Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > قداسة المكان في الفكر الفلسفي والأنثروبولوجي

قداسة المكان في الفكر الفلسفي والأنثروبولوجي

شمس الدين الكيلاني

ألقى كوندراتينكو الضوء على الفرق الحاسم الذي يميز الإدراك المعرفي/العلمي، عن العلاقة الدينية، والجمالية بالمكان، والطبيعة عموماً، ليدلنا على المصدر الإدراكي للشعور الديني، والشعور بقداسة المكان، أو جماليته، إذ أشار إلى أنه لا توجد في المجتمع الإنساني علاقات بين الناس فقط، بل هناك علاقات الإنسان بالطبيعة، وبالمكان الذي يحيط به، وتقف هذه الأخيرة وراء العلاقة الميثية ـ الدينية بالمكان. فمن محاولة الوعي الإنساني الدائبة في البحث عن تفسير لقوى العالم المحيطة به، وهو مندهش أمام غرابتها، وروعتها وعظمتها، تنشأ العلاقة الميثية الدينية والجمالية. وعلى هذا فقد قارب كوندراتنكو ما بين العلاقة الدينية والعلاقة الجمالية، بالقدر الذي ميّز فيه مشاعر الإجلال والتقديس الدينية وما يصاحب الطقس الديني من عاطفة، وبين الدين كتعاليم ونظام ونظريات، وأيضاً بين العلاقة الجمالية وما يصاحبها من أحاسيس ومشاعر، وبين الفن والنظريات الفنية، وأيضاً بين العلاقة الأخلاقية والأخلاق كتعاليم ونظريات(1).‏وعلى هذا فإن كوندراتينكو يطلق على علاقة الإنسان بالمكان والطبيعة تسمية (العلاقة الفردية الاجتماعية)، التي بواسطتها يجري الإنسان تقييماً للأشياء المحيطة به، كأن يسبغ على بعض الأشياء ـ والأمكنة صفة القداسة، وما يصاحبها من شعور جمالي، وتختلف تلك العلاقات الفردية (التقييمية)، مع الطبيعة والمكان، عن الإدراك العلمي الذي موضوعه “موضوع الإدراك” وحسب ما تقيّمه، انطلاقاً من ذلك، يؤكد أنه يوجد طريقتان للمعرفة: الطريقة العلمية، والطريقة الفنية، ويقوم التقييم على المقارنة التي لا تعقد هنا على أساس الصفات الموضوعية للأشياء بل على أساس تأثيرها، لذلك تتميز الصورة ـ التقييم (أي الجمالي، القدسي، النفع) تمييزاً مبدئياً عن الصورة ـ الإدراك”(2).‏

إذ ليس النفع والجمال، والقداسة، صفات في الشيء أو في المكان، بل هي نتيجة تقييم نوعي للأشياء والظواهر، تقييماً لقدرتها على تلبية الحاجات النفعية، والجمالية والقدسية الدينية، “لقد كانت الرهبة والتعبد، على الأرجح، مصاحبة للعلاقة الدينية أو للتقييم الديني، في حين كان الإعجاب تعبيراً عن العلاقة الجمالية”(3).‏

يذهب أرنست كاسيرر، كفيلسوف للحضارة، على نحو أبعد، في تفحص الإدراك الرمزي للمكان، للعالم، فهو لا يتردد في تعريف الإنسان على أنه “حيوان ذو رموز)(4). فإذا كانت الأنواع الحيوانية، ومنها الإنسان تحمل “جهازاً للاستقبال”، وجهازاً مؤثراً، فإن لدى الإنسان حلقة ثالثة، هي التي يسميها “الجهاز الرمزي”، الذي به يقيّم الإنسان علاقته الإدراكية بالعالم، ومن هنا، فإن كاسيرر يرى في اللغة والأسطورة والفن والدين ليس سوى وجوه مختلفة من هذا “الجهاز الرمزي” الإدراكي، فهو يشكل الخيوط المتنوعة التي تحاك منها الشبكة الرمزية، والنسيج المعقد للتجارب الإنسانية مع العالم(5).‏

يكرّس كاسيرر جهوده الفكرية، لدراسة هذه الشبكة من العلاقات الرمزية التي تؤطر فكر الإنسان بعلاقته بالمكان والزمان، اللذين يشكلان الإطار الذي لا تنفك منه الحقيقة، حتى إننا لا نستطيع شيئاً إلاّ في ظل المكان والزمان(6).‏

فالحيوان ليس لديه صورة عقلية أو فكرية عن المسافة، إنما تقتصر علاقته بما يسميه كاسيرر “بالمسافة الحسية”، بينما يصل الإنسان وحده إلى إدراك “المسافة الرمزية”، فإذا كان الإنسان أدنى من الحيوان فيما يتصل بالمسافة العضوية (مساحة العمل)، فإنه يعوّض قصوره هذا بامتلاكه لمفهوم (المسافة الرمزية ـ المجردة)، التي تعبّد لـه الطريق إلى الوجهة الحضارية، وتنقله من “مسافة العمل” إلى “المسافة الرمزية”، بما فيها فكرة قداسة المكان والفكرة النظرية، والعلمية للمكان والمسافة، أي المسافة الهندسية، أما عن الإدراك الميثولوجي للجانب القدسي للمكان، فهو لا يختلف في معانيه الشعورية عن الشعور الديني تجاه المكان، إنما الذي يتغير فيه الأشكال الطقوسية والعبادات، وأماكن العبادة، وعلاوة على ذلك فإن المساحة التي تخص القداسة، في الميثولوجيا أوسع مما هي في الدين، ولا سيما الدين التوحيدي، لأن ما تدركه الميثولوجيا من قداسة/ نجاسة يشمل العالم بأسره، فيتخذ إدراكها للعالم والمكان طابعاً فراسياً، ويصبح عالمها عالماً درامياً، عالم أعمال وقدرات متصارعة، ومدركاتها مفعمة بالخصائص العاطفية، فكل شيء عندها: خيّر أو شرّير، صديق أو عدو، مألوف أو غريب، تشبه حالة إدراكنا، عندما نكون في حالة هياج عاطفي(7). واعتمد الشعور التعاطفي الميثولوجي ـ الأسطوري على توحيد الظواهر الكونية كلها، مع تقسيمه إلى مجالي: المقدس (الحرم) والمدنس (الشر)، ولا يفتقر الدين لهذا الشعور التعاطفي (وتعاطف الكل)، “إلاّ أن التعاطف الديني من نوع مختلف عن التعاطف السحري، والأسطوري، لأنه يفسح المجال لشعور جديد هو الشعور بالفردية”(8). مع انبثاق الضمير الفردي الديني، الذي هو ركيزة الإيمان في ديانة التوحيد.‏

ويلاحظ كاسيرر، من جانب آخر، زوال التضاد بين الشعور المتنامي بالفردية، وعمومية الشعور الديني، طالما أن من أول واجبات الأديان التوحيدية هي أن تكتشف العناصر الشخصية في المقدس والإلهي والجليل، فهذه الأديان وليدة القوى الأخلاقية، التي ترتكز على معايير الخير والشر، فلا يوجد عندها سوى ذات عليا واحدة، تنمو على حساب قوى الميثولوجيا الملتبسة، ففي الأفكار الأسطورية عن (المقدس) تكون هذه القوى الأخلاقية مجهولة تماماً، إذ تستعمل فكرة (المايا)، أي (حيوية الطبيعة الروحية)، للدلالة على المحرم (المقدس)، والمدنس معاً، دون أن تفصل بين نطاقيهما، أو مجاليهما، إذ يتجسد المقدس والمدنس عند صاحب الأسطورة بعلاقتهما (بالتابو) الذي تتداخل فيه القداسة بالنجاسة، لذا يحاط بجو من الخوف والخطر، فلمسه الآله/ التابو خطر، مثل لمس الأشياء النجسة، وبذلك يصبح المقدس والمدنس على مستوى واحد، كما أن القداسة تأتي بالنتائج نفسها التي يأتي بها التلوث بالنجاسة، بينما يعمل الدين التوحيدي على الفصل بين النطاقين: المنطقة المقدسة، والأخرى النجسة‏

أو العادية، وإذا كان الحرام الميثولوجي مصدره الخوف من القوى الغاشمة، الملتبسة بالمكان والطبيعة، فالمتعالى في الدين هو الذي ينظم المقدس، فتصبح مصدره قوة حامية، صديقة للإنسان، فالحرام في الأسطورة يعرف كيف يمنع لكنه لا يعرف كيف يهدي، بينما الدين يخفف العبء، ويعطي الواجب الديني طابعاً إيجابياً حراً(9).‏

في علم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا‏

يذهب عبد اللطيف الهرماسي مدرس علم الاجتماع إلى القول: “إننا ننطلق من اعتبار المقدس الديني مستوى أو مجالاً يتوسط بين التعالي والدنيوي، وبين الإلهي والبشري، والحياة الدينية للإنسان تتحقق في وضع لا تكون فيه ممكنة سوى التجربة غير المباشرة للفوق طبيعي، بحيث يتوسط المقدس”(10).‏

وهذا التعريف لا يختلف عن الاقتراح الذي اعتمده علم الاجتماع الديني، فالظاهرة الدينية كما عرفها دوركايم تقوم على افتراض الانقسام الثنائي للعالم إلى مجالين متعارضين ومتنافرين هما المقدس والدنيوي، وعلى هذا الأساس صاغ تعريفه للدين بوصفه نسقاً متضامناً من الاعتقادات والممارسات المتعلقة بالأشياء المقدسة(11). إذ أشار (دوركايم) في كتابه “الأشكال الأولية للحياة الدينية”، إلى أن السمة المميزة للدين هي تقسيم العالم إلى مملكتين متعارضتين جوهرياً، الأولى تحتوي على كل ما هو مقدس، والأخرى تحتوي على كل ما هو مدنس، ويشرح دوركايم ذلك بالقول، إن الأشياء المقدسة “هي تلك التي تحميها وتعزلها المحرمات”، ولا ينحصر نطاق الأشياء المقدسة في الكائنات الشخصية، التي تسمى أرواحاً، لكنها تضم أيضاً “صخرة، شجرة، حصاة صخرية، منزلاً، وباختصار أي شيء يمكن أن يكون مقدساً”. فمعيار التقديس يرتكز في العلاقات الاجتماعية، وليس في طبيعة الأشياء(12). وقد جاء تعريف دور كايم هذا، متأثراً بمساهمة روباتسون سميث الذي لاحظ في دراسته للديانات السامية القديمة، أن الأشياء والكائنات المكرسة للآلهة، مثل المعابد تخضع عادة لعدد من المحظورات (التابو)، وميّز بين ظاهرتي التكريس والحظر، رغم ما يجمع بين الأشياء الممسوسة بالرجس، وبعض الأشياء المقدسة من خضوع لقاعدة التحريم، ويعتقد الهرماسي، أن دور كايم صاغ مفهومه للمقدس بالاعتماد على الغموض والالتباس المحيط بدلالاته، ولا تنحصر المشكلة التي يثيرها تعريفه، في فكرة التعارض الجوهري بين المقدس والدنيوي، أو في الامتياز الذي يعطيه لقاعدة التحريم، بل تكمن في أطروحته عن ازدواجية المقدس، إذ منذ أن اعتبر هذا الأخير المقدس ينقسم إلى فئتين فرعيتين يشمل كل منهما على القوة الخيّرة كالإله والملائكة، وفي الوقت نفسه على القوة الشريرة الملوثة، يكون بذلك نفى القطيعة بين مجالي المقدس والمدنس، كما أن تصوره هذا للمقدس والمدنس، حسب الهرماسي، يتعارض مع فكرة المقدس في الإسلام واليهودية، اللذين يفصلان بين المجالين(13). وأوضح جوزيف شلحت في كتابه “علم الاجتماع الديني”، المعنى نفسه، حين بين أن مساحتي الطاهر والنجس تتعارضان في التصور الإسلامي للكون، كما أبرز ازدواجية الحرام في هذا التصور، لأنه وجد أن القرآن يستخدم الجذر (ح.ر.م) للتعبير عن الخطر الذي يمثله كلاهما على الكائن العادي، والحرام يشملهما دون الخلط بينهما، وأن المؤمن مطالب باجتناب القوى الدنسة، وللسبب ذاته فإن مساحة القداسة والطهارة، أو ما يدخل في علاقة مع التعالي أو يدل عليه، مفصول عن بقية العالم، ويخلص إلى القول: “إن الأشياء المحرّمة هي التي تكون في معزل عن غيرها لا تختلط بها، ويحظر الدين على المؤمن، تحت طائلة العقاب الصارم، أن يقربها أو يمسها إلاّ في بعض الأحوال الاستثنائية، وبعد استعدادات خاصة، فتكون العقائد الدينية رموزاً وتصورات تعبر عن طبيعة الأشياء المحرمة، وعن علاقاتها بالأشياء المحللة، وما الحفلات الدينية إلا تقاليد وطقوس يخضع لها المرء ويسير على منوالها في علاقته بالأشياء المحرمة، والديانة تعلم المؤمنين بها التمييز بين هاتين الفئتين… كجعل أماكن الصلاة في منعزل عن أماكن العمل، وبفصل أيام الأعياد عن أيام العمل…”(14).‏

قدم مارسيا الياد الأنثروبولوجي الكبير ومؤرخ الأديان، بحثاً شاملاً عن موضوع “المكان المقدس” و”المكان المدنس”، إذ خلص إلى نتيجة مفادها، إن أقدم صورة لعلاقة الإنسان بعالمه هي تلك العلاقة المشعبة بالتعلق (بالمقدس)، وإضفاء معانيه على المكان والزمان، وبما يحتويه من معنى وقوة وغنى، وتقابلها علاقته المليئة بالنفور من “المدنس” العمائي، لدرجة يبدو فيها “أن المقدس هو عنصر في بنية الشعور، وليس مرحلة في تاريخ هذا الشعور، وعلى المستويات الأكثر قدماً من الثقافة، يظهر عيش الكائن البشري هو في حد ذاته عملاً دينياً”(15).‏

ففي القديم، كان كل سلوك، وكل طقس أو أسطورة، وكل معتقد، إنما يعكس علاقة الإنسان بالقداسة، والنجاسة في المكان والزمان، وكانت مفاهيم التكون والمعنى والحقيقة، وحتى الاكتشافات التكنولوجية الأولى، وكل الفعاليات الحياتية الأخرى، تغلفها الطقوس الخاصة، وتنتج عالماً من القيم، إلى درجة لا يمكن معها تصور حياة إنسانية، مهما أغرقت في القدم، تخلو من الشعور الديني، بما يحمله من شعور بالقداسة والنجاسة تجاه الفراغ، لقد بقي الإنسان غارقاً في خضم عالم موسوم بالقداسة والنجاسة، وكان كل ما يصبو إليه هو المشاركة الفعلية بالقداسة التي توفرها لـه مشاركته في طقوس البدايات التكوينية للعالم، أو في إعادة تمثيله لأدوار الخلق الأول عن طريق ممارسة الطقوس، وإعادة الرواية السردية الأسطورية، إذ “ظل الإنسان، طوال آلاف السنين يعمل طقسياً، ويفكر ميثيقياً في أوجه الشبه بين العالم الأكبر والعالم الأصغر… وهو إذ يفعل ذلك فإنما يساهم في قدسية الكون”(16). فالعالم القديم كان يجهل “الفعاليات الدنيوية غير المقدسة” فكل عمل يحمل دلالة محددة، إنما يشارك على نحو ما في الضمان المقدس، فبدءاً من أعمال القنص والصيد، مروراً بالأعمال المختلفة كالاشتراك في القتال، وصولاً إلى النشاط الجنسي، تشترك جميعها، و تركز إلى الفعل المقدس الأول البدئي، فكل حدث أو سلوك أو فعل إنما هو تمثيل أو محاكاة، عند الأقدميين، لحدث ملحمي بدئي مقدس أول، وأن تكرار النزاع بين البشر، لا يتعدى أن يكون سوى محاكاة للطراز الأول من النزاع، وهذا ينسحب على قداسة الأمكنة، فالممارسة الطقسية المرافقة لتشييد بناء ما، إنما هي تكرار للبناء الأسطوري الأول، كذلك فالآثار الفنية إنما هي تقليد من الدرجة الثانية للروائع الفنية الأولى، إذ لا يغدو أي موضوع من الموضوعات أو فعلاً من الأفعال واقعياً إلاّ بمقدار ما يحاكي، أو يكرر نموذجاً أولياً(17)‏

وعلى هذا الأساس، فإن بناء مقام ديني، أو معبد، هو تكرار لعملية الخلق الإلهي للكون، أو تقليد لها، لا لكون المعبد يمثل الكون فقط، بل لأنه يمثل مختلف الأدوار الزمانية أيضاً، وهو تمثيل من الدرجة الثانية لعملية الخلق البدئية الإلهية.‏

إذا انتقلنا إلى الديانة التوحيدية، فإن الالتباس والاختلاط ينحسر، عندها، بين المقدس والمدنس، في الظواهر الكونية، وتتوضح معالم الحرام والحلال، فتبقى بعض الأمكنة تمثل موقع القداسة عند المؤمنين، لأن تلك الأمكنة تمثل صورة من الدرجة الثانية لمكان سماوي، وتصبح بعض حوادث التاريخ ذات دلالة على رضا الله، إن كانت تحمل المسرة لأصحابها، وبعضها الآخر يحمل الدلالة على غضب الله، إن كانت ذات طابع كارثي، كالأسر البابلي لليهودي، وسفر الخروج، فضلاً عن ذلك، فإن ديانة التوحيد أدخلت في التجربة الدينية مقولة الإيمان، الذي يقود إلى أعلى درجات الحرية، تلك الحرية المتمثلة في القدرة على التدخل في البنية الإنطولوجية للكون، تلك الحرية التي تصدر عن الله، وفيها تلقى ضمانها وسندها(18).‏

ونبهنا إلياد إلى أن الإلهي والمتعالي لا يتجلى في صورته الخالصة المطلقة في الديانة التوحيدية، وإنما يظهر ما يدل ويرمز إليه، عبر وسائط ملموسة، وهو ما يفسر تعدّد الأشكال التي ترمز إليه في الأمكنة والأزمنة والطقوس، وهكذا، ففي الإسلام يصبح الحج إلى الكعبة، والشعائر المكملة لـه جزءاً من الإيمان الإسلامي، “فالله يحافظ على وضعه إلهاً وحيداً، مطلقاً، ومحمد سيكون النبي المختار، ولكن، وكما في اليهودية والمسيحية، فإن الإسلام سينتهي إلى قبول عدد من الوسطاء والشفعاء”(19).‏

تنتهي كارين ارمسترونغ الأنثروبولوجية الأمريكية الشهيرة، وعالمة الأديان إلى نتائج قريبة مما وصل إليه إلياد، في المقدمات والنتائج، فهي تقرّر أن الناس في العالم القديم، يشعرون أنهم إذا لم تتوفر لهم إمكانية الحياة في ظل تلك الصلة مع القوة الإلهية، فسوف تصبح حياتهم غير محتملة، خالية من المعنى، وهو ما دفع هؤلاء الناس إلى عدم الاستقرار إلاّ في الأمكنة التي أفصحت القداسة فيها عن ذاتها لهم يوماً ما، فأزالت الحاجز الذي يفصل بين الآلهة والبشر، فالصخرة السامقة، والوادي السحيق، الذي يتسم بجمال خاص يمكن أن يفصح عن وجود القداسة، لأن من العسير إدراجه في سياق الظواهر المحيطة به، فمظهره نفسه، كان يعبر لهم عن شيء آخر، وكانت عيون الناس في المجتمعات القديمة ترى أن الجبال التي تسمو هاماتها علواً على الأرض رموز للتعالي، فإذا تسنمها العابد، أحس أنه صعد إلى مستوى مختلف، يقع في منطقة وسطى بين الأرض والسماء(20).‏

وهكذا، فما إن يشعروا بأنه بقعة ما قد أصبحت مقدسة، حتى يفصلوا بينها وبين ما حولها من بقاع دنيوية، لدرجة أن التجلي الإلهي فيها يجعلها بنظرهم مركز الكون، ويشعرون أنها تتيح لهم الاتصال بالله، وهو اتصال ضروري لتكتسب حياتهم الهدف والمعنى، لذا لم يستقر الناس في القديم، الاّ في الأماكن التي تمكنهم من هذا الاتصال، وتستشهد أرمسترونغ بما توصل إليه المؤرخ الألماني رودولف أوتو، الذي رأى أن هذه الأماكن المقدسة، يمكن أن تلقي في القلب الفزع والهلع، ولكنها كانت في الوقت نفسه ذات قدرة جبارة على اجتذاب الناس، وهي قدرة لا تقاوم، لأن الإنسان يرى منها ما يألفه في أعمق المستويات، وما يعد جوهر الإنسانية جمعاء، فلم يكن البشر يتصورون أن مجتمعاتهم قادرة على البقاء، دون الارتباط بهذه القوى الجبارة”(21). فقداسة المكان، كما تقول أرمسترونغ، هي “من المبادئ التي تشترك فيها جميع الثقافات، والإيمان بها من العقائد الدينية الأولى في حياة الإنسان… فالناس وجدوا عندما أمعنوا النظر في العالم من حولهم، أن بعض الأمكنة تُشعر بسحر لا يقاوم… تختلف اختلافاً جذرياً عن غيرها من البقاع، فكانت تلك النظرة تشكل موقعاً أساسياً في رؤيتهم للعالم، وتضرب بجذورها إلى مستويات أعمق كثيراً من مستوى العقل الواعي، بل إن العقلانية العلمية لم تستطع أن تشغل الموقع الذي كانت تشغله الجغرافية المقدسة بصورة كاملة”(22). وتخلص أرمسترونغ في أبحاثها إلى نتيجة مفادها، “أن الإخلاص لمكان مقدس يكاد يمثل ظاهرة إنسانية عالمية”، فمؤرخو الأديان يعتقدون، أنه من أقدم تجليات الدين في جميع الثقافات، إذ وضع الناس ما يسمى بالجغرافية المقدسة وهي خريطة لا علاقة لها بالخريطة العلمية للعالم، لكنها ترسم صورة الحياة الباطنية، حتى يصبح ما على الأرض من مدن وغياض وجبال رموزاً للحياة الروحية”(23).‏

ولاحظت أرمسترونغ، أن تجربة الإحساس بالقداسة هذه، ذات ضروب متنوعة، فهي قد توحي بالخوف، أو بالرهبة، أو بالثراء النفسي، أو بالسكينة، أو بالهلع، أو بضرورة القيام بعمل أخلاقي معين، لأنها تمثل لوناً أكثر اكتمالاً وأرفع شأناً من الوجود، لا بد منه لاستكمال ذات الإنسان ورغباته، ومن ثم هي قادرة على إطلاق عواطف جائحة من عقالها، بفعل غنى الرموز التي تحملها في جنباتها، إذ كان الإنسان يعتبر الرمز لا ينفصل عن الحقيقة التي يمثلها، فتمتع الرمز الديني بالقدرة على إدخال العابدين في عالم القداسة، “ولم يكن أحد على مر التاريخ يستطيع أن يخبر القداسة مباشرة، اللهم إلاّ عدد بالغ الضآلة من الأفذاذ، فكان على الإنسان أن يدرك القداسة من خلال شيء آخر… وكان الناس مثلاً يخبرون القداسة من خلال إنسان ما.. أو أرض مقدسة، وكان المكان من رموز القداسة الأولى وأكثرها انتشاراً، إذ كان الناس يرون القداسة في الجبال والغياض والمدن والمعابد… وكان اليهود والمسيحيون والمسلمون وما يزالون يرون في القدس مثل هذا الرمز للقداسة”(24).‏

وأشارت أرمسترونغ، بالتوافق مع إلياد، إلى أن الطقوس التي يؤديها الناس في المكان المقدس، إنما هي صورة أخرى من صور محاكاة الأرباب، والدخول إلى عالم الوجود الأكمل، وهذه الأسطورة، أي إعادة الزمن البدئي، ذات أهمية أساسية لفهم قداسة أي مدينة مقدسة، أو لقداسة المعبد، لأنه ينظر إليهما أحياناً كنظير لأصل سماوي، “فإذا قام الإنسان بمحاكاة الصورة السماوية القديمة للمعبد في السماء، فربما استطاع أن يحيل المعبد بيتاً للرب هنا على الأرض”(25).‏

2. جلال القدس‏

لقد انفردت القدس من بين كل المدن، والأمكنة في العالم، في أنها صارت الملتقى الروحي لأبناء الديانات الإبراهيمية، وصعيدهم المقدس. وتتميز الرؤية الإسلامية للقدس عن رؤية الديانتين المسيحية واليهودية، في أنها تحتضن الجغرافية المقدسة لكِلا الديانتين هاتين، وتظهر التبجيل لكل ما يُذكّر بأنبيائهما، وما تركوا من آثار على أرضها الجليلة، حيث حمل الإسلام نظرة منفتحة على الآخر الديني، باعتباره جزءاً رئيسياً من تاريخ الوحي الواحد، ورأى في الأديان التي سبقته، إحدى تجليات وحي إلهي واحد، يأتي هو ليشكل ذروة اكتماله، وخاتمة لـه، ويصبح الوحي الذي أُنزل على محمد، تبعاً لهذه النظرة، متمّماً لرسالة من سبقه من الأنبياء،‏

(قولوا آمنا بالله وما أُنزل على إبراهيم و إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن لـه مسلمون( (البقرة: 136).‏

من هنا أتى تعظيم المسلمين للأديان السماوية، ولكل الأنبياء: إبراهيم وداوود وسليمان، وموسى وعيسى، كما غدت آثارهم في القدس موضع تبجيلهم الدائم، فقد ذكر القرآن إبراهيم في 27 سورة من سوره، إذ قدّم الإسلام نفسه على أنه اكتمال اليهودية، والمسيحية، وعودة إلى الأصل الإبراهيمي (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين( (البقرة: 135)، فكان اليهود والنصارى، تبعاً لذلك مسلمين إبراهيميين(26).‏

وينتسب محمد (ص) إلى العائلة النبوية الإبراهيمية، إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وانتهاءً بعيسى بن مريم، ولعل هذا ما دفع لوران غاسبار إلى القول: “كيف نعجب إذا أصبحت القدس مدينة إبراهيم، وداوود وسيمان وزكريا ومريم ويسوع عزيزة على المسلمين”(27).‏

تمحورت جغرافية الإسلام الروحية حول البيت الحرام والمسجد النبوي، وبيت المقدس، في وحدة روحية شاملة، توحد بين المدن الثلاث: مكة، المدينة، القدس كعناصر تكوينية داخل قداستها، التي تشكل فيها مكة نقطة المحرق.‏

ويهدف هذا البحث إلى جلاء الجانب الرمزي للقدس بالنسبة للمسلمين، وكشف معانيها الروحية الإسلامية، وجملة المعاني التي أسبغها عليها المسلمون في متون مروياتهم المقدسة في القرآن، والحديث، وأيضاً التاريخ، كما تجلى في طريقة تعبيرهم عن تعلقهم بالمدينة المقدسة، وفي الأساليب التي بجلوها بها، دون أن نتقصى التمييز ما بين “الصحيح” في تلك المرويات، و(المنحول)، لأننا نهدف إلى تبيان الروابط الروحية “الفعلية” التي ربطت المسلمين ببيت المقدس، وقلبه المسجد الأقصى، فيكون منهجنا أقرب إلى طرائق الأنثروبولوجيين، منه إلى منهج المحدّثين، أو المفسرين، وسنقسم هذا البحث إلى ثلاثة محاور، يتعلق أولها في الكشف عن صلة المسلمين الروحية في بيت المقدس، وموقعها الراسخ في جغرافيتهم الروحية المقدسة، وفي الأشكال التي أظهروا فيها تعلقهم الروحي بها عبر تاريخهم الطويل. ويتعلق ثانيهما بالكشف عن موقع القدس في التاريخ الروحي والقومي للعرب المسلمين، أما المحور الثالث، فيتعلق بتجربة الصوفيين المسلمين الروحية مع المسجد بالمسجد الأقصى، وأشكالهم التعبيرية، والطقسية التي مارسوها حوله، كتعبير عن مدى جاذبيتها الروحية لهم.‏

ولا يسعنا في هذا التمهيد، سوى العودة قليلاً إلى التاريخ، لمعرفة الخطوط الكبرى التي مرت بها المدينة في تاريخها الطويل، فقد أجمع المؤرخون على أن الكنعانيين هم أول من سكنها، حيث بدأوا في عمارتها منذ الألف الثالث قبل الميلاد، على التلال الغربية من عين سلوان، وفي الجنوب الشرقي من الحرم القدسي، ويحيطها ثلاثة أودية، وادي سلوان، وادي النار، وادي الربابة، ويفصل الأخير ما بين جبل صهيون وتل أبي ثور، والثالث: الوادي أو الواد.‏

وتوسعت المدينة، فيما بعد، حتى اتصلت بالمرتفع الذي بني عليه الحرم القدسي، وهو الذي يسميه الأوروبيون جبل موريا، واتصلت أيضاً بجبل أكر الذي تقع عليه كنيسة القيامة، وجبل زيتا القريب من جبل الساهرة، وجبل صهيون في الجنوب الغربي للقدس القديمة، وأطلت عدة جبال على مدينة القدس، في مقدمتها، جبل المكبر في جنوبها، الذي دخله عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عند فتحه القدس، وسمّي بجبل المكبر لأن عمر كبّر فيه عند وصوله، وجبل الطور وجبل الزيتون، الذي صعد منه المسيح إلى السماء(28).‏

وأطلق الكنعانيون على المدينة اسم (أورشليم)، قبل أن يدخلها داوود بأكثر من ألف عام، بمعنى (مدينة السلام)، ويذكر المؤرخون أن ملكي صادق كان أول من اختطها، وهو من الملوك اليبوسيين المشهور بحبه للسلام، ولذلك لقب بملك السلام، وجاء اسم المدينة (مدينة السلام)، أي (أور ـ سالم)(29)، وسالم هو اسم إله السلام الكنعاني، بينما “أور” تعني (المدينة) باللغة السومرية، وهكذا ذكرها التوراة باسم “أورشليم”، واليونانيون Hierorlyma والأوربيون المعاصرون Jerusalem(30).‏

وسمّاها داوود عند دخولها (مدينة داوود)، حيث تعايش اليهود مع اليبوسيين الكنعانيين، وبنى ابنه سليمان (عليه السلام) معبد الهيكل على موضع اشتراه من اليبوسيين، وأشرف على بنائه مهندسون فينيقيون من مدينة صور، برئاسة المهندس حيرام (سفر الملوك الأول ـ الاصحاح التاسع)(31) وتمثل اليهود الثقافة الكنعانية حتى إنهم اعتمدوا، في البداية، الموسيقيين والمغنيين الكنعانيين، في الهيكل، ثم إن التوراة يذكر “صهيون” اسماً للقدس، وهو اسم الحصن اليبوسي الذي استولى عليه داوود، وربما كان هذا الاسم مشتقاً من العربية “صهوة”، بمعنى أعلى الجبل، أو من العبرية بمعنى الأرض الجافة(32).‏

يحدّد غاسبان مساحة هيكل سليمان (عليه السلام) بثلاثين متراً، ستين ذراعاً طولاً، وعشرين ذراعاً عرضاً، ويقال إنه أقيم على قسم من الصعيد الذي بنى عليه المسجد الأقصى(33)، غير أنه سرعان ما انقسمت مملكة داوود الصغيرة إلى كيانين: يهودا حول القدس، والسامرة حول نابلس، ثم ما لبث أن قُضى على مملكة السامرة في عام (720 ق.م)، وفي القرن السادس قبل الميلاد على مملكة يهودا، ثم تتالى على حكم القدس البابليون والفرس واليونان والرومان، وخلال هذه الفترة الطويلة، تمّ عمارة الهيكل، وهدمه مرات عدة، وكان أولها التدمير البابلي لـه في 587 ق.م، ثم أعيد بناؤه في العهد الروماني على يد هيرودت، الوالي الروماني على القدس، بطريقة أوسع وأضخم من الأصل، وإلى هذا الهيكل صعد المسيح، حيث حاربه الصديقون، والفريسون اليهود، وفي ربيع عام 70م هدم تيطوس هيكل هيرودت هذا، ودمر أسوار مدينة القدس اليبوسية(34)، ثم أعاد تهديم ما تبقى منه ومن آثار مادريان الوثني (117 ـ 138م) على أن يقيم على أنقاضه معبداً لجوبيتر، وأصدر أمراً بمنع دخول اليهود إلى المدينة، بعد أن سمّاها (إيليا) على اسمه(35).‏

ولقد استمر تنفيذ أمر هادريان بمنع اليهود من دخول القدس خمسة قرون، بعد أن أكد عليه الإمبراطور قسطنطين الذي أعلن المسيحية ديناً للإمبراطورية، إلى أن ألغاه العرب المسلمون بعد الفتح العمري، الذين أطلقوا على المدينة اسم (القدس) و(بيت المقدس) والقدس الشريف، فأعادوا إليها ما ظنوه التسمية القديمة التي أطلقتها عليها الملائكة في قديم الزمان(36)، فدخلت بيت المقدس منذ الفتح العمري، في قلب التاريخ الروحي والزماني للجماعة العربية ـ الإسلامية، بطريقة لا فكاك عنها.‏

(1)كوندراتينكو. الجمالي علاقة. (علم الجمال الماركسي. مجموعة مؤلفين سوفييت. ترجمة يوسف حلاق. وزارة الثقافة. دمشق ص 334.‏

(2) المصدر نفسه. ص 332.‏

(3) المصدر نفسه. ص 365.‏

(4) أرنست كاسيرر. مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية أو مقال في الإنسان، ترجمة إحسان عباس. دار الأندلس. بيروت 1961 ص 67.‏

(5) المصدر نسه ص67.‏

(6) المصدر نفسه ص 93.‏

(7) المصدر نفسه 148.‏

(8) المصدر نفسه ص 177.‏

(9) المصدر نفسه ص 186 ـ 194.‏

(10) عبد اللطيف الهرماسي. مفهوم المقدس بين دعاوى الكونية وخصوصية الإنسان الدينية، مجلد الفكر العربي المعاصر. عدد 132 ـ 133 السنة السادسة والعشرون 2005. ص 147.‏

(11) المصدر نفسه. ص 143.‏

(12) مجموعة مؤلفين. نظرية الثقافة. ترجمة علي سيد الصادي. سلسلة عالم المعرفة 223. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت 1997. ص 288.‏

(13) الهرماسي. مصدر سابق ص 144.‏

(14) شلحت. مصدر سابق. ص 54 ـ 55.‏

(15) ميرسيا إلياد. تاريخ المعتقدات الدينية. ترجمة. عبد الهادي عباس. جزء أول. دار دمشق. 1986. ص 81/87.‏

(16) مرسيا إلياد. أسطورة العود الأبدي. ترجمة حسيب كاسوحة. وزارة الثقافة. دمشق 1990. ص 5.‏

(17) المصدر نفسه. ص 63.‏

(18) المصدر نفسه. ص 236 ـ 237.‏

(19) ميرسيا إلياد. المعتقدات والأفكار الدينية ج 3 دار دمشق. 1987 ص 89.‏

(20) كارين أرمسترونغ. القدس. ص30 ـ31.‏

(21) المصدر نفسه. ص 32 ـ 33.‏

(22) المصدر نفسه ص 29.‏

(23) المصدر السابق ص 11.‏

(24) المصدر نفسه ص 16.‏

(25) المصدر نفسه ص 18.‏

(26) مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، الجزء الأول، القسم الأول، بيروت 1965، صفحة 415.‏

(27) لوران غاسبار، تاريخ فلسطين، منشورات وزارة الدفاع السورية 1969، دمشق، صفحة 55.‏

(28) محمد محمد حسن شراب، بيت المقدس والمسجد الأقصى. دار القلم. دمشق 1994. صفحة 38 ـ 43.‏

(29) خالد عبد الرحمن العك، تاريخ القدس العربي القديم، مؤسسة النوري، دمشق 1986. صفحة 38.‏

(30) شراب. مصدر سابق، صفحة 34.‏

(31) مصطفى مراد الدباغ، صفحة 56.‏

(32) فيليب حتى، تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، ج 1، ترجمة جورج حداد وعبد المنعم رافق، بيروت 1985، ص 223.‏

(33) غاسبار، صفحة 37.‏

(34) المصدر السابق، صفحة 44 ـ 48.‏

(35) شراب، مصدر سابق، صفحة 64.‏

(36) ياقوت الحموي. معجم البلدان، الجزء الأول، اختيار عبد الإله نبهان وزارة الثقافة. ص 168 ـ 171.‏

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий