Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > عن الكونفوشيوسية والتنوير والمركزية الأوروبية

عن الكونفوشيوسية والتنوير والمركزية الأوروبية

الاحد 19 تموز (يوليو) 2009

بقلم: عثمان أشقرا

لطالما أثير النقاش حول روحانية الشرق وعقلانية الغرب باعتبار الأمر يتعلّق بأطروحة فكرية بل وحقيقة “علمية” ناجزة، بينما الواقع ـ كما حلّله وفضحه باقتدار إدوارد سعيد في كتابه المشهور الاستشراق ـ لا يتعدى نطاق زعم إيديولوجيّ واستيهام إثنو-مركزيّ. ودون الذهاب إلى حدّ إقرار أنّ “الشرق عموما هو اختراع غربيّ”، فالمخيال الأوروبيّ –تخصيصا- لعب دورا حاسما في تثبيت صورة معيّنة عن الشرق، يتداخل فيها الهوس بالافتتان، منذ رحلة ماركو بولو إلى الصين وكتابة ونشر تقرير “فاتن” في هذا الصدد، إلى ترجمة أنطوان غالان لألف ليلة وليلة “الساحرة” في نهاية القرن السابع عشر.

لكن، وفي القرن الثامن عشر تحديدا –قرن Enlightnementفي أنكلترا وLa philosophie des lumièresفي فرنسا وAufklaraung في ألمانيا سيتمّ اكتشاف –وبمعنى من المعاني- “تمدّن” و”عقلانية” الصين الكونفشيوسية، مقابل أوروبا الغارقة في تعصب المسيحية وخرافاتها.

كان هذا مثلا موقف فولتير بامتياز الذي استلهم عملين إبداعيين من نزعة التشيّع للصين السائدة في زمنه وهما: يتيم الصين L’orphelin de la chine (1755) و”زاديغ” Zadig (1748) كما كتب مقالا في الأخلاق (1756) أكد فيه ” التفوّق الأصيل للفلسفة الأخلاقية الصينية، وكذا تفوّق نظام الصين السياسيّ الذي –حسب زعمه- لا يرتكز على أرستقراطية وراثية بل على مبادئ عقلانية”. بل ذهب فولتير في مقاله المذكور إلى حدّ الجهر بـ”أنّنا نجد في الشرق أقدم حضارة على الإطلاق، وأقدم شكل للأديان، ومهد جميع الفنون، لذلك كلّه فإنّ الغرب مدين بكلّ شيء للشرق”. وبالطبع، فقد كان فولتير مهووسا بـ”سحق” ما كان ينعته بـ”العار” أي التعصّب الدينيّ المهيمن على فرنسا آنذاك، وفضح طغيان الملوك المسيحيين أكثر مما كان مهموما بتطوير نظرة موضوعية حول الصين وعلاقة الشرق بالغرب عموما. وعليه، لا يجوز استبدال نظرة اختزالية مخيالية مطلقة بنظرة اختزالية “عقلانية” لا تقل إطلاقية وقطعية عنها…ولو من باب محاربة التعصّب الديني والاستبداد السياسيّ، هذا أوّلا.

ثانيا: ليس الشرق شرقا والغرب غربا ولن يلتقيا أبدا (كبلنغ) ولكن هناك “الشرق في الغرب” (جاك غودي: الشرق في الغرب؛ ترجمة محمد الخولي؛ المنظمة العربية للترجمة.ط1 بيروت،2008)، أي حضور ما يمكن أن نسميه بـ”المشترك الإنساني” الذي هو عبارة عن صيرورة تشكّل وعي الإنسان بإنسانيته، والمجرى التاريخي الطويل والممتدّ الذي انتهجته هذه الصيرورة الطويلة والممتدّة (دون أن يعني ذلك انعدام نتوءات وتعرّجات وقطائع!).

***

إن إحدى الأساطير المعاصرة –بدون جدال- هي اعتبار “العقل” كمفهوم ونهج وتصوّر نشأ وتطوّر -حصرا- في أوروبا انطلاقا من اليونان إلى “الأزمنة الحديثة”. وعليه، فالفلسفة –مثلا- باعتبارها صورة مثلى –إلى هذا الحدّ أو ذاك- لهذا العقل المزعوم هي نتاج أوروبيّ خالص، إن لم تكن خاصية أثنية وثقافية أوروبية بامتياز مقابل “الأسطورة” لدى الأخر/غير الأوروبي. ونعتنا لهذا الرأي أو الموقف ذاته بـ”الأسطورة” يندرج ضمن تراث عقليّ أوروبيّ مارس فضيلة ومنهج النقد إزاء نفسه فيكتشف زيفا مزدوجا:
- زيف الادّعاء السابق.
- زيف خلوّ كلّ أمر عقليّ من عنصر أسطوريّ.

وعليه، فاليونانيون القدماء ليسوا فقط أصحاب أساطير معروفة ومشهورة، ولكنّ فكرهم الفلسفي الناجز يلزم “حفره” (ميشيل فوكو) و”تفكيكه” (جاك ديريدا) في هذا السياق. كما أن “أساطير” الشرق ذائعة الصيت هي في أساسها وعمقها “بنيات” و”بناءات” منطقية وعقلية على طريقتها الخاصة (نشير هنا بالخصوص إلى أعمال ميرسيا إلياد وجيلبير ديران). فما هو العقل؟ وما هي الأسطورة في آخر المطاف؟ الجواب يلزم تقديمه ليس انطلاقا من عقل يحلل نفسه متمركزا حول ذاته (على غرار “عقل” هيجل الشهير)، ولكن انطلاقا من ضرب المركزية الأوروبية في الصميم، أي في نواتها “العقلية” المزعومة ليس بهدف التقهقر نحو لاعقلانية مدانة أو الحنين إلى صوفية مزعومة، ولكن بهدف اكتشاف تنوع وثراء وتعقد مسار/مسارات تشكل عقل الإنسان وانبناء عقلانيته. وهذا عمل العالم والفيلسوف الصرف بقدر ما هو عمل مؤرّخ الأفكار وأنثروبولوجي الجماعات وسوسيولوجي اللغات والثقافات. وهنا لا يكون العقل/العقلانية إرثا أوروبيا خالصا ولكنه مشترك إنسانيّ عامّ.

***

لقد بدأت “مغامرة العقل الإنساني” وتبلورت واستوت انطلاقا من تخوم ومحيط ما يعتبر راهنا هو المحور والمركز:مصر، الصين، بلاد ما بين النهرين، الهند…وهذا ما ينعت تحديدا بالفكر الشرقي القديم [الأدنى أو الأقصى] مقابل الفكر الغربي اللاحق. وحسب أحد الباحثين “فالاختلاف بين الشرق والغرب [في هذا المنظور] هو على وجه اليقين اختلاف في الدرجة [حيث يرجع هذا الاختلاف] في جانب من جوانبه إلى التشديد الشرقي على كمال الحياة والمعرفة. ويميل الشرقيون إلى تجنب تجزئة وعزل الحياة والمعرفة، والنتيجة المترتبة على ذلك هي أنهم لا يفصلون بين ميادين الفلسفة المختلفة، مثل: نظرية المعرفة ونظرية الوجود ونظرية الفن ونظرية السلوك ونظرية التنظيم السياسي…الخ. فليس هناك تمييز قاطع بين الفلسفة الشرقية والديانة الشرقية، أو بين الفلسفة وعلم النفس أو بين الفلسفة والعلم. ومن النتائج المترتبة على ذلك: الميل الشرقي إلى حمل الفلسفة محمل الجد البالغ، فهي في الشرق ليست أمرا مجردا، متسما بالطابع الأكاديمي، أو لا تربطه كبير صلة بالحياة اليومية، وإنما ينظر إليها باعتبارها المشروع الأكثر أهمية وجذرية للحياة”( جون كولر: الفكر الشرقي القديم؛ ترجمة كامل يوسف حسين، سلسلة عالم المعرفة، ع199، ص21.)

وبالطبع، فلم يكن الفكر الشرقي القديم ، بدوره، كتلة متجانسة ولكن اخترقته تمايزات بل وتضادات من مصر الفرعونية المشغولة بمسألة الموت والخلود والبعث (كتاب الموتى)، إلى حضارات ما بين النهرين البابلية والأشورية حيث ازدهرت علوم بعينها، إلى الهند الهندوسية والبوذية المنشغلة بقضية الخلاص الفردي وتحقيق حالة النيرفانا الفريدة، إلى الصين الكونفشيوسية حيث المشكل الجوهري هو: “كيف يمكنني تحقيق التناغم مع الإنسانية؟ وكيف يمكنني تحقيق التناغم مع الطبيعة؟”.

والخلاصة أنّ حضارتيْ مصر وما بين النهرين ستنقرضان وتتحوّلان إلى “آثار” و”نصوص” و”لغات ميتة”، وكونفشيوسية الصين وبوذية الهند وحدهما ستتمكنان من الاستمرار والتجدد بل ويعاد “اكتشافهما” في سياق تحولات العالم الحديث والمعاصر: كونفشيوس “العقلاني” إبان “عصر التنوير” وبوذا “الروحاني” لاحقا.

***

ولد كونفوشيوس عام 551ق.م بإمارة لو Lu وتوفي عام 479 ق.م. وعليه، فحياته تقع ضمن الفترة المعروفة في تاريخ الصين العام بـ”فترة الربيع والخريف” (722-481 ق.م). وهي فترة تميزت عامة بتفكك الحكم السياسي وسيطرة سادة الإقطاع وتحلل المجتمع أخلاقيا وعقائديا. واسم كونفوشيوس Confuciusهو الصيغة اللاتينية للتعبير الصيني الأصلي Kong Fu Tziالذي يعني حرفيا المعلم المبجل كونغ. وهذه هي الصفة الأصلية والأصيلة لمن سيصبح –لاحقا- هو “معلم الصين الأول”. فلقد تولى كونفوشيوس مسؤوليات إدارية انتهت سلبيا بالرغم من نبوغه (بل هي انتهت كذلك بسبب نبوغه بالضبط الذي جلب عليه نقمة الأعداء والمنافسين حسب روايات تاريخية مضبوطة). وعليه، فلقد انصرف “المعلم المبجل كونغ” إلى تربية الحواريين وتعليم التلامذة في نوع من السياحة في ربوع الصين الممتدة بهدف نشر نوع من الاستنارة الخاصة والعمومية. وأساس هذه الاستنارة ليس ابتداع مذهب فكري جديد ومختلف عن تراث السلف ولكن “إعادة قراءة” هذا التراث وحصره في “أفكار” و”قيم” بعينها تكون هي أساس التعليم والتربية الجديدين. وعليه، تنسب إلى كونفوشيوس عملية تجميع وحصر هذا التراث فيما سيتحدد لاحقا كمتون خمسة للكونفوشيوسية لما ستصبح هي المذهب الرسمي للدولة في عهد Han Wudi (140-88). وهذه المتون الكلاسيكية هي:
- كتاب الأناشيد Shjing : يرجع أصله إلى بداية عهد أسرة تشو (القرن العاشر قبل الميلاد)، ويضم 305 نشيدا هي عبارة عن أغان شعبية وقصائد في الصبابة والهوى ومنظومات شعرية تلقى خلال مناسبات رسمية بهدف المدح والتمجيد لبطولات الأسلاف وتقديس العادات الصينية القديمة الراسخة. والقيمة التربوية للكتاب تكمن في تمتين المعرفة باللغة والقدرة على التعبير وتهذيب الذوق الفني وتعميق الارتباط الوجداني بالتراث/التقليد.
- كتاب التاريخ ٍShujing: يضم خطب وأقوال وتصريحات وتوجيهات ملوك ووزراء وحكام عادلين وحكماء. يعود أصله إلى عهد الملكين الأسطوريين ياو وشون (بداية القرن الثالث قبل الميلاد): الأول-ياو- كان ملكا عادلا وحكيما بامتياز إلى حد أنه أورث الملك من بعده ليس لابنه ولكن لشاو الذي هو مجرد فلاح بلغ من الحكمة ورجاحة العقل والفضيلة شأوا عظيما. والأهمية هنا هي للمثال الخارق والقدوة الحسنة.
- كتاب الطقوس Liji: يعود إلى عهد أسرة تشو (حوالي 1050-770)، ويضم جملة الطقوس المنظمة للحياة السياسية والإدارية والاجتماعية كما انبثقت وتشكلت في عهد هذه الأسرة الماجدة.
- حوليات الربيع والخريفChunqiu: كتاب هو عبارة عن موجز لما وقع من أحداث سياسية وحربية في مملكة لو –مسقط رأس كونفوشيوس خلال الفترة 722-481 ق.م.ويبرز الكتاب أهمية الواجبات والصفات المميزة.
- كتاب التغيرات Yijing : يعود تأليفه وجمعه إلى بداية الألفية الأولى قبل الميلاد مع العلم أن فكرته وأصله موغلان في القدم. والكتاب فريد في موضوعه(= ملاحظة ظاهرة التغير في الكون والحياة) ومنهجه (التجريد الموغل في الصورية) وهدفه: إبراز وتأكيد واقعة التناغم التي تحكم كل الموجودات بفعل تواجه/تكامل مبدأ الإيجاب (اليانغ) ومبدأ السلب (اليان). لقد قام كونفشيوس-كما هو منصوص عليه في التقليد الكونفشيوسي – بتجميع هذه الكتب/المتون وكتابة شروح لها ووضع تعاليق عليها. وعليه، فهي مصدر أساسي لمعرفة فكر” المعلم المبجل كونغ”. لكن كتاب المحاورات Lunyuيبقى –بدون جدال- هو المصدر الرئيسي في هذا الصدد.

***

كتاب “المحاورات” هو عبارة عن أسئلة مريدين وتلاميذ بارزين وأجوبة المعلم المبجل. كما يرد سرد ووصف حوادث ووقائع بعينها مرتبطة بحياة كونفشيوس الهدف منها استخلاص الدروس والعبر. وعليه، فالكتاب الذي يضم عشرين بابا هو نص تعليمي بامتياز. وجوهر التعليم هنا يدور حول صفات وخلق وتكوين الإنسان الماجد. ففي البدء هناك الفرد المرتبط بالجماعة. وبالتالي، فلا معنى لدعوات النسك والعزلة عن المجتمع. فالفرد يعي نفسه من خلال وعي دوره داخل المجتمع: “جاء سيميانيو إلى زيشا وتحدث إليه بصوت ملؤه الأسى، قال: يحزنني كثيرا يا سيدي ألا يكون لي إخوة أشقاء مثل باقي الناس! فردّ عليه مواسيا، قال: هناك حكمة قديمة مفادها أن الحياة والموت بيد القدر، كما أن الثروة والجاه تقدير من السماء، فليعمل الإنسان صالحا، وليحفظ نفسه من الزلل، وليترفق بالناس، فإنما الكل إخوة”( المحاورات، الباب الثاني عشر، المقطع5) وهذا لا يعني ضرورة تكريس وضع اجتماعي بعينه. فالإصلاح والتطوير هدف كونفسيوسي بارز من خلال التأكيد على مبدأ التربية والتعليم والسعي إلى النصح وخدمة الصالح العمومي. إن الإنسان الماجد هو المكتشف لجوهره الإنساني الفاضل والطيب والملتزم بمبدأ عدم التصرف إزاء الآخرين بما لا نحب أن يتم التصرف به إزاءه: “جاء جونكون، وسأل كونفوشيوس عن الإحسان، ما هو؟ فأجابه: أن تؤدي عملك بإتقان وإخلاص وأمانة، كأنك تبذل في سبيله ما تبذله لضيف عزيز غال، وأن تعامل الذين تحت إمرتك بالحسنى، بالخشية والحذر كأنك تقيم شعائر العبادات!، ولا تفرضن على غيرك ما لا تطيقه أنت حرفيا: ما تكرهه لنفسك لا تحبه لغيرك! فلا يبقى في الأرض مكان لشكوى أو تذمر…”- المحاورات، الباب الثاني عشر، المقطع2. فالإخوة الإنسانية حقيقة منصوص عليها في “المحاورات”. كما هو منصوص أيضا على نهج الطريق القويم (الطاو) لاكتساب قاعدة الفكر والسلوك القويمين (اللي). والمجتمع القويم ليس هو الذي يحكم فيه على الأفراد والجماعات بالجمود في أوضاع وأدوار مقدرة سلفا ولكن هو المجتمع الذي يسعى فيه الإنسان إلى اكتشاف وتطوير وصقل طبيعته الإنسانية (مبدأ الرن )باستمرار بواسطة التعليم والتهذيب. فليس مهما أن نكون حكاما على غيرنا ولكن المهم هو أن نكون حكاما على أنفسنا. والإنسان الماجد ليس وحسب أنه يتفانى في إتقان عمله الراهن (مهما كان محدودا و”صغيرا”) ولكنه يهيأ نفسه من أجل إتقان أي عمل مستقبلي “كبير” يمكن أن يدركه أو يعرض عليه.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий