Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > قصة الطوفان من زاوية أنثروبولوجية

قصة الطوفان من زاوية أنثروبولوجية

المصدر: جريدة الشرق الأوسط

في التاسع من سبتمبر، كان روبرت بالارد (ROBERT BALLARD) من ولاية كونيكتيكات (CONNECTICUT)، يسير في الأرض ليقرأ قصة الطوفان كاملة من قاع البحر الأسود، فقد حضر على ظهر سفينة الأبحاث «الأفق الشمالي» (NORTIERN HORIZON) إلى الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود قبالة مدينة «سينوب» (SINOP) التركية للتأكد من علمية قصة الطوفان، وعلى ظهر السفينة طاقم يضم خمسين شخصا منهم عالم الأركيولوجية فردريك هيبرت (FREDRIK HIEBERT). إن تاريخ هذا الرجل حافل بـ 150 اكتشافاً مثيراً على الأقل في عالم البحار، سواء السفن التجارية الفينيقية أو منار الاسكندرية أيام كليوباترا أو سفينة (المهدية) المحملة بالكنوز الأثينية المنهوبة على يد الرومان لتضربها العواصف فتغرق أمام سواحل تونس، أو المدمرة الألمانية (بيسمارك) من الحرب العالمية الثانية. وكان آخر كشوفه عن (التيتانيك) عام 1985م في الأطلسي على عمق 3740 مترا لمعرفة السبب الفعلي خلف غرق هذه السفينة التي أخذت اسم (الجبار) تيتانيك، لتغرق في أول رحلة لها بين بريطانيا وأميركا عام 1912م، كما حصل مع (شالنجر) المتحدي الذي حمل القمرة الفضائية لينفجر، وتتبخر مليارا دولار مع سبع أرواح في الملكوت العلوي في لحظة واحدة ما لها من فواق أمام أعين الناس لعلهم يتقون. قام بالارد بإنزال الغواصة (هرقل الصغير) إلى عمق 100 متر مربوطة بحبل سري من كابل ينقل الصورة إلى شاشة ملونة ليفاجئ الفريق العلمي منذ اللحظات الأولى أنهم أمام بقايا طبيعة أرض زراعية اعتدى عليها البحر فقتلها وأبقى منها ذكريات من أشجار تمد أيديها هياكل ميتة وشيئا قليلا من أصداف وبقايا رخويات وقواقع كانت تعس في مياه حلوة في ما سبق. فأما السيد (تيري جارسيا) (TERRY GARCIA) رئيس نقابة الجيولوجيين الوطنية، فأسرع إلى ميناء سينوب ليصرح للصحافة بأنهم أمام كشف تاريخي للطوفان القديم والأرض التي عاش عليها الناس. أما الصحافة التركية فخرجت في اليوم التالي في صحيفة (الحرية) تقول إن نوح كان تركياً، كما ادعت اليهود أن ابراهيم كان يهوديا، ولم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما. ونوح وجد في الوقت الذي كان أجداد أجداد الأتراك لم ينزحوا بعد من وسط آسيا ولم يطأوا بعد أرض الأناضول. من الضروري ربط الوقائع بين حدوث الطوفان والتاريخ الإنساني من زاوية انثروبولوجية لمعرفة (تمفصل) الحدث مع حركة التاريخ ومعنى وقوع الطوفان في فترة بعينها وأثرها في التطور الإنساني، أولا يجب تحري نقطة كشف عنها علم الانثروبولوجية وهي علاقة الثورة الزراعية بالاستقرار في الأرض، فالأبحاث السابقة كانت ترى مرور الإنسان أولا بمرحلة (الصيد وجمع الثمار) قبل الانتقال إلى الثورة الزراعية، أي أن الاستقرار في مساكن محددة شكل ضربة لازب مع الثورة الزراعية. ولكن الأبحاث الانثروبولوجية الجديدة، كشفت في منطقة الشرق الأوسط ما يفك هذا الارتباط بين الأمرين. فلقد استقر الإنسان في جماعات وبنى بيوتاً قبل مرحلة الثورة الزراعية وبقي لفترة يعتمد الصيد الجماعي مع الاستقرار، وكان هذا قبل 11 ألف سنة، وتم كشف منطقتين تشيران إلى أن هذا الانتقال المتدرج في كل من (أبي هريرة) في شمال سورية و(كوبكللي تبه) GOEBEKLI TEPPE في جنوب تركيا. كانت مجموعات إنسانية تعتمد دفع قطعان الغزلان إلى مكامن خاصة تشكل سورين على شكل حرف V أمامها خنادق تسقط فيها الحيوانات المذعورة وكانت الحصيلة أطنانا من لحوم الفرائس، وحتى لا تقع ضحية عدوان الوحوش أو هجوم الجيران من المجموعات الإنسانية المجاورة فقد تم الاحتفاظ بها في صوامع خاصة هي أماكن العبادة، وبذلك فإن مراكز التقديس اختلطت بالرزق الوفير. وكان الحدث الثاني الأشد إثارة، هو ما كشف عنه الانثروبولوجيون في منطقة جطل هاياك (CATAL HUYUK) في وسط تركيا، حيث عثر على بقايا بيوت عجيبة لهذه الجماعات الإنسانية البدائية، فقد سكنوا في بيوت متجاورة متلاصقة من دون شوارع جانبية أو أزقة تفصلها أو أفنية للتهوية. كان البشر يصعدون على سلالم إلى كوات تنفذ إلى غرف ضيقة معتمة قليلة التهوية أشبه بزرائب أو مدافن كانت حوالي 2000 عائلة تضم آلاف الناس يعيشون في حياة جماعية بئيسة تفتقد أدنى الشروط الصحية للحياة الإنسانية وبين أقدامهم اختلطت بقايا الطعام مع مخلفاتهم الإنسانية. لم تكن هناك آبار أو مدافن، لم يستخدموا الأواني كما لم يعرفوا أكل الخبز ولم يزرعوا القمح مع أنه كان ينمو قريبا منهم في الحقول. أما الميت فكان يلقى في العراء تفترسه طيور السماء والهياكل تدفن تحت الأقدام.

ثم مشى التطور الانثروبولوجي مرحلة مرحلة، وعند زمن 8000 قبل الميلاد شوى الإنسان الفخار، وفي 7600 ق. م، بدأت الزراعة، وفي 7000 ق. م، تم استئناس الحيوان. أما الهندسة فكانت قبل ذلك خيوطا عوجاء أو مدورة، وقبل 9000 سنة من الآن، ظهرت الخطوط المستقيمة في قفزة عند الإنسان العاقل الهومو سابينيس (HOMO SAPINES). وكما يقول الحجة الانثروبولوجي جولدن شايلد (GOLDEN CHILD) من استراليا وكلاوس شميدت (KLAUS SCHMIDT) من جامعة هايدلبرغ (HEIDELBERG) من ألمانيا، فإن بدايات انتقال الإنسان إلى التحضر لم تكن في جنوب العراق كما ذكر ذلك المؤرخ البريطاني توينبي في كتابه (الإنسانية من أين وإلى أين؟)، بل بدأت في منطقة الاناضول من تركيا. وكما يبدو على الأقوال كافة فإن مهد الحضارة كان في الشرق الأوسط قبل أن يعم العالم جميعا. أما موجات الهجرة الإنسانية إلى أوروبا فقد مشت في موجتين قديمة قبل الطوفان وصلت الى منطقة البلقان من دون تقنية الزراعة، ثم حدث تحول خطير 5300 قبل الميلاد، حينما ظهرت مجموعات بشرية على نحو مفاجئ في حوض (الكرابات) ومعها تقنيات جديدة اجتاحت بها مجموعات أوروبا ونشرت فن الزراعة في كل القارة الأوروبية. إن تحول المناخ وآثاره كان له الدور الحاسم في حركة الإنسان، فلقد مرت على الأرض فترات من الجفاف الموجع كانت تقضي على البشر دوما وتحدد أعدادهم. فقبل 18 ألف سنة بلغ العصر الجليدي ذروته وكانت نصف مساحة أوروبا في حكم الميتة، ووصلت كثافة المدرعة الجليدية فيها إلى ألفي متر. وعاش الإنسان لفترة مائة ألف سنة (عصر البلايستوسين) في حالة يائسة وهرب من كل منطقة التجمد الشمالية، ثم ذاب الجليد وارتفع منسوب المياه وتضاعف بحر قزوين أربعة أضعاف. وقد يتعجب المرء من دقة هذه المعلومات، لكن التقدم العلمي يقرأ الأرض في رق منشور غير قابل للتزوير وبأدوات مسح مذهلة. ومع فترة ذوبان الجليد الأولى التي تمت قبل 18 ألف سنة، حصل تحول في مناخ أوروبا والمتوسط وظهرت واحات خضراء في الشمال الافريقي وتناثرت البحيرات في أوروبا. وقبل 10500 سنة بدأت فترة الجفاف الأولى وبقي الجو لفترة ألف سنة باردا من دون أمطار وانكمشت بحيرة كانت في منطقة البحر الأسود الحالي يفصلها عن بحر مرمرة والمتوسط ممر صخري يشكل سدا للحماية ومعبرا بين أوروبا وآسيا. وبين عامي 6200 و5800 ق. م، عادت فترة جفاف جديدة وتناقص عدد البشر بسرعة. وعند عام 5500 قبل الميلاد كان العالم على مشارف انقلاب جيولوجي وانثروبولوجي وعلى عتبة تاريخية من انقلاب المناخ. وعاصر هذا وصول الإنسان إلى الوضع الثقافي فأصبح حضريا يمارس الزراعة. ولم تكن الاهرامات قد بنيت في مصر بعد، وهذه الفترة هي التي يسميها علماء الانثروبولوجية (ثورة العصر الحجري)، ولم يعرف حتى الآن السبب الذي ادخل الإنسان مرحلة الثورة الزراعية وإن كانت الأبحاث تشير الى أن المرأة هي التي وضعت يدها على سر (الزراعة)، وأهم ما في هذا الانقلاب أنه مكّن الإنسان لأول مرة في تاريخه من التخلص من ضغط الجوع وألا يقضي نحبه في المسغبة. ومع توافر غلال القمح التي توفر الكفاية من السعرات الحرارية، بدأت أعداد البشر في التزايد وحصل كما تصفه الانثروبولوجية (بالانفجار السكاني)، حيث تكاثرت أعداد الناس حول (البحيرة السوداء) التي كانت في موضع البحر الأسود الحالي إلى عشرين ضعفاً في فترة قصيرة ونمت القرى على نحو كثيف، حيث كانت لا تغيب الواحدة عن الأخرى سوى أربع كيلومترات في قرى ظاهرة، كما وصف القرآن أهل سبأ (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين)، حتى جاءهم السيل العرم فمزقهم كل ممزق.

ان هجرة البشر كان خلفها دافعان أساسيان: الجوع والمغامرة لاكتشاف أرض جديدة تنعم برزق وفير. لكن قصة الطوفان تضيف عنصراً ثالثاً لا يستهان به في ذلك الوقت الغارق في الزمن. ويعرف الجيولوجيون أن الكوارث كثيرة الحدوث في تاريخ الأرض، فقبل ستة ملايين من السنين ولم يكن الإنسان قد ظهر بعد، جف البحر المتوسط وتحول إلى مسافات لا نهاية لها من الصحارى تنبت في واحات فقيرة فيها بقايا من أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، كما أن التاريخ الإنساني حافل بكوارث كونية مخيفة وقصة الطوفان كانت من حجم كوني. حينما اندلقت مياه المحيط إلى البحيرة السوداء التي كان مستوى المياه فيها أقل بـ 120 مترا عما هو عليه البحر الأسود حاليا، بعد أن حطمت عتبة البوسفور فوصلت البحر الأسود بالمتوسط بعد أن ارتفع مستوى المياه في البحيرة ليتشكل البحر الأسود، لكن مع غرق شعوب كاملة تعيش على ضفاف البحيرة في المنطقة فاجأتها أمواج كالجبال وسكان حضارة سومر في (اور) و(اوروك) قاسوا الكثير من الفيضانات ومن أشهرها ما حدث عام 3200 ق. م، حينما غرقت مدينة أور في وحل دجلة بارتفاع مترين ونصف المتر، لذا كانوا أسرع الناس في تخليد قصة الطوفان كتابة. إن تقديرات الانثروبولوجيين أنه لا يقل عن 200 ألف من السكان على حواف البحيرة، الذين كانوا يمتلكون تقنية الزراعة وصوامع حبوب العصر القديم، أصبحوا بغير مأوى وتفرقوا أيادي سبأ وأما الذين فاجأهم الطوفان في السهول فلم تكتب لهم النجاة. وتظهر قصة نوح من كل هذا الضباب التاريخي لولادة عصر جديد أفضل وبعلاقات إنسانية أكثر تقدمية وأرحم في تحرير الإنسان من الاستغلال، فكل مشاكل الظلم الاجتماعي جاءت من الملكية والثورة الزراعية. ثم إنه ليس مثل المحن والتشرد ما يجمع قلوب الناس. ويرى دوغلاس بايلي (DOUGLAS BAILY) من جامعة كارديف في بريطانيا، ان هذا النزوح الجماعي حمل في تضاعيفه نشر تقنية الثورة الزراعية في الأرض. أي أن هذه المحنة الكونية كانت خيرا من وجه آخر. وبهذا يكون طوفان نوح ليس دمارا للبشرية بل هو إيقاد لزناد التقدم الإنساني. رحلة البحث لم تنته بعد وما جاء في الكتب المقدسة لم يتطابق تماما مع الكشف الجديد، ولا يشترط أن يكون هذا الطوفان هو طوفان نوح تحديدا، ولن يغير قناعتنا حوله، لكنه إن وصل إلى نتائج قطعية فسوف يكون حدثا مثيرا. وقد اتفق بالارد الآن مع معهد التكنولوجيا في ماساشوسست (MASSACUUSETTS INSTITUTE OF TECHNOLOGY) لتطوير الغواصة (ROV) وهي تعمل بالريموت كونترول (REMOTLEY OPERATED VEHICLES) وفيها قدرة النبش والحفر والتنقيب والتحرك إلى قدر أنملة والتقاط الأشياء المشبوهة والتصوير الملون بقدرة فائقة كما فعلت عربة السوجرنير على ظهر المريخ. وبالارد متفائل أنه سيضرب ضربته في كشف النقاب عن أكثر فصول التاريخ القديم إثارة بالكشف عن سفينة نوح ولتعلمن نبأه بعد حين.

k-m-jalabi@hotmail.com

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий