Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > حوارات ولقاءات > عن الفكر والعدميّة وعصاب الأديان حوار مع المفكر الجزائري الشاب اسماعيل مهنانة

عن الفكر والعدميّة وعصاب الأديان حوار مع المفكر الجزائري الشاب اسماعيل مهنانة

الجمعة 21 أيلول (سبتمبر) 2012

بقلم: حميد زناز

الدّكتور إسماعيل مهنانة، أستاذ الفلسفة الغربيّة المعاصرة في جامعة قسنطينة (شرق الجزائر)، باحث ومفكّر من الجيل الشّاب في المغرب العربي (32 سنة)، حاصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة الجزائر، مؤسّس الرّابطة العربيّة الأكاديميّة للفلسفة التي تصدر كتبا وموسوعات جامعيّة في الفلسفة، وتنسّق البحث الفلسفي مع كلّ الباحثين العرب، صدر له عدّة كتب ودراسات، أهمّها “الوجود والحداثة” عن الدار العربيّة للعلوم، و”مدرسة فرنكفورت، جدل التحرّر والتواصل والاعتراف” عن دار الرّوافد الثقافيّة، بيروت، (مع د. علي عبّود المحمداوي) وكتاب “إدوارد سعيد: الهجنة والسّرد والفضاء الامبراطوري” وكذلك كتاب “من الكينونة إلى الأثر” عن دار الرّوافد، بيروت، وقريبا يطلق “موسوعة الفكر العربي المعاصر” التي يشرف عليها، وهي الأولى من نوعها في الثّقافة العربية، يتمحور انشغاله الفكري حول استثمار الفكر الفلسفي الغربي المعاصر في تفكير الواقع العربي الرّاهن، وبحث الأزمة النظريّة للفكر اليساري المناهض لكلّ أشكال السّلطة، وكذلك تفكيك الخطابات الهووية المهترئة والمركزيات المتعارضة مع قيم الحريّة والعدالة.

 بداية هل يمكن أن تقدّم للقارئ نظرة عامّة عن النّشاط الفلسفي الحالي في الجزائر ولو أن الفلسفة تبدو فريضة غائبة اليوم مقارنة بما يتمّ إنجازه في المغرب مثلا؟

الحقّ أنّ حكمك هذا يصدق أكثر على العشريات الأخيرة من القرن الماضي، حيث كانت الرّيادة الفلسفيّة للمغرب واضحة على المستوى العربي ككل، لكن السّنوات الأخيرة ومع أفول ذلك الجيل الكبير، وهيمنة الخطاب الدّيني على كليات الآداب، تراجعت الفلسفة في المغرب بشكل مؤسف، عكس ما يحدث في الجزائر ابتداء من العشريّة الأولى لهذا القرن، حيث ساعد انتشار أقسام الفلسفة معظم الجامعات في صناعة تراكم بحثي، أدّى إلى بروز الكثير من الأطروحات والكتب والدّراسات وكذلك التّرجمات، والعشرات من الشّباب المهتم والمبدع، نعزو ذلك إلى انفتاح الجامعة والسّياسة اللامركزيّة للتعليم العالي، كما نعزو الظّاهرة أيضا إلى تحرّك عجلة النّشر في الجزائر بعد سنوات الانغلاق والرّقابة، وعشريّة الحرب الأهليّة، ولهذا يمكن توصيف الفلسفة في الجزائر، بالفلسفة الجامعيّة والأكاديميّة أكثر منها فكرا حرّا، والذي يبقى نشاطا مؤجّلا في الثقافة العربيّة قاطبة، وهنا أشير إلى خلوّ الصّحف والإعلام من الكتابة الفلسفيّة، رغم التّجربة المتألقة للصّحافة الجزائرية المكتوبة، لهذا يتّجه الكثير من الشباب المبدع إلى فضاءات الانترنيت ومواقع التّواصل الاجتماعي لتدوين أفكارهم ونشرها، وأنا واحد من هؤلاء، الذين يحاولون كسر الطوق الاعلامي المضروب على التّفكير الحرّ والعقلاني.

لـماذا هيدغر؟ وما حاجتـ(نا) إلى فكر مثل الفكر الهيدغري؟

أعتقد أنّ فكر هيدغر يعلّمنا الكثير من الفضائل الفلسفيّة التي نفتقدها في الثقافة العربيّة، وأولها فضيلة التسآل وإعادة النّظر في كلّ الأجوبة واليقينيات الجاهزة التي يعجّ بها الوعي الإنساني المعاصر، وهو ما أسميتهُ في خاتمة كتابي “الوجود والحداثة” بالفكر السؤول، يعاود هيدغر التسآل في كل “الحقائق” الجاهزة والمفاهيم التي تلوكها الفلسفة منذ خمسة وعشرين قرنا، وهو ما يسمّيه بـ “تاريخ نسيان الكينونة” أي كينونة العالم والإنسان والأشياء، حيث أنّنا نأخذ هذه المفاهيم والظواهر بوصفها “حقائق” مطلقة لا يطالها شكّ، ولهذا يطرح هيدغر أسئلته بشكل جذري ووجيه: ما هذا الذي يسأل (الإنسان) وما معنى وجوده؟ ما هو “العالم”؟ و”الظاهرة/الظهور”؟ “ما الذي نسمّيه فكرا؟” (وهو عنوان لكتاب هيدغر) وما هي اللغة؟ ومن يتكلّم فينا؟ وما هي التّقنية؟ وما محلّ “العصر” الذي نعيشه (عصر الحداثة) من التاريخ العام للوجود؟ وهو المغزى العام لكتابي “الوجود والحداثة”.

الفضيلة الثانية التي نتعلّمها مع هيدغر –وليس مع غيره- هي فضيلة التّفكير مع الفلاسفة والمفكّرين؛ في قراءتنا لنصوصهم، بدل إعادة إنتاج أطروحاتهم ومقارباتهم للأشياء، يذكّرنا هيدغر في معرض مساءلته لماهية “الفكر” Denken أنّ الفكر الأصيل لا ينتج أطروحات مغلقة حول العالم والانسان والوجود، بل يشقّ دروب Wegs، داخل اللغة بوصفها “مسكن الكينونة”، ففكره لا يكتفي بتقديم تخريجات متعدّدة لأيّة مقاربة؛ أو أطروحة فلسفيّة، أو نصّ أو معتقد، بل يعلّم “رفيق الدّرب” كيف يفكّر “الشّيء” بتخريجات تخصّه هو فقط، وبهذا فإنّ فكر هيدغر لا يصنع أتباع أو مريدين، أو مؤمنين أو أي مذهب سكولائي مغلق، بل يأخذ بيد القارئ إلى دروب التّفكير والشّك Danken. فكر يدرّب على نقاهة تحرّر هذا الإنسان حبيس يقينياته الجاهزة، وكسله العقائدي المزمن، وفي غمرة التّفكير مع فيلسوف الغابة السّوداء؛ نكتشف ذلك الكمّ المريع من الاعتقادات الزّائفة والمفاهيم المتسرّعة، والأكاذيب الضّخمة التي ما فتئت السّلطة تؤثث بها الوجود الإنساني، وحينها يمكنك أيضا أن تصرخ مع صاحب “الكينونة والزّمان”: “إنّنا لم نفكّر بعد…”

ثمّة فضيلة أخرى افتقدتها الثقافة العربيّة نهائيّا، ويلقننا إيّاها هذا النّمط من التّفكير، وهي “الجذريّة” التي هي الخاصّة الأصيلة والمعنى الأعمق لمفهوم “الفكر”، (والتي لا يزال الفكر العربي يخلط بينها وبين التطرّف الذي هو مفهوم أخلاقي وسياسي) بينما تعني الجذريّة لدى “فلاح ميسكريش”: “البحث في الجذر الأنطولوجي للشيء واقتلاعه” ولا تعني الجذريّة الهيدغريّة التخلّى عن كل الأحكام المسبّقة حول العالم كما يطرحها أستاذه “إدموند هوسرل” بل الطريقة والكيفيّة التي يجرؤ الفكر بموجبها على تفكير “اللامفكر” وتدمير الأطروحات الميتافيزيقيّة حول “وجود-العالم” وكشف الدّروب المتعدّدة في “تحليلية الدازاين” Les analytiques du Dasein أيّ الطرق المختلفة التي يكون عليها الوجود الإنساني، حيث أن “الدازاين” (الوجود-هنا) هو طعن وتفكيك لمفهوم الإنسان بوصفه تلك التّوليفة الأرسطيّة المبهمة والمتسرّعة بين (الحياة) و(العقل) (حيوان عاقل؟)، يتساءل هيدغر إذن؛ وما هي “الحياة”؟ وما هو “العقل”؟، هل نعرفهما حقّا لكي نعرّف بدلالتهما هذا الكائن الاستثنائي؟ هكذا يتحرّك فكر هيدغر في اتجاه تنمية حاسة سادسة للفيلسوف وهي “حاسّة الشكّ العدمي” أي رفض مجمل اليقينيات التي تأسّست عليها “رؤيتنا للعالم” منذ 25 قرن، كما يشكّل فكره دعوة قويّة ونداء عالٍ للفيلسوف لكي يعيد مراجعة كل المفاهيم والأفكار والمخيال الذي تقوم عليه الثقافة الإنسانيّة، مراجعة جذريّة وصارمة، لا تصالح مع أيّ من المفاهيم المهترئة والمواقف الانسانيّة المرَضية، والتي عفّ عنها الزّمن، يمكن القول أن كتاباتي محاولة لتلبية هذا النداء إزاء الثقافة العربيّة، كما أسعى إلى تقوية هذه “الحاسة الشكّية” لدى الانسان والمثقّف العربيين، وسيصدر لي كتاب آخر في التّفكير مع هيدغر بعنوان “الهوية والعدم”.

ولكن لماذا بقي التلقّي العربي لهيدغر متعثر الخطى إذن رغم المحاولات الكثيرة كما تقول… ما هي العوائق التي حالت دون تبيئة فكر هيدغر، استضافته في العالم العربي؟

حسنا، هناك ثلاث محاولات لتلقّي فكر هيدغر في الثقافة العربيّة، الأولى كانت محاولة د. عبد الرّحمان بدوي ويمكن تسميتها بالدّهشة الجماليّة الأولى، حيث ألهمته محاضرة هيدغر (ما هي المتافيزيقا؟) في كتابه البكر “الزّمان الوجودي” 1943مجرّد إعجاب، كان بدوي مشغولا بفلسفات كثيرة وهموم فلسفيّة كبيرة، لم تسمح له بإكمال الدّرب الهيدغري، ولا بترجمة نصوص هيدغر الكبرى، ثمّ حاول بعده عبد الغفّار مكّاوي الدّفاع عن هيدغر في كتابه “نداء الحقيقة” وهي أبولوجيا مقطوعة السّياق العربي، أي تدخل ضمن الدّفاع عن الفيلسوف ضدّ تلك الهجمة التي تعرّض لها من قبل الفلاسفة اليهود الذين اتهموه بالنازيّة، ربّما أراد مكّاوي التّأكيد على الموقف العربي من اسرائيل بتلك الطريقة الفجّة، أمّا المحاولة التي أراها تستحقّ كل الاهتمام؛ فهي مشروع المفكر الكبير “فتحي المسكيني” في تبيئة فيلسوف “الكينونة والزّمان”: أوّلا هو أول من ترجم هذا الكتاب الضّخم وهو أهمّ مدوّنة فلسفيّة في القرن العشرين، وقد ترجمه المسكيني عن اللغة الألمانيّة (دار الكتاب الجديد المتّحدة 2012) وكذلك الأطروحات العديدة التي قدّمها حول هيدغر في كتبه: “نقد العقل التأويلي” (2005) و”الهويّة والزّمان”، و”الفيلسوف والامبراطوريّة”، أراها محاولة جادّة للتّفكير مع هيدغر ضمن السّياق الثّقافي العربي، أعود لسؤالك حول العوائق الكبرى لهذا التلقّي؛ وأولها انعدام أيّ مشروع متكامل لترجمة الأعمال الكاملة لهيدغر (أو أيّ فيلسوف آخر) خاصّة عن اللغة الألمانيّة التي لا ترتبط بالعرب في أيّ سياق تاريخي أو استعماري، ثمّ أن الفكر الفلسفي عامّة يعاني من كليشهات إديولوجيّة تطال سمعته لدى القارئ البسيط، وخاصّة هذه الفلسفات الثوريّة والجذرانية، والوجوديّة التي عادة ما يتمّ وصمها بالإلحاد السّافر، وهي التّهمة الوحيدة التي يملكلها العربي الآن ضدّ “آخريه” لأنّ التّهم الأخرى كلّها موجهة ضدّه، هناك صعوبة موضوعيّة تكمن في صعوبة فكر هيدغر نفسه، حتى الألمان ممّن يقرؤونه في لغته يجدون هذه الصّعوبة: إنّنا أمام فكر صارم ومحسوب الألفاظ والمصطلحات، كما يعمد هيدغر إلى نحت الكلم داخل اللغة الألمانيّة، وبوصفه ضليعا في اللغة اليونانيّة فهو يعيد ترجمة المفاهيم الفلسفيّة اليونانيّة بصرامة نادرة، ويعطي أهميّة قصوى للغة والتّرجمة السيّئة خاصّة والتي تعّرض لها “تاريخ الكينونة” ويمكن القول معه “أنّ تاريخ الثقافة الغربيّة هو تاريخ سوء التّرجمة الذي تعرّضت له الثقافة اليونانيّة”.

 ثمّة مشكلة أخرى تطال هذا “التلقّي العربي لفكر الكينونة” وهي أنّ الحساسيّة العربيّة إزاء تمركز الفكر الغربي والألماني خاصّة حول “تاريخ الغرب” عادة ما تؤدّي إلى فهم “المركزيّة الغربيّة” بشكل شعبوي، فيتحوّل الفكر إلى ردّة فعل عاطفيّة وارتكاسيّة إلى الهويّة الدينيّة واللغويّة، كما نجده مثلا في كتابات طه عبد الرّحمان وأبو يعرب المرزوقي، هؤلاء يريدون إقناع العالم أنّنا، نحن العرب والمسلمين، “شيء آخر”، ونوع بشري مغاير، مختلفون بحيث لا تسري علينا مقولات الفهم الإنساني كما حدّدها كانط أو هوسيرل، وبهذا فهم لا يكتفون بترسيخ الكليشيهات الاستشراقيّة العنصريّة، بل أنّهم يجلبون حولهم الكثير من المتعاطفين من الشّباب الذي فشل في المصالحة بين تربيته الدّينيّة وبين جرأة التّفكير التي نتعلّمها من فلسفات هيدغر، نيتشه، ودلوز، فوكو وباطاي وغيرهم، هؤلاء الشّباب وجدوا أخيرا ملاذا آمنا ليقينيّاتهم العزيزة في فكر طه عبد الرّحمان، (أخيرا ثمّة فلسفة معاصرة للسّلفيين…).

هناك ظاهرة أخرى، وهي غياب النّزاهة والصّدق في توجّه الدّارسين إزاء هذه الفلسفة أو تلك، وهي ظاهرة عربيّة بامتياز: لا يوجد مثقّف يعيش لأفكاره وفلسفته والجميع يحبّ ممارسة التقيّة إزاء المجتمع فيقع في شيزوفرينيا مزمنة، وهي مشكلة عميقة الجذور تعود إلى “طبيعة المجتمعات” العربيّة، فهي ليست مجتمعات الحريّة بقدر ما هي “مجتمعات الخوف” بامتياز، حيث الفرد ينشأ منذ الولادة على مقولات الخوف وصور التّرهيب، وخطاب الرّعب (الجنّة والنّار مثلا): لا يمكن أن ينشأ فردا سويّا في مجتمعاتنا؛ فما بالك أن يفكّر مع هيدغر. والمثقفون ليسوا استثناء عن المجتمع كما نتخيّل، فحتّى أولئك “الحجاج المؤجّلين” من المثقّفين الماركسيين والليبراليين في القرن الماضي انتهوا إلى العودة إلى أحضان المجتمع كمن يتبرّأ من ماضٍ إجرامي.

 في المشرق العربي نجحت المزايدة في التدّين في قتل كلّ تفكير جرئ أو مختلف، وخاصّة الفلسفة، إنّنا نعيش ما كان يسمّيه الفيلسوف الاسباني أورتيغا آي غاست، بـ”عصر تمرّد الجماهير” حيث ينمحي التّمييز بين الموقف الفلسفي الأصيل للثقافة العالمة، وبين الاعتبارات السياسيّة والأخلاقيّة للمجتمع والجماهير، التي يستحيل التحكّم فيها دون الأوهام والأكاذيب التي تنتجها السّلطة لمساعدة أجهزة الأمن الحكوميّة في مهامّها، وهنا يبرز المثقّف المداهن لأهواء السّلطة والجماهير على الشاشات والآلات الإعلاميّة الضّخمة، التي تبحث عن خطباء على مقاس الخط الافتتاحي، هؤلاء يدخلون باسم الفكر في جدالات سياسيّة وفقهيّة وطائفيّة تافهة وعقيمة، ويغذّون وعيا زائفا يسمّونه “الوسطيّة” التي لم أفهم معناها لحدّ الآن، وهنا يصبح كلّ موقف فلسفي أصيل ضرب من الجنون والتطرّف يتمّ مجابهته بالعزل والتّشويه والتعتيم الإعلامي.

إذا كانت فلسفة هيدغر هي ذلك الجهد الفكري الضّخم الهادف إلى تفكيك الحلف القائم بين التّقنية والعدميّة والرأسماليّة والذي يكون قد اقتلع الإنسان من جذوره، فلماذا لم يقل هيدغر ’لا’ للنازيّة صراحة أو التزام الصّمت على القل. ألم ينخرط في الحزب النّازي ويصوّت له طواعية سنة 1932؟ ألم يحتل منصبا جامعيّا ساميا في ظلّ نظام هتلر؟ هل يمكن فصل حياة الرّجل عن فلسفته؟ في حوالي 600 صفحة يقول لنا إمانويل فاي عبر كتابه ” هيدغر، إيلاج الإيديولوجيّة النازيّة في الفلسفة، حول الحلقات الدّراسيّة غير المنشورة 1933- 1935″ إنّ كلّ فلسفة هيدغر ملوّثة بنظرة نازيّة للعالم، وبغضّ النّظر عمّا جاء كردّ في الكتاب الجماعي “عن هيدغر بحق” والذي شارك فيه كثير من المختصّين، ما هو موقعك من هذا السّجال؟

 إنّها قضيّة معقّدة جدّا، تلك التي تتعلّق بمدى انخراط هيدغر بالنازيّة، وسبب ذلك يعود بالدّرجة الأولى إلى مكانة الفيلسوف في تربّعه على عرش الفلسفة في القرن العشرين، إذ كيف يعقل لفكر دقيق وحذر ومقاوم للسّقوط، مثل فكر الكينونة، أن يقع في أحابيل الحركة الفاشيّة؟ وما يزيد القضيّة تعقيدا هو هل كان الانخراط السّياسي لهيدغر انخراطا شخصيّا فقط؛ أم أنّ النازيّة والعنصريّة تمتدّ في فلسفته أيضا كما ذهب إلى ذلك “إيمانويل فاي” (كتاب النازية في الفلسفة) و”فيكتور فارياس” (كتاب هيدغر والنازيّة 1986)؟ بالإضافة إلى التّساؤل الآخر والمشروع: كيف نفسّر صمت هيدغر إزاء الممارسات الشنيعة للفوهرر، خاصّة ضدّ اليهود، وهل كان يكفيه الاستقالة من عمادة الجامعة لكي يبرّئ ذمّته من هذه الحركة؟

الموثّق تاريخيّا أن هيدغر كان منخرطا في “الحزب القومي الاشتراكي” (النّازي) سنة 1933، قبل وبعد فوزه في انتخابات ديمقراطيّة مثله مثل غالبيّة الألمان، وغداة تعيينه عميدا لجامعة فرايبوغ (أفريل 1933) ألقى خطبة ناريّة في تقريظ هذه “الوثبة الروحيّة لألمانيا”، لكنّه سرعان ما اصطدم في ممارسته لوظيفته الجديدة بتطرّف “شباب النازيّة” من الطلّاب، عند بدإ إحراق الكتب اليهوديّة، في ساحة الجامعة، ومنع الأساتذة اليهود من الدّخول، وهو ما لم يرض هذا الفيلسوف القروي المسالم، وأمام عجزه عن منع هذه الممارسات قدّم استقالته في فيفري 1934، من عمادة الجامعة، وشرع في محاضراته الطويلة حول “نيتشه” التي أرادها –كما يقول- مقاومة روحيّة للنازيّة، حيث يتمّ تأويل نيتشه تأويلا انطولوجيا لكي يحرّره من التّأويل البيولوجي العنصري الذي كانت النّازية تعتمده فكرها الرّسمي، وفي سنة 1944، تمّ تجنيده في الحرب في خطّ دفاعي ضمن أعمال السّخرة رغم سنّه المتقدم، لقد أضحى فيلسوفا ملعونا فلا هو فاز برضا الناّزيّة، ولا التاريخ برّأه فيما بعد.

المؤكّد أنّ هيدغر سقط ضحيّة “الانطولوجيا الأساسيّة” التي تدور حول فكر الكينونة حصرا، وتخلو من أيّ تدبير أخلاقي أو سياسي، أنطولوجيا لا-سياسيّة قد تجعل صاحبها يقع في أوّل غواية للسلطة كالذّبابة في العسل، كان لهيدغر حسابات ذاتيّة وطبقيّة لا شعوريّة في قبوله عمادة جامعة فريبورغ؛ تتعلق بانحداره من تلك البورجوازريّة الصّغيرة الريفيّة والضعيفة التي عانت من سياسة حكومة فايمار، وعانت من تهميش واستعلاء بورجوازيّة المدينة التي تهيمن على كلّ مفاصل الدّولة (أذكر أنّه في المناظرة الشّهيرة بينه وبين أرنست كاسيرر سنة 1929، كانت زوجة كاسيرر تسخر علنا من ملابس هيدغر القرويّة، متعجّبة كيف لهذا الفلاّح المعدم أن يناظر زوجها؟…) المهمّ أن الحركة النازيّة جلبت حولها تعاطف كلّ هذه الطبقات الفقيرة التي دفعت ثمن الحرب الأولى ثمّ دفعت ثمن السّياسة الرأسماليّة لحكومة فايمار، هذا عن السّياق المعقّد الذي يفسّر تصويت هيدغر للحزب القومي الاشتراكي، ومع ذلك يبقى مدانا، أمّا عن تغلغل الايديولوجيا النّازيّة في فلسفته فأظنّ ذلك هراء لا معنى له، لا علاقة لفكر هيدغر بالنازيّة، مثلما لا علاقة لنيتشه وهيغل بذلك، وربّما تكون فلسفة هيغل أقرب إلى الامبرياليّة ومع ذلك لا أحد يدين هيغل بالنازيّة.

أضيف أنّ سيطرة الفلاسفة اليهود على المشهد الفلسفي للقرن العشرين، قد ساهم بشكل كبير في تركيز الهجمات الإعلاميّة على فكر هيدغر ومحاصرته خاصّة في ألمانيا، وهو ما جعل هيدغر يتجّه إلى تلامذته وأصدقائه الفرنسيين لفك هذا الحصار، ثم مراسلاته مع “ريتشاردسون” في أمريكا ومحاوراته مع فلاسفة يابانيين، لا عجب إذن أن نجد أنّ فلسفته منتشرة باللغة اليابانيّة أكثر من الألمانيّة، ومع ذلك يبقى صمته المقصود مدانا.

الدّرس الذي ينبغي أن نخرج به أنّ المثقف أو المفكّر ليس كائنا ملائكيّا مهما علا نجمه في سماء الفكر، ليس ثمّة نصّ يكتب بمعزل عن علاقات السّلطة، ولا يوجد كاتب “يكتب لنفسه”، السّلطة هي التي تكتب من خلالنا ما نقوله للنّاس، وكلّما حاول المثقف الزّهد في السّياسة بالابتعاد عن دوائرها أصبح أسهل على السّلطة الايقاع به في حبائلها، وحتّى الاعتصام بأسوار الجامعة الذي يحترز به الأكاديميون ممّن يدّعي الحياد، يختزلهم مباشرة إلى موظّفين في دواليب الدّولة، إذا لم يحول بعضهم إلى مستشارين للأمن، ومخبرين جبناء، والفاشيّة ليست حكرا على الدولة الشموليّة، أو الحركات العنصريّة مثل النازيّة، أو الستالينيّة، الفاشية مبثوثة في كل عمل السلطة داخل أي مجتمع، وقد نعثر عليها (فجأة..) في أعز أفكارنا ومعتقداتنا، التي كنّا نحسبها في براءة الأطفال، وهو ما يجعل الفكر اختبارا قاسيا لإنسانيّة الكاتب أو المفكّر، نوع من “المشي فوق الحبل يقول نيتشه: “التقدّم خطر والتراجع أخطر والبقاء واقفا أكثر خطورة”… أنظر إلى ذلك الجَرد البوليسي الذّكي الذي أشهره “إدورد سعيد” في وجه كبار الكتاب والمفكّرين الغربيين للقرن العشرين، حيث بات معظم حملة جائزة نوبل أمبرياليين أو ممجدين للاستعمار.

وهنا أيضا نعود إلى الكتابات المتأخّرة لهيدغر، التي لا يعود إليها متّهموه إطلاقا، وهي النّصوص التي تحاول اختبار الامكانات القصوى للفكر الإنساني، مبلغ قوّته وهشاشته والأخطار التي تهدده، وعلاقة الفكر بالإنسان واللغة والشعر والتقنيّة، والتّساؤل حول هذه العلاقة، ومدى جوهريّتها أو عارضيتها، كلّ هذه الأسئلة التي تطرحها النّصوص المتأخّرة لهيدغر أجدها مهمّة في تعميق البحث في مشكلة السّلطة أجد ذلك أهمّ بكثير من سرد وإعادة سرد الحكايات الجامعيّة لـ 1933.

 حسنا لنحاول الابتعاد مؤقّتا عمّا هو سجال دائم منذ عشريات… من “الأنا أفكر’ الديكارتية ومن “ما الإنسان؟” لدى كانط، انتقلنا مع هيدغر إلى الــ “’ Sturm الستورم’ أو الروح العاصف، و إلى ” من نحن؟”… ماذا يستفيد الانسان العربي من فلسفة هيدغر، العربي الغارق في “النحن” والذي هو في أمسّ الحاجة إلى التّنوير؟ هل يمكن أن يعيد النّظر في التّقنية قبل أن يصنع مسمارا؟ هل يمكن أن يمرّ رأسا من مرحلة ’ما قبل الحداثة’ إلى ’ما بعد الحداثة’؟

سؤالك هذا مركّب من عدّة قضايا، أوّلا: أنّ متابعة نشأة الحداثة الأوربيّة وسيرورتها متابعة فلسفية هي ضرورة عاجلة للفكر العربي، وخاصة التساؤل حول الدلالات التاريخيّة، “الأنا أفكّر” أو الكوجيتو الدّيكارتي، فهو يعنى أوّلا بروز الذاتيّة بوصفها التجلّي الحرّ للفرديّة والحرّية وبالتّالي المسؤوليّة، لا يمكن للعرب أن يلجوا أيّ زمن للحداثة إذا لم يحقّقوا شرط الفرديّة والحريّة الفرديّة، الحريّة في اختيار قناعاتنا وأفكارنا، وأذواقنا، وتحمّل مسؤوليّة أفعالنا، لا يوجد أيّ عربي الآن يملك أفكارا وقناعات فرديّة، كلّ قناعاته جماعيّة موروثة، وبالتّالي فهو لم يختر أيّ شيء يخصّ حياته، وهذه مسألة حقوقيّة وساسيّة أساسيّة مهمّة، أقصد مشكلة الوصاية الأخلاقيّة والروحيّة التي لا تزال “الكنيسة الإسلاميّة” تفرضها على الفرد، وبالتّالي لن تتحقّق أي مواطنة في العالم العربي تحت هذه الوصاية، مما يجعل وجود الدّولة نفسه وجودا شكليا كجزء من النّظام العالمي، كلّ الدّول العربيّة الآن عبارة عن وكالات سياسيّة للنّظام العالمي (أنت لا تملك مواطنين لكي تكون لك دولة) هي الجملة المحظورة في لغة الدبلوماسيّة لكن الصّمت يقولها كلّ يوم للحاكم العربي، بسبب هذا “القصور العقلي” للفرد العربي بلغة كانط.

 وهنا نصل إلى السّؤال الكانطي الشّهير “ما هو الإنسان؟” وهو نفسه سؤال التّنوير الذي طرحه في محاضرة “ما هو التّنوير” 1804، ففي كلّ بحث عن إنسانيّة الإنسان، نصل إلى “الحريّة” بوصفها الماهيّة الأساسيّة للفرد، كما نجد أنّ “الفرديّة” هي ما يميّز النّوع الإنساني عن بقيّة الحيوانات التي ’تنزع” إلى حياة القطيع والتّصرف بمنطق القطيع، لكن السّلطة هي من يحارب هذه الفرديّة وهي من يتراجع بالنّوع الإنساني إلى حياة القطيع عن طريق زرع وبث القناعات الجمعيّة، وهو ما يصنع الواقع العربي بشكل فظيع، حيث سلطة الدّيني/السّياسي تمسخ الفرد وتعمل بكلّ آليات العزل والمراقبة والمعاقبة على (قردنته بدل فردنته)، وقد أسهب فوكو في وصف هذه الآليات بشكل رائع وكافٍ. وفي إجابة كانط عن سؤال “ما هو التّنوير؟” يقول إنّ “التّنوير هو ببساطة رفع الوصاية، والخروج بالفرد من حالة القصور العقلي إلى حالة الاختيار الحرّ” وهو ما يستأنفه أيضا فوكو في محاضرته في “الكوليج دي فرانس” حول سؤال كانط “ما هو الإنسان؟”، لكن فوكو يعمل حفرياته بشكل ذكيّ وعميق حول الآليات السّلطوية التي ترسّخ هذا القصور العقلي، ممّا يعكس يأس فوكو من التّنوير، وهو ما ينطبق على الفرد العربي بشكل عجيب.

يستعمل هيدغر مفهوم “النحن” أو “الهُم” أو “النّاس” لأنّه ينفي عن الدازاين، أو الفرد المفترض، أي إمكانيّة للخلاص من سطوة هذا النحن، وهو ما يعكس أيضا موقف هيدغر السّلبي من التّنوير الكانطي، وهذا لا يعني البتّة أن هيدغر يدعو إلى أيّ روح جمعيّة، أو قوميّة، كما يتّهمه البعض، بل إنّه يسخر بمرارة من فشل الإنسان الأوروبي الحديث في تحقيق هذه الفرديّة، التي بشّر بها نيتشه في نظريّة “الإنسان الأعلى”. بدل ذلك تنحو “تحليلية الدازاين” منحى دراماتيكي في إكتشاف “قارّة العقل اليومي” التي هي قارّة الدازاين وهو يهدر فرديته وحرّيته، ويستسلم للثرثرة والفضول والوسطيّة والقيل والقال، و”الإهدار” هنا هو مفهوم أنطولوجي أصيل وليس مفهوما أخلاقيّا أو استعارة أدبيّة، “الإهدار” هو التزمّن والقلق، الصيرورة-نحو-الموت، حيث يموت الفرد كلّ يوم، لتنتصر مقولات “النحن” بشكل قدري ومأساوي وعبثي أيضا.

بهذا يكون الفرد إذن مجرّد عاصفة تخفق داخل مقولات النحن، كجناح طائر مصروع، والإنسان ككل مجرّد “ستورم غايست” أو الرّوح العاصف، عاصفة هائمة في “تاريخ الوجود” فاقدة لأيّ اتّجاه محدّد، “شساعة هذا الكون المظلم والفسيح ترعبني” يقول باسكال، ويضيف عليه هيدغر “أنّ الأرض مجرّد ذرّة رمل في صحراء هذا الكون، وفوق هذه الذرّة ظهر كائن غريب بعد مئات الملايين من سنوات الفراغ، كائن يدّعي أنّه مركز الكون، وكلّ شيء يدور حوله ومن أجله…” نزعة إنسانيّة ساذجة ورثتها الحداثة من الميتافيزيقا الأفلاطونيّة- المسيحيّة، وكرّستها الذاتيّة المتعالية الكانطيّة. هذا الكائن الذي يقول فوكو في الصّفحة الأخيرة من “الكلمات والأشياء”: إنّه سيختفي قريبا…

هذه النّزعة الإنسانيّة هي أيضا ما يسيء فهم “ماهية التقنية” في فكر هيدغر، فهو لم يكن عدوا للتقنية، ولم يدعو إلى التخلّي عنها لأنّ ذلك بات يوتوبيا فجّة، يقول هيدغر: “إنّ ماهية التقنية ليس شيئا تقنيّا” إنّ ماهية التقنية هي “القدر التّاريخي للميتافيزيقا الغربيّة منذ أفلاطون” البراديغم الميتافيزيقي الذي يضمّ أيضا الثقافة العربيّة والإسلاميّة المتوسطيّة، الماهية هنا هي “إرادة القوّة” والهيمنة والسّيطرة التي تحرّك انتشار التقنية وتنتج عن هذا الانتشار في الوقت عينه، ولهذا يسمّيها أيضا “إرادة الإرادة”، الإرادة المصادِرة لكينونة الإنسان لصالح، التخزين والمضاربة وتراكم رأس المال، والحركات الإمبرياليّة، وحروب الهيمنة التي أنتجتها التقنية.

 وهنا نصل إلى سؤالك الذي يقول “إنّ العربي الذي لم يصنع مسمارٍا ” فما الذي يعنيه من هذه التقنية الغربيّة، فأقول لك إنّ صدمة الثقافة العربيّة من ماهية التقنية مضاعفة، فهو لأنّه لم يشارك بأيّ مساهمة في بناء هذا العالم التّقني الحديث، سيكون عليه مكابدة ماهية التقنية، دون أن يتملّك مفاتيح التحكّم في آلياتها، موقف العرب الآن من التقنية أشبه بالمدخّن السلبي، لا هو استمتع بالسيجارة ولا هو درء ضررها، فهم ليسوا فقط مستهلكين سلبيين للتقنية، بل الضحيّة الأولى لأيّ تغيّرات تاريخيّة قد تجرّها هذه التقنية على العالم الغربي، وإذا كان هيدغر يقول إنّ ماهية التقنية تكمن في “المصادرة” (القشتال Geistell ) والتّخزين، يكون العالم العربي الآن مكان التّخزين وموضوع المصادرة بامتياز، مصادرة الإرادة السياسيّة والاقتصاديّة، واختزال هذا المكان من الأرض إلى مخزون الطّاقة التي تحرّك كلّ الحضارة التقنيّة العالميّة.

تكمن ماهية التقنية إذن في “التجلّي التّاريخي للهائل” وهذه التغيّرات الكوكبيّة التي لم يعد للإنسان أيّة سيطرة عليها، وقد تختفي هذه الهويات في ظرف عام، في ظل الهيمنة التقنيّة على الأرض، والتّحالف بين التّقني والعسكري/السّياسي، أضحى تحالفا معقّدا وعجيبا لا يمكن حتى للعرب فهمه أو التنبؤ بمفاجآته، ربّما لن يصبح لهذا التّمييز عربي/أوربي، شرقي/ غربي أي معنى في ظل انتشار الهائل التقني، وحتّى أوروبا مهد العلم والتقنية، لم تعد تلاحق هذه الأمركة الشرسة للعالم إلا من بعيد، الأمركة ربما تتجاوز الإرادة السياسية لأمريكا نفسها، إنها نمط انتشار هذا المركّب من التقنو-سياسي، الذي يحمل في تضاعيفه كلّ عناصر، الانتاج والاستهلاك، والمضاربة اللامتناهية للأسعار والقروض، والسّندات، واستنفاذ الأرض، وتفجير سرّ الطبيعة في الطّاقة الذريّة، عاصفة مجنونة من إرادة القوّة، لا يوجد أيّ نظام سياسي يمكن أن يجد لها تدبيرا، ولا حتّى الديمقراطيّة، يقول هيدغر: “ليس الاقتصاديون هم من يتحكم في الاقتصاد بل الصيارفة ومضاربو البورصات، ولم يعد السياسيون أيضا يتحكّمون في مصير العالم، بل خبراء الأمن، يتحوّل العالم كلّ يوم إلى منظومة أمنيّة مغلقة، ولم تعد هذه الانتماءات الثقافيّة والدينيّة والهوويّة في الحقيقة إلّا مشكلة أمنيّة بحتة، على الخبراء أن يجدوا لها حلاّ في استباق نشاط للنوايا. أي تنشيط الآلات الإعلاميّة الضّخمة في توجيه الرّأي والذّوق وغسل الأدمغة وصناعة الخطاب داخل الدّيني والثقافي نفسه. لا أحد أصبح يعرف اللاعبين الحقيقين على طاولة الشّطرنج الآن.

أغلق افلاطون تاريخ الفكر اليوناني المبكر، وفتح التّقليد الميتافيزيقي، تكتب في ’’الوجود والحداثة، هيدغر في مناظرة العقل الحديث”(ص217 (، كتابك الأخير، وتضيف بأن افلاطون يمثل ظهور ما يسمّيه هيدغر بالعدميّة، أي نسيان الوجود. كيف يمكن أن تكون الافلاطونيّة والتقنيّة هالة عليا للعدميّة كما تقول؟ وكيف تكون الثقافة العربيّة معنيّة بهذا التّاريخ الغربي للعدميّة؟

يجب أوّلا أن نفهم ونفكّر العدميّة بالمعنى الهيدغري-النيتشوي للكلمة، فالعدميّة هنا لا علاقة لها بالنّزعات الشّخصية والإنسانيّة والأخلاقيّة التي تعلن إفلاس القيم وانتفاء أيّ قيمة للوجود، العدميّة هنا لا تنطوي على أيّ تشاؤم أو عبث كذلك الذي يشهره ألبير كامو، ولا هي أزمة عابرة تعتري الوعي والوجدان الغربي، فالعدميّة كانت أوّلا متضمّنة في نسيج البنية الأنطو-تيولوجيّة للميتافيزقا الغربيّة منذ أفلاطون، ثم المسيحيّة التي رسّخت أخلاق الزّهد، والخنوع، واحتقار الإنسان والحريّة والحياة، أي اختزال الحياة إلى العدم الأنطولوجي، والتعامل مع الحياة بوصفها عبء وجودي يجب التخلّص منه في أقرب فرصة، من أجل الانتقال إلى “حياة أخرى”، مثل هذا التصوّر البائس قد يقتل كلّ فاعليّة إنسانيّة أو إبداع جمالي وفنّي للحياة، وهي البنية الأنطولوجيّة التي لازمت الافلاطونيّة الغربيّة منذ 23 قرنا، والإسلام لا يشذّ عن هذه الظّاهرة، إنّه “أفلاطونيّة شرقيّة” إذا حرّفنا قليلا لفط “الاستبداد الشّرقي” لماركس، تبدأ الأفلاطونيّة الشرقيّة ربّما منذ مدرسة الإسكندريّة في القرون الثاني والثّالث والرّابع، ميلاديّة، وتمتدّ في مدرسة حرّان ودمشق، وكلّ المناطق التي سيظهر فيها الإسلام امتدادا لنفس الإبيستمي، لكن الإسلام سيحقق اكتمالا ظافرا للعدمية، في إعلائه لفكرة التوحيد، والمطلق، وخاصة التنزيه المطلق للإله الذي كان مع اليهودية والمسيحية “أقل تنزيها” لم نفكّر بعد فكرة “التنزيه” هذه بشكل كافِ لحدّ الآن منذ انهيار طروحات المعتزلة.

يقود الإفراط في التّنزيه في كلّ محاججة عقليّة إلى “اللاشيء”، إلى اللا-موجود أو العدم بوصفه أنطولوجيا لاهوتيّة، (اسبينوزا جرّب ذلك بعمق) وهو ما خبره عمالقة الاعتزال أيضا، لهذا تمّ وأد تجربتهم ومدرستهم، فبقدر ما تمعن أنطولوجيا التنزيه في إفراغ محتواها من كلّ امتلاء، بقدر ما تنشط في تفقير الحياة الإنسانيّة، واختزالها إلى مجموعة طقوس وشعائر، تتكاثر من أجل اختبار الولاء، وتصريف النّوايا وجهة زهديّة وعدميّة محضة: الإسلام هنا هو مركز العدميّة، والعدميّة بهذا المعنى هي الوضع التّاريخي الذي انتهت عنده الإنسانيّة كلّها، من فرط الصّراع الفائق بين هذه الدّيانات لكي تستحوذ على الإنسان، ولهذا لم يعد الكلام عن “حوار الأديان” أو حوار الحضارات” سوى نفاق سياسي، وهدنة عسكريّة، وحلول نصفيّة لإنسانيّة أرهقتها الحروب العدمية للديانات، وحتى مشروع “تضامن الأديان” الذي يبشر به “محمد أركون” يبدو يوتوبيا جميلة، يستحيل تحقيقها. إذ كيف نتكلّم عن تضامن الأديان في الوقت الذي تتفتت الأديان الواحدة منذ نشأتها إلى مذاهب وطوائف وملل ونحل، وتتقاتل فيما بينها على مرّ التّاريخ، أليس ذلك أكبر أعراض العدميّة المكينة في كلّ دين، مهما يدّعي من عالميّة. في الشّرق الأوسط اليوم تكاد الطائفيّة تعصف بشعوب بأكملها، الآلاف من البشر يموتون يوميّا فيما الكهنة من كلّ الأديان يتكلّمون عن تسامح الدّيانات…

ما نحتاج إليه بدل ذلك هو “علم أعراض العدميّة” une symptomatologie de nihilisme ، علم يشخّص أعراض العدميّة في الأفكار والأكاذيب التي لا تني السّلطة السياسيّة والدينية عن زرعها، والموضات الدّينية، وكلّ أشكال الدّجل التي تحاول ترقيع الخطابات المتآكلة، (أنظر مثلا تلك الموضة السّخيفة التي سمّوها الإعجاز العلمي في القرآن) والانقسامات الطائفية، وتبرير الشناعات والقتل والعبودية بشتى أنواع الذرائع، يقع الآن المسلمون في كل هذه المآزق العدميّة، وحين يدركوا فظاعة السّقوط التي آلوا إليه، يقولون “الإسلام برئ ممّا فعله المسلمون” أو “أنّنا لم نفهم القرآن ولم نطبّقه بشكل صحيح”. كلّ هذه الأوهام القاتلة تعكس طفولة عقليّة، وبلاهة تقع في قلب العدميّة، لا يوجد لحدّ الآن فكر جريء يقيم علما لتشخيص هذه التطيّرات بوصفها أعراضا لعدمية مبيتة، وعلامات إفلاس خطابي، الجميع يريد إنقاذ الإسلام من أعدائه، وتقريظ الدّفاع عن الملّة.

تكتمل الآن هذه العدميّة الأفلاطونيّة في التقنيّة، وطابعها الكوكبي، لطالما كان أفلاطون يحلم بعالم موازِ للأشياء، وهو عالم الصّورة، أو “الإيدوس” Eidos والتقنيّة تحقق اليوم الحلم بامتياز، كلّ عوالمنا الخاصّة والعموميّة تمّت مصادرتها لصالح عالم الصّورة، الذي تصنعه تقنيات الإعلام والاتصال، تواصل هذه التّقنية إذن اقتلاعنا من “الأرض” و”الجسد” والحياة، وهنا نستعيد “مؤامرة الفنّ” التي يتكلّم عنها العجوز “بودريّار” في كتاب “الفكر الجذري” حيث يبيّن أنّ البورنوغرافيا مثلا أصبح بديلا قاتلا للتّجربة الجنسيّة الواقعيّة، الحقّ أنّ البرونوغرافيا لا تقتصر على الأفلام والمواقع الإباحيّة التي توفّرها التقنيّة، بل تمتد البورنوغرافيا، وتحت أقنعة مختلفة، في كل “تصوّرات العالم” التي تقترحها الخطابات الدينيّة، ومؤسسة الزّواج التي يهيمن عليها الدّين بشكل مطلق.

أخيرا أقول إنّه يمكن للفنّ والفرديّة أن يقودا الإنسان المعاصر إلى نوع من الحريّة والخلاص من هذه العدميّة الميتافزيقيّة السلبيّة إلى عدميّة نشيطة، وإيجابيّة، تقوم على الاستقلالية الشّخصية، والحذر إزاء كل فكر شمولي يتصيّد العقول، الفنّ وحده يمكنه أن يبتكر عوالم متعدّدة، وإمكانات جديدة للواقع البائس، كما أنّه ينمّي فضيلة الضّحك، ويفكّك “روح الجدّ” التي تحاول الدّيانات أن تصطاد بها فريستها. وتستلب بها الحياة الإنسانيّة، “الجدّية عبوديّة الفكر” يقول “جورج باطاي”.

المصدر: مجلة الأوان

Tags: , , , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий