Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > في الأصول الرمزية للمجتمعات Aux Sources symboliques de la Societe

في الأصول الرمزية للمجتمعات Aux Sources symboliques de la Societe

جون ـ فرانسو دورتييه
ترجمة: محمد ميلاد
مراجعة: عيسى صيودة

كيف يمكن للمرء أن يؤمن بأن الغيث سينزل بمجرد تقديم رقصات طقوسية؟ وأن العالم قد انبثق من قشرة جوز؟ إن علماء الأنثروبولوجيا يسعون منذ قرن إلى فهم مبرر وجود الأساطير والشعائر، والعالم الرمزي بشكل أعم، في حياة المجتمعات. وفيما يلي قصة ذلك..
في عام 1907م كتب إميل دوركايم (1858م ـ 1917م)، مؤسس علم الاجتماع الفرنسي، إلى أحد أصدقائه ليخبره بأنه منخرط منذ بضع سنين في عملية تفكير عميقة حول «الدور الأساسي الذي يلعبه الدين في الحياة الاجتماعية». ويذكر دوركايم «وحيا» نظريا حقيقيا واتاه في سنة 1895م، ورسم حدا فاصلا في تطور تفكيره(1).
ويؤكد أحد مساعديه ذلك قائلا: «لقد أصبح يفسر الآن كل شيء بالرجوع إلى الدين، فتحريم الزواج بين الأقارب مسألة دينية، وظاهرة العقاب لها أصل ديني.. وكل شيء ينبع من الدين(2)».
لقد كان الرهان النظري كبيرا. فإلى حد ذلك الوقت كان إميل دوركايم مثله في ذلك مثل دي توكفيل (1805م ـ 1859م) وأوغست كونت (1789م ـ 1857م) يرى أن الدين يلعب دورا مهما داخل النسق الاجتماعي من خلال فرضه للمحرمات («لا تقتل»، «لا تسرق»، إلخ). أي باختصار الأخلاق الاجتماعية. منذ ذلك الحين ستقوده أبحاثه إلى أبعد من ذلك: أي إلى فكرة ذات طبيعة أنثروبولوجية حول الأصل الديني للمجتمعات. وسيكون للمناقشات الدائرة داخل مدرسة علم الاجتماع تأثير حاسم في التوجه النظري الجديد لإميل دوركايم. ونخص بالذكر تلك المناقشات المثمرة التي كان يجريها مارسيل موس (1873م ـ 1950م)، ابن أخته وأحد المشرفين الأساسيين على مجلة «الحولية السوسيولوجية» «L’Annee Sociologique».
كيف يمكن تصديق مثل هذه الأشياء؟
كان مارسيل موس، شأنه في ذلك شأن إميل دوركايم، واحداً من علماء الجناسة (الإثنولوجيا)، الملازمين لمكاتبهم، بحيث إنه لم يغادر مكتبه ولم يسع إلى الاكتشاف الميداني، لكنه كان مغرما مثله بدراسة المجتمعات البدائية، وقد جمع الكثير من الوثائق حول معتقدات وطقوس شعوب أمريكا وآسيا والمحيط الهادئ. وكان قد نشر مقالات أساسية حول القرابين (1899م) ثم حول الممارسات السحرية (تخطيط أولي لنظرية عامة في السحر، 1904م، بالاشتراك مع هنري هوبير). ويتساءل مارسيل موس في هذا النص الأخير قائلاً: «كيف يمكن أن يؤمن بشر بأن أحشاء الدجاج تتيح قراءة المستقبل؟ أو أن رقصة طقوسية معينة تستطيع أن تنزل المطر؟ وأن حرق ذيل عظاية في ليلة مقمرة يكون فيها البدر مكتملا، يمكن أن يرد لامرأة عاقر خصوبتها؟ كيف يمكن الإيمان بهذه الأساطير وخصوصاً بفاعليتها الرمزية؟».
يلاحظ مارسيل موس أن السحر حيثما مورس يتمثل في التحكم في «قوة خفية» هي نوع من الأثير السائل أو من الطاقة الحيوية التي يعتقد أنها ذات تأثير على الأشياء. إن هذا المبدأ المقدس لموجود في الأصل في كل الثقافات تحت مسميات مختلفة. إن تسمى هذه القوة لدى هنود الهورون(3): الأوروندا orenda وهي لدى الآلغونكينز(4) تسمى مانيتو Manitou وهي في جزر الميلانو(5) المانا Mana. إن أساس الممارسات السحرية هو الإيمان بوجود تلك القوة الخفية. ولجعلها ذات تأثير فإنه ينبغي التحكم في المانا عن طريق ممارسة الطقوس وتقديم الهباب والقرابين. وعندما يكلل طقس من الطقوس بالنجاح ـ كأن ينزل المطر ويشفى المريض، فإن ذلك يؤكد صلاحية الطريقة. وإذا لم ينجح الأمر فذلك يعني أن الطقوس لم تنفد جيداً وأن العرّاف (الشامان) لم يكن جيداً وأن تعويذة سحر أو نفثة في العقد قد ألقيت فمن أين تتبع إذن هذه القوة العجيبة، قوة المانا؟ ألا تكون مجرد وهم؟ تقول الفرضية التي يطرحها مارسيل موس إن قوة المانا ليست سوى نوع من الطاقة النفسية التي تتبع من الجماعة البشرية نفسها. فبتأدية رقصة معينة أو بالغناء قبل الذهاب إلى القتال أو إلى الصيد يتضرع المحاربون إلى قوة عليا. فهم يخلقون بأنفسهم في الواقع، ومن خلال أغانيهم ورقصاتهم ومعتقداتهم، تلك القوة النفسية. تستمد قوة المانا فاعليتها العلاجية من تعبئتها للطاقة النفسية للجماعة. فهي نوع من التأثير الذي يحدثه العلاج البديل على مستوى المجموعة الإنسانية ونتاج لسراب جماعي يلعب دورا نشيطا. يقول مارسيل موس: إن المجتمع هو الذي يكافئ بعملة حلمه الزائفة في نهاية المطاف».
لقد اهتم إميل دوركايم اهتماما بالغا بهذه النظرية أي نظرية المانا. وسيستعيد في السنوات التالية استبصارات مارسيل موس الحدسية. وسيمنهجها ويعيد صياغتها بطريقته ليعرض نظريته الخاصة به في كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية (1912م). إن القاسم المشترك بين جميع الأديان، بالنسبة إليه، لا يتمثل في وجود كنيسة (لم تكن للأديان البدائية كنائس) أو حتى في وجود إله (يم يكن للبوذية أو عبادة الأرواح إله). إن ما يشكل أساس الدين، بالنسبة إلى دوركايم، و معنى المقدس أولاً، وهو يعتقد مع مارسيل موس أن معنى المقدس لا ينبع من المجال النفسي الفردي بل من ظاهرة جماعية (مشتركة) قبل كل شيء. فالدين ينبع من الجماعة وليس من المخاوف ومن قلق المساءلة أو من الانبهار والتعجب الكامن في الوعي الفردي. وسيستخدم دوركايم حالة الطموطمية في أستراليا كمثال لتدعيم أطروحته. وقد جمع علماء الجناسة (الإثنولوجيا): والمستكشفون في تلك الفترة العديدة من المعطيات حول أنماط معيشة الإبوريجين (سكان أستراليا الأصليين)ومعتقداتهم. وسيغترف إميل دوركايم بكثرة من الدراسات الوصفية الوافية التي خصصها بالدوين سبنسرBaldwin Spencer وفرنسيس جيلن F.Gillen للأورنتاس (أو الأرانداس) وهي مجموعة بشرية تعيش وسط أستراليا. تتقسم هذه المجموعة إلى عشائر وعشائر فرعية تقيم فيما بينها علاقات قرابة مركبة. تجتمع العشائر بانتظام في الأعياد الاحتفالية الكبرى لتعبر عن تقديسها لجدها المشترك المتجسد في طوطم. يتمثل الطوطم رمزيا في أنه وثن حيواني ( الأمو)(طائر من فصيلة النعاميات) والعظاية أو أي نوع من الكنغر). يقدس هذا الحيوان ويحمى، كما تـُقدم له القرابين ويحرّم أكله. والطوطم المقدس هو ما يمثل في الأصل وحدة المجموعة. ومن خلاله يعرف أفراد العشيرة أنهم ينتمون إلى نفس المجموعة البشرية.
وحسب إميل دوركايم فإن «الجماعة الفوّارة» group effervescent يشارك أفرادها بعضهم بعضاً الانفعالات التي يميزها الغناء والرقص وحالات الانخطاف الجماعية، ومن خلال عبادتها للطوطم، فإن الجماعة تقوم بعبادة ذاتها من دون إدراك ووعي منها. «فكرة المجتمع هي روح الدين»، كما يقول دوركايم. وفي مقابل ذلك فإن المجتمع نفسه ما هو سوى نتاج لذلك الدين الوليد. ويشير إميل دوركايم إلى «أننا نكتشف ظواهر مماثلة في المجتمعات الحديثة».
وإذا كان الدين يتجه نحو الانحطاط فإن التكتلات الجماعية من تكتلات الثورة الفرنسية إلى التكتلات التي أنتجتها الاشتراكية ما هي سوى نتاج لنفس تلك الظاهرة.. فهي أيضاً تكتلات «تنجد» الجماهير وتجمعها حول رموز ومراسيم احتفالية جماعية ينصهر فيها ويتشكل الوعي المشترك. يولي إيل دوركايم إذن مكانة مركزية للـ «الجماعة الفوارة» في نشوء الوعي المشترك. وفيما بعد سيثير تحليله العديد من المناقشات والتحليلات والانتقادات. فالطوطمية مفهوم غير واضح المعالم تستشير وحدته الاعتراض (6) كما سيؤاخذ على بنائه لنظرية بالغة العمومية حتى وإن كانت جذابة، وهي نظرية يصعب إثباتها انطلاقا من عدد معين من الوقائع الضعيفة. فالبعض من الطقوس الاحتفالية،مثل المراسيم الانصهارية للإبوريجين لم يتم التأكد منها ومن وجودها الفعلي.
لم يحل ذلك دون بروز منعطف نظري عن طريق وضع الرمزية والتمثيلات المشتركة في مركز الحياة الاجتماعي. وسيقوم مارسيل موس بدوره ليعمق التحليل من خلال تعميمه على جميع أشكال الرمزية. فالرموز المقدسة بالنسبة إليه ـ وهي الطواطم والرايات والأعلام ليست هي وحدها التي تنبثق من المجتمع بل إن الأمر ينطبق بصورة أعم على جميع التمثيلات الجماعية: القوانين والقيم والأخلاق والمثل العليا، إلخ. ويلخص في سنة 1924 الاستنتاجات التي توصل إليها مع إميل دوركايم بقوله: «منذ وقت بعيد أصبحت ودوركايم نروّج في دروسنا أن وحدة الشعور والتواصل بين البشر لا يتمّان إلا عبر الرموز والإشارات المشتركة والقارة الخارجة عن الحالات الذهنية الفردية(7)». ومع مارسيل موس، يتجاوز مفهوم الرمزية ـ وهذا على نطاق واسع ـ مجال الرموز المقدسة (الأساطير والطقوس الدينية) للتعريف بكل شكل من أشكال التمثيل الاجتماعي.
توفي مارسيل موس سنة 1950م واختفت بغيابه إحدى الشخصيات البارزة في الأنثروبولوجيا الفرنسية. لقد كوّن جيلاً كاملاً من علماء الإثنولوجيا (الجناسة) الفرنسيين(8) تناقش أطروحاته حول الهبة أو حول السحر من بعض الأجانب. غير أن أعمالهُ ظلت غير معروفة جيداً إلا في وسط ضيق من الاختصاصيين وكتاباته، ظلت مشتتة في مقالات نشرت في المجلات. وقد جمع أصدقاؤه بعد موته مقالاته الأساسية في مجلد أصدرته سنة 1950م المطابع الجامعية الفرنسية تحت عنوان السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا(9). قدم للكتاب كلود ليفي ـ ستروس وكان حينذاك نجما صاعدا في سماء الأنثروبولوجيا الفرنسية. وستصبح مقدمة الكتاب وعنوانها «مدخل إلى أعمال مارسيل موس» معروفة بقدر الكتاب الذي تقوم بالتقديم له.
النيئ والمطهو أو المطبخ المركزي
يبدأ كلود ليفي ـ ستروس بالثناء على تلك الأعمال الفنية والخصبة. لكن كاتب مقدمة الكتاب سرعان ما أبدى تحفظاته، فقد لاحظ أن أعمال موس «غير شفافة» في صياغتها و«ملتوية» في مسعاها. وإذ يشيد عالم الإثنولوجيا الشاب بمارسيل موس بإعتباره رائداً لامعا قام بفتح الكثير من المسالك، فإنه يحرص على الإشارة إلى أن تلك المسالك لم تفض إلى أي نتيجة، وإنها تتطلب التوضيح وإعادة الصياغة بل ويجب أن يتم تجاوزها.. ويعترف كلود ليفي ـ ستروس بخصوص مسألة الرمزية، بمزية مارسيل موس في اكتشاف أهميتها في الحياة الاجتماعية.
لكنه لم يذهب إلى أبعد من ذلك: «ما زال موس يعتقد بإمكانية تأسيس نظرية سوسيولوجية للرمزية فيما ينبغي في الحقيقة البحث عن أصل رمزي للمجتمع». إن ما يقترحه كلود ليفي ـ ستروس هنا ليس في حقيقة الأمر سوى انقلاب أساسي في تلك النظرية.
إن ما ينبغي قوله هنا هو إن عالم الإثنولوجيا الشاب كان يومذاك بصدد تأسيس نظريته الخاصة بالرمزية إذ إنه كان قد نشر قبل عام «من ذلك البنى الأساسية للقرابة» (1949م، EHESS) وهو كتاب يؤسس للمقاربة البنيوية في الأنثروبولوجيا وسيطبق في السنوات اللاحقة مقاربته على كل تفكير أسطوري للمجتمعات البدائية.
لم يكن المنهج الذي نادى به كلود ليفي ـ ستروس سوى نقلا للألسنية البنيوية لتطبيقها على الأشكال الرمزية (الأساطير والشعائر والفنون..) لقد اكتشف كلود ليفي ـ ستروس في الولايات المتحدة، باحتكاكه برومان جاكبسون (1896م ـ 1982م) الألسنية البنيوية. يفترض هذا الاختصاص مسبقا وجود بنى تقوم بتشكيل الأساطير، تماما كما هي البنى التوافقية في الموسيقى على وجه التقريب. ففي الجاز أو الموسيقى الكلاسيكية، يتم تشكيل منتخبات كبيرة من المقطوعات الموسيقية انطلاقا من بيانات مشتركة. كما قد توجد وبنفس الصورة، حسب كلود ليفي ـ ستروس ضمن أصول نشأة الأساطير، أنظمة للقرابة ونتاجات فنية ومعمارية خفية (لا واعية) تظهر أهلية العقل البشري لتأليف أنساق ثقافية بتنسيق عدد صغير من النماذج الأساسية فيما بينها.ففي أسطورة أوجيبوا Ojibwa(أسطورة لهنود أمريكا الشمالية) مذكورة في كتاب النيئ والمطهو(10)، يقضى الإله أكاريو Akaruio على كل الآدميين ما عدا المنتمين من بينهم إلى خمس عشائر كانوا قد قدموا إليه أجمل الهدايا.
إن هذه الميثولوجيا تفسر تقسيم عالم البشر إلى خمسة أصناف. وهكذا يرجع كل التنوع البشري إلى عدد محدود من الأصناف: إي العشائر الخمسة التي أصبح تصنيف الكائنات الحية ممكنا انطلاقا منها. ويسمح هذا التصنيف بإقامة «نسق متماسك للدلالة». ويتضح الميل إلى الشكلانية والافتتان بالمصطلحات الرمزية (الرياضيات) بكل جلاء لدى كلود ليفي ـ ستروس.
وسيعرف التحليل البنيوي للأساطير وللنتاجات الرمزية قمة مجده في الستينيات، إذ سيقوم رولان بارت (1915م ـ 1980م) بتطبيقه على النصوص الأدبية وسيقوم أندريه لورواغوران (1911م ـ 1986م) بتطبيقه على رسوم المغاور والكهوف وستكون الموسيقى فيما بعد وفن الطبخ ورموز اللباس موضوعات للتحليل البنيوي.
تعال أجهز على التنين..
في بداية السبعينيات أصبح كلود ليفي ـ ستروس أحد أبرز الأسماء في عالم الأنثروبولوجيا فقد كان أستاذا في الكوليج دي فرانس الشهير وأصبحت أعماله معروفة يتم تحليلها في جميع أنحاء العالم. وأصبح كل عمل من أعماله يعد حدثا في عالم النشر. وسرعان ما يغدو موضوع مناقشة عند أقرانه ومحل تعليق عند النقاد، ويتلقفه بالقراءة جمهور يتجاوز الاختصاصيين المحترفين في علم الإثنولوجيا لكن الفتور سرعان ما دب فيما بعد في الموجة البنيوية وذلك لأسباب اجتماعية في البعض منها: فحركة 1986م مرت من هناك واقتحم التاريخ عالم البنيوي المغلق ومفرط النقاء. «البنى لا تنزل إلى الشارع» هكذا صرخ الطلاب تحت نوافذ الجامعة.
وأخيراً هناك أسباب نظرية محضة لهذا الفتور، ذلك أن البرنامج البنيوي لم يف بوعوده كما أخذت الانتقادات تتراكم، وكان بعضها يمثل معارضة واضحة وبعضها الآخر معارضة خفية لكنها لاذعة. ففي كتيب صغير عنوانه البنيوية في الأنثروبولوجيا (لوسوي، 1968م)، خصص لتقديم أعمال كلود ليفي ـ ستروس للجمهور العريض، قام مؤلفه دان سبيربر، عالم الأنثروبولوجيا الشاب آنذاك بتوجيه بعض سهامه إلى ستورس مثلما فعل هذا الأخير نفسه مع مارسيل موس: لقد غيّرت طلائع الشباب الصاعد موقعها! وقد وجه دان سبيربر في السنوات اللاحقة نقدا لاهوادة فيه للبرنامج البنيوي. فالمنهج البنيوي يستند إلى فهلوة نظرية، حيث يصفه جان سبيربر بالعبارة التالية: «من خلال مقارنة مجموعة كبيرة من الأساطير فيما بينها، يمكن استخراج عناصر مشتركة (صور الأبطال وصور الحيوانات)، هذه العناصر قابلة للاستبدال والتعارض فيما بينها بصورة فعلية. لكن هذه العمليات التركيبية ليست سوى ألعاب فكرية بالغة الاصطناع كما أن المنهجية المستخدمة قد كانت على جانب من الغموض». وتحت مظهر الصرامة الشكلية، يكون كلود ليفي ـ ستروس في واقع الأمر قد فشل في مشروعه لإنجاز بعض البنى الأسطورية الأولى.
ويقترح دان سبيربر اتباع طريق آخر. فبدلاً من البحث عن بنية افتراضية وراء الصور الرمزية فإن الاهتمام يجب أن يوجه إلى القدرة البشرية على الترميز. فمن المفترض وجود أسباب نفسية عميقة تجعل معتقدات أو عقائد معينة تتشكل وتنتشر في فكر البشر أكثر من معتقدات أخرى. وسيعمل دان سبيربر في كتابه «النظام الرمزي بوجه عام» (هارمان، 1974م) ثم في كتابه «المعرفة لدى علماء الأنثروبولوجيا» (هارمان، 1982م) على عرض نظريته تلك.
كيف يتم الوصول إلى الاعتقاد بوجود كائنات خارقة (فوق الطبيعية) في مكان ما تتحكم في الطبيعة؟ فحسب دان سبيربر، ليس من اللامعقول في شيء التفكير بأن الريح تنبع من روح خفي «يهب» على الأرض. فالأمر ليس سوى عملية نقل للمعرفة الحدسية: فعملية النفخ عند البشر تنقل الهواء من مكان إلى مكان مثلما تفعل الريح. وإذا كانت توجد قوى خفية تتيح نزول المطر فليس من العبث تقديم الهدايا لتلك الكائنات لإرضائها. ألا نجد هنا نفس الأسلوب الذي نتوخاه أمام الأقوياء لنلقى لديهم الحظوة؟
بالنسبة إلى الأنثروبولوجيا الإدراكية التي ينتسب إليها دان سبيربر، توجد حالة نفسية (سيكولوجيا) مشتركة لدى كل البشر. فهم يستخدمون حيثما وجدوا، نفس الأساليب في التفكير، نفس المقولات الذهنية، نفس المخطط لإدراك العالم. فالعالم يـُقسّم في كل مكان إلى كائنات حية وكائنات غير حية ثم إلى حيوان وبشر. وضمن الحيوان تـُميّز الحيوانات الطائرة عن تلك التي تسبح والحيوانات الزاحفة عن تلك التي تدب على قوائمها. وإذا كانت بعض الثقافات تقهر بمقدرة العرّاف (الشامان) على الطيران وبإمكانية أن يكون طائر من الطيور سلفا من الأسلاف (جَدّا) فذلك يدل على أننا قد غادرنا العالم العادي (الذي يعرف فيه كل إنسان أن البشر لا يطيرون وأن الطيور ليست كائنات بشرية) لندخل العالم التأملي للأشياء الخفية التي لا تبلغها الملاحظة والتجربة مباشرة، والتي يجب مع ذلك أخذها في الحسبان. إن قصص الخلق (من التكوين إلى نظرية الانفجار الكبير «البيع ـ بانغ» أو إلى أساطير تاهيتي) هي تركيبات ثقافية ـ أي معارف ما وراكية تتعدى المعارف ـ تفلت من المعارف القابلة للإثبات الواقعي. وإنه ليس من قبيل اللامعقول أن نعتبر أن العالم غير القابل للرصد والملاحظة قد يكون مسكونا بكائنات لا مرئية له خصائص غريبة مثلما نعتقد نحن ذلك فيما يتعلق بسلوك حركة الجسيمات ما دون الذرية أو الثقوب السوداء.. إن تنوع المعتقدات والأساطير من ثقافة إلى أخرى، إنما يتعلق بموضوعات مثل تنظيم الكون، والحياة بعد الممات ووجود الأرواح.. إلخ. أي كل الأشياء التي تنتمي بالنسبة إلى كل شعب إلى الجدال الفكري.
سلطة النظام الرمزي والنظام الرمزي للسلطة
لقد تغيرت إذن من إميل دوركايم إلى دان سبيربر، زاوية النظر تماما. فقد وقع الانتقال من دراسة الأسس الاجتماعية للرمزية (إميل دوركايم) إلى دراسة البنى الداخلية للرمزية (كلود ليفي ـ ستروس)، ثم إلى دراسة أسسها النفسية (دان سبيربر).
ألا توحي الأنثروبولوجيا بتركيز اهتمامها بشكل متنام حول التفكير الرمزي ودوافعه العميقة، بأن الرمزية تكفي وحدها لتشكيل الحياة الاجتماعية؟
إن جميع علماء الإثنولوجيا لا يفهمون الأمر على هذا النحو. وتلكم هي حال موريس غودلييه إحدى أهم وجوه الأنثروبولوجيا الحديثة. لقد دحض غودلييه، وهو مساعد كلود ليفي ـ ستروس الأسبق رؤية هذا الأخير للنظام المجرد من لبوسه المادي. وبالنسبة إلى هذا الماركسي القديم فليس هناك من داع إلى أن نجعل من الرمزية نوعا من اللغة المجردة، المعزولة عن السياقات المادية للحياة الاجتماعية. فالأساطير والشعائر التي تنقلها المجتمعات مرتبطة في الغالب بالسلطة. لقد اكتشف غودلييه بكل وضوح عند قبيلة الباروياس Baruyas في غينيا الجديدة ـ بعد أن قضى بينهم سبع سنين في الميدان ـ دور الممارسات الرمزية (شعائر الانتساب إلى العشيرة، تقسيم الحيّز المنزلي، المحرمات أو الممنوعات المختلفة، ومجموع الرموز الجنسية). وتعمل هذه الشعائر على فرض سيطرة الرجال على النساء بصورة مشددة. لذلك يفرض موريس غودلييه أن يسقط في شراك المادية التبسيطية التي تعتبر الحياة الرمزية مجرد «شرعنة» للعلاقات الاجتماعية أن انعكاسا لها. فالفكر الأسطوري بالنسبة إليه ليس مجرد تبرير لموازين القوى. فرمزية السلطة تكشف عن سلطة النظام الرمزي: أي سلطة التبرير بل سلطة تجسيد في إشكال ورسمه مكانيا (تقسيم الحيز المكاني)، وفي الأجساد (شعائر البلوغ والانتساب إلى العشيرة ووشم أو شريط الجسد) وفي الأرواح (التخيلات والرؤى) وسيطرة الرجال على النساء. إن تحاليل غودلييه المعروضة في سلسلة من أعماله مثل «من المادي إلى المثالي»(1984م)، إنتاج (الرجال العظام) (1985) و«سر الهبة» (1996م)، التي قامت بنشرها دار فايار لتمثل كل فكرته الساعية إلى إنشاء منطقة تتمفصل فيها جوانب الخيال مع الجوانب الرمزية والواقع في الحياة الاجتماعية.
لقد اغتنت دراسات الرمزية، وهي التي كانت غنية أصلا بتقاليدها الكبيرة، بنظرية ديناميكية وتفاعلية، وذلك من خلال المساهمة التي قدمها لها موريس غودلييه «M.Godelier».
قصة بلا خاتمة
وبطبيعة الحال لم يتوقف التاريخ هنا. فمن خلال تدشينه لدراسة النظام الرمزي في الحياة الاجتماعية، فتح مارسيل موس حقل بحث لا ينضب غناه ولا تتضاءل خصوبته.. ولا يمكن سبر أغواره. وقد كان الرجل مدركا لذلك تمام الإدراك والوعي. إن النظام الرمزي «ذلك الفيض العظيم من الحياة الاجتماعية» قد لا يقبل أن يحصر في إطار مقاربة واحدة أن يختزل في حتموية مبسطة. فبالنسبة إلى موس، يوجد هناك بعد رمزي في جميع الأفعال الاجتماعية: في المجال السياسي ( في شكل رايات وأعلام) والمجال الاقتصادي (الإيمان بقيمة عملة ما والثقة بها) والمجال الديني ومجال الحياة الخاصة (من عمليات التجميل إلى تمثيل الجسد). إن الأساطير والطقوس والعقائد لتـُسهم في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية، فهل تـُعد بالنسبة إلى هذه الأخيرة سببا أم انعكاساً؟ وهل هي الإسمنت الرابط بين أجزائها أم هي مجرد عنصر من العناصر التي تكوّنها؟ يرفض مارسيل موس أن يحسم الأمر وأن يعطي الأولوية لهذا المجال الاجتماعي أو ذاك: «يجب الاحتراس على الدوام من تلك السفسطة التي تتمثل في منح الأولوية لهذه السلسلة أو تلك من الظواهر الاجتماعية. فليس للجوانب السياسية ولا الجوانب الأخلاقية ولا الجوانب الاقتصادية تمتلك السيطرة الحاسمة في أي مجتمع من المجتمعات».

الهوامش
ـــــ
(1) نص يعود إلى سنة 1907م، أعيد نشره إ.دوركايم، نصوص1 : عناصر الأولية للحياة الاجتماعية، مينوي، 1975م.
(2) رسالة من بول لابي P.Lapie إلى سيلستين بوغليه Celestin Bougle، 7 مايو 1897م.
(3) HURONS، شعب من الهنود الحمر في كندا يعيش في القرن السابع عشر بين بحيرة هورمن وبحيرة أونتاريو ـ المترجم.
(4) ALGONQUINS، قبيلة من الهنود الحمر كانت تعيش في شمال شرقي كندا ـ المترجم.
(5) Melanesie، مجموعة جزر في المحيط الهادئ (أوقانيا) ـ المترجم.
(6) ك.ليفي ـ ستروس، الطوطمية اليوم، المطابع الجامعية الفرنسية، 1985م.
(7) م. موس، السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، المطابع الجامعية الفرنسية، 1950م، أعيد طبعه سنة 1993م.
(8) Georges Devereux, Marcel Griaule, Andre G.Haudricourt, Alfred Metraux, Michel Leiris, Jacques Soustelle, ect.
(9) م. موس، مرجع ذكر سابقاً.
(10) ك. ليفي ـ ستروس، أسطوريات، المجلد الأول، بلون 1964م.
المصدر: مجلة الثقافة العالمية ـ العدد: 120.

Tags: ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий