Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > كرة القدم : مراوغة الوعي الأسطورية

كرة القدم : مراوغة الوعي الأسطورية

الثلثاء 12 كانون الثاني (يناير) 2010

بقلم: حميد زناز

يجد ملايين البشر عبر العالم أنفسهم منقادين كلّ نهاية أسبوع نحو شبابيك تذاكر ملاعب كرة القدم. على مدرجاتها يصنعون العرس والدراما أحيانا، ولكنّهم يساهمون باستمرار في تنمية نشاطات اقتصادية ومالية لا يستهان بها. مثقفون وأمّيون، كبار وصغار، نساء ورجال، فقراء وأغنياء، مؤمنون وملحدون، مسيحيون ومسلمون، بوذيون وهندوس.. لا أحد ينجو من سحر اللعبة. أتذكّر إمام مسجد الحيّ وكيف كان يسرع في إقامة صلاة الجمعة كي لا تفوته مقابلة كرة القدم المتلفزة. وكان شيخا من أطيب الناس وأذكاهم، وهو حال معظم الأئمة في الجزائر قبل أن يسيطر الأصوليون على المساجد ابتداء من نهاية السبعينات. فليس صحيحا ذلك الادّعاء القائل بأنّ الكرة تستهوي أناسا بسطاء، إنّ الأمر أعقد من ذلك بكثير، فالفيلسوف الفرنسي مارسال كونش مولع بمباريات كرة القدم وكذلك كوهين بنديت، زعيم حركة 1968الطلابية وأبرز رجالات الخضر اليوم، وطالما ردّد أنّه يبدأ يومه بقراءة اليومية الرياضية الفرنسية “ليكيب”، وغيرهما من الشخصيات العامة في جميع أنحاء العالم.

تقدّر مصادر رياضية عدد الممارسين رسميا بحوالي 250 مليون لاعب ولاعبة في العالم. أمّا خارج الإطار الرسميّ فيتجاوز عددهم المليار مداعب ومداعبة للكرة. تضاعفت أعداد المتفرّجين إلى الملايين بل إلى المليارات، فقد شاهد نهائي كأس العالم الفائتة بين فرنسا وإيطاليا حوالي مليار شخص عبر التلفزيون. ويظلّ التساؤل قائما عن سرّ هذا الشغف منذ أكثر من قرن من ضرب الكرة لأوّل مرة رسميا. فلماذا تبهر كرة القدم جماهير المتفرّجين كلّ هذا الإبهار؟ هل يعود ذلك إلى سهولة التعليق على اللعبة إلى حدّ يضع الملايين من المشاهدين، على غير العادة، في وضع يشعرون فيه كأنّهم خبراء في هذه الرياضة لوضوح قواعد اللعبة؟ ألا يمكن تفسير شغف الناس بكرة القدم على أنّه ضرب من ضروب البحث عن “شفافية” مفقودة في ميدان العمل والحياة العامّة والسياسة؟

مع مرور السنوات العجاف تلو العجاف، أصبحت “مباراة كرة القدم” في لاوعي المدمنين عليها (أو المدفوعين إلى الإدمان) تبسيطا للمسرح الاجتماعي وتناقضاته، وغدا المستطيل الأخضر ميدانا مصغّرا تنعكس فيه صورة المجتمع الحقيقية : مراوغة القانون، التحايل، العداء، الدهاء، العنف، الصراع، حبّ الانتماء، وشيء من الإبداع.. وهكذا يشبع المتفرّج لا شعوريا حاجته إلى الشفافية والوضوح، إذ تتبسّط أمامه رمزيا تعقيدات المجتمع التي تتجاوزه في الواقع. تخلق الكرة، بهذا المعنى، وضوحا مؤقتا يسعد المتفرّج، فهي مثل الأسطورة تلغي تعقيدات الأفعال الإنسانية وتسبغ عليها بساطة كلية، وتنفي كلّ ديالكتيكية، وكلّ محاولة للذهاب إلى أبعد ممّا هو مباشر وملموس.

مقارنة بمجال النشاط اليوميّ المبرمج والمقنّن والروتينيّ في غالب الأحيان، وبعده عن الإثارة والعواطف، ومقارنة بضبابية المجالات السياسية والاقتصادية، وخصوصية قطاع الثقافة والفنّ وتعاليه، تلعب كرة القدم دور الأسطورة بالنسبة لجماهير العصر الحاضر، إذ تعوّض للمتفرّجين ذلك الوضوح الذي يفتقدونه في مجالات الحياة الأخرى، وتصبح بمثابة نور يبزغ في عتمة الواقع، وربّما ذاك هو سرّ جمعها لعدد أسطوريّ من الأفراد وتحويلهم لفترة معيّنة إلى كتل جماهيرية لم يسبق أن حدث مثلها في تاريخ البشرية. فحتى الأديان المسمّاة سماوية لم تستطع أن تفعل حيالها شيئا لأنها أصبحت أكبر الأديان على الإطلاق. لم يردّ الشبّان على فتوى الشيخ القرضاوي بتحريمها سوى بمزيد من التعلّق. ألم يطلق إرهابيون عراقيون رهينة إيطالية بمجرّد رؤية لاعبهم المفضّل “توتي” في مظاهرة تطالب بإطلاق سراحه؟ في الجزائر فقدت الحركة المسلّحة الأصولية تعاطف الآلاف من الناس حينما أقدمت على اغتيال “ياماها”، ذلك المناصر اللطيف الذي كان يصنع البهجة على مدرجات الملاعب وفي كلّ مباريات الفريق الوطني. وكانت المرّة الأولى والأخيرة التي تجرّأ فيها الإرهابيون الإسلاميون تجريب الجهاد على كرة القدم. في سنوات الجزائر المجنونة كان ملعب 5جويلية قاسما مشتركا بين علي بلحاج وعلي بن شيخ، كان الأوّل يؤسلم الجماهير بكتابة اسم الجلالة في السّماء محوّلا اللّيزر إلى كرامات. وكانت مراوغات الثاني الأسطورية تنسي نفس الجماهير انسداد الآفاق. ’’أحبّ الفريق الوطني أكثر من وطني’’، هكذا عنونت مقالا في الموضوع في نهاية التسعينات، وهو ما قاله لي حرفيّا أكثر من شابّ جزائري آنذاك. وعلى تطرّف الفكرة فهي تدلّ على ابسيكولوجية كانت سائدة وربما تعزّزت أكثر اليوم.

كالديانات، تصنع الكرة في أغلب الأحيان الفرد الجماهيريّ، الإنسان ذا البعد الواحد، ذاك الكائن الراضي الذي قلما يحتاج ملكة النقد. لقد أخذت وظيفة المسرح فغدت شكلا من أشكال المسرح المعاصر، لكنّه مسرح للطبقات الدنيا في المجتمع. فإن كان الدين ميتافيزيقا الفقراء، فكرة القدم هي أوبرا الفقراء.

يقول عالم الاجتماع فيناي في كتابه “الرياضة في المجتمع الطبقي” أن كرة القدم ” تثبت في الأعماق مبدأ الواقع لمجتمع يستغلّ نظامه الاقتصادي الضاري الأرواح والأجساد ويغري الناس بمبدأ الرأسمالية ومنطقها .. ولا يكتفي هذا الجنون الاجتماعيّ بزرع بذرة الوعي الكاذب بل يخلق نمط الإنسان الذي يقوم بحماية الحكام المتسلّطين”. ألا يجسّد حكم المباراة السّلطة المستبدّة في الملعب؟ السلطة المطلقة غير القابلة للنقاش والتي لا تعترف بأخطائها ولو قدّم لها البرهان الدامغ كما حدث في مقابلة ايرلندا وفرنسا إذ تأهّل المنتخب الفرنسي عن طريق يد أونري الآثمة، وقد شاهد ملايين البشر ذاك الغشّ المبين، ومع ذلك لا أحد استطاع إنصاف الأيرلنديين الذين كانوا الأحسن والأجدر بالـتأهّل إلى نهائيات كأس العالم، باعتراف الصحافة الفرنسية ذاتها والتي طالبت في مجملها بضرورة إعادة المقابلة ووصفت تأهّل فريق بلادها بالمخجل؟ (ليقارن القارئ بين هذا الموقف وموقف الإعلام في الوطن العربي وخاصة ما جرى أخيرا بين مصر والجزائر! ).

ألا يمكن أن تكون الكرة في بعض الأحيان وسيلة لصرف الجماهير عن حاجاتها الحيوية في الوطن العربي؟ ألا يكون الاهتمام بنادي الكرة في المدينة أو القرية تعويضا لعدم تمكن الأكثرية من الاهتمام بما يجري في سراديب السلطة المحلية؟ أليس اهتماما بمسموح تعويضا لممنوع؟ ألا يجد الناس في الكرة ما يحلمون أن يجدوه في حياتهم العامة : حرية التعبير، الانحياز العلنيذ لجهة معينة (ثقافية أو سياسية أو إثنية أو دينية)، انتخاب رئيس النادي ديمقراطيا، التظاهر في الشارع، تعددية النوادي، تكافؤ فرص إظهار المواهب، حلم الطفل عُمر أو كاظم المشروع أو أيّ طفل مهما كان فقيرا أن يصبح “زيدانا” أو “بيكاما” أو”ميسيا” ..؟ في الكرة مثلا لا يمكن توريث الأبناء (صباح الخير يا مصر!) ولا يمكن أيضا تغيير قواعد اللعبة كما نشاء (صباح الخير يا جزائر!)، لكن كلّنا في الكرة همٌّ، لقد تمّ تديين الكرة وتكوير الدين دائما. ألم ينفق الشاه ملايين الدولارات لتتأهّل إيران إلى نهائيات كأس العالم؟ ألم يفعل صدام حسين المستحيل ليتأهّل الفريق العراقيّ إلى المونديال في عزّ لهيب الحرب العراقية- الإيرانية؟

ألا يكون التعلّق بكرة القدم هروبا من الواقع؟ ألا يكون حنينا إلى اللامعقول والأسطورة؟ مهما كانت الإجابة، لا أخفي تعلّقي بالكرة المستديرة منذ الصغر إذ لا يمضي أسبوع دون أن أداعب الكرة في بهجة طفولية متجددة.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий