Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > فنون الطبخ والمذاق

فنون الطبخ والمذاق

© اليونسكو / كارول إكير
بيع التوابل في سوق في الهند (1994).
هل تعرفون أن بعض الشعوب ترى في تناول الطعام ممارسة مُخلة بالحياء؟ وأن أفرادها يختبئون لتناول الطعام بمفردهم في زاوية بعيداً عن الأنظار؟ في هذه المقالة الصادرة في “رسالة اليونسكو” في أبريل/نيسان 1957، يتناول ليفي ستروس الجوانب الاجتماعية المرتبطة بإعداد الطعام، علاوة على المغامرة البشرية بحثاً عن المذاق والنكهة.

لو كان فن الطبخ، كما يخال للكثيرين، كناية عن خلط مواد غذائية وفقاً لتناسق نكهتها، أو بين مواد مختلفة للتركيز على تناقضها في الطعم، لكانت جميع شعوب الأرض قادرة على اكتشاف هذا الفن، لبساطته. لكن الواقع هو عكس ذلك تماماً. لأن المزج بين منتجات متنوعة يتطلب أولاً إعدادها على نحو متزامن. كما أن تذويبها وإضفاء التجانس على طعمها يستدعي معرفة بطرائق الطهو تتجاوز مجرد تعريضها للنار.

يشكل فن الطهو لمجتمع ما لغة تعكس بنيته على نحو لاشعوري، وقد تكشف تناقضاته بشكل لاشعوري أيضاً.
كلود ليفي ستروس، “مثلث الطهو”، 1965

فاعتماد الغليان في إناء من خزف، مثلاً، ليس شائعاً على النطاق العالمي. وثمة شعوب تجهل صناعة الخزف، وتحدِث الغليان بتغطيس أحجار مسخَّنة في وعاء من خشب، أي مباشرة في السائل الذي يحتوي الطعام. وفي غياب تقنيات الغليان، تستخدم شعوب أخرى أفراناً محفورة في التربة ومجهَّزة بأحجار ساخنة. فيُشوى الطعام فيها على مهل بين طبقات ورق الشجر النديّ الذي يبث الرطوبة. وأخيراً، يمكن تحويل الطعام نفسه إلى حاوٍ، بحشو جسم الحيوان (أو حشو عجينة مصنوعة من الطحين) بمزيج يُطهى في الوقت الذي يحمَّص فيه الغلاف أو يُشوى.

طبق ساخن؟ يا الهول!

© اليونسكو / ياسمينا شوبوفا
تحضر مجموعة من الرجال في جزيرة باك (شيلي) طبقهم التقليدي. يجب حفر جوبة بالأرض، وضع جمر فيها، ودفن اللحمة والسمك والخضار وتغطيتهم بغطاء من بلاستيك وتراب.
تشكل مجمل هذه التقنيات انتصارات للإنسانية. لكنها انتصارات لم يكن البشر ينعمون بها دائماً. حتى أن بعض الشعوب البدائية جداً، كجماعة “نامبيكوارا”، في وسط البرازيل، ما زالت تكتفي، حتى أيامنا هذه، بطمر نتاجها اليومي من أنشطة الصيد والقطف، وهو مزيج من الحيوانات الصغيرة والأعشاب البرية، تحت رماد ساخن. فيوفر الرماد الملتصق بالطعام الأملاح المعدنية الضرورية. ويؤدي هذا البؤس في الطبخ إلى طمس، بل وتعطيل حاسة الذوق، لأن المنطقة الفموية لأفراد قبيلة “نامبيكوارا” ما عادت تحتمل أي إحساس حاد. فهم يكرهون طعم الملح، وحتى حرارة المأكل. وعندما كنت أقدم لهم طعاماً مسلوقاً – وساخناً – كانوا يسارعون إلى غمره بالماء الباردة قبل ابتلاعه. ولا شك أن هذا المشهد، بما يحمل من رموز تعود بنا إلى القدم، يطرح وضعاً غير سوي. وفي المقابل، تعاني جماعات كثيرة من نقص أكثر فداحة من ضعف التقنيات في مجال الطبخ، وهو قلة وسائل الإنتاج. فهي لا تتمتع بأكثر من مصدر واحد للغذاء في آن.

الشبع

© كلود ليفي ستروس
إمرأة من المجموعة الاثنية “توبي-كاواهيب” تخلط مشروب خفيف مخمر.(البرازيل 1935-1939).

لقد أثبت علماء الإثنولوجيا من أمثال إ. إ. إيفانز- بريتشادر وأودري ريشاردز أن المواسم الغذائية، في مناطق معينة من أفريقيا، تؤثر على الصحة البدنية والحالة الذهنية للسكان الأصليين. فكثيرة هي المجتمعات التي يأكل فيها الأفراد شبعتهم خلال جزء واحد من السنة، أي طوال فترة حصاد المنيهوت، والذرة البيضاء، والرز. إنها “أشهر الأكل”، التي تليها “أشهر القحط”، ولا يحظى فيها السكان الأصليون سوى بمنتجات القطف واللم. فيتقلص حجم الوجبة اليومية، ويحلّ محل النظام الغذائي القائم على الكربوهيدرات، فجأةً، نظام آخر مكوَّن من الخضار، كالقرع والشمام وغيرها من القرعيات.

من الصعب أن نتخيل، في حالة الأمن الغذائي التي ننعم بها، حدة الأحاسيس التي تطبع هذا التعاقب. إذ يختفي الشعور بالامتلاء بغتةً، ليحلّ محله التشنج العضلي والمغص المعوي الناتجين عن الجوع. وتظهر حالات الإسهال الحاد، بعد المرحلة السابقة لانتفاخ البطن والتخمر المعوي.

ومع تغير الغذاء بشكل دوري، يرى السكان الأصليون التبدلات العميقة التي يتعرضون لها على المستويين البدني والنفسي. فلا عجب، كما لاحظته أودري ريشاردز ببراعة، في أن يبدو الغذاء، في تلك المجتمعات، كمصدر للخطر محمَّل بجميع أنواع التأثيرات السحرية. ولذا، يقارن هؤلاء السكان الأحاسيس المرتبطة بالطعام بانفعالات يبدو مصدرها مختلفاً بالنسبة لنا: إذ يحددون بالغضب الشعور بحرارة الجسد الداخلية الناتجة عن تناول مشروب كحولي. كما أنهم يربطون حالة الصوم بأسمى درجات الروحانية، كتلك السيدة الأفريقية الطاعنة في السن التي صاحت يوماً بعدما أكلت شبعتها: “أشعر وكأنني عدت فتاة يافعة، وكأن همومي كلها تلاشت!”

لكن بخلاف السكان الأصليين، نسي طهاة هذا الزمن أمراً كان يشغل بال معدّي الطعام في القدم، وهو تكريم الحيوانات التي يستعدون لاستهلاكها حرصاً على عدم انقراض نوعها.

يوجد إذن في تاريخ نمو البشرية محطة جديرة بأن نتذكرها، وإن كانت مجهولة عموماً، وهي اكتشاف الإنسان للوسيلة التي تتيح له التمتع بمصدرين للغذاء في آن معاً طوال السنة، وأن الجمع بينهما يمكّنه من تجاوز أكبر خطرين يتهددان كينونته الغذائية، أي شح الغذاء وانعدام طعمه.

إذ لا يكفي تناول كمية جيدة من الطعام، وإنما، كما يعبّر عنه المثل الفرنسي بامتياز، الحرص على عدم فقدان “طعم الخبز”. فتاريخ الطبخ بحث متواصل عن وسائل كفيلة بمنح مذاق للخبز، أي بكلام آخر، حث رغبة البشر على تناول مادة غذائية أساسية تمدّهم بالطاقة، شرط ألا يكون مذاقها قوياً، والحفاظ على الشعور باللذة لدى تناولها. وتلك هي حال الخبز، والرز، والذرة البيضاء، والذرة الصفراء، والمنيهوت، بحسب المناطق. وقد ظهر اللحم لاحقاً، وكان يشكل لزمن طويل، في العديد من مناطق العالم، مادة كمالية وامتيازاً. ويشكل الكربوهيدرات (مع التوابل) أساس الطبخ العالمي، كالخبز مع البصل؛ وخبز “شاباتي” الهندي مع مخلل حامض حلو من الثمار والخضر؛ والرز مع صلصة السمك المخمَّر، والذرة البيضاء، أو الذرة الصفراء، أو المنيهوت مع الفليفلة، وكلها أساليب متنوعة تتمحور حول فكرة عالمية واحدة ولّدت أنغاماً عدة من خلال فنون الطبخ.

التوابل حولت العالم

© اليونسكو/ ب. موريل فازكيز
توابل متعدة الألوان في سوق في أسوان (مصر 2008).
وبلغ البحث عن التنوع في المذاق مرحلة أكثر تعقيداً مع الرحلات الاستكشافية البحرية الكبرى في القرن السادس عشر. فقبل 400 سنة بالكاد، كانت أوروبا تنظم هذه الرحلات الضخمة للتزوّد بالتوابل التي كانت تنقصها. وإلى هذه الفترة تحديداً تعود ولادة المطبخ الأوروبي، ولربما ولادة الطبخ إجمالاً، على اعتبار أن أي مطبخ لا يبدو قادراً اليوم على الاستعاضة عن هذا المنتج الأمريكي الأصل أو ذاك، وهي منتجات ظلت مجهولة حتى اكتشاف العالم الجديد، ونعني بها البطاطا، والطماطم، والفول السوداني، والشوكولاته، والونيلية، والفليفلة. بيد أن فصلاً كاملاً من علم الأجناس البشرية لم يُكتب بعد، وهو يتعلق بدراسة قواعد الطبخ وتوزيعها الجغرافي. فإذا كانت هذه القواعد تتسم أحياناً بالبساطة، لكنها، في كثير من الأحيان، بالغة التعقيد، وتتوقف على كيفية الحصول على المنتجات الأولية، وتحويلها، والمزج فيما بينها.

وسنرى بذلك أن شعوباً قديمة معينة طوّرت أساليب بارعة تماماً في مجال الطبخ. ويحوي أحد الكتب التي خصصها عالم الإثنولوجيا الأمريكي الشهير لجماعة “كواكيوتل” (فئة من سكان ألاسكا)، ما لا يقل عن 156 طريقة لإعداد الطعام، بما يشمل تحضير أصناف متنوعة من سمك البحر والفواكه والأعشاب البرية. وتحت عنوان، “خبز جماعة زوني”، كرس عالم إثنولوجيا يُدعى كوشينغ كتاباً ظريفاً حول إنتاج وإعداد الطعام لدى أفراد هذه القبيلة في نيو مكسيكو. ويشير إلى أن الولائم الاحتفالية تتألف عادةً من 14 صنفاً: من خبز ومزبَّدة الذرة بألوانها الستة المختلفة؛ وشتى أنواع اللحم، وكروش، ومقانق، وفصيد من لحم الخروف، تؤكل كلها بواسطة “فرشاة اللحم”، وهي كناية عن مقشّة صغيرة وصلبة يجري امتصاصها وتغميسها في اليخنة المتبَّلة.

السمكة المُهانة لا تعود ثانيةً إلى الطبق

©ألكسندر دزوني شوبوف
لا يمكن استهلاك السمك قبل تكريمه عند هنود جماعة “تسيمشيان”.

يشكل استهلاك الطعام نشاطاً اجتماعياً بامتياز. ومن النادر أن تتناول الجماعات الطعام وحيدة أو متوارية عن الأنظار لإخفاء الفعل “المخلّ بالحياء” الذي يمثله تناول الغذاء لدى أقلية منها، كما هي الحال لدى جماعة “باريسي” في وسط البرازيل مثلاً. وتحتل وليمة الطعام لدى جماعة “كواكيوتل” عدة صفحات من الكتاب المذكور أعلاه: من تحضير المأكولات، إلى طريقة عرض الإناءات والحُصر المنسوجة من القصب، وإرسال الموفدين لتوجيه الدعوة، علماً أن قواعد السلوك تقضي برفضها مرات متتالية قبل الموافقة عليها، والغناء على شرف المدعوين، وأخيراً، تقديم حصة من الطعام لكل فرد تبعاً لفئته الاجتماعية.

وليس في ذلك كله ما يدعو للتعجب. فهذه المراسم لا تختلف كثيراً عن ولائمنا. ونحن نكرّم ضيوفنا أيضاً بمدّ غطاء المائدة المطرز، والموشى، والمزركش، واستخدام ملاعق من فضة، وأطباق تنم عن ذوق مرهف. لكن بخلاف السكان الأصليين، نسي طهاة هذا الزمن أمراً كان يشغل بال معدّي الطعام في القدم، وهو تكريم الحيوانات التي يستعدون لاستهلاكها حرصاً على عدم انقراض نوعها. ومن هنا الطابع المحيِّر أحياناً لبعض الوصفات، كالوصفة التالية الخاصة بهنود جماعة “تسيمشيان” على الساحل الشمالي الغربي للمحيط الهادي. وفي الختام، أترك لطهاة اليوم عناية التأمل فيها.

لإعداد زيت سمك البنفسج (من نوع السلمونيات): يُترك السمك ليجفّ في الهواء الطلق. ثم يُسلق في وعاء مليء بالماء تغطَّس فيه أحجار مسخَّنة بالنار. فيُقشط الدسم تدريجياً، ويوضع الراسب على منخل فوق وعاء. ثم تقوم امرأة متقدمة في العمر بالضغط عليه، بصدرها العاري، لعصر الزيت بكل ما أوتيت به من قوة. وتلك عملية محظورة تماماً على الرجال. ويوضع ما بقي من السمك في زاوية من المنزل، حيث يتعفن ويعج بالديدان. وعلى الرغم من رائحة العفن الكريهة، يُحظَّر رمي بقايا السمك. ولا يحق لأي من المشاركين الاغتسال، بل ويتعين على الجميع الامتناع عن غسل الأوساخ التي تغطي أجسادهم حتى نهاية العملية، التي قد تستغرق أسبوعين أو ثلاثة. وإلا، فلن يعود السمك “المُهان” إلى الطبق ثانيةً.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий