Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > كتابات وقراءات “لتفكيك نصوص الإسلام الأولى”

كتابات وقراءات “لتفكيك نصوص الإسلام الأولى”

ترجمة وإعداد وتقديم : ناصر بن رجب

الاحد 18 تموز (يوليو) 2010

بقلم: ألفريد-لويس دو بريمار Alfred-Louis de Prémare

تقـــــــــــــديم :

خصّصت “مجلّة دراسات العوالم الإسلامية والبحر المتوسط” عددها رقم 58، الصادر سنة 1990 لموضوع “الكتابات الإسلامية الأولى” أشرف عليه المستشرق ألفريد لويس دو بريمار وكتب له مقدّمة بعنوان “كتابات وقراءات”. احتوى العدد مجموعة من الدراسات المهمّة قام بها نخبة من المتخصّصين في التاريخ الإسلامي والبرديات والحفريات والنقوش الإسلامية القديمة، وكذلك تفسير القرآن وتاريخ الأدب العربي الإسلامي.
وقد اخترت أن أقدّم لقرّاء الأوان مقالتَيْ دو بريمار. الأولى “كتابات وقراءات” تُقدّم البحوث المنشورة في المجلة وتعطي لمحة عن مختلف المناهج التي اعتمدها الكتّاب، كلّ في اختصاصه، وتطرح تساؤلات مهمّة عن طرق البحث التي يجب توخيها لتطوير الدراسات الإسلامية بالخروج بها مثلا من دائرة الكتابات التراثية بالمعنى الحصري، ومقارنتها بالنصوص المؤسِّسة الأخرى اليهودية والمسيحية. وهذا ما حاول القيام به دو بريمار في مقالته الثانية “نبوّة وزنا” التي لم يكتف فيها، كما يفعل معظم الباحثين عندنا، بمجرّد سرد الآيات والأحاديث والأخبار الواردة في القرآن والسيرة وكتب الحديث، بل رجع إلى التقليدَيْن اليهودي والمسيحي، بالمعنى الواسع، ليعْقد مقارنة شيّقة بين مختلف النصوص التي نشأت في فضاءات دينية وثقافية وحقب مختلفة تؤكّد بما لا يدع مجالا للشّك مدى التأثيرات والتداخلات بين هذه الفضاءات، وتبرهن كذلك على أنّ المحدّثين والأخباريين المسلمين الأوائل كانوا، عكس ما تتوهّمه الأوساط المتحجّرة وتروّج له دون كلل، لا يكتبون في بيئة عذراء نقيّة ولا في صفحات بيضاء ناصعة، ولكنّهم كانوا ملمّين إلماما تامّا بما جاء في الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، ولذلك تأثّروا عن وعي أو عن غير وعي بما أنتجته هذه الفضاءات والأحقاب من نصوص ومأثورات.

في هذا البحث الثمين الذي ترجمته بصبر وأناة وعُدت إلى كلّ المراجع الإسلامية والأجنبية تقريبا التي أوردها المؤلف، يقدم دو بريمار للقارئ كلَّ أو على الأقل جلّ ما يريد أن يعرف عن الموضوع الذي هو حدّ الرجم بين اليهودية والإسلام، ويقدّم أيضا للكتّاب والباحثين نماذج لمناهج البحث والتنقيب وتحقيق النصوص القديمة ونقدها، وهو ما تفتقده الكتابات العربية المعاصرة افتقادا مأساويّا. لقد فكّك دو بريمار أسطورة انتقال حدّ الرجم من سفر التثنية إلى القرآن الكريم بطريقة علمية تجعل القارئ يفهم أخيرا كيف اخترع ابن إسحاق أسطورة اختبار أحبار اليهود لمحمد لمعرفة ما إذا كان ملكا فيطيعوه امتثالا لقول التلمود البابلي : “ملِك البلاد التي أنت فيها هو ملِكك”، أما إذا اتّضح أنه نبيّ فقد قوّل ابن إسحاق الأحبار بأنّهم أوصوا اليهود بأن يكونوا على حذر منه. وبالطبع، كما في أفلام إسماعيل ياسين، فإنّنا نتوقع النكتة قبل النطق بها. فقد اكتشف اليهود أنّ محمّدا نبيّ لأنه قال لهم إنّ حدّ الرجم موجود في التوراة ولكنكم تحاولون إخفاءه. فاعتراف اليهود أساسي جدّا للنبيّ الذي حلّ حديثا بيثرب، كما كان أساسيّا جدّا الاعتراف بنبوّته في مكّة من ممثل النصرانية ورقة بن نوفل. وتبلغ المهزلة حدّ أنّ ابن إسحاق جعل ابن صوريا، أكثر أحبار اليهود علما بالتوراة، يضع إصبعه على آية الرجم لكي لا يراها النبي وأصحابه الملتفّون حوله مُتظاهرا بعدم وجودها وقافزا على قراءتها. نجح ابن إسحاق في جعل الفقهاء وعامّة المسلمين يصدّقون بأن حدّ الرجم في التوراة هو حدّ إلهي لا مناص من تطبيقه، وأنّ اليهود أماتوا إقامة هذا الحدّ، فأحياه رسول الله في اليهودية وبالطبع في الإسلام أيضا. رواية ابن إسحاق من السذاجة إلى درجة أن طالبا نابها يمكنه أن يكتشف ثغراتها فلا تُعتمد كأساس لتبنّي حد الرجم اليهودي في الإسلام. ولكن عِداء المرأة المتأصّل في التقاليد العربية الإسلامية فعل فعله السحري فقُبلت رواية ابن إسحاق المهلهلة كما لو كانت تنزيلا من حكيم حميد.

هذا البحث، على قصره، يعطي نموذجا تطبيقيّا لدراسة الأديان المقارنة وكيفية التعاطي مع النصوص الدينية، بمقابلتها ومقارنتها بعضها ببعض ووضعها في إطارها الداخلي الذي نشأت فيه، والظروف الخارجية المحيطة بها والتي تأثّرت بها وأثّرت فيها.

بحث دو بريمار لا مكان فيه للإسهال الإنشائيّ لبعض الكتاب العرب كما قال المؤرخ المتميز هشام جعيّط في مقدمة كتابه “الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي”، بحيث أنّ البحث الجيّد المترجم أفضل من مائة كتاب مملوء بالثرثرة التي تصدر الآن في دور النشر العربية.

فإسهال الكتابات العربية يفسّره واقع أنها لا تتسلح إلا نادرا بالطرق الحديثة والعلوم الحديثة المتخصّصة لنقد النصوص الدينية. وأهميّة هذا النص ومعظم نصوص المستشرقين أنهم بالعكس من كتابنا يتسلحون بالطرق العلمية لمقاربة النصوص الدينية. وصدق أمين الخولي في تعليق من تعليقاته على هامش كتاب “أصول الفقه الإسلامي” للمستشرق الألماني شاخت عندما وضع يده على إشكالية تخلّف الكتابة العربية عن التراث وتقدم الكتابات الإستشراقية عنه عندما كتب : “كناّ ولا نزال نرى أنّ أَنْفسَ ما يُقتبس عن الغرب في الدراسات الشرقية والإسلامية إنّما هو أساليب البحث العلمي وطرائق النقد الدقيق الحرّ المنتظم …”( 1).

وهذا لا يعني أبدا أن نأخذ كمسلّمات بديهية كلّ ما يقوله ويردّده هذا المستشرق أو ذاك؛ ولا شيء يمنعنا البتّة من أن نظلّ متنبّهين لما يصدر عن المستشرقين والتعامل مع إنتاجاتهم مثلما نتعامل مع إنتاجات أي باحثين آخرين مهما كانت جنسيّاتهم وإنتماءاتهم الثقافية والفكريّة، آخذين بعين الإعتبار أنّهم هم أيضا بشر لهم إختياراتهم الشخصيّة والفكرية وغاياتهم المُعلَنة والخفية. الغاية التي يجب أن نضعها نصب أعيننا كهدف لا محيد عنه هي السيطرة على أدوات البحث الحديثة وتوظيفها على أحسن وجه، وحتى المساهمة في تطويرها واستنباط طرائق جديدة كيما نسائل تراثنا مُساءلة علميّة ونقدية، بعيدا عن روح التزمّت، وكذلك مُجانبة المقاربات الإستفزازية التي لا همّ لها سوى تقوية روح العدوانية عند القارئ وإذكاء نار التعصّب لديه.

منذ قرون فرض الفقهاء والمحدّثون والمفسّرون طريقة واحدة جامدة لا مناص منها تصدّ بعنف كلّ محاولة للتّغيير في التعاطي مع نصوص الإسلام المُؤسِّسة هي طريقة تفسير القرآن بالقرآن، والقرآن بالحديث بالرغم من ارتفاع بعض الأصوات بين الفينة والأخرى منادية مثلا، ولكن دون طائل، بعدم مشروعيّة الحديث لتفسير الآيات القرآنية والعديد من الإختلاقات في روايات وحتّى مصداقية «أسباب النزول» المرفوعة للنّبي وصحابته. وهذه الطريقة في نظرنا تشبه كثيرا زواج القرابة consanguinité الذي يُفضي مع مرور الزمن إلى إنجاب أجيال مُعتلّة الأجسام تتدهور وتنحلّ عندها القدرات العقلية ويضعف لديها البصر وتختلّ عندها البصيرة. ويكفينا كدليل على هذا أن نقارن بين عشرات كتب التفسير وكتب السيرة والحديث المتداولة التي نجدها – مع اختلافات تكاد لا تُدرك بالعين المجرّدة – تُكرر نفسها وتلوك نفس العبارات منذ قرون. وهذا ينطبق حتّى على الكتابات التقليدية المعاصرة التي يُنتجها العلماء والشيوخ والباحثون الرابضون على نفس منهج الأسلاف. فالمُصاهرة والتلاقح مع الثقافات والديانات الأخرى وحدهما هما الكفيلان بضخّ دم جديد دافق شأنه إدخال الحيويّة الجسدية والإنتعاش العقلي والروحي على جسم وعقل أنهكتهما قرون طويلة من الفقر الجيني وعاهات نكاح المحارم الأخرى. كلّ هذا من شأنه أن ينفض الغبار الكثيف الذي تراكم أو بالأحرى راكمته أجيال من الفقهاء والمؤرّخين والمحدّثين لقرون طويلة فلم يعد بالإمكان – أو بعناء وكدّ – العثور على آثار الأسس الأولى والوثائق والمصادر الأساسية لتراثنا. كما أن هذا يساهم في فكّ عزلة الإسلام الثقافية والحضارية وكذلك الإنسانية التي وضعه فيها نفس أولئك الذين ذكرناهم سابقا.

فبدون الإسرائيليات والمسيحيّات أيضا (أي الإلمام الدقيق بالتقليدين اليهودي والمسيحي كرافدين أساسيين لفترة لإسلام الأولى)، التي كثيرا ما يندّد بها الإسلاميون ويتهمونها بتعكير صفاء الشريعة الإسلامية “البيضاء النقية” كما جاء في الحديث، لا يمكن بأي حال من الأحوال فهم كلّ ما جاء في القرآن خاصة قصص الأنبياء وبداية الخلق وأوصاف اليوم الآخر والجنة والنار التي جاءت كلّها متناثرة ومكرّرة باختصار وغموض شديدين في العديد من السور ودون رابط بينها ما عدا سورة يوسف المُختلف فيها إذ لا تعتبرها بعض الفرق الإسلامية سورة قرآنية. فمثلا لو لا الأسطورة التوراتية ما كان بإمكان أحد أن يفهم من نصّ القرآن ذاته تفاصيل خلق الكون برمّته وخلق آدم وحواء، والجنّة والنار، ولماذا قدّم كلّ من قابيل وهابيل قربانا إلى الله، ولماذا سلّط الله شديد عقابه على قوم لوط ؟ … إلخ.

وهذا يدلّ، من بين الكثير من الأشياء الأخرى، على أن النبي كان يخاطب قوما ملمّين شديد الإلمام بما جاء في الكتاب المقدس وإلاّ من أين لهم أنها “أساطير الأوّلين” والدليل على ذلك أن كلّ الروايات تشير إلى أنّهم لم يُصعقوا ولم يُصابوا بالذهول والدهشة لمّا سمعوا النبي يتلوها عليهم؛ وفي هذا الصدد فإنّ كلمة “الأوّلين” لها دلالة خاصة باعتبارها كانت تُطلق على اليهود أصحاب “الكتاب الأوّل” أي التوراة كما كان يحلو لابن إسحاق أن يسمّيهم. وهذا قد يُفسّر أيضا لماذا جاءت هذه القصص في القرآن مبتسرة وإيحائية أكثر منها سردية تخضع لشروط الرواية كما في العهد القديم.

كلّ النصوص المُؤسِّسة يجب أن تخضع لأدوات النقد العلمي الحديث بكلّ أشكالها وطرائقها وبدون استثناء. وعلى هذا الأساس فنحن لا نتّفق مع ما يذهب إليه أولئك الذين يفرّقون بين هذا النّص أو ذاك بحجّة أنّ هذا النّص مقدّس ويقول عن نفسه بأنّه موحى به وأنّ ذاك الآخر هو فقط من صُنع يشري. وفي اعتقادنا فإنّ الأستاذ هشام جعيط يُجانب الصواب حين يقرّر : «نحن كعلماء نتّبع ما يقوله كلّ دين عن نفسه : القرآن، وهو الكتاب المقدّس لدى المسلمين، يقول إنّه وحي من الله وكلام الله وأنّ محمّداً رسول الله أنزل عليه هذا القرآن. القرآن يقول كذا وكذا عن تجربة الرؤية والوحي؛ وهي وثيقة رائعة لـصحّتها التاريخية (التشديد في الأصل) ومعاصرتها للبعثة. ونحن لا نعتمد على ما أُكْمِل به الإسلام فيما بعد من سيرة وتاريخ وطبقات وحديث» ثمّ يضيف : «لأنّ القاعدة أنّ كلّ ما دُوِّن بعد مائة سنة من الحدث فاقد لثقة المؤرِّخ (التشديد هنا من عندنا)»(2). دون أن نخوض في نقاش مطوّل لهذا الطرح، فقط لنلاحظ الفرق الذي يقيمه الأستاذ جعيط، دون إعطاء أي برهان قطعي سوى عامل الزمن، بين تأكيده على أنّ نصوص القرآن هي «وثيقة رائعة لصحّتها التاريخية»، وبين شكّه المبدئي على أن كلّ ما عدا ذلك هو «فاقد لثقة المؤرِّخ».

أخيرا، لقد كانت غايتنا أساسا من هذا العمل المتواضع المساهمة في إثارة حوار نزيه وبنّاء يهدف إلى الشروع بجديّة وتروّي في النظر إلى تراثنا بنظرة عقلانية تعزف عن البكاء على الأطلال وأنّه ليس بالإمكان أبدع ممّا كان، وتحثّنا على الإبتعاد عن النظرة الضيّقة المتعصّبة وتدفعنا إلى الخروج إلى الآفاق الإنسانية الرحبة من خلال استعمال – ونُكرّرها ثانية – «أساليب البحث العلمي وطرائق النقد الدقيق الحرّ المنتظم».

هوامش التقديم :
(1) أصول الفقه، يوسف شاخت، لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، إبراهيم خورشيد، د. عبد الحميد يونس، حسن عثمان، هوامش أمين الخولي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1981، هامش 1، ص 19.
(2) في السيرة النبوية : الوحي والقرآن والنبوّة، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثالثة 2007، ص 94

كتـــــــــــابات وقـــــــــــــراءات(1)
“لتفكــــيك نصـــوص الإســـلام الأولــــى”(*)
ألفريد – لويس دو بريمار

تَطرح الكتابات الإسلامية الأولى، باعتبارها رسالة دينيّة، مشكلا عويصا، على غرار المصادر المكتوبة الأصلية للتّيارات الدينية الكبيرة السابقة، ولكن هنا مع اختلافات خاصّة.

الشيما schéma (المخطط) الديني التقليدي في البلاد الإسلامية هو بالفعل، في البداية، يأتي كالتالي : كتابة/نصّ/كتاب [Ecriture/Ecrit/Livre] مُنزَّل على رسولٍ بلَّغَه كما تلقّاه. هذا الكتاب لا يُمكن إذن أن نُعامَله كما نُعامِل وثيقة بشريّة. فهو الكتابة بألف ولام التعريف أي مقدّسة Ecriture، وليس مجرّد كتابة (بشريّة) écriture. وهو يحتوي من ناحية أخرى على الحقيقة التي سبق وأنزلها الله على موسى وعيسى، وقام أتباعُهما بتحريف ما كان قد أُنزل عليهما بل بتشويهه أو على أيّ حال قاموا بتأويله تأويلا خاطئا. هم إذن أحرار في مُعاملة نصوصهم كما تُعامَل الوثائق البشريّة. ولكنّ هذا لا ينطبق على القرآن، فالله لا يُمكنه بحال أن يُخضع “للنّقد” حتّى ولو كان نقدًا علميّا.

ذاك هو إذن، في خطوطه العريضة، الشعور المُهيمِن والقناعة الراسخة. هذا الشيما الشامل للتصوّر، الذي يُميّزه فهم عمودي لِوحْي “مُنزّل” على نبيّ مبعوث، يُرتّب إذن كتابات الإسلام الدينيّة بحسب ما يطرحه في البداية باعتباره اللّحظة العظيمة المُؤسِّسة : الوحي، نزول القرآن، في مكّة أو في المدينة. فلا يهمّ، بالنسبة للأكثريّة التنازع بخصوص ما هي الآيات القرآنيّة التي كانت بالضّبط أوّل الوحي الذي نزل من السماء على النبيّ؛ أو محاولات الكشف حسب الحالات عن “أسباب النزول” كما يرويها المفسّرون؛ أو أيضا التاريخ المضطرب لعمليّة “جمع القرآن” كما يقدّمها المأثور الإسلامي نفسه؛ أو زمن تدوينه النهائي تحت إشراف هذا الخليفة أو ذاك، في هذه الحقبة أو تلك. اعتبار المسلم لهذا النص وحيًا منزّلا يشكّل بالنسبة له حافزا، وهو نصّ تلقّاه محمد من الله مُنجَّما ودون زيادة فيه أو نقصان كمجرّد متلقٍّ طوال نُبوّته بين مكّة والمدينة ومختلف أماكن الغزوات، كلّ ذلك “بلسان عربيّ مبين” : “اللّغة العربية… التي نزل فيها القرآن، هي إملاء من الله على نبيّه محمّد، وليس تأويلا بشريّا للكلام الإلهي كما هو الحال بالنسبة للأناجيل” : هكذا أفصح مؤخّرا أندريه ميكال عن رأيه في حوار نُشر في الصحافة الفرنسيّة الأسبوعيّة.

في هذا المنظور، فإنّ قمّة ما يشبه الهرم هي التي تجد نفسها موضوعة في البداية، وليس أساس هذا الهرم. ثمّ بعد ذلك، وبواسطة حركة تراتبيّة تنازليّة، تأتي تدريجيّا الأقوال والأفعال والإقرارات التي يرويها عن النبيّ المأثور متعدّد الأشكال نصف الشفهيّ، ونصف الكتابي للحديث، بما في ذلك كتب المغازي والسير، ثمّ تفاسير القرآن المنسوبة للصّحابة والتابعين، وأخيرا أمّهات الكتب من شتّى الأصناف التي تقوم عليها ركائز السنّة [مجاميع الحديث المعترف بها، تأريخ إمبراطوري للسّيرة، تفاسير قرآنية، إلخ]، كلّها تأتي تدريجيّا لتقوم بإرساء البناء الضخم لمصادر الإسلام المكتوبة، والتي ليس بإمكانها أن تُنشِّط نظريّا المؤمن المسلم إلاّ بقدر ما يكون الاتجاه التنازلي للبناء قد تمّ احترامه، كما هو الشأن بالنسبة للبناء الهرمي الذي تنحدر منه. هذا هو شيما التصوّر العادي للتّقليد الإسلامي بالنسبة لكتاباته الدينيّة الأولى.

هذا ما قد يكون عليه أيضا وغالبا الشيما الضمني سواء للّغة، أو لإشكاليّة بعض كتابات المُستَعرِبين الفرنسيين في هذا الموضوع، أو لِنَمط التصوُّر الذي مازال يُحدِّد بعض الأعمال والذي لا يعيه مُؤلِّفوها إلاّ بنصف وعي. بالفعل، بخصوص النصوص التاريخيّة المُتعلِّقة بنشأة الإسلام، هناك فقط عدد قليل من المصادر القديمة، المُعاصرة لهذه النشأة ولكن من خارج الأمّة الإسلامية الوليدة، وقع استغلالها وأمكن حتى الآن مُقابلتها بمصادر المأثور الإسلامي فيما يتعلّق بأصوله ذاتها. وهكذا انتهت هذه المصادر الأخيرة بفرض طريقتها الخاصّة بها لقراءة الأحداث ومدلولها، حتّى على الباحثين الذين قد يُصرّون أكثر على إظهار موقف مُتشكِّك في ميادين أخرى.

غير أنّه، بعد الانغلاق داخل العلوم التاريخية والفيلولوجيّة البحتة التي طبعت بعض الدراسات الإسلامية، أعقب ذلك منذ بعض الوقت انفتاح أكبر على علوم أخرى، إذن على مصادر أخرى، إذن على إمكانيات أخرى لقراءة النصوص القديمة. في حين أن التاريخ يبقى في كلّ ذلك حافزا هامّا، فضلا عن الأركيولوجيا، اغتنى بتاريخ النصوص، وتاريخ الأفكار، وتاريخ الذهنيّات، وتاريخ أديان الشرق الأوسط. فالأنثروبولوجيا الدينية تحتفظ بمكانها وتُدقّق مناهجها. كما تحافظ الفيلولوجيا على أهمّيتها؛ ولكنّ هذه الأهميّة قُلِّل من وزنها ونسبتها وفي المقابل وقع إثراؤها بمناهج اللّسانيات وطرق التحليل البنيوي.

يبدو بخصوص الإسلام ونصوصه الدينيّة أنّ البحث، في فرنسا، ما يزال يعاني من بعض التردّد وحتّى أحيانا من رفض من طبيعة سيكولوجيّة، ليس فقط بالنّسبة لما يمكن أن يُكتب في الخارج ونقرأه، ولكن أيضا بالنسبة لما يُكتب في فرنسا نفسها بخصوص فضاءات دينيّة أخرى غير إسلاميّة. بالإمكان تحليل أسبابها، ونأمل أن تُحلَّل هذه الأسباب بوضوح كاف. من غير المُستبعد أن يكون بعضُ التخوّف من “المغامرة”، ومن وضع أفكار جاهزة موضع تساؤل، ومخطّطات مُسبقة، وطُرقَ مقاربة لا تريد أن تتزحزح، من الأسباب الهامّة لذلك. ويمكن أن نضيف إلى ذلك، بتطبيقه على موضوع بحثنا بعد أن نغير ما يجب تغييره، ما قاله حديثا حقّا وصدقا كريستيان برومبرجيه Christian Bromberger، بصواب شديد، بخصوص العلوم الإجتماعيّة، عن “… توجُّه تعاطفي يقود إلى الانزلاق من التفسير إلى التبرير، من الإثنولوجيا Ethnologie إلى الإثنولوجياوِيّة Ethnologisme، ورفع ممارسات ثقافيّة نسبية إلى مصاف القِيَم المطلقة، وتحويل الخاصّ إلى مُطلق. من الصعب أن يكسب الباحث مصداقيّة أكبر عندما يُصبح الناطق الرسمي باسم المعنى الثقافي بدلا من أن يكون مجرّد مُفسِّر عاديّ له”. [مجلّة دراسات العوالم الإسلامية والبحر المتوسط، عدد خاص 1991، REMMM].

إذا كان هناك خطّ مشترك يجمع تقريبا بين بعض هذه الدراسات المنشورة هنا من باحثين من فرنسا، فهو خطّ يمكن أن يُوجِّه بالأحرى العقول في اتّجاه معاكس لاتّجاه الشيما التقليدي للتّصور كما رسمنا ملامحه أعلاه. فالمنظور الذي وقع تبنّيه ليس منظورا نقليّا إيمانيّا fidéiste؛ وهو لا يريد أيضا أن يكون متعاطفا إلى درجة الخضوع لشروط الإشكاليّة الإسلاميّة العتيقة مهما كانت جديرة بالإحترام داخل النسق الذي تنتمي إليه حتّى ولو كان لهذا النسق نواقصه. وهذا لا يمنع أنّ كلّ واحد من المؤلِّفين يَعي بدقّة أنّ الموضوع الديني يُوظّف غالبا، على المستوى الشخصي، شيئا آخر غير البحث الفكري والعلمي. ولأجل ذلك كان كلّ واحد منهم حرّا في تناول موضوعه كما شاء.

على ضوء النتيجة النهائية، المتمثّلة في هذا العدد من المجلّة، باستطاعتنا أن نلاحظ أنّ منظور جميع المؤلِّفين هو منظورُ معالجةٍ دقيقة للنصوص ولكيفيّة تكوّنها وتأقلماتها التاريخيّة والثقافية، وديناميتها الذاتية. إنّ هؤلاء المؤلِّفين، المُتشبّعين بتقليد طويل لكتابات سابقة أو حاليّة، وانطلاقا من أمثلة خاصّة اختارها تباعا كلّ واحد منهم، يطرحون الأسئلة حول السياق الذي تأسّست فيه هذه الكتابات، وحول طريقة تحريرها، وحول الأوساط، والقوى، والأفكار، والتجارب، والمحيط الثقافي، التي تضافرت كلّها على إنشائها، والتي ألهمتها والتي تسمح إذن باكتشاف مدلول ما تحتوي عليه بعيدا عن التفسيرات التقليديّة. فهم يسائلون النصوص عن ديناميكية نشأتها، وتطوّرها، وأهميّتها، ومدلولها. وهم يدركون قطعا أنّ كل هذه المواضيع حسّاسة بالنسبة للمسلمين المؤمنين. ولكنّهم يتجنّبون تقديس الصور iconographie – حتّى لا نقول عبادة الصور iconolâtrie – الذي حصرت فيه القرون السابقة بعض النصوص. فالعديد من المأثورات الإسلامية القديمة تحثّنا على التفكير بأنّ هذه الكتابات الأوليّة، بما في ذلك تلك التي كانت أساس القرآن، كان يُنظر إليها على أنها نصوص ديناميكيّة وخاضعة للأحكام البشريّة وأنّها لم تكن قط جامدة. إذن فنحن لا يمكننا إلا أن نقوم بدراسات من هذا الطراز إذا ما أردنا فهم النصوص القديمة في حركيّة انبثاقها.

تدعو الدراستان الأوليان لهذا العدد القارئ إلى الأخذ بعين الإعتبار عناصر نادرا ما تسنح له الفرصة بمساءلتها، والتي تبقى عادة مرصودة للتخصّص العالي : علم البرديات [يوسف راغب] والنقوش [صولونج أوري Solange Ory].

بالفعل، عندما نقول “كتابة”، فهذا يفترض قبل كلّ شيء وجود هذه العناصر الأساسية التي هي الدّعامات المادّية للنّص المكتوب (حجارة، خشب، بردي، رَقّ وجلود حيوانات، قطع خزف، عظام حيوانات، ورق، إلخ …). كما يفترض أيضا إعطاء الأهمية لطريقة الرسم التي يستعملها الخطّاطون (هنا الخطّ العربي وطرق انجازه القديمة، ومشاكله الخاصّة)؛ وأخيار الأدوات أو المواد المُستعملة في الرّسم ذاته (للنّقوش : فسيفساء، صفائح البرونز، أدوات النقش، إلخ؛ الأقلام والريشات للكتابة على المواد الليّنة).

نصوص بدايات التوسّع العربي والإسلامي، في السياق الأوسع للمارسات الشرق أوسطية السابقة، سواء كانت دينيّة أم لا، كانت إذن نوعا ما مشروطة بظرف لم يكن عاديّا؛ والباحثون الذين يَنكبّون على تاريخ نصوص هذه الحقبة ليس بإمكانهم إهمال هذه الظروف. ونحن نعي هذا تماما عند قراءة دراسة يوسف راغب الحذرة والمُوثَّقة(2)، سواء فيما تعلّق بالدعامات المادّية للكتابة (بردي، رقّ، ورق، إلخ) أو فيما تعلّق بالكتابة نفسها (شكل الحروف، تنقيط، حركات، إلخ) وأخيرا فيما يتعلّق بنُدْرة الوثائق المكتوبة التي وصلتنا من قرن الإسلام الأوّل خصوصا في المجال الديني، في حين أنّ الوثائق الإداريّة والتجاريّة التي وصلتنا من نفس الفترة هي أكثر غزارة ولكن في مصر فقط.

قد يتساءل القارئ غير المُطّلِع، بعد هذه القراءة، عن أسباب نُدرة، بل عن غياب، وثائق دينيّة إسلاميّة لهذه الحقبة مشهود بصحّتها والتي كان بالإمكان أن تصل إلينا. وبالفعل، كانت تقاليد الكتابة على البردي والرِّقّ في الشرق الأوسط مُترسّخة منذ زمن بعيد، وأفسحت المجال، قبل الفتح العربي، لإنشاء مكتبات بأتمّ معنى الكلمة. أسباب ذلك، فيما يخصّ مجالنا، يمكن أن تكون مُتعدّدة : عوائق دعامات ماديّة هشّة ومُكلفة؛ كتابة عربيّة هي نفسها لا تزال تتعثّر؛ تحفّظات إزاء طريقة نقل وحفظ أخرى غير الطريقة الشفويّة؛ شكوك وجدالات عنيفة حول محتوى وطبيعة ما كان من المُلائم تدوينه كتابة، إلخ. إذن، هناك كثير من المشاكل العالقة والتي تدعو الباحثين إلى التواضع والحذر.

مع ذلك، فيما يخصّ النصوص الدينية، بقيت لنا من تلك الفترة وثائق مادّية هامّة، بالخصوص ما كان منها منقوشا على تلك المادّة الأزليّة التي هي الحجارة. وهذه الوثائق تَهب نفسها بسهولة لتحليل محتواها إلى درجة أنّه باستطاعتنا أنّ نؤرخها سواء بصورة تقريبيّة أو بصورة دقيقة. وهذا هو بالخصوص شأن نقوش الفترة الأمويّة بما فيها نقوش صخرة الأقصى، التي وقع تحليلها من بين نقوش أخرى وبكلّ دقّة وبساطة من طرف صولونج أوري (3)Solange Ory.

فعلا، تعطينا هذه الباحثة ليس فقط اقتباسات مُهمّة من هذه النقوش، ولكنّها تقوم بخصوصها بتعليق قصير يضعها في سياقها الجغرافي والتاريخي والثقافي والديني. هذه الدراسة المُلهِمة تسمح للقارئ بأن يقوم ببعض الاكتشافات المُهمّة، ولكنها أيضا تثير في نفسه تساؤلات جديدة : هل تزامن نصّ القرآن الحالي مع نقوش قبّة الصخرة أو كان سابقا لها، الصياغة البدائية للتّشهد في الإسلام وتاريخه، … إلخ.

الدراسات المُتعلّقة مباشرة بالنصوص القرآنية يُمثّلها في هذا العدد مقال ألفريد-لويس دو بريمار حول ترجمة جاك بيرك Jacques Berque حديثا للقرآن إلى الفرنسيّة ، ومقال جون لامبير Jaen Lambert حول سورة الصّافات، ومقال جمال الدين بن الشيخ حول أسطورة عاد التي تذكُرها، من بين نصوص أخرى، الآيتان 5-6 من سورة الفجر.

أجل، لقد بدا لنا من غير المجدي تكرار أشياء سبق عرضها عن القرآن خاصة في كلّ المسائل التي تمّ شرحها منذ وقت قريب من طرف أ. ت. ويلش A. T. Welch في مادّة “قرآن” في الطبعة الجديدة للموسوعة الإسلاميّة. إذن فقد تناولت هذه المقالات نصوصا مُحدّدة أو مواضيع خاصّة مُتعلّقة بالقرآن.

الترجمات الفرنسيّة الجديدة للقرآن، في الفترات الأخيرة، ليست بالقليلة : ترجمة أندريه شوراكيAndré Chouraqui، ترجمة رينيه خوّام René Khawam، وترجمة جاك بيرك. وقد اكتفينا هنا بتقديم “ملاحظات مُرتَجَلة” (4) حول الترجمة التي قدّمها جاك بيرك.

ملاحظات مرتجلة، وهي بالفعل كذلك لأنّ كاتبها ليس له اطّلاع طويل ومعمّق بما فيه الكفاية على هذه الترجمة لكي يُقدّم شيئا آخر غير انطباعه الأوّل انطلاقا من استطلاع في الترجمة ذاتها وأيضا في تعليقاتها. غير أنّ الانطباع الأوّل تأكّد منذ الصياغة الأولى لهذه الملاحظات، خصوصا عند قراءة بحثيْ ج. لامبير [سورة الصّافات] وجمال الدين بن الشيخ [“إرم ذات العماد”، في سورة الفجر] المنشورين في هذا العدد.

سورة الصّافات هي بالفعل عصيّة على الفهم سواء في نصّها الأصلي أو في ترجمتها. وجاك لامبير يدعونا إلى قراءة هذه السورة “قراءة أنثروبولوجيّة صغيرة”( 5) مادّا بصره إلى ما وراء نقاشات الفيلولوجيا الإسلاميّة المألوفة. هذه القراءة المُنعشة تُدمج في نفس الوقت الأسس الكبرى للثّقافة والتعبير الديني للشّرق الأوسط، والسياق التاريخي للنّص مأخوذا بمُجمله وفي صياغته النهائيّة، وبالنتيجة “تكوين” النصّ ذاته بقدر ما يستطيع تحليلٌ بنيوي للسّورة، مأخوذة ككلّ، مساعدتنا على رسم ملامح هذا التكوين. فالكاتب يرى النّص النهائي لهذه السورة مرتبطا ارتباطا حميميّا بصراع العرب المسلمين الثقافي والسياسي مع الفرس بعد انتصارهم عليهم بالسلاح، صراع قنّعه انشقاق شيعة علي المعارضين خلال الفتنة الكبرى.

قد يتفاجأ القارئ من الوهلة الأولى بما يبدو له فرضيات محضة. ولكن هذه الفرضيات بالتحديد، المبنيّة على الإدراك الحادّ للرّوابط الموجودة بين الأنثروبولوجيا والتاريخ والنصوص خاصّة إذا كانت هذه النصوص دينيّة، هي الفرضيات التي يجتهد ج. لامبير في فحصها وإقامة البرهان عليها. فالقارئ الذي يقبل أن يتبعه يرى حينئذ السورة تنتظم تدريجيّا في كلٍّ مُتماسك ومُقنع فعلا، سورة فَرَضت على المُفسّرين القدامى اللجوء إلى العديد من “حيل” التأويل التقليديّة؛ وطرحت على المحُدَثين أسئلة بقيت بدون أجوبة حقيقيّة خاصة عن الوحدة والمزيج غير المتجانس لمجموع السورة.

قراءة جون لامبير الأنثروبولوجيّة والتاريخيّة والتي يجب متابعتها معه من البداية إلى النهاية، تُوضّح توضيحا تامّا جُملة ميشيل سير Michel Serres التي قدّم بها مقاله(6). فهي تقترح لسورة الصّافات، في هذا الفهم، وبطريقة مُبرهَنة ومُضيئة، تفسيرا لمجمل السورة ولآياتها الواحدة بعد الأخرى يُجدّد شيئا ما منظوراتنا.

ليس كأنتروبولوغ ولا كمفسّر عالج جمال الدين بن الشيخ “إرم ذات العماد أو غضب الله”(7) انطلاقا، بين آيات أخرى، من الآيتين 5-6 من سورة الفجر، ولكن بالأحرى عالجها كمؤرّخ للأدب العربي، آخذا كلمة “أدب” بمعناها الأوسع “ما كُتب عن…”. ومن خلال تشبُّعه بعلوم شتّى بينها التاريخ العام والأنثروبولوجيا الإجتماعيّة والتفسير، فإنّه استطاع مُساءلة النصوص، إذن البشر، عن أسطورة “إرمَ ذات العماد”، مُحاولا اكتشاف، لا فقط مدلول الأسطورة، ولكن أيضا المقاصد أو الرغبات الخفيّة التي تَحملها النصوص في صلبها دون أن يكون كاتبوها مدركين لذلك دائما. وهو يقوم بهذا، فإنّه يتساءل هو نفسه عن الصدى الذي يُحدثه عنده “النصّ المُقدّس” و”الأسطورة” الّلذان يُوظِّفُهما هذا النّص الذي يتَحمَّلُهما حاجبا إيّاهما والذي يريد أن يُدمجهما بإخضاعهما، ولكن دون أن يتوصّل إلى كتمان أنفاسهما في لُبّ خطابه ذاته.

بإمكان القارئ أن يعاين أنّ المؤلِّف، لم يتقيّد بأصداء الأسطورة القرآنية لـ “إرم ذات العماد”، بل جعل منظوره يذهب إلى أبعد مستحضرا ما قدّمته مختلف الكتابات الإسلاميّة للقرون اللاّحقة أو فسّرته بخصوص الأسطورة القديمة.

دراسة في غاية الدّقة والرّقة، فيها كثير من الصياغات السعيدة، وكثير من الأسئلة التي تذهب إلى أبعد من التحليل الأدبي، ويطرح جمال الدين بن الشيخ تساؤلات لم يرد أن يحسمها على نحو قاطع ما عدا بروز مُعاينة نهائية كان كل شيء قد أَعدّ لظهورها.

إثر الدراسات المتعلّقة تحديدا بالنصوص والمواضيع القرآنية، يدرس هذا العدد ميدانين من ميادين البحث : ميدان تفسير القرآن في بداياته [كلود جيليو Claude Gilliot]، وميدان الحديث والسيرة [أ.- ل. دو بريمارA.-L. de Prémare].

انطلاقا من النصّ القرآنيّ إلى تفسيره، يكون انطباعنا العفويّ المُسبق أنّنا ننتقل من زمن إلى آخر : زمن القرآن، ثمّ بعد ذلك زمن تفسيره، كما هو حال التفاسير الكلاسيكيّة المعروفة التي تُميّز بين النّص المُنزّل وبين كلّ من يُحاول تفسيره. هذا التصوّر ربّما كان نتيجة إسقاط، على “البدايات”، لزمن متأخّر جدّا. وهذا على الأقلّ، كما يبدو لي، الاستنتاج الذي تقدّمه دراسة كلود جيليو (8).

فعلا، التمييز الذي يقوم به هذا الأخير بين تفسير – شرح من ناحية، وتفسير – مؤلَّف مكتوب من ناحية أخرى، هامّ ومُوفّق جدّا. هذا التمييز يُلقي أضواء كافية على بقيّة الدراسة بصدد نقاط شتّى التي يُدعى القارئ لاكتشافها خاصّة حيرة “تقليد حيّ” بين عدّة أنماط للتّفسير وبالذّات في وقت لا يزال فيه النّص نفسه على الأرجح غير مُكتمل.

هذه اللّمحة التاريخية تمتاز بثراء تاريخي كبير. فهي تسمح لنا في كلّ الأحوال أن نُدرك أفضل، أو على الأقل أن نتساءل، عمّا كان باستطاعته أن يكون، بخصوص النصوص الدينية الإسلامية الأولى، الانتشار التدريجي لتقليد ثقافي، حيث النص الأساسي الذي كان بصدد التحضير، لم يكن يستطيع هو نفسه اتّخاذ بُعده النهائي إلا بفضل أولئك الذين يقدّمون له تبريراته من خلال تفسيره. إذن الأمر يتعلّق بفترة ديناميكية، ولكن يصعب جدّا حصرها بسبب نُدرة الوثائق التي ثبتت صحّتها مقابل غزارة الأخبار المتأخِّرة والمشكوك فيها غالبا. خلال هذا الدغل الذي استطاع بكلّ حذر أن يرسم لنا فيه طريقا، يقودنا كلود جيليو إلى “لحظة الإسلام الإمبراطوريّة Le moment impérial” تلك حين يُكلّف الخليفة المنصور، ابن إسحاق : “أن يجمع المواد الأخبارية المتفرّقة والمتنافرة وأن يؤلِّف منها تاريخا للعالم ابتداء من آدم إلى بني العبّاس”.

بالفعل، يلتقي عند ابن إسحاق الحديث والسيرة، التي هي شكل من التاريخ المنظَّم للحديث، وأخيرا تفسير الرواية على صورة “أسباب النزول”.

لتعريف القارئ بهذه النمط الثلاثي في الكتابة والمُجمّع في نمط واحد، ليس هناك من وسيلة أفضل من دعوته إلى الغوص في نصّ أو بالأحرى في نصوص تعالج نصّا. ذاك هو هدف دراسة أ.- ل. دو بريمار(9) التي، انطلاقا من قصّة ذات مغزى لابن إسحاق في سيرة ابن هشام، ننتقل فيها من خبر إلى آخر وحتّى خارج التراث الإسلامي : تُجاه القصّة الإسلاميّة المتعدّدة الأشكال عن الزّانييْن المحصنين اليهوديين، تقتفي الدراسة أثر تاريخ القصّة الإنجيليّة المُسمّاة “قصّة المرأة الزانية”، وذلك بقدر ما نستطيع التعرّف عليها في بعض صيَغِها داخل المصادر المسيحيّة القديمة.

فعلا، الجدل حول حدّ الزنا (جلد أم رجم ؟) يُعطي لابن إسحاق كما رواه ابن هشام فرصة لإجراء تحرير أدبي جدير بجلب الإنتباه : تحرير ابن إسحاق لقصّة الزانيين يرمي إلى تنزيل المسلمين وتمييزهم عن اليهود والنصارى أكثر بكثير ممّا يرمي إلى معالجة مشكلة الزنا مأخوذة في حدّ ذاتها. وهو يفعل ذلك بكل صراحة بصدد اليهود، ولكن بتلميح أكثر، ولكن لا يقلّ واقعية، بصدد النصارى. لذا فإنّ التحليل يُعطي مجالا أكبر لقراءة مقارنة.

فالمقارنة تسمح لنا، انطلاقا من الموقف الذي يختاره مُؤسِّس دين أن نحدّد، عند جميع الأطراف، كيف تنتظم وتتنوّع الطريقة التي تُروى بها الواقعة التي سبّبت ذلك الموقف وبالتالي كيف فُهمت؛ وماذا يريد المؤلِّف أو المؤلّفون من وراء كل خبر من الأخبار أن يستنتج منها في سياقه الخاص به. هذه المقارنة لا تعدم فائدة فيما يخص استمراريّة بعض بُنى التحرير الأدبي من مجال ديني إلى آخر.

كما هي، هذه الإضمامة الصغيرة، والتي تبقى محدودة، لا تدّعي أكثر من الإسهام في تفكير معمّق حول ميدان طالما دُرس، بالرغم من أنّه ما فتئ يشكّل موضوع كتابات هي أيضا غالبا مختلفة من حيث إشكاليات كل واحدة منها وكما يمكنها أن تكون مختلفة أيضا على مستوى استنتاجاتها. كلّ هؤلاء الكتّاب احتفظوا بكامل حريّة توجهاتهم وأقوالهم، دون أن يُخضَعوا لأيّ توجيه عامّ. وكذلك الشأن بالنّسبة للعرض الشامل الذي كنت بصدد تقديمه عن هذه المقالات فهو يُشكّل انطباعي الخاص وتساؤلاتي الشخصيّة أمام النصوص التي أرسلها كلّ واحد منهم، وهي لا تلزمني إلاّ أنا. على الأقل أكون قد حاولت أن أسهّل على القارئ العثور عن الخيط الناظم الذي يربط هذه المقالات بعضها ببعض داخل الموضوع المشترك وفي الإطار الذي حُرّرت فيه وتحت العناوين التي أُعطيت لها.

مقال نُشر بالفرنسية تحت عنوان :
Alfred-Louis de Prémare
Prophétisme et adultère
D’un texte à l’autre
Revue des Mondes Musulmans et de la Méditerranée,
Année 1990, Volume 58, Numéro 1, pp. 101-135

هوامش :

( 1) A.-L. de Prémare, Ecritures et lectures, pp. 7-13.
(*) أضفنا هذا العنوان الفرعي لتوضيح ما يقصده المؤلِّف بكتابات وقراءات. [المترجم]
(2 ) Y. Rāġib, L’écriture des papyrus arabes aux premiers siècles de l’Islm, pp. 14-29.
(3 ) S. Ory, Aspects religieux des textes épigraphiques du début de l’Islam, pp. 30-39.
( 4) A.-L. de Prémare, Réflexions impromptues sur la nouvelle traduction du Coran de Jacques Berque, pp. 40-46.
)5) J. Lambert, De la guerre de dieu à l’écriture de l’histoire. Petite lecture anthropologique de la sourate 37, pp. 47-69.
(6 ) “كلّ نصّ هو نسيج [فترة] تكوينه”، “Tout texte est le tissu de sa genèse”
)7) J. E. Bencheikh, Iram ou la clameur de Dieu. Le mythe et le verset, pp. 70-81.
(8 ) Cl. Gilliot, Les débuts de l’exégèse coranique, pp. 82-100.
)9) A.-L. de Prémare, Prophétisme et adultère, d’un texte à l’autre, pp. 101-135.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий