Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > قراءة سوسيو-أنثروبولوجية لحكاية “بقرة اليتامى”

قراءة سوسيو-أنثروبولوجية لحكاية “بقرة اليتامى”

الجزءالثالث

الباحث درنوني سليم

ثانيا: الدراسة النفسية للحكاية

الجانب النفسي الحكاية الخرافية(الشعبية)، يتجسد فى كون هذه الحكايات لا تصور علاقة الإنسان بعالمه الخارجي فقط، بل تصورة كذلك فى صراعة مع عالمه الداخلي، لذلك وجدت المدارس النفسية المختلفة فى هذه الاعمال مادة خصبة تناولها معظم علماء النفس بالتحليل، بداية من سيجموند فرويد Freud, Sigmund [1856-1939] مؤسس علم النفس الحديث وحتى الآن، وكان من ابرز علماء هذه المدرسة فى تفسير الحكايات الخرافية ووظيفتها النفسية يونج Carl G.Jung [1875-1961] فقد نظر « يونج إلى النفس الإنسانية بوصفها وحدة متكاملة من الشعور واللاشعور، وهذا اللاشعور، لا يحتوي على صنوف الكبت النفسي فحسب، بل أنه يحتوي على ما هو أهم من ذلك بكثير، وهو القوة الدافعة إلى تكييف الإنسان لحياته بصفة عامة، وهذه القوة الدافعة هي التى تثير القدرة على التخيل، وهي التى تنظمها، على نحو ما يظهر فى أشكال التعبير الشعبي»[1].

وقد استعان يونج بمنهج تفسير الاحلام، لتفسير الحكايات الخرافية، باعتبار ان كل من الحكاية الخرافية والاحلام تحتوي من وجهة نظره على عناصر الدراما، « وهي العرض والنقد، والتحول والنتيجة ، كما أنها تحتوي على الأنماط الأصلية  التى تتضح فى شكل خيالات وصور تنظمها قوة التخيل »[2].

لهذا نحاول استظهار العلاقة التي تربط بين أحداث الحكاية موضوع دراستنا، والجوانب النفسية والإنفعالية للمتلقي خاصة الطفل. ومن أهم هذه الأحداث موت أحد الوالدين (الأم)، وتعويض الأم الطبيعية بأخرى تختلف عنها في الطبيعة، وتشبهها في الوظيفة البيولوجية، وعلاقة الرموز التي تتضمنها الحكاية بالصراع الداخلي للمتلقي.

1)     انفصال الوالدين نموذجا للاضطراب:

يشكل الانفصال عن الوالدين واحد من أهم أسباب الاضطرابات النفسية التي تصيب الطفل، خاصة وإن تم الانفصال أو فقدان الأبوين أو أحدهما في السن الصغير .. فالطفل في حاجة إلى الإحساس الدائم بالتقبل أو القبول الاجتماعي من الوالدين أو من يقوم بدورهما، لأنه في حالة فقدان الطفل لهذا الشعور، فإنه لن يشعر أبدا بأنه محبوب، ويمكن فهمه حتى ولو من قبل شخص واحد، وينعكس هذا على فقدان الطفل لأي شعور بالحب أو الاحترام للذات، والذي يؤدي إلى عدم وجود أي دافع لديه للاهتمام بالآخرين عندما يكبر، كما تفقد أيضا الرغبة في الحياة تلك الرغبة التي تحقق الشعور بالاستمرارية وتؤدي إلى استقرار الطفل داخل الأسرة، والمجتمع .. الخ .

وانفعاليا، يتذبذب مستوي النمو، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث قصور في العالم الداخلي للطفل، مما يتطلب إشباع الحاجة إلى الاستقرار والاتساق ما بين العالم الداخلي والعالم الخارجي.

وهنا يأتي دور الحكايات الخرافية لدى من يقوم برعاية الطفل،  فمن خلال رواية أو قراءة هذه الحكايات ، يتم توفير الإحساس بالأمان والتقبل، والاستمرارية ( الإحساس بالرغبة في الحياة)، من خلال المواقف التي تتضمنها هذه الحكايات، فوفاة أحد الوالدين أو انفصالها عن بعضهما البعض أمر وارد، وكأن الحكاية تهيئ الطفل أو أي متلقي آخر لهذه الطوارئ الحياتية. ومن موقف الرواية ذاته حيث يقضي الطفل والبالغ وقتا كافيا معا في جو ودي ودافئ، يخلق الشعور بالاستقرار الذي يحتاجه الطفل، مما يجعل الحياة أكثر أمنا بالنسبة له.

تشكل قوى الجذب في الحكايات الخرافية من جانبين، الأول ينحصر في الصراع المباشر الفطري بين قوى الخير والشر، وانتصار قوى الخير التي يمثلها البطل الذي يعتبر إسقاطا للنفس الإنسانية، ويساعد الأنا على النمو ويعمل هذا الجانب بالنسبة للطفل على مستوي الأنا الشعوري، لذلك نجد توحد الطفل مع هذا البطل شعوريا.

أما الجانب الثاني فهو الجانب الرمزي الذي يثري هذه الحكايات، فالطفل ينجذب إلى رموز الحكاية كلما استطاع أن يربط بينها وبين صراعاته الداخلية، وعندما يعي الطفل هذه العلاقة بصراعاته، فإن هذا الوعي يساعده على حل هذه الصراعات. ويشرح Betleheim  ما يتم هنا بقوله «أن كل الأشياء يتم التعبير عنها رمزيا في الحكايات الخرافية، وعندما يرفض الطفل ما لا يكون مستعدا له، فإنه يستجيب فقط لما يروى له سطحيا أو على المستوي الشعوري، ثم يبدأ في واكتشاف دلالات الرمز طبقه بطبقة، حتى يتعرف على المعاني التي تختفي خلف الرمز، عندها يصبح تدريجيا مستعدا وقادرا على السيطرة، على أبعاد صراعاته»[3].

وهؤلاء الإبطال يصنفون بوضوح إما إلى أخيار أو إلى أشرار، وسلوكها ثابت لا يتغير بشكل مفاجئ، قد لا تسبب أي اضطراب في فهمها لدى الطفل، حتى تلك الشخصيات التي تتحول إلى كائنات أخرى – فالناس والحيوانات، والطيور والأسماك والحشرات- يمكن أن تتحول ويتم تحولها في الشكل فقط دون أن تفقد هويتها الأصلية. وهذا ما يسميه جون بياجي JEAN PIAGET [1896-1980] بـالإحيائية ANIMISME التي تشكل إحدى العناصر الأساسية لتمركز الطفل حول ذاته وهي: أن الطفل يخلع الحياة والشعور على كل ما يحيط به من أشياء. فالشمس والنهر والجبل والكرسي والحجر وغيرها تتحرك لأنها تريد ذلك. وهي تسمع وتبصر وتفرح وتحزن وتتألم لأنها تملك عيوناً وآذاناً وأطرافاً وكل ما يملكه هو[4].

هناك أيضا النظرة المتفائلة للمستقبل التي تطرحا هذه الحكايات، وهي دائما وجهة نظر إيجابية، فاعتماد هذه الحكايات على الخيال قد يخرجها ويبعدها عن عالم الواقع، إلا أن المشاعر والخبرات التي تقدمها، حول الإنسان ومستقبله وأحلامه ترتبط بالواقع الإنساني، وهذه المشاعر هي التي تخلق التوازن المطلوب ما بين الواقع والخيال، وهو ما يجعل الحلم بمستقبل آمن محتمل التحقيق.

يؤكد أيضا على هذا المستقبل المتفائل، تلك النهايات السعيدة التي تصل إليها هذه الحكايات، لكن بشرط واحد وأساسي تقره هذه الحكايات، وهو أنه لا يمكن الوصول لهذه السعادة دون أي مجهود، فالحكايات جميعها تخبرنا بمشاكل وصعاب يتعرض لها الطفل الخير، والذي يحاول حلها بمروره بالعديد من المحاولات وتعرضه لعدد من الصعاب، وهذا يعني أن الطفل لا يستطيع أن يحل أزماته، إلا إذا كان مستعدا بنموه، وحصوله على المعرفة والنضج اللازمين، وذلك من خلال التوحد مع البطل شعوريا وفهم عالم الرموز ودلالته لاشعوريا، وهكذا تعمل الحكايات الخرافية.  

2)     التعويض وغياب الأم الطبيعية:

سنحاول هنا في هذا الجزء إلقاء مزيداً من الضوء، لتفسير أسلوب عمل الرمز في الحكايات الخرافية من خلال التعرض لرمز الأم وصورتها في الحكايات الخرافية. من المعروف أن كل طفل في حاجة للوجود النفسي للوالدين أو على الأقل لأحد الوالدين، سواء الأب أو الأم، وغياب الوالدين أو أحدهما خاصة الأم قد يكون السبب الأساسي في وجود الاضطرابات السلوكية التي يعاني منها الطفل، وجود بعض الاضطرابات التي تصيب العلاقة بين الأم والطفل.

يقول Neumann أن من المهم للطفل أن يتلقي الرعاية الانفعالية والشعور بالحب بشكل واضح، وفكرة فقدان الطفل لأمه، خلال الفترة التي تتكون فيها علاقة الطفل بأمه بشكل أساسي، قد تؤدي إلى إحباطه انفعاليا مما يشكل خطرا على نمو الأنا وغريزة الحفاظ على الذات وترتبط علاقة الطفل بأمه في رأي Neumann بالنموذج الأصيل أو الصورة الرمزية اللاشعورية (للأم الكبرى).

تلك الصورة التي تحمل جانبين للأم (ايجابي وسلبي وهما (الأم الطيبة/ والأم الشريرة) والذين يشكلان دلالات الموت والحياة.

في الحياة الطبيعة للعلاقة بين الأم والطفل يمر الطفل بخبرة التفاعل مع الجانبين، ففي المراحل المبكرة للطفولة يري الطفل الصغير نموذج الأم الطيبة القوية، التي تمده بالطعام والحماية، أما إن لم تقم الأم بهذا الدور لسبب أو لأخر فإن العلاقة، هذه سوف تؤدي لنمو الصورة السلبية للأم لا شعوريا، وينمو لدي الطفل النموذج الأصيل (للأم الشريرة). ولا يشترط أن تكون الأم الطيبة هي الأم البيولوجية، بل يمكن أن تكون أي شخص يهتم ويرعي الطفل ويحميه المهم، لابد من وجود هذا الشخص الذي يرتبط بالطفل في علاقة أساسية، سوية، يفهمه ويساعده، ويشبع احتياجاته، ويكسبه الشعور بالأمان.

أما النموذج الأصيل للأم الشريرة فيتم من خلال رموز الموت، والعطش، والجوع، وانعدام الإحساس بالحب والأمان.

ولما كانت الأم الطيبة هي التي تحاول إشباع احتياجات الطفل، وتشعره بالحب والأمان، الأمر الذي يؤدي بالطفل إلى أن يتعلم كيف يحول من مشاعره السلبية غير المريحة، في مقابل تلقي المساعدة من الأم الطيبة.

أما الشعور بالأم الشريرة، التي لا يجدها الطفل عندما يحتاج إليها، يؤدي به إلى انعدام الثقة بالنفس وفقدان الإحساس بالشجاعة، وأن يطور الأنا بطريقة عادية، وقد يؤدي به الأمر إلى الإصابة بالذهان.

لذلك يكون من المهم التأكد للطفل حتى على المستوي الرمزي على صورة الأم الطيبة. وهنا يأتي دور الحكايات الخرافية، التي تساعد الطفل على فهم وجود الصورتين (الطيبة والشريرة) للأم، وأنه ليس بالضرورة أن تكون الأم البيولوجية (التي يفقدها الطفل غالبا في هذه الحكايات) ليس ضروريا أن تكون هي الأم الطيبة وحدها، فالحكايات تقدم له رموزا كثيرة للأم الطيبة يمكن أن تساعده على حل مشاكله، وتطعمه وتحميه حتى يصبح مستقلا ومسئولا عن نفسه، ومنها الطبيعة بعناصرها المختلفة التي ترمز إلى الطبيعة الأم، والشخوص المانحة الطيبة التي تساعد البطل في مغامراته .

وهنا نجد أن هذه الحكايات التي تخاطب اللاشعور بمستوي الرمز منها، وتوضح للطفل أساليب عملية لحل المشكلات، وتحقق الجاذبية للطفل والقبول الاجتماعي وتكسبه الشجاعة والثقة بالنفس تقدم له تعويضا عن غياب الأم الطبيعة.

وبالبدء بالحكايات الخرافية التي يألفها الطفل ويميل إليها، فإن الطفل تكون أمامه الفرصة الجيدة، لأن يستوضح أبعاد المشاكل التي تقلقه، وتواجهه خاصة فيما يرتبط بالعلاقة مع الأم.

لذلك لابد أن يتم اختيار الحكايات التي يمكن الاستفادة منها، لتشابه المواقف بها مع المشاكل التي يعاني منها الأطفال، فإن كانت المشكلة هي العلاقة بين الطفل والأم، فليختار الفرد الحكاية التي تشكل فيها العلاقة بين الأم والطفل دورا هاما على المستوي الرمزي، كالحكايات التي يفقد فيها البطل أمه ويتعرض لقسوة زوجة الأب، لكن الطبيعة والشخصيات المانحة يعوضوه غياب الأم وبهذه الطريقة يمكن استخدام هذه الحكايات للبدء في تغير صورة الأم أولا .. وتعديل السلوك ثانية.

3)     الرموز والصراع الداخلي للمتلقي:

إذاً تعالج الحكاية صراعات في حياة الطفل بأسلوب رمزي أو مغطًى. وهو حين يتماثل مع أبطال الحكاية يتمكن من:

* التنفيس والتعبير عن نفسه والتحرّر من مشاعر سلبية ضاغطة لا يُسمح له بالتعبير عنها في واقعه الحياتي.

* اكتساب المزيد من التبصّر والفهم لحياته وحياة الأطفال الآخرين من حوله.

* تعزيز ملكة الخيال لديه, ففي حين ما زال قادراً على القفز بسهولة ومتعة ما بين عالَمَيْ الخيال والواقع, أصبح بمقدوره التمييز بين هذين العالمين, وإدراك أن ما يحدث في الحكاية لا يمكن حدوثه في الواقع , وفي ذلك حماية للطفل من مشاعر الخوف أو خيبة الأمل.

*بما أن طفل الخامسة قد أصبح في مرحلة الرغبة الشديدة في الانفصال والاستقلال عن حكم الأهل وسيطرتهم المطلقة عليه, فهو يجد متنفّساً لهذه الحاجة في الحكاية الشعبية من خلال تماثله مع البطل المستقل المعتمد على نفسه (وهو يتيمٌ في أغلب الأحيان) والقادر على النجاح. إن حاجة الطفل للاستقلالية في هذا الجيل تخلق في كثير من الأحيان صراعاً بين الأهل والطفل ويزيد فرض الحدود والتقييدات من قبل الأهل, في حين يُتوقّع من الطفل كبت نزعاته, وكثير من المشاعر غير المقبولة, الأمر الذي يؤدي إلى تراكم الضغوطات الداخلية في نفسه, تمنحه الحكاية فرصةً للتحرر منها.

* تكمن في الحكاية إمكانات واضحة لتوكيد شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه. فبالرغم من صغر حجمه وقلّة العناصر  الداعمة له في الحكاية, فهو قادر دائماً على الانتصار والنجاح.

* بثّ الشعور بالتفاؤل والأمل في الحياة, وهذه حاجة أساسية مهمة لكل طفل. فالنهاية السعيدة تطمئن الطفل بأنه سيتغلب حتماً على ضعفه ومخاوفه من خلال اعتماده على نفسه ومثابرته في المحاولة للوصول والنجاح.

التفاؤل أيضاً يعطي شرعية لأحلام الطفل. فالأحلام دائماً تتحقق في الحكاية مهما كلّف ذلك البطل من جهد وعناء.

* تذويت وتعزيز القيم الإنسانية في نفس الطفل بأسلوب بعيد عن المباشرة والتلقينية. فحين ينتصر الطفل الخيِّر على قوى الشر في الحكاية, يطمئنّ الطفل السامع وتتعز ثقته بانتصاره هو أيضاً على النزعات المعيقة في شخصيته من خلال التزامه بالقيم الإنسانية الإيجابية.

* تُبقي الحكاية الشعبية الطفل في حالة مفاجأة ودهشة, فأحداثها متلاحقة ومتسلسلة ومليئة بالحركة, تكاد تخلو من الجمل الوصفية والتفاصيل التي قد تبدو مملّة للطفل, وهي في ذلك تستجلب الطفل لمزيد من الإصغاء والمتابعة لمعرفة نهاية الأحداث.

إذا أردنا أن نلخّص مرحلة الانتقال من قصص الطفولة المبكرة إلى حكايات جيل الخامسة وما فوق بكلمة واحدة, يمكننا القول إنها  “المواجهة”. فبعد أن قدّمنا للطفل الصغير قصصاً تخلو من الأزمات وتركّز على منحه الشعور بالأمان والدّفء, يمكننا الآن أن نقدم لابن الخامسة الحكاية الشعبية التي تدرّبه على مواجهة الصراع بكل ما يعنيه من تحدّيات, صعاب, معاناة, ألم, حزن, خوف وفرح. فالحكاية الشعبية لا تزوِّر الحقيقة للطفل ولا تخفيها عنه, إنما تساعده على مواجهتها وتزوّده بطرق ومهارات “حياتية” بأسلوب رمزي يسهل عليه تقبّله وتبثّه الأمل الدائم في النجاح والانتصار.

تعتبر هذه الحكايات من أفضل ما أبدعته العقلية الشعبية، وهي دليل على الوحدة الوجدانية العجيبة التي عاشها العالم ويعيشها، فسواء أكانت نابعة عن مصدر واحد وانتشرت من بلد لآخر، ومن جيل لآخر، أو أنها كانت إبداعا تلقائيا لتفسير التشابه الحياتي والكوني الذي عاشه الإنسان الأول في بقاع العالم المتباعد، مهما اختلف المصدر، إلا أن « الأمر المسلم به، أنه لا يوجد تجمع من المجتمعات أو بلد في العالم، إلا وله تراثه من الحكايات الخرافية، ومخلوقاتها وشخصوها الخارقة التقليدية، من الجان، والأخيار والأشرار، من الغيلان المفيدة والضارة، ومن المردة، وكل تلك القوي السحرية التي تعمل بشكل يثير العجب، إن أحسن استخدامها، وإلا تحولت إلى أداة خطرة» [5]

لذلك نجد انتشارها بين الجميع، وتقبلها من الجميع، وتبني الجميع لها، ولما لا وهي «تشبع لهم احتياجاتهم، وتعبر عن أحلامهم، وآمالهم، وقضاياهم، وتساعد على حل مآزمهم الانفعالية، وتعمل في ذات الوقت على المزيد من الترابط الثقافي والاجتماعي للجماعة، والاستقرار النفسي للفرد»[6].

من ناحية أخري ولما تمتاز به هذه الحكايات من رومانسية، تبعد بالإنسان عن عالم المادة والواقع، الذي يعاني منه، وتخاطب فيه عالم الروح والوجدان، بما تصوره له من عوالم جميلة يصيبوا إليها الإنسان، ذلك أن الإنسان استطاع في هذه الحكايات « أن يخلق لنفسه عالما سحريا جميلا، بعيدا كل البعد عن عالمنا الواقعي، واستطاع فيه أن يلغي كل ما يحس به في عالمنا من قيود زمانية ومكانية، وكل ما يشعر به من ظلم ونقص في حياته ». [7]

هذا ما جعل علماء النفس يرون في هذه الحكايات العديدة الصور الرمزية، التي تجسد تماما كل المآزم النفسية، والانفعالية التي أصابت عصر التمدن والتحضر الذي نعيشه، لأن هذه الحكايات صيغت حول خبرات إنسانية ترمز إلى الإنسان في عمومه – وهذا سبب تجهيلها للزمان والمكان – وتتناول الكثير من المشاكل والمآزم النفسية للكائن البشري مجردا من بعدي الزمان والمكان وهذا سر خلودها.

فحكايات الساحرات على سبيل المثال، تتناول عادة مشكلات البشر عامة، ومشكلات الأطفال خاصة، وتخاطب قواهم النامية، وتسهم في تخفيف الضغوط التي يتعرضون لها سواء أكانت شعورية أو غير شعورية، وتمكن الطفل في نفس الوقت من اكتساب القدرة على مواجهة الصعاب من خلال التآلف مع المحتوي اللاشعوري الذي تصوره الحلول التي تقدمها.

فهذه القصص تفتح أفاقا جديدة لخيال الطفل، وبنائها يقدم للطفل صورة يدمجها في أحلام اليقظة، تساعد على توجيه حياته بطريقة أفضل.

تقودنا هذه الحكايات بشخصياتها  إلى أن نكتشف تلك الكنوز المدفونة في أرواحنا، وتجعلنا نعي بشكل غريزي، الأحزان التي تمتلئ بها الحياة، كما نعرف منها دور القضاء والقدر في توجيهنا، ومن خلالها نتعلم أيضا أن الوفاء يزيد حياتنا وأرواحنا جمالا، وأن نقاء الحياة والنفس، هي سر ابتهاج الروح والوجدان.

فالحكايات التي تحكيها الأمهات، وتعيدها على الأطفال، تثري تلك الأعماق الروحانية والوجدانية لديهم، تلك الأعماق التي تنبع منها المثل والأماني، إن الملايين من الأرواح البشرية، تتشرب عناصر هذه الحكايات، خلال مراحل تكوينها وتساعد على خلق الاتجاهات التي تؤثر على شخصياتهم بشكل عام.

ومن هذه الاتجاهات ما تؤكد عليه هذه الحكايات من خلال أبطالها، بأنه لا مفر من الكفاح وبذل الجهد لحل مشاكل الحياة، فعادة ما تضع الطفل في مواجهة المشكلات الأساسية للإنسان، الخوف من الموت، رهبة الحياة، والخوف من الشيخوخة، والعجز، والخوف من المجهول، ومن الانفصال عن الأبوين أو أحدهما، خاصة الأم، كل هذه المخاوف تقدمها الحكايات للطفل وتضع له الحلول فيتجاوزها، ويتجنبها، وتزرع هذه الحلول داخله الأمل في حياة سعيدة.

لكل هذا عاشت هذه الحكايات ومازالت تعيش وسط عالم التكنولوجيا المتقدمة ووسائط الاتصالات الرقمية، وعالم العولمة، وذلك للدور المؤثر الذي تلعبه في النمو العقلي للطفل، وتحيط روحه ووجدانه بإطار سحري ضروري هام، لمقاومة التأثير المتزايد والقوي للمجتمعات التقنية، إن إحياء الأساليب العديدة للرواية، أو للتجسيد الفني لهذه الحكايات، يثير قوى الإنصات، والمشاعر الروحانية والوجدانية، لدي الأطفال، وهذا واحد من أهم أساليب نمو التركيز لدي الأطفال غير المستقرين انفعاليا.

وتحقق هذه الحكايات تواصلها وارتباطها بالأطفال، عندما يطلبون أن تحكي لهم هذه الحكايات مرات ومرات، وتتحول شخصياتها إلى أصدقاء حميمين للأطفال، تماما مثل الدمية التي تتفاعل معها الطفلة كأم، وهي تعرف أن هذه الدمية لا حياة لها، لكنها من خلال قوى التخيل التي تسمو بها عن الواقع تكسبها الحياة، ويحدث ذلك حتى مع تلك الشخصيات التي يدعو البعض أنها مفزعة وتثير الخوف.

قد تكون هذه الشخوص- كالغيلان، والمردة والساحرات، مثيرة للخوف مثلا، لكن هذا إن تم عزلها عن السياق العام للحكاية، فالأطفال عندما يتعاملوا معها كعنصر من عناصر القصة، لا يتأثرون بها سلبا أو يشعروا بالخوف منها، بمعني أن هذه الشخوص يعجب بها الطفل من خلالها علاقة بعضها ببعض، ومن خلال علاقاتها بأبطال الحكاية، أي من خلال تطور الأحداث والهدف الذي تنتهي إليه الحكاية .

مثل هذه الشخصيات لو تم تجرديها من أحداث القصة قد تكون سببا للخوف أو الفزع لكن عندما يجدها الطفل من خلال تطور الحكاية سببا وراء تحقيق العدالة، فهي التي تكافئ الخير، وتجازي الشرير، وتحقق العدل الذي يرضى به الطفل، وبالتالي يرضى عنها.

إن الطفل يستوعب عناصر الحكاية بوصفها كلا متسقا، فالحدث المفرح مثله مثل الحدث المفزع، يأتي تأثيره فقط في النهاية عندما يؤدي إلى نجاح البطل وتحقيق والهدف المنشود، لذلك لا يخاف الطفل هذه العناصر ولا يخاف تلك الشخوص الخارقة التي حققت العدالة، وساعدت البطل، وكيف يخافها وهي تكافئ البطل الذي توحد به، وتجازي المخطئ الذي رفضه الطفل أصلا.

إن السبب فيما تسببه مثل هذه الشخوص أو الأماكن المظلمة التي تجئ بها هذه الحكايات، قد يرجع بشكل عام إلى الأسلوب الذي يحكي به الراوي مثل هذه الحكايات، فلابد أن يكون الراوي قادرا على تجسيد التحولات، كالانتصار على الأشرار، باللجوء إلى التواضع والوفاء والنقاء، تلك العناصر التي تحقق السيطرة على واقع الحياة الأرضي.

علاوة على ذلك فالراوي ذو المشاعر السليمة، سيكون قادرا على خلق التوازن المطلوب لبنية هذه الحكايات، فيصف المواقف المرحة، كما يصف عن القسوة، كما يجب أن تقدم هذه الحكايات في جو مناسب، يساعد على إظهار الحقائق التي تتضمنها، وهكذا يمكن تجنب أي مشاعر ضاره عند وصف القسوة أو العقاب الذي قد يرد في واحدة من هذه الحكايات .


[1] د. نبيلة ابراهيم، “قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية” ، دار الفكر العربي- القاهرة 1973، ص 134.

[2] د. نبيلة ابراهيم، “قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية“، ص 134.

[3] أ.د. كمال الدين حسين “دراســة حول التراث الشعبي وتربية الطفل” ، موقع أدب الأطفال العربي، http://www.adabatfal. com/arabic/modules تمت زيارته يوم: 13/01/2006م.

[4] د. بدر الدين عامود، “علم النفس في القرن العشرين” دراسة، الجزء (01)، منشورات اتحاد كتاب العرب- دمشق، 2001م، نسخة إلكترونية تم تحميلها من موقع الإتحاد http://www.awu-dam.org، يوم: 30/11/2006م، ص- 393.

[5] J.C. Cooper, Fairy Tales, Allegories of the inner life, 2ed edi, the Aquarian, press, G.B 1984 ,  p.114

[6] كمال الدين حسين، “مدخل في قصص وحكايات الأطفال“، د. ن- القاهرة، ط 04، سنة 2001، ص – 347.

[7] نبيلة إبراهيم، “قصصنا الشعبي من الرومانسي إلى الواقعية“، دار الفكر العربي- القاهرة، 1973، ص – 134.

Tags: , , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий