هو توفر العزيمة الوطنية لبناء وطن يسع الجميع، ويحترم كافة الثقافات، ويعمل على تطويرها. 
ذكريات تاريخية

تأسست كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية بجامعة الخرطوم في عام 1958م، وكان علم الاقتصاد قبل ذلك يدرس بكلية الآداب. وتصادف أن كنت ضمن طلاب الدفعة الأولى التي قبلت بتلك الكلية الوليدة، والذين كان عددهم 59 طالباً وطالبة واحدة (هي السيدة نفيسة حسن زلفو). وكان عدد الطلاب الذين قبلوا بجميع كليات الجامعة في ذلك العام حوالي المائتين؛ واعتبر ذلك عدداً كبيراً جاء في ظل ظروف التوسع في التعليم الجامعي تجاوباً مع الطموحات التي تولدت إثر استقلال البلاد، والذي كان قد مضى عليه عامان آنذاك.

كان عميد الكلية الأول ومؤسسها هو الدكتور سعد الدين فوزي، من الرعيل الأول من الأساتذة السودانيين بالجامعة، (عليه رحمة الله، فقد توفي في عام 1959م – بعد عام واحد من تأسيس الكلية). وهو مثقف وطني ذو أفق عريض واهتمام بقضايا الوطن والمجتمع. كان محور اهتمامه الخاص  الحركة العمالية في السودان، وقد جعلها موضوع أطروحته لنيل درجة الدكتوراة.  وقد كان للحركة العمالية في تلك السنوات إسهام كبير في النضال الوطني، لما ظلت تتمتع به من وعي واستنارة وحيوية. (من الجدير بالذكر أن الدكتور سعد الدين فوزي شاعر أيضاً، وله ديوان شعر منشور وهو خال الشاعر الراحل الدكتور محمد عبد الحي).

العلم الرئيس الأول الذي كان يدرس بالكلية هو الاقتصاد، والعلم الرئيس  الثاني كان هو الأنثربولوجيا الاجتماعية. وكانت هناك علوم أخرى يختار الطلاب بعضاً منها لتكملة العدد المطلوب وفقاً للمناهج المعدة. ومن بين تلك العلوم: الفلسفة، والجغرافيا (بروفيسور ليبون)، واللغة الإنجليزية (بووفيسور موراي وبروفيسور إيوين)، والتاريخ (بروفيسور كولنسون وبروفيسور ثيوبولد)؛ وهي علوم تدرس في كلية الآداب. لهذا نشأ ترابط بين الكليتين، حيث كان طلاب كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية يشاركون طلاب الآداب في دراسة تلك العلوم. من تلك العلوم الاختيارية أيضاً الرياضيات لمن هم مؤهلون لدراستها وفقاً للمستوى الذي بلغوه في الرياصيات والرياضيات العليا في نتيجة الشهادة السودانية (كامبردج آنذاك)، (وكنت أحدهم). كنا ندرس الرياضيات البحتة مع طلاب الهندسة والعلوم الرياضية (بروفيسور هيجنز وبروفيسور حليم).

بينما كان هناك هذا التداخل بين الكليات في دراسة بعض العلوم، كما أشرت لذلك، إلا أن دراسة الأنثروبولوجيا الاجتماعية كانت علماً اختصت به كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية، ولا يشارك فيه طلاب كلية الآداب ولا أي كلية أخرى.
لم نكن في البداية، ونحن مقدمين على دراسة الأنثربولوجيا الاجتماعية، مدركين بوضوح معالم هذا العلم الجديد، والأهمية التي تجعل منه علماً رئيسياً في هذه الكلية التي تؤسس في الجامعة للمرة الأولى، وذلك في إطار التطوير الذي يشهده التعليم الجامعي بعد الاستقلال. كانت في أذهاننا في ذلك الوقت أفكار غامضة حول هذا العلم وارتباطه بالاستعمار! وتركيزه على دراسة المجتمعات البدائية في إفريقيا، والتي هي في الغالب من مستعمرات الإمبراطورية البريطانية. مثل تلك الأفكار غير المحددة، وغير المستوثق منها علميا،ً ربما كان مبعثها الحساسية التي تولدت لدينا – ونحن في فورة الشباب، وفي ظروف التعبئة ضد الاستعمار في سنوات الاستقلال الباكرة تلك، وفي وقت بدأت فيه حركة التحرر الوطني تنتظم مختلف البلدان القارة الإفريقية، بل بلدان العالم الثالث بأسرها. ومن بين الأنثربولوجيين البريطانيين الذين استهوتنا كتاباتهم بروفيسور ماكس جلكمان (من جامعة مانشستر) والذي كان له موقف ناقد للاستعمار، وله احترام لثقافات الشعوب؛ فهو مثلاً يرى أن في    عادات ومعتقدات النوير والزاندي (بما فيها نظرتهم للسحر) الكثير من الأصالة والتماسك. لبروفيسور جلكمان كتاب صغير الحجم وسهل الهضم عنوانه التقاليد والصراع في إفريقيا Custom and Conflict in Africa .

كان أساتذتنا الأوائل الذين يدرسوننا هذا العلم يحاوروننا مدافعين عن الأنثربولوجيا الاجتماعية، ويردون على مخاوفنا بقولهم: إذا سلمنا جدلاً بأن الإدارات الاستعمارية كانت توظف نتائج ذلك العلم في إدارتها لشعوب المستعمرات، فإن في مقدور البلدان المستقلة أن توظفه أيضاً في تحسين فهمها لمواطنيها، والارتقاء بأسلوب إدارتهم وتنميتهم.

غير أننا من الناحية الأخرى كنا نثق في أن الفكر المستنير للدكتور سعد الدين فوزي، ورؤيا الإدارة الوطنية للجامعة، وهي في أول عهدها، لا بد وأن تكون وراء تأسيس هذا العلم ليتكامل مع الاقتصاد، نظراً للأهمية الخاصة لسيادة الترابط بينهما من أجل توازن التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية التي تنتظر السودان المستقل.

2 – 3

كان لا بد من إخضاع تلك الأفكار المسبقة والشكوك والتساؤلات للمحك العملي، من خلال البدء في التعرف على المنهج المعد، والمادة المقدمة عملياً على قاعات الدراسة، ومن خلال الحوار الموضوعي المنعقد وفقاً للتقاليد الجامعية. ومن الجدير بالذكر هنا أنه كانت قد تأسست في تلك السنوات الأولى لقيام الكلية الجديدة، جمعية لطلاب الأنثروبولوجيا الاجتماعية؛ كان هدفها هو تعريف الوسط الجامعي، والمجتمع عموما، بهذا العلم الجديد، وشرح جوهر رسالته. كما كان من أهدافها أيضاً تعزيز الصداقة بين الطلاب والأساتذة. وقد رحب الأساتذة بقيام تلك الجمعية الطلابية، ودعموها وساعدوها في إصدار مجلة باللغة الإنجليزية اسمها Society كان يشارك في تحريرها والكتابة فيها الطلاب والأساتذة. كانت المجلة منبراً جيداً للحوار الموضوعي حول بعض القضايا الاجتماعية، وكذلك المسائل المثيرة للجدل، والتي كانت تتباين حولها الرؤى. كما حوت المجلة مقالات متنوعة لموضوعات ذات صلة بالمتغيرات في المجتمع.. أتوقع أن تكون أعداد من المجلة موجودة بدار الوثائق القومية؛ كما آمل أن يكون رئيس الجمعية، الأخ والصديق/ محمد العباس أبا سعيد (السفير لاحقا)، محتفظاً ببعض أعداد تلك المجلة.

استهوت الأنثروبولوجيا طلاباً من الرعيل الأول من أبناء جيلنا الذين درسوها؛ فواصلوا دراستها ونالوا درجة بكالوريوس شرف، وتم ابتعاثهم لبريطانيا للدراسات العليا (الماجستير والدكتوراة) والتحقوا بهيئة التدريس بالجامعة كأول أساتذة سودانيين في هذا العلم.. أذكر منهم د. تاج الأنبياء علي الضوي، ود. فهيمة زاهر سرور (والتي تخصصت في علم الاجتماع الحضري Sociology).

الأنثربولوجيا الاجتماعية

إذا ما رجعنا لتعريف الأنثروبولوجيا عموماً، فيمكن وصفها بأنها علم الأنسنة، أو علم الأجناس؛ أي أنها تهتم بالجنس البشري وسماته المميزة، وتبحث في تفسير الفروقات والاختلافات بين المجموعات المختلفة من البشر، وتأثير تطور الجنس البشري في التنظيم الاجتماعي والثقافي. هذا ما كان من أمر الأنثروبولوجيا عموماً. غير أن ما يعنينا بوجه خاص هنا هو ما يشار إليه في الأدبيات البريطانية بالأنثروبولوجيا الثقافية، أو الأنثروبولوجيا الاجتماعية. ويرجع هذا العلم بجذوره إلى كل من العلوم الطبيعية، والإنسانيات، والعلوم الاجتماعية؛ وهناك رأي عام حول الأنثروبولوجيا الاجتماعية كعلم، مفاده أنه علم  فضفاض وغير محدد. ويحمل هذا الرأي أنثربولوجيون مشهورون مثل بروفيسور طلال أسد من جامعة مدينة نيويورك؛ وهو يشير ألى التداخل بينه وبين علوم أخرى كثيرة خارجة عنه، مثل اللاهوت في القرن التاسع عشر، والكلاسيكيات في مطلع القرن العشرين، وعلم الاقتصاد السياسي، وعلم التاريخ (عبر الماركسية).

رواد الدراسات الأنثروبولوجية

الباحث الرائد في الدراسات الأنثروبولوجية عن السودان هو بروفيسور سليجمان C.G. Seligman والذي اضطلع بأبحاث امتدت لخمسة وعشرين عاماً في جنوب السودان وجبال النوبة. وقد تعامل مع القبائل التي قام بدراستها بأسلوب منتظم من حيث المنهجية في تناول الموضوعات، والتي تضمنت: نظم الحياة العامة – صلات القربى – الحياة الأسرية والزواج – صناعة المطر – طقوس الوفاة والجنائز . كما تناول باستفاضة الوضع الذي يحتله السحر  Witchcraft في حياة تلك القبائل. وقد أبرز سليجمان في هذا الجانب التناقض بين مفاهيم الدارسين من الأوربيين، والبيض عموما، وبين الخلفيات التي تشكل وجود الإنسان من تلك القبائل وأساسيات تفكيره. إن النفاذ إلى جوهر مكانة السحر والكهانة في عقول تلك القبائل أمر يتطلب التعاطف مع الأساس السايكولوجي لمعتقدات ما وراء الطبيعة بشكل عام.

توج بروفيسور سليجمان نتائج أبحاثه بمؤلفه الكلاسيكي الضخم (565 صفحة)، والذي صدر في عام 1932م: “القبائل الوثنية في السودان النيلي” Pagan Tribes of the Nilotic Sudan . ويعتبر الكتاب مرجعاً هاماً للمهتمين بالسودان سواء كانوا أكاديميين أو إداريين. وقد عبر سير هارولد ماكمايكل، السكرتير الإداري لحكومة السودان، عن تثمينه العالي للعمل الذي قام به بروفيسور سليجمان وزوجته، والذي وصفه بأنه جاء مسحاً شاملاً للناس في تلك القبائل من حيث تقاليدهم وثقافتهم وطريقة تفكيرهم؛ بينما كانت الكتابات الكثيرة التي كتبت عن جنوب السودان قبل ذلك مجرد كتابات مبعثرة نوعاً ما، ولا يمكن الاعتماد عليها. كذلك أشاد سير ماكمايكل بالقيمة العملية العظيمة للعمل الذي قام به سليجمان وزوجته، والخدمة الجليلة التي أدياها لزملائهما من الباحثين، ولإدارة حكومة السودان أيضاً.

ظلت حكومة السودان تدرك قيمة تلك الأبحاث، وتستفيد منها في تطبيقها على إدارة شئون تلك القبائل؛ ولذلك ظلت تتابعها برغبة وتقدم لها المساعدة. ولقد استفاد من أبحاث بروفيسور سليجمان تلك، وواصلها، باحثون آخرون في علوم الأنثروبولوجيا الاجتماعية، لعل أبرزهم هو بروفيسور إيفانز برتشارد.

بروفيسور إيفانز برتشارد  Evans Pritchard

تأثر بروفيسور إيفانز برتشارد – كما أسلفت- بشكل خاص ببرفيسور سليجمان- مؤسس الإثنوغرافيا السودانية – وواصل اهتمامه بدراسة القبائل في جنوب السودان.

بدا إيفانز برتشارد دراساته الميدانية بقبيلة الزاندي، وله مؤلفه الكلاسيكي عنها: “العرافة والكهانة والسحر عند الزاندي” Azande Witchcraft, Oracles and Magic ، والذي يعتبر أول إسهام أنثروبولوجي كبير لسسيولوجيا المعرفة، وفيه تعبير محايد عن صحة معتقدات الزاندي حول السببية (Causation). واصل إيفانز برتشارد بعدها دراساته عن قبيلة النوير، حيث كتب ثلاثيته: النوير The Nuer – ديانة النوير Nuer Religion – النسب والزواج عند النوير Nuer Kinship and Marriage.

كذلك كتب مؤلفه الشهير: “الأنظمة السياسية الإفريقية” African Political Systems، والذي يعتبر المؤلف الكلاسيكي عن الأنثروبولوجيا الاجتماعية على نهج المدرسة البريطانية.

وكما تأثر إيفانز برتشارد بسليجمان، فقد أثر هو أيضاً على باحثين آخرين نجح في إثارة الرغبة فيهم حول أبحاث السودان، وفي جعلهم ينتهجون نهج المدرسة البريطانية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية. أذكر من هؤلاء طلال أسد والذي قام بدراسات ميدانية عن قبيلة الكبابيش خلال السنوات الخمس التي التحق فيها بجامعة الخرطوم (نهاية الخمسينات وبداية الستينات)؛ وكانت لجامعة الخرطوم حينها صلات أكاديمية وثيقة مع جامعة أكسفورد، حيث يعمل بروفيسور إيفانز برتشارد.

3 – 3

بروفيسور طلال أسد

هو سعودي المولد وباكستاني النشأة. وقد كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية على النهج البريطاني معينه على دراسة التركيبات الاجتماعية. غير انه انفتح مؤخراً على النموذج الأمريكي للأنثروبولوجيا والمشتمل على الجوانب السايكولوجية والجوانب الرمزية.

جاء كتابه: “عرب الكبابيش.. القوة والسلطة والقبول” The Kababish Arabs: Power, Authority and Consent  انعكاساً لأفكاره في ذلك الوقت، والتي ربطت ما بين الأنثروبولوجيا والاستعمار. فكان يرى أن الاستعماريين في محاولاتهم تجريم العادات التي يعتبرها الأوربيون قاسية ووحشية، لم يكن اهتمامهم الحقيقي موجهاً نحو معاناة السكان الأصليين، بل كان متركزاً على فرض ما يعتبرونه هم معايير متحضرة متعلقة بالعدالة والإنسانية.

بعد مضي نصف قرن من عهد طلال أسد بجامعة الخرطوم، وأبحاثه عن عرب الكبابيش، رأيت أن أعرف عنه معلومات حديثة (حيث أنني، ولسنوات عديدة، لم أكن متابعاً لمسيرته ولا لمسيرة الأنثروبولوجيا). ومن خلال المعلومات التي وفرها لي محرك البحث (جوجل) على الشبكة العنكبوتية، عرفت أن بروفيسور طلال أسد الآن واحد من أشهر أساتذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وأنه يعمل حاليا محاضرا بجامعة مدينة نيويورك.

بروفيسور إيان كننسون Ian Cunninson

ينتمي كننسون أيضاً إلى المدرسة البريطانية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وهو كذلك أحد الرواد في هذا الميدان من الذين ارتبطوا بدراسات وأبحاث السودان. تتلمذت على يديه في السنة الأولى والثانية من دراستي بكلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية بجامعة الخرطوم، وكان هو ومستر ريفش مدخلنا لهذا العلم الجديد، والذي يدرس للمرة الأولى في جامعة الخرطوم كما أسلفت.

عاش كننسون مع قبيلة المسيرية الحمر، والذين هم فرع هام من أفرع قبيلة البقارة العريضة. ارتبط كننسون بقبيلة الحمر ارتباطاً وثيقاً وحميماً أثناء فترة اضطلاعه بأبحاثه في خمسينات القرن الماضي (وهو يواصل تلك العلاقات حتى اليوم، وله صداقات باقية وحوارات مع العديد من المثقفين من أبناء المسيرية والدينكا) .
من الطريف أن المسيرية أحبوا كننسون ووثقوا فيه لدرجة أنهم اعتبروه واحداً من أبنائهم؛ وكان يشاركهم المأكل والملبس والنزوح (هو بالفعل كان شخصاً صدوقاً ومحبوباً). وقد منحته القبيلة وضعاً افتراضياً يمكنه من التعرف بصورة عملية على الكيفية التي تتم بها تبادلية العلاقات الاجتماعية؛ فكان نتيجة لوضعه المفترض ذاك هو مثلاً ابن أخت للبعض، وخال لآخرين! وتصرفاته بالتالي وفقاً لنمط التصرفات السائدة في القبيلة نحو أولئك الأقارب. لقد كان ذلك أسلوباً فريداً في الدراسات والأبحاث.

يعتبر مؤلفه: عرب البقارة The Baggara Arabs، والذي هو خلاصة دراساته الميدانية تلك، من الدراسات الأنثربولوجية الهامة عن المسيرية الحمر. وكان التركيز فيه منصباً على علاقات السياسة والسلطة داخل القبيلة.. كما أن فيه متابعة لتأثيرات مؤسسات الحكم التي أدخلها الحكم الثنائي، والتغييرات التي أحدثتها في مجتمع الحمر. والكتاب، إلى جانب كونه مثيراً لرغبة الأنثروبولوجيين المهتمين بالمنطقة، فهو أيضاً مرجع للراغبين في التعرف على الاقتصاد السياسي، وإيجاد أشكال بديلة تحافظ على النظام الاجتماعي. للمؤلف أيضاً كتاب: الدور الاجتماعي للأبقار The Social Role of Cattle .

من النتائج التي توصل إليها كننسون في ذلك الوقت أن عرب المسيرية يقيمون وزنا كبيراً لتراكم ثرواتهم، ممثلة في العدد الذي يملكونه من الأبقار، بأكثر من ما يملكون من ثروة نقدية، لا يلمسها المجتمع كما يلمس الثروة الظاهرة المتمثلة في العدد الكبير والمتنامي من القطيع. وخلص كننسون من ذلك إلى أن البقارة لا يميلون إلى بيع الأبقار، حتى وإن كانت الأسعار جيدة؛ بل وأنه خلافا للقاعدة الاقتصادية المعروفة، في حالة الأسعار الجيدة، ربما يبيعون أبقاراً أقل؛ وذلك لأنه بالعدد القليل من الأبقار التي يبيعونها بتلك الأسعار الجيدة، يستطيعون أن يلبوا احتياجاتهم البسيطة من السلع التي تتطلب النقد لشرائها. ويعزي كننسون فشل تجربة مصنع تعليب اللحوم بكوستي (منتصف الخمسينات) إلى عدم تمكن المصنع من الحصول على الكميات الكافية من الأبقار، بسبب عدم ميل البقارة إلى بيع الأبقار. وربما تكون هناك أسباب اجتماعية مماثلة (بالإضافة إلى أسباب أخرى) في فشل مشروع ألبان بابنوسة ، والذي هدف إلى توطين الرحل. (تعليقاً على محاضرة كنت قد قدمتها بالنادي الاجتماعي للجالية السودانية بمسقط عن الهوية السودانية، ذكر بروفيسور صالح العريفي أستاذ الجغرافية الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس آنذاك بأنه يختلف مع كننسون في هذا الجانب، ويرى أن اهتمام البقارة بزيادة ثرواتهم من الأبقار وراءه منطق اقتصادي Economic Rationality، وليس لمجرد كونه  تعبيراً عن المكانة الاجتماعية).

من الجدير بالذكر أن مجموعة أساتذة الأنثربولوجيا الاجتماعية الرواد بجامعة الخرطوم: إيان كننسون وطلال أسد وريفش، كانوا قد تحولوا جميعهم إلى جامعة (هل) ببريطانيا في وقت لاحق، حيث أسسوا كلية لدراسات الأنثروبولوجية الاجتماعية هناك. (وكان الإداري السوداني الفذ السيد/ حسن دفع الله- معتمد تهجير أهالي حلفا- قد أعد سفره القيم: هجرة النوبيين The Nubian Exodus في جامعة (هل) تلك تحت إشراف بروفيسور كننسون).

رأيت أن أتابع مسيرة بروفيسور كننسون بعد مضي نصف قرن من ارتباطنا به بجامعة الخرطوم، بالاستعانة بمحرك البحث (جوجل) على الشبكة العنكبوتية.. فسرني أن وجدته لا يزال في كامل حيويته ورغبته المتجددة في السودان بشكل عام، وفي عرب المسيرية بشكل خاص، بل وأنه أصبح مرجعاً مشهوراً على المستوى العالمي في هذا المجال. ومن المثير للدهشة أنه شارك مؤخراً في مفاوضات التحكيم بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان حول ترسيم حدود أبيي، والتي جرت في المحكمة الدائمة للتحكيم بقصر السلام في لاهاي؛ وكانت حكومة السودان قد طلبت شهادته حول حقوق المسيرية في الرعي والحقوق التقليدية الأخرى.

ونظراً للاحترام الذي يحظى به كننسون كأكاديمي موضوعي ومحايد، فإن الحركة الشعبية/الجيش الشعبي ظلت أيضاً تشدد على أبحاثه – رغم كونه من شهود حكومة السودان – وتستند إلى أقواله لتؤكد أن الدينكا يقيمون بصورة دائمة في جزء كبير من منطقة البحر.. وأن لقبيلتي النوير والدينكا منازل دائمة يهجرونها في فترة من السنة، وغير ذلك من الحجج التي ظل يقدمها كل من الطرفين استناداً على أقوال كننسون وإحصائياته.

ختام
انطلاقا من هذه الذكريات التي بدأتها بتناول الخلفية التاريخية لتأسيس هذا العلم بكلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية بجامعة الخرطوم، رأيت الآن وبعد مضي أكثر من نصف قرن على تلك الفترة، أن أنظر بموضوعية أكثر للأنثربولوجيا الاجتماعية من زوايا متعددة، وأساهم في تحفيز من تخصصوا في هذا المجال أن يدلوا بدلوهم حول كيفية توظيفها لفهم ثقافات بلادنا، من أجل تطويرها وجعلها مرتكزاً سليماً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ وما هو أكثر أهمية، جعل ذلك الفهم المنطلق لترسيخ الوحدة الوطنية القائمة على احترام التنوع الإثني والثقافي، وتحويله – كما ينبغي أن يكون – مصدر ثراء وتميز للسودان.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий