Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > علم الاثنوأركيولوجيا

علم الاثنوأركيولوجيا

علم الاثنوأركيولوجيا,تاريخ علم الاثنوأركيولوجيا,انواع علم الاثنوأركيولوجيا ,نشاة علم الاثنوأركيولوجيا
علم الاثنوأركيولوجيا
هناك مصدر هام للتناظرات، رغم أنه وكما سنرى ليس المصدر الوحيد، يصعب إلصاق اسم به طالما أن كل كلمة شائعة الاستخدام تقريباً تجلب معها إثم. لكننا نأمل، إذا تحدثنا عن المجتمعات التقليدية المعاصرة الأقل تقدماً صناعياً، فإن المعنى الذي نرمي إليه يصبح مفهوماً. خلال الأربعين سنة الأخيرة بدأ علماء الآثار في القيام بأعمال ميدانية في المجتمعات التقليدية Traditional societies بهدف الوصول إلى إجابات على الأسئلة التي يثيرها التفسير الآثاري ومن أجل تطوير تناظرات واختبارها. هذا النوع من العمل هو ما صار يطلق عليه تسمية الاثنوأركيولوجيا (علم الآثار العرقي أو الاثني Ethnoarchaeology).

بداية دعونا نتناول بعض التعريفات. رغم أن الكلمة “اثنوأركيولوجيا” كانت قد استخدمت في عام 1900 من قبل فيوكس Fewkes فإنها أصبحت مصطلحاً شائعاً فقط في الآونة الأخيرة. مع ذلك هناك تباين في وجهات النظر فيما يتعلق بالمعنى. يعرفها كل من جوولد Gould,1978 وستيلس Stiles,1977 بأنها تعنى مقارنة المعطيات الاثنوغرافية ethnographical data مع المعطيات الآثارية archaeological data . يبدو هذا التعريف واسعاً بلا فائدة، بخاصة إذا تقبلنا حقيقة أن كل تفسير آثاري archaeological interpretation يشتمل على إقامة تناظرات analogies مع المجتمعات الحالية. وفق هذا التعريف يجوز، بالتالي، وصف كل تفسير آثاري تقريباً بأنه اثنوأركيولوجي. من جانب آخر، يعرف ستانسلافسكي Stanislawski,1974 الاثنوأركيولوجيا بوصفها مجال دراسة ويكون أكثر يسراُ الاتفاق مع وجهة نظر كهذه. الاثنوأركيولوجيا هي تجميع معطيات اثنوغرافية أصيلة بهدف تقديم مساعدة للتفسير الآثاري. هذا التعريف الثاني يتطابق أكثر من التعريف الأول مع الاستخدام الجاري حالياً. سوف يقدم عالم الآثار المكتبي المتصفح للمجلدات الاثنوغرافية رداً بالقول “أنني أقوم بعمل اثنوأركيولوجي”، أكثر من عالم آثار يقوم بنفسه ببحث اثنوغرافي ميداني.

هناك دائماً خلط فيما يتعلق بالعلاقة بين الاثنوغرافيا ethnography، و الاثنولوجيا ethnology، والأنثروبولوجيا anthropology وقد يكون من الضرورة بمكان توضيح تلك المصطلحات. الاثنوغرافيا هي الدراسة التحليلية للمجموعات الاثنية (العرقية) المعاصرة، دراسة لخصائص تلك المجموعات المادية، والاجتماعية، واللغوية. الاثنولوجيا، من ناحية أخرى، هي تطوير نظريات حول العلاقات بين خصائص المجموعات الاثنية وحول أسباب الاختلافات بينها. اتجهت الاثنولوجيا للاهتمام بالشعوب الأمية الأقل تعقيداً، تاركة بالتالي المجتمعات الصناعية المعقدة complex industrial societies للسوسيولوجيا sociology، والجغرافيا geography ..الخ. الأنثروبولوجيا هي سلسة علوم أكثر اتساعاً تهتم بدراسة الإنسان، تضم، في كندا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق علم الآثار، لكنها لا تضم هذا العلم في بريطانيا. الأنثروبولوجيا هي علم تعميمي يشمل كل من الاثنوغرافيا والاثنولوجيا.

العلاقة مع التناول التجريبي في علم الآثار (الأركيولوجيا التطبيقية practical archaeology) ليست المجتمعات التقليدية المعاصرة هي مصدر التناظرات الأوحد بالنسبة لعلماء الآثار. فالتناظرات يمكن اشتقاقها من دراسات الثقافة المادية material cultureفي كافة المجتمعات تقليدية غير معقدة كانت أم صناعية معقدة. لكن في المجتمعات الصناعية المعقدة يمكن لعلماء الآثار إنشاء تجارب اصطناعية بهدف استخراج المزيد من التناظرات مع الماضي. كل من الأركيولوجيا التطبيقية والتناظر الحاسوبي computer simulationالزائف يهتمان باختبار جدوى تفسيرات آثارية محددة. أنهما يختلفان عن الاثنوأركيولوجيا في أوجه عديدة. في المقام الأول، على سبيل المثال تجربة حرق الجرار في فرن بغرض استكشاف أي من الطرق والأفران كان من الممكن أن تكون قد استخدمت في الماضي يمكنها أن تكون تطبيقية بحق من حيث أن محاولات مختلفة يمكن تنفيذها، الظروف ودرجة الحرارة في الفرن يمكن التحكم فيها بدقة وتسجيلها، ويمكن التحكم في المتغيرات. تناظر عملية افتراضية لاستبدال ما قبل تاريخي في الحاسوب يمكن التحكم فيها بدرجة أكثر دقة، مع عدد أكبر من المحاولات واختبار أشد دقة للمتغيرات المختلفة التي يتم التطبيق عليها. في أي دراسة اثنوأركيولوجية، من الجانب الثاني، هنالك درجة أقل من التحكم. فالباحث هو مجرد ملاحظ وهو شخص يطرح أسئلة؛ إنه لا يستطيع أن يجرب هذا وذاك ليرى ماذا تكون النتيجة.

ما تفتقده الاثنوأركيولوجيا في مجال التحكم التطبيقي تكتسبه في مجال “الواقعية”. لا يدرس عالم الاثنوأركيولوجيا بيئة مصطنعة قام بخلقها (مع أنه وكما سنوضح لدى مناقشة مناهج العمل الميداني أن شيئاً من التأهيل ضروري هنا). يمكنه أن يطابق حرق الفخار في فرن مع مجمل المحتوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ويمكنه أن يلاحظ كافة المتغيرات المناسبة المحتملة. عالم الآثار التطبيقي، من جانب ثان، يقوم بخلق حالة مصطنعة، رغم أنه يبذل جهداً لخلق صورة طبق الأصل قدر المستطاع للمعلومة ما قبل التاريخية. يحاول عالم الآثار التطبيقي أن يتعلم ويطبق تقنيات حرفة هو غير معتاد عليها وهى حرفة قد نساها مجتمعه منذ أزمان طويلة. فوق كل هذه الصعوبات العملية، فإن التجربة تجرى في فراغ بحيث أن الارتباطات مع جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية يصعب التعرف عليها. في حين قد يكون في مقدوره اختبار تأثيرات المتغيرات التقنية والطبيعية في تجاربه، فإن عالم الآثار التطبيقي سيكون في حيرة من أمره فيما يتعلق بالمحتوى الأوسع الذي أوضحنا، لدى مناقشة الموضوع الأول، أهميته القصوى. التناظر الحاسوبي هو مصطنع كلياً. أية تناظرات تشتق من مثل هذا العمل تعتمد كلياً على الافتراضات التي يغذي بها عالم الآثار جهاز الحاسوب. طرح النموذج الحاسوبي يعتمد على معلومات اثنوغرافية ثانوية وتجريبية.
تناظر حاسوبي
تحكم تجريبي
الأركيولوجيا التجريبية
الاثنوأركيولوجيا
المحتوى التقليدي
رسم يوضح بعض جوانب العلاقة بين التناظر الحاسوبي، الأركيولوجيا التجريبية، الاثنوأركيولوجيا
تحتوي الأركيولوجيا التجريبية على تنفيذ تجارب بهدف اختبار تصورات حول المعطيات الآثارية. رأينا أنها أقل واقعية، لكنها قابلة للتحكم فيها أكثر من الاثنوأركيولوجيا. لكن الاثنوأركيولوجيا تمتاز بميزة إضافية محتملة على منافستها. يمكن الادعاء بأنها أقل نزعة مركزة اثنية ethnocentric bias . أية تجربة تُجرى في إطار مجتمعنا لا بدَّ وأن تكون محكومة بافتراضات المجتمع ومعرفته. يمكن للتناول الاثنوأركيولوجيا أن يقدم لعلماء الآثار والمؤرخين رؤية بديلة جديدة كلياً للماضي البعيد.
جرت محاولات من قبل بعض علماء الآثار لدمج ميزات الاثنوأركيولوجيا بعلم الآثار التطبيقي عن طريق إجراء تجارب محدودة لكنها محكومة في محتويات تقليدية. واحدة من تلك التجارب تمثلها محاولة هوايت وثوماس التي طلب الباحثان من خلالها من السكان الأصليين لـ غينيا الجديدة القيام بتجربة صناعة أدوات حجرية stone tool manufacture. طلب علماء الاثنوأركيولوجيا من المتحدثين بلغة الدونا من أهالي مرتفعات البابوا في غينيا الجديدة صناعة أدوات حجرية تقليدية ومن ثم القيام بتحليل التنوع في شكل الأدوات التي صنعها الرجال في الأقاليم المختلفة. مثل هذه التجربة التي أجراها علماء الاثنوأركيولوجيا كانت لها ميزة أن التحليل، واكتشاف المتغيرات التي ظٌن أن لها التأثير الأكبر في تنوع الأدوات، يمكن التحكم فيه ويمكن توفير كم كبير من العينات. لكن هناك أيضاً نقاط ضعف. بخاصة، أن عالم الاثنوأركيولوجيا لم يعد مجرد ملاحظ لسلوك تقليدي. انه يعزل النشاطات من محتواها ويتدخل بنفسه بقوة في المسرح. انه يتدخل بحيث أن المحتوى context، الذي هو في العادة مركب هام، يتدمر. ننتهي إلى أن لا نعرف سوى القليل عن حقيقة وموثوقية الظروف التي تعرف فيها هوايت وتوماس على العلاقات، بحيث يصبح صعباً استخدام نتائجها في محتويات أخرى.

إن الأركيولوجيا التطبيقية ذات قيمة كبيرة في فهم الكيفية التي تكون قد صنعت بها الأشياء أو استخدمت، وفى التعرف على الخصائص الطبيعية للمواد مثل الظران flint عندما يرقق من قبل الإنسان، أو مثل الحجر عندما يستخدم لقطع الأشجار. لكن لدى الإجابة على أسئلة “لماذا” والتي تسعى لربط التقنيات والاقتصاديات بمحتويات اجتماعية وثقافية أكثر اتساعاً، يكون هذا النوع من المدخل محدود القيمة.

تاريخ استخدام التناظرات الاثنوغرافية في علم الآثار

أعطيت الاثنوأركيولوجيا تعريفاً أشد تحديداً من مجرد معنى الاستخدام العام للتناظرات الاثنوغرافية. لكن من الضروري أن نرسم، ولو تخطيطياً، تاريخ استخدام علماء الآثار للاثنوغرافيا والأنثروبولوجيا وذلك تمكيناً لنا من تقييم الأهمية الحالية للاثنوأركيولوجيا وهدفها. الاستخدام في السابق يمكن تتبعه في البحث العلمي في أوربا وفى أمريكا ذلك أنه لم يجد اهتماماً من قبل الباحثين الآسيويين والأفارقة.

في أوربا، قادت حركة النهضة إلى تجديد الاهتمام بالعالم الكلاسيكي (العصرين اليوناني والروماني) وآدابه إلى وعي بالمجتمعات القديمة السابقة للمدنيات غير الأمية. بالطبع، فإن من بين الكتابات الاثنوغرافية التي قدمت خدمة لعلماء الآثار يمكن عد أعمال قيصر Caesar وتاسيتوس Tacitus الذين وصفا سكان فرنسا وانجلترا ومنطقة الراين السفلى الأصليين. لكنه في الوقت نفسه الذي قاد فيه الاهتمام بالكتابات الاثنوغرافية المبكرة إلى صورة للماضي بربرية، فإن صوراً مختلفة للغاية من العالم الحديث أخذت بدورها في جذب الانتباه.

الاستكشافات فيما وراء العالم المعروف قدمت أوربيي القرن السادس عشر إلى ثقافات جديدة تماماً. وصف جون هوايت، مستكشف فرجينيا فى عصر اليزابيث، ورسم قرى، واحتفالات، وصناعة رؤوس الأسهم، وعمليات الصيد، والنشاطات الزراعية لهنود البويوك من سكان أمريكا الأصليين. تم نشر بعض رسومه الملونة بالألوان المائية في عمل دى بري “تقرير موجز وحقيقي عن فرجينيا الأرض المكتشفة حديثاً” de Bry,1590. لكن دى بري وضع في الكتاب أيضاً صوراً للبريطانيين القدماء والرومان أو بعض الأبطال الأسطوريين. الحق دى بري تعليقاً بالصور جاء فيه “أرفق هذه الصور مع تلك التي يقدمها هوايت لتوضيح أن البريطانيين القدماء كانوا في زمان مضى في حالة من التوحش مثلهم مثل سكان فرجينيا” (نقلاً عن: Orme,1973:488). هنا، إذن، نجد أن تماثلاً اثنوغرافياً ethnographic parallel قد استخدم بغرض إضافة معلومة لما كان معروفاً عن الماضي. فى عام 1611 أشار جون سبيد إلى الفرجينيين لتدعيم نظريته بأن البريطانيين القدماء كانوا عراة. مرة أخرى استخدمت الاثنوغرافيا لتصيب أعضاء مجتمع القرن السابع عشر المتمدنين بصدمة بكشفها الستار عن ماضيهم البدائي!

انعكست حالة أخرى، استخدمت فيها الاثنوغرافيا لتغيير التفسيرات الرومانطيقية والأسطورية للماضي، في الجدل الذي دار بشأن الأدوات الحجرية stone implements. في منتصف القرن السابع عشر وصف الدروفاندوس Aldrovandusالأدوات الحجرية بوصفها “نتاج اختلاط لبعض زفير الرعد والبرق مع مادة معدنية، أساساً في الغيوم الداكنة، التي تجلطت بفعل الرطوبة المحيطة والتصقت في كتلة (كما الطحين بالماء) ومن ثم تقوت بالحرارة، مثل الطوب”. وفى تلك الفترة نفسها تقريباً افترض توليوس Tolliusأن الأدوات الصوانية المرققة “تولدت في السماء عن طريق زفير وميض أشبه بالبرق مكور في سحاب بواسطة بخار مكثف” Daniel,1950:26. تفسيرات أخرى للأدوات الحجرية تقول بأنها كانت صواعق أو أسهم جن. مثل هذه النظريات وضع لها كل من الدكتور روبرت بلوت Robert Plot، من جامعة اكسفورد، ووالد زوجته دوجدالى Dugdale ومساعده لويد Lhwyd فى الأعوام ، 1686 و1656 و1713 تحديداً نهاية باللجوء إلى الاستعانة بنظائر اثنوغرافية. بحلول عام 1800 تمكن جون فريرى John Frere من وصف الفؤوس اليدوية الباليوليتية بأنها “أسلحة حرب”.

في القرن الثامن عشر أنشئت العديد من التماثلات بين الاثنوغرافيات وماضي أوربا، كما هو واضح في كتاب لافيتو، الذي كان مبشراً فرنسياً في كندا، والصادر بالفرنسية في باريس في عام 1724 والذي أقام فيه تماثلات بين الهنود الحمر والكتاب المقدس والأدب الكلاسيكي. أو كما هو أكثر وضوحاً في عنوان كتاب كرافت Kraft الذي نشر عام 1960 في كوبنهاجن بالدنمرك “سرد موجز للمؤسسات، والعادات، والأفكار الأساسية للشعوب المتوحشة التي تدلل على أصل الإنسان والتطور عموماً”Klindt-Jensen,1976 مع أن كتاب كرافت قد ترجم إلى الألمانية والهولندية إلا أنه ظل بعيداً عن الملاحظة من جانب علماء الآثار. ينشئ كرافت تماثلات محددة بين الأدوات الحجرية التي تم العثور عليها في أوربا، والمراحل البدائية للإنسان، على أساس التناظر مع المجتمعات البدائية الموجودة.

كل تلك الحالات لاستخدام التماثلات الاثنوغرافية في القرون السادس عشر حتى الثامن عشر قد اهتمت بوضع تناظرات شكلية غير معقدة بغرض التوضيح واشتقاق تفسيرات بديلة. واستمر عدم الاكتراث بمخاطر التماثلات الاثنوغرافية في القرن التاسع عشر باستثناء بعض علماء الآثار من أمثال نيلسون Nilsson الدنمركي وبيت ريفرز Pitt Rivers في إنجلترا.

استخدم نيلسون في كتابه “السكان البدائيون لاسكاندنافيا” (1943) منهجاً مقارناً comparative method تمت على أساسه مقارنة الأدوات الصنعية ما قبل التاريخية prehistoric artefacts مع الموضوعات المتطابقة شكلياً ووظيفياً والتي يستخدمها الناس الحاليون. وادعى بأن علم الآثار باستخدامه المنهج المقارن لا بدَّ وأن يصبح قادراً “على جمع بقايا الأجناس الإنسانية التي بادت منذ أزمان طويلة مضت، وجمع أعمالهم التي خلفوها من ورائهم، وذلك لإنشاء تماثل بينها والأخرى المشابهة التي لازالت موجودة في الأرض، وبالتالي، نحت طريق يقود إلى معرفة الظروف التي وجدت، عن طريق مقارنتها بتلك التي لازالت موجودة”. لكنه لاحظ أيضاً أن الحذر مطلوب لدى استخدام التناظرات الاثنوغرافية. “التشابهات مثل وجود أسهم حجرية متشابهة في سكانيا وتيرا دى فويجو لا تثبت دائماً الأصل الواحد نفسه” (أشار إليه Daniel,1950:49). الاستشهاد نفسه بين في التطوير الهام والمستقل الذي قدمه بيت ريفرز بالنسبة لاستخدام المقارنات الاثنوغرافية. قاد اشتراك الجنرال ريفرز في الجيش إلى اهتمامه بتطور البندقية وتحسينها. تبع تصنيفه الحذر لأنواع البنادق وأشكالها تجميعاً حذراً لسلسلة واسعة من الأسلحة، والقوارب، والآلات الموسيقية، والرموز الدينية وما إلى ذلك. لدى ترتيبه لمادته اهتم ريفرز بالأنواع أكثر من اهتمامه ببلدان أصلها. المواد الأثرية والاثنوغرافية يمكن مقارنتها، جنباً إلى جنب. مع ذلك، مثله مثل نلسن، كان ريفرز مهتماً بمناقشة التماثلات الشكلية. لدى تركيب تناظر من الضرورة بمكان إثبات الهوية الوظيفية إلى جانب الهوية الشكلية. هذا الاهتمام بالوظيفة يوسع محتوى التشابه الشكلي ويتجه أكثر نحو تناظر ارتباطي.

يفترض اورمى Orme 1973:487 بأن عمل ايفانز Evans, 1860، وعمل خرستي ولارتت Christy and Lartet, 1975 في التعرف على الأدوات وتحديدها استخدم مقارنات مع مواد ثقافية خاصة بجماعات تقليدية معاصرة، في حين اعتمدت تفسيرات أكثر عمومية قال بها لوبوك Lubbock,1865 وتيلور Taylor, 1948 بقوة على الاثنوغرافيا. كتب السير جون لوبوك في عام 1870 في كتابه “أصل المدنية والظروف البدائية للإنسان” أن “الأسلحة والأدوات المستخدمة الآن من قبل أجناس بشرية أدنى تلقي الكثير من الضوء على أهمية واستخدام تلك المكتشفة في المدافن القديمة، أو في الحصى المنجرفة… إن معرفة بالمتوحشين الحديثين وأنماط حياتهم ستساعدنا في رسم صورة أكثر دقة، وتبين بجلاء أوضح، سلوكيات أسلافنا وعاداتهم في الأزمان السالفة”. ازداد تأثير الاثنوغرافيا على علم الآثار في النصف الثاني للقرن التاسع عشر كجزء من تطورين آخرين إضافيين. التطور الأول، في تفسير الماضي، تمثل في المرجعية للمخلفات الفولكلورية للأسلاف “البدائيين” Daniel,1950:185. التطور الثاني، أخذ المفهوم “الثقافي” يحل محل التشديد السابق لتقسيم المواد الأثرية إلى عصور. بدأت المدرسة الأوربية للأنثروبو- جغرافيين بدءاً من راتزل Ratzel وتلميذه فروبينوس Frobenius في وصف مناطق ثقافية في غرب أفريقيا وماليزيا. ترك عمل الاثنولوجيين الألمان تأثيراً على تطور مفهوم الثقافة في علم الآثار كما تم تبنيه لاحقاً من قبل جوردون تشايلد Gorden Childe . بالطبع، وصف دانيل Daniel,1950:246 تنظيم ما قبل التاريخ وفق ثقافات كما هو المنظور الأنثروبولوجي لما قبل التاريخ.

رغم أن فضل الاثنوغرافيا والأنثروبولوجيا في النصف الثاني للقرن التاسع عشر كان كبيراً، فإن تحذيرات نلسن وبيت ريفرز مرت دون أن تجد من يلتفت إليها. طبقت التماثلات الشكلية مع اهتمام قليل بالمحتوى ولم تناقش المخاطر إلا فيما ندر. استمرت النزعة للمزيد من الارتباطات مع الأنثروبولوجيا في النصف الأول للقرن العشرين، على سبيل المثال، مجلة “حوليات الآثار والأنثروبولوجيا Annals of Archaeology and Anthropology” التي صدرت للمرة الأولى في عام 1908 تحت رعاية معهد الآثار بجامعة ليفربول، إلا أن التزايد في الكمية لم تصحبه دوماً زيادة في النوعية.

ضم العدد الأول لمجلة “Antiquity1927” مقالاً لـ رايموند فرث Raymond Firth عن التحصينات الترابية للماوري الذي كان الغرض منه مساعدة علماء آثار ما قبل التاريخ البريطانيين في تفسير الأعمال الترابية من عصر الحديد في بلادهم. في حين أن مكانة التحصينات الترابية في مجتمع الماوري قد تمت مناقشتها بصورة جيدة، فإن المقارنة مع التحصينات الترابية الإنجليزية نادرة وشكلية، اعتمدت على سمات مثل حجم الاستحكامات وشكلها. وأشار ثومسون في دراسة أجراها في عام 1939 للسكان الأصليين Aborigines “الونك مونكان” في شبه جزيرة كاب يورك باستراليا إلى أن علماء الآثار ستربكهم الثقافة المادية الباقية. عاش السكان الأصليون حياة تختلف باختلاف فصول السنة بحيث أن عالم الآثار قد ينخدع ويظن أن المجاميع الآثاريةarchaeological assemblages المختلفة تعود إلى سكان مختلفين. فوق ذلك، لاحظ ثومسون أن القليل يبقى لعلماء الآثار ليكتشفوه. هذا هو المثال الأول لنوع محبط وسلبي من التناظر الذي أصبح لاحقاً “حكايات تحذيرية”. معظم تلك المحاذير تتسم بقلة اهتمامها بالمحتوى الذي يقود إلى بقايا مادية محددة : في المثال الأسترالي فإن المحتوى متخصص إلى درجة عالية وستصبح التعميمات صعبة.

تماثلات مع مجتمعات قريبة من المتناول يبدو أنها تتجنب تلك الإشكالات. في تقريره عن أعمال التنقيب فى سكارا براى، وهو موقع إقامة من العصر الحجري الحديث في جزر اوركني، استخدم تشايلد Childe, 1931 تناظرات مع سكان معاصرين للجزر الشمالية في تفسيره لوظائف المراقد والظواهر الأخرى داخل الأكواخ. واستخدم جراهام كلارك أيضاً Clark, 1952 ثروة من المعلومات من المجتمعات المعاصرة والحديثة الاسكندنافية بهدف توفير تناظرات شكلية للأدوات ما قبل التاريخية. إلا أنه وفى الكتاب نفسه عقدت العديد من المقارنات على مدى مسافات بعيدة مع قبائل الاسكيمو في كندا وشمال أمريكا، في وصفه لموقع ستار كار. في عام 1965 أدت زيارة قام بها جراهام كلارك إلى استراليا إلى أن يكتب مقالاً يقارن فيه، مع اهتمام إلى حد ما بالمحتوى و وثاقة الصلة، تجارة الفأس هناك مع توزيع الفؤوس النيوليتية في بريطانيا. اقترح بناء على تشابهات الفؤوس، وتوزيعها الواسع، والمستوى غير المعقد للمجتمعات، بأن الفؤوس النيوليتية تمت المتاجرة بها بمبادلتها بسلع احتفالية، تماماً كما كان الحال في غينيا الجديدة وأستراليا.

مزيد من الاهتمام بوثاقة الصلة والمحتوى استمر في تناظرات حذرة أكثر أقيمت في الأعمال الأكثر حداثة، على سبيل المثال، ديفيد David,1971 ورولاندس Rowlands,1971; id.1976. لكن التشديد على المقارنات الشكلية بقي قائماً. استخدم كلارك Clark, 1986 بينة من هنود كلفورنيا ليقترح بأن الربط يمكن أن يتم بين أشكال التوزيع الإقليمي للأدوات الصنعية والمجموعات اللغوية، في حين عقد هودر Hodder,1978 مقارنات شكلية أخرى للتوزيعات الثقافية. وتيرة مثل هذه الدراسات الشكلية آخذة في التناقص مع تزايد التحذيرات (انظر على سبيل المثال Ucko,1969) ومع نشر التقييمات Orme,1973; id.1974; id.1981. وصلت قوة الربط بين علم الآثار والأنثروبولوجيا والاثنوغرافيا قمة جديدة في أوربا الغربية بإنشاء كراسي متخصصة في أقسام علم الآثار بالجامعات، وبمنح تلك الجامعات لشهادات علمية مزدوجة في الآثار والأنثروبولوجيا، وفى تصميم العديد من المقررات ونشر الأبحاث في هذا المجال والتي أفدنا منها في إعداد هذا الكتاب. مع ذلك فإن هذا التقارب بين الأركيولوجيا والأنثروبولوجيا في أوربا يعد محدوداً إذا ما قارناه بالوضع في أمريكا الشمالية. لا جدال في أن الاهتمام المتزايد بالاثنوغرافيا من قبل علماء الآثار في بريطانيا وفى دول أوربا الغربية يمثل نتاجاً للتأثيرات القادمة من الجانب الآخر للأطلنطي. (أما في العالم العربي فإن فكرة الربط بين العلمين لم تولد بعد بفعل أسباب يمكن إرجاعها في الأساس لابتعاد المناهج التعليمية في الجامعات العربية عن مفهوم تكامل العلوم الإنسانية من جانب، ولتصميم مناهج أقسام الآثار على مفهوم علم الآثار الكلاسيكي الذي يحصر تدريب الطلاب في مجال المدنيات العارفة للكتابة بالتركيز على التعامل مع المعطيات الابيجرافية مع اهتمام محدود بمعطيات الثقافة المادية- أسامة النور).

في أمريكا فإن وجود مجتمعات السكان الأصليين من الهنود الحمر في المناطق التي أجريت فيها أعمال التنقيب الآثاري ساعد في جعل علماء الآثار يدركون إمكانية استخدام الحاضر لتفسير الماضي. تمكن علماء الآثار الأمريكيون بطريقة مباشرة من استخدام التاريخ العرقي ethnohistory والسرود الاثنوغرافية. مثال مبكر لاستخدام الاثنوغرافيا في أمريكا توفره المجادلة التي دارت بشأن “بناة التلال”. في نهاية القرن الثامن عشر تم الكشف في أوهيو وفى مناطق حدودية أخرى عن أعداد كبيرة من التلال أو الأطلال. وقد تم رفض كلي لإمكانية أن تكون تلك الصروح قد شيدت من قبل الهنود الحمر “المتوحشين”، وطرحت تصورات بشأن “جنس بائد” حل الهنود الحمر محله. طبيعة الجنس البائد من بناة التلال وأصله أصبحت موضوعاً للتأملات الخيالية إلى أن تم أخيراً، في أواخر القرن التاسع عشر، طرحها جانباً بوصفها مجرد أسطورة، وذلك بفضل عمل سيروس ثوماس Cyrus Thomas . تم اختيار ثوماس في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر للقيام ببحث في تلك التلال. من خلال أعمال التنقيب التي أجراها ثوماس ومقارناته للمواد المنقبة مع الثقافة المادية للهنود الحمر المعاصرين في المناطق نفسها، تمكن باول وثوماس من الوصول إلى رأي يقول بأن بناة التلال كانوا أناساً من “المتوحشين” الحاليين نفسهم.

هذا التناول التاريخي direct historical approach المباشر الذي استخدمه ثوماس لإلقاء الضوء على المعلومة الآثارية، كان جزءاً من التشديد العام على الاستمرارية. بحلول نهاية القرن حاولت بعض الدراسات Fewkes,1893; Hodge,1897; Kroeber,1916 استخدام البينة الآثارية لاختبار التحدارات الشفهية للهنود الحمر أو للكشف عن مواقع ترتبط بأساطير عشيرة بعينها. شكلت التناظرات القائمة على أساس الاستمرارية في مناطق محلية جزءاً هاماً من التحديد العرقي لمركبات ثقافية طيلة فترة مبكرة من القرن العشرين في أمريكا الشمالية. تحديداً طور كل من سترونج Strong,1935 وستيوارد Steward,1942 التناول التاريخي المباشر كإجراء متميز في مجال التفسير الآثاري.

ومع أن التشديد نفسه على استخدام الاستمرارية لدعم التناظرات لازال مشهود في أعمال أمريكية مؤخراً (على سبيل المثال في مثال “الحفر الملطخة” الذي تناولناه في الفصل السابق)، إلا أن اهتماماً متزايداً خلال الأربعين سنة الماضية وجه للتعميمات بوصفها جزءاً من التوسع المدرك لما صار يعرف بـ “علم الآثار الأنثروبولوجي anthropological archaeology”. وصف تيلور Taylor,1948:6 عالم الآثار بأنه مثل “جيكل وهايد” يدعي بأنه “يمارس” التاريخ لكنه “أخصائي” أنثروبولوجي. ارتبط استخدام التناظرات المباشر والمستمر بوضوح بتشديد تاريخي، وباهتمام جديد بالوصول إلى إفادات عامة حول الإنسان، والمجتمع، والعلاقات والأنظمة الايكولوجية التي استمرت إلى الوقت الحالي، متجنبة التشديدات على التأطير التاريخي ساعية إلى أن تحتوي علم الإنسان التعميمي. ارتباطاً بهذا التطور لوحظ تقليل الاهتمام بالعلاقات السببية في إطار محتويات بعينها عند استخدام تناظرات اثنوغرافية. كان الهدف هو إنشاء تناظرات مقارنة عامة واستخدامها. تفسيرات الماضي يتم الوصول إليها عن طريق تعميمات مقارنة وشبه شمولية واسعة حول السلوك الثقافي الإنساني، أكثر من أن تكون محصورة فى محتوى تاريخي محددWilley and Sabloff,1974:207. لكن وجهة النظر هذه لم تمر دون أن تواجه نقداً في أمريكا. وفقاً لـ أندرسون Anderson,1969، “التحليل المنطقي للشكل يعتمد إلى حد كبير على إدراك الموضوع، والذي تحتمه خلفية ثقافية، وكذلك مبادئ عامة شاملة”. تلك الدراسات الحديثة التي تختبر المحتوى والتي تستخدم تناظرات ارتباطية اهتمت أكثر بالمحتوى الوظيفي و الايكولوجي من الاهتمام بعالم الأفكار.

في هذه الفترة الأكثر حداثة، في الوقت الذي أصبح فيه “علم الآثار الأنثروبولوجي” صيحة “علماء الآثار الجدد” Meggers,1968; Longacre,1970 أصبحت الاثنوأركيولوجيا محددة بوصفها مجالاً متميزاً للبحث. رأينا بأن الكلمة استخدمت منذ عام 1900 من قبل فيوكس، لكن التطور حدث في الخمسينات والستينات. تم اقتراح تعريفات مختلفة للاثنوأركيولوجيا ومصطلحات مناظرة مثل علم الآثار “العملي” وعلم الآثار “الحي” Ascher,1962وظهرت دراسات محددة Thompson,1958; Oswalt and VanStone,1967.

كانت ندوة “الإنسان الصياد” Lee and De Vore,1968 مهمة لكونها جلبت كماً كبيراً من المعلومات والإفادات العامة حول الصيادين- الجامعين إلى دائرة اهتمام علماء الآثار، في حين أنه وفى السنة نفسها شملت مجموعة المقالات التي أشرف عليها بينفورد Binford دراسات اثنوأركيولوجية هامة (على سبيل المثال دراسة لونج آكرى وآيرز Longacre and Ayres). منذ ذلك تزايدت أعداد الدراسات والتعريفات والكتب Donnan and Clewlow,1974; Stiles,1977;Gould,1978; Binfordm1978; Kramer,1979. لكنه من المهم أن ندرك أن هذا الاندفاع إلى العمل الاثنوأركيولوجي غير موحد من حيث التناول. الاختلافات في وجهات النظر حول التعريفات قدمنا عرضاً لها في بداية هذه المحاضرة. لازالت هناك اختلافات معتبرة من حيث التشديد على المحتوى و وثاقة الصلة. على سبيل المثال، تتناقض دراسة ويلمسن الجادةWilmsen,1979 لبعض المحتوى الثقافي والتاريخي للسان (البوشمن؟) وتنميط البقايا المادية مع دعوة شيفر Schiffer,1978 لتوليد قوانين كل ثقافية. في حين تهتم بعض الدراسات فقط بالمحتوى المتكيف وظيفياً الذي تنتج فيه البقايا المادية (على سبيل المثال Binford,1978)، فإن آخرون يهتمون باختبار الأساس المعرفي للسلوك (على سبيل المثال Hardin,1979).

هناك اختلاف أيضاً فيما يتعلق بالدور الذي تقوم به التناظرات الاثنوغرافية في التفسير الآثاري. الغريب، أن الاندفاع الاثنوأركيولوجي الحديث جاء في وقت كان فيه الرأي الغالب وسط علماء الآثار الأمريكيين يدعو إلى تحجيم دور التناظر. شدد العديد من علماء الآثار على أن التفسير يجب أن ينطلق من اختبار فرضيات استدلالية. التناظر المشتق من الاثنوأركيولوجيا ينظر إليه بوصفه يقوم بدور صغير مبدئي في طرح الفرضية. وضحت في الفصل الأول لماذا تعد وجهة النظر هذه مضللة. في الحقيقة، يقوم علماء الآثار بـ ويمكنهم الاستمرار في الاستخدام الحذر والمتتابع للتناظرات الارتباطية وليس من الضروري وضع هذا الإجراء “كاستدلال افتراضي”.

تزايد البحث الاثنوأركيولوجي هو نتاج للتشديد الأنثروبولوجي في علم الآثار، وللاهتمام المتصاعد فى تركيب تعميمات كل ثقافية عن السلوك الإنساني. الاثنوأركيولوجيا ينظر إليها أيضاً بوصفها توفر إمكانية اختبار فرضيات معينة استدلالياً في مواجهة المعطيات الآثارية. إن للاثنوأركيولوجيا حالياً وظائف هامة يمكن أن نذكر منها:

أولا، أصبح واضحاً، مع توجه علماء الآثار أكثر فأكثر إلى الأنثروبولوجيين الاجتماعيين طلباً للنصح والإلهام، أن الدراسات الاثنوغرافية الموجودة غير ملائمة. نادراً ما يجمع الاثنوغرافيون نوع المعطيات عن البقايا المادية الأكثر وثاقة صلة بالنسبة لعلماء الآثار. فالاثنوغرافيون ركزوا على جوانب تتعلق بالتنوع الاجتماعي واللغوي، وبالوصف العام للمادة الثقافية. القليل من الدراسات الاثنوغرافية قدمت معلومات تفصيلية عن أماكن مواقع الإقامة، وتنوع أحجام الأدوات الصنعية وأشكالها، أو عمليات رمي الفضلات. بخاصة تستحيل الإجابة، باللجوء لاستخدام الدراسات الاثنوغرافية الموجودة، عن الأسئلة المتعلقة بعمليات الترسيب وما بعد الترسيب والتي ينتج عنها انتشار الأدوات الصنعية وتوزيعها وسمات المواقع الأثرية. الاهتمام المتصاعد بهذا النوع من الأسئلة في العشرين سنة الماضية Schiffer,1976 شكل عنصراً إضافيا شجع النهوض الحالي لأهمية الاثنوأركيولوجيا. أصبح مهماً لعالم الآثار أن يجمع معلوماته الاثنوغرافية بنفسه، وفى الحقيقة فإن معظم البحث الاثنوأركيولوجي ينفذ اليوم من قبل أناس نالوا تدريباً كأثاريين، وليس عن طريق اثنوغرافيين أو أنثروبولوجيين اجتماعيين.

ثانياً، وظيفة ثانية مهمة توفرها الاثنوأركيولوجيا هي إنقاذ معلومات مناسبة عن أشكال المجتمع التي يتسارع زوالها. التدمير الاستعماري للعديد من الشعوب من تسمانيا حتى أمريكا الشمالية كان فعالاً إلى درجة مخيفة. تقنية تشذيب الأدوات الصوانية التي استخدمها آخر الباقين من سكان كاليفورنيا الأصليين من الهنود الحمر سجلها لنا نلسون Nelson,1916، لكن مثل هذه المعلومة فقدت عادة أو سجلت بصورة غير دقيقة. ما نمتلكه الآن هو بقايا المذابح الوحشية التي نفذها الأوربيون المهاجرون الجدد إلى القارة الأمريكية. المجتمعات التقليدية للسكان الأصليين الباقية الآن يتم دمجها في الاقتصاد العالمي الواسع. أشار وبسوت Wobst,1978 إلى أن معظم علماء الاثنوأركيولوجيا يقومون الآن بملاحظة جوانب التكيف المحلي لجماعات الصيد-الجمع. الارتباطات الإقليمية والبين-إقليمية اختيرت لكونها “حديثة”، “تالية الارتباط” و “مضللة”. إذا اعتقدنا بضرورة اختبار المجتمعات التقليدية، فإن على الاثنوأركيولوجيا ألا تضيع الوقت في وضعها في محتواها العالمي الحديث.

رغبة علماء الآثار الأوربيين في دراسة المجتمعات التقليدية الأقل تقدماً صناعياً مفهومة طالما أنهم يسعون إلى اختبار تشذيب الصوان والتقنيات الأخرى التي ما عادت موجودة في مجتمعاتهم الغربية. لكن مع ذلك هناك احتمال، أنه بعد سحق الاستراليين الأصليين والأمريكيين الأصليين والأفارقة عسكرياً، واقتصادياً، واجتماعياً، أن يستمر الأوربيون في سحق أولئك عن طريق “استعمار ثقافي”. قلنا بأن الاثنوأركيولوجيا هامة من حيث كونها تساعد في كسر طوق نزعة المركزة الغربية Western Ethnocentrism المفروض على التفسير الآثاري، لكن علينا أن نعي جيداً وجود مجازفة خطيرة إذا ما شرعنا في اختبار أقسام في مجتمعاتنا الأفريقية نعدها “بدائية”، فإننا سنقع في هذه الحالة في ذات مستنقع نزعة المركزية الاثنية. نفترض بأن مجتمعنا “المتطور” أقل وثاقة صلة للكشف عن تناظرات في العصور الحجرية من مجتمعات أفريقية “بدائية”. لكن مجتمعات أفريقية “بدائية” قد لا تنظر للمسألة من هذا المنظور. إنها ليست بمجتمعات منحدرة، ولا هي بمجتمعات مرتدة إلى الضرب السلفي الذي نشأت عنه، ولا هي بمجتمعات راكدة. هنالك مخاطرة فى أن نلبس مجتمعات العصر الحجري الحديث الشمال أفريقية على سبيل المثال لباس قبيلة جنوب أفريقية خوانية (هوتنتوتية؟) أو شرق أفريقية كينية أو نيلية سودانوية.

ثالثاً، الوظيفة الثالثة للاثنوأركيولوجيا، وهى الأكثر أهمية في اعتقادنا، تتمثل في تطوير تناظرات اثنوغرافية تختص بالمبادئ التي تربط التنميط المادي بالمحتويات التكيفية والثقافية. لكن من هذا المنطلق يكون جلياً أن تعديلاً في منهجية البحث الاثنوأركيولوجي يصبح أمراً ضرورياً. حتى اللحظة تكاد تكون معظم الدراسات الاثنوأركيولوجية التي اطلعنا عليها قد وضعت من قبل علماء آثار متخصصين، وهو ما يبدو لنا أنه التوجه الأصح. الاثنوأركيولوجيا تعني بكل بساطة أن يقوم عالم الآثار ببعض العمل الاثنوأركيولوجي، عادة كعمل فرعي أو كمجال اهتمام ثانوي. يعالج عالم الآثار المعطيات الاثنوغرافية كما لو أنها معطيات آثارية ويستخدم مناهج البحث الآثاري (جمع العينات sampling، التسجيل recording، الخ). إلى حد علمنا، ليس هنالك وصف تفصيلي في الأدب الاثنوأركيولوجي لطرق العمل الميداني، وتقنيات المقابلة، وإشكالات تحديد العينة من السكان الأحياء. ينتج هذا النقص المريع مما أسماه جوولد Gould,1978 بـ “التشديد المادي” للاثنوأركيولوجيا. هناك افتراض بأن الاثنوأركيولوجي يهتم بمنتجات السلوك الفعلية، وبتحديد البقايا المادية، وبالوصف الموضوعي. لكنه بمجرد قبول فكرة كون محتوى النشاطات المادية أمر في غاية الأهمية، فإنه لا مناص عندها من عد مناهج البحث الميداني الأنثروبولوجي أمراً لازماً. إذا كان لا بدَّ لنا من الكشف عن الإطار الاجتماعي والثقافي الذي يقدم معلومة عن صناعة آنية فخارية أو تشذيب سكين صوانية، فإنه يتوجب علينا فهم محدوديات وصعوبات ومشاكل المقابلات، والملاحظات، وفهم أعضاء مجتمعات أخرى ومنتجاتهم المادية. سنجد أنه ليس فقط الناس هم الذين يكذبون بل حتى الأواني الفخارية يمكنها هي الأخرى أن تكذب.

المصدر: أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий