Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > كساء الجسد وخيبات الكائن

كساء الجسد وخيبات الكائن

الخميس 6 آب (أغسطس) 2009

بقلم: مصطفى القلعي

أصالة العري:

للكائن الإنسان مع العري حكاية مداها الزمنيّ يتجاوز حدود التاريخ. والمعارف الإنسانيّة الحديثة كعلوم الطبيعة وعلوم الحيوان تثبت أنّ العري هو صفة الإنسان الأصيلة. بل هو جوهره. والشواهد على ذلك كثيرة. منها محافظة الوحش والحيوان والطير، وهي شريكة الكائن الإنسان في مقامه الأرضيّ ورفيقته فيه، على عريها الأصيل في كلّ الفصول والمناخات. ولم ترضَ أن يكسوَ لحمَها سوى ما نشأ لها طبيعيّا من جلد أو وبر أو صوف أو ريش أو غيرها إلى اليوم إلاّ في الفنتازيا الإشكاليّة ( (problématiqueلشركات صناعة أفلام الأطفال.سِمتها الإشكاليّة هذه متأتّية من صبغة منتوجها الربحيّة التي شكّلت جدارا مانعا أمام إمكانيّة مجادلتها بيداغوجيّا لبيان خطورتها الوجوديّة الناجمة عن سعيها إلى تشكيل مخيّلة مستقبليّة صناعيّة ومفبركة لا تتطابق مع أصل الأشياء في الطبيعة. ولا يحرّكها في ما تمارسه على الطفل وفي طفولته إلاّ ذهنيّة شروط السوق وأحكام التجارة. ولا تعنيها فداحة نتائج ذلك حتى وإن بلغت درجة تبضيع الطفل والعبث بمخيّلته، وجعل تواصل الإنسان العسير مع الكون أشدّ عسرا في المستقبل.

واكتشافات الأنثروبولوجيا والأركيولوجيا في غابات الأمازون وجبال إيران وأراضي المايا وقبائل الهنود وغيرها، تثبت أصالة العري الإنسانيّ. فلقد عثر على الكائن الإنسان عاريا سعيدا بعريه راضيا به، لا يحتمل جسده أكثر من ورقة التوت، أو ما يتيح له أن يغطّي فقط ما اصطلح الخطاب على تسميته ﺒ “العورة”. وقد تضافرت جهود المخابرات العسكريّة الكونيّة في إثبات أنّ الكائن الذي تمّ العثور عليه هو الإنسان نفسه!! وليس كائنا غيره. وأنّه لا يعتبر خطيرا. ولا يشكّل خطرا على الكائنات الكاسية.

إنّما الفاصل بين الكائن العاري والكائن الكاسي هو الزمن. وهو مقدّر بآلاف السنين أو ربّما مئات السنين الضوئيّة. هو باختصار زمن حضارة الكائن الكاسي المجيدة. وهذا المدى الزمنيّ الهائل الفاصل بين الكائنين يكشف عن مفارقة مذهلة. فهو لا يعني أنّ الكائن الكاسي، ابنَ الحضارة، قد صنع لنفسه قيما تجعله أرقى من الكائن العاري، ابنِ الطبيعة. فالكائن الكاسي اكتسب الحضارة بالعلم والعمران وبالقيم أساسا. وهو يدّعي أنّ القيم هي التي تبعده عن توحّش البداية لتقرّبه من أفق إنسانيّته. ولكنّ هذا الادّعاء لم تثبه رحلة الكائن الكاسي الحضاريّة.

صحيح أنّ الكائن العاري كان يضطرّ إلى قتل ابن جنسه. ولكنّه لم يكن يقتل إلاّ ليعيش. ولم يفعل ذلك إلاّ بحكم غريزة البقاء دفاعا عن النفس أو طلبا للطعام، مثلا. أمّا الكائن الكاسي، ابن الحضارة، فإنّه يقتل للتسلّي والفرجة. وعليه، وهو يمارس هواية القتل، أن يضمن الإثارة لجمهور المشاهدين من الحكّام والعامّة في مسارح روما القديمة وللجمهور العالميّ على الشاشات الفضائيّة في العصر الحاضر.

«المروّض والثور»:

ويمكن لمن يقرأ قصّة الكاتب التونسيّ البشير خريّف “المروّض والثور”(1)، مثلا، أن يتأكّد من أنّ الأدب هو من سلك هذه المسارب الفكريّة الوعرة، حين كان الجميع قد خرجوا من دوائر التفكير ليسبحوا في عوالم الذهول. والأدب بذلك يدافع عن كيانه. ويردّ كيد الكائدين المروّجين لإشاعة أفول عصر الأدب بمناسبة طلوع عصر الإعلان والإشهار. وينبّه إلى غفلة الغافلين. ويفرك أذن السطحيّين الذين يعتبرونه مجرّد تنفيس عن مشاعر مكبوتة أو مجرّد تسلية فراغ. ويسعون جاهدين إلى إخراجه من دوائر التفكير والتأمّل وتدبّر العالم.

فللأدب كفاءة أنثروبولوجيّة une compétence anthropologique)) لم يتمّ الالتفات إليها في الثقافة العربيّة بعدُ إلاّ بشكل عرضيّ إضافة إلى كفاءاته الأخرى التي لا يحصيها العدّ والحصر. والنظر فيها يساعد كثيرا في رصد خيبات الكائن الكاسي المزدهي بربطة عنقه المبتسم أمام كاميرات التصوير في براءة الغزلان وفي عصر الإعلان.

يحدّث راوي قصّة “المروّض والثور” فيقول إنّ مروِّضا (بكسر الواو) في أرض الأسبان طبقت شهرته الآفاق، وصار يملك ثروة لا يدركها العدّ. وأصبحت نزالاته تجلب الجماهير المغرمة برياضة مصارعة الثيران من كلّ حدب وصوب. ولشدّة ولعها بهذه الرياضة، ترضى هذه الجماهير أن تظلّ متسكّعة في المدينة أسابيع طويلة بلا مأوى ولا معين، منتظرة لحظة الانتشاء القصوى، حين تشهد الصراع بين المروّض الشهير وبين ثور فتيّ قويّ يُختار بعناية من البريّة. ويؤتى به مباشرة إلى الحلبة حيث يظلّ في دواميسها المظلمة لا يميّز بين النهار والليل ما يكفي، حتى يفقد صوابه، ويفقد كلّ حواسّه، ويتحوّل إلى وحش فاتك ضار ضامن للإثارة والفرجة.

وعندما تحلّ لحظة النزال المنتظرة، يكون المروِّض في غاية التسليح ومخفورا بجملة من الفرسان المدجّجين بالأسلحة المتحفّزين لنجدته، فيما يكون الثور وحيدا أعزل. ويكون الفرسان على علم تامّ بما هم مقدمون عليه، فيما يكون الثور غافلا عن سبب وجوده في الحلبة. يكونون مهاجمين فيما يكون الثور مدافعا. وتكون الجماهير في قمّة الحماس. وتعبّر عن حماسها بالتصفيق والتهليل والصياح. ويتمّ النزال بمباركة السلطة السياسيّة الحاكمة. فشيخ المدينة هو الذي يقدّم مفتاح الحلبة إيذانا بسيلان نهر الدماء. والملكة المملَّكة على رقاب الكائنات الكاسية لتحمي الضعيف وتطعم الجائع وتؤوي العاري وتنجد الملهوف، تترك أدوارها جميعا، وتفعل العكس تماما فتعطي، بإشارة من يدها، الإذن بانطلاق عمليّة ذبح الكائن الغافل المجبر قهرا على خوض نزال جائر.

لكنّ التأمّل في كلّ هذه المعطيات يكشف أنّه لا وجود لنزال ولا لصراع ولا لمبارزة ولا لمقابلة. فهي جميعا تفترض تكافؤا في فرص الفوز بين المتبارزين؛ الاستعداد نفسه والتسلّح نفسه والوعي نفسه. وهذا غير متوفّر في ما حدث بين المروّض والثور. فالثور يجبر على خوض صراع لم يكن قد اختار خوضه. ومن التطرّف أنّه لا يمكن أن ينتهي إلاّ على نتيجة واحدة تتمثّل في سلبه حياته في كلّ الأحوال. فهو خاسرٌ خاسرْ.. مقتولٌ مقتولْ مهما اجتهد وقاوم، ومهما كابد وصبر.

بهذا المعنى تفقد كلمة “نزال” معناها. وتصبح قاصرة عن التعبير عن الحدث الذي ينقله الراوي. ويصبح من الأكيد تسمية الأشياء بأسمائها دون مجاز. فلا نزال هناك. وإنّما هي، بوضوحٍ جارحٍ، جريمةُ قتل تحدث أمام السلطة والجماهير وبإذن منهم جميعا ومباركة وتهليل. إنّها جريمة يمارسها الكائن الكاسي لا للتسلية فقط، بل إنّها تمثّل مصدر ثروة عظيمة تضمن له حياة باذخة مرفّهة في حضارة المدينة. أمّا الثور، الكائن العاري، فإنّه لا يفهم لماذا يموت!!؟ إنّها قمّة العبث أن يفقد حياته فقط لتتسلّى الكائنات الكاسية وتطرب وتشبع صبوتها الشديدة للدماء.

وما يعزّز هذا التأويل ما حدّث به راوي القصّة من أنّ الثور لمّا أُثخن بالجراح وتحالف عليه الفرسان، وحانت لحظة الإجهاز عليه تحت هتاف الجماهير العطشى للدماء وهرجها وانتشائها، تذكّر أنّه كان له فيما خلا عقل قبل أن يمسخ ثورا عقابا له لأمر أتاه. ونظر إلى المروّض نظرة إنسانيّة. فشُلّت يد المروّض وأمسك عن قتله. بل إنّه أصيب بتحوّل عاصف هزّ كيانه. فقد تنازل عن ثروته الضخمة كلّها التي جمعها من القتل مقابل حياة الثور. ودعا الثورُ المروّضَ إلى الجبل. فقبل الدعوة. ومضيا يتحدّثان.

هذه القصّة القصيرة قصّة رمزيّة مكثّفة وفاتنة. فهي، على قصرها، تفضح خيبات الكائن الكاسي في حضارة المدينة. فقد ضلّ. وتاهت عنه سبل إنسانيّته داخل فضاءاته الاجتماعيّة المتلألئة أنوارا صناعيّة خادعة متوّهة. وتيه ذاته عنه دفعه إلى ممارسة القتل هوايةً وتسلية. ولذلك كان من الحتميّ أن يعود الكائن العاري عودة مسيحيّة لانتشال الكائن الكاسي من الضلال والتيه والجريمة.

إنّ رمزيّة هذه القصّة، حين تبوح بأسرارها وخباياها، تكشف عن شواهد على خيبات الكائن الكاسي في حضارة المدينة. فالمدينة الإسبانيّة يمكن أن تكون أيّ مدينة سواها في أيّ بقعة من العالم. فالجريمة وهدر الدم البشريّ حدث يوميّ تشهده المدن كلّها بأحيائها المرفّهة والفقيرة. يكفي أن نقرأ صفحة الحوادث في الصحف السيّارة لنتأكّد من أنّ هذا الكائن الكاسي قد ضلّ وتاهت عنه إنسانيّته. فكم من امرأة سُلبت في وسيلة نقل عموميّة أو في وسط شارع أمام أعين المارّة والعابرين اللامبالية! وكم من امرأة تداولت على اغتصابها كائنات كاسية ذوات لعاب سائل تقدح أعينها شررا! وكم من كائن كاسٍ طُعن أو هُشّمت جمجمته من قبل كائن كاس آخر بسبب خلاف على أجمل هدف في منافسات كرة القدم! وكم من شابّة خصبة قُتلت بتهمة استراق النظر إلى عابر سبيل! وكم من كائن كاس مات جوعا أو بردا أو بحمّى عابرة، وهو مفرَد متكوّر على آلامه مقرفص على شاهدة قبر، أو في خربة مهجورة، أو في جحر من جحور قطارات الأنفاق! كم..! وكم..!

قصّة البشير خريّف “المروّض والثور” هذه، تكشف بصدق جارح أنّ الكائن العاري ليس هو المتوحّش. فهو، على الأقلّ، لم يقتل للتسلية واللعب، بل للضرورة والبقاء. وإنّما المتوحّش بامتياز هو الكائن الكاسي المتهندم بربطة العنق المبتسم لكاميرات التصوير في براءة الحملان. وقد وجب ترويضه وتطهيره. وهو ما فعله الكائن العاري بالذي كان يُعتقد أنّه مروِّض (بكسر الواو). فلقد أوقفه عن القتل. فصيّره مروَّضا (بفتح الواو). وأخَذه إلى الجبل، رمزِ النشأة الأولى، من أجل أحد احتماليْن؛ فإمّا أن يغسله من جرائمه ويعالجه من صبوته للدماء ويعيده إلى مدينته، وإمّا أن يفعل ذلك دون أن يعيده إلى اجتماعه المدينيّ، بل ليساعده على تغيير الصيرورة بالبحث عن رحلة وجوديّة أخرى يقطعها غير رحلة حضارة المدينة والاجتماع.

فماذا عساها تكون هذه الرحلة الأخرى؟ ولماذا لم يفكّر فيها العقل البشريّ؟ لماذا قصر العقل تفكيره على الذي كان؟ لماذا لم يفكّر في ما كان يمكن أن يكون ولم يكن؟ لماذا لم يفكّر العقل في مستقبل الكائن العاري لو تجنّب محنة الكساء؟ ماذا لو اختار البقاء على عريه؟ هل كان سيحتاج إلى الموضة والفيلات الفاخرة والفضاءات التجاريّة الكبرى وتسمين الدواجن بكيمياويّات من لحم فراخها؟ هل سيكون محتاجا إلى الشركات المتعدّدة الجنسيّات التي تنتج الوباء القاتل وتنشره وتتمهّل في ترويج المصل؟ هل كان سيكون فريسة ساذجة لجشع رأس المال؟ ماذا لو اختار المقام في أعماق المحيط مع الحوت؟ ماذا لو لم يبلغ أنشتاين أرض الهنود؟ ماذا لو اختلف سايكس مع بيكو على المفاضلة بين المارتيني والويسكي؟ ماذا لو وجد مطاريد البلدان أرض كنعان محروسة؟ ماذا لو اختارت جيوش الرافدين الدفاع عن بيروت 82؟ ماذا لو …؟ ماذا لو …؟

«مائدة الشواء الآدميّ»:

إنّ كفاءة الأدب الأنثروبولوجيّة التي قامت قصّة البشير خريّف “المروّض والثور” دليلا عليها، ستتأكّد وتبين أهميّتها بالنظر في نموذج شعريّ. فليست الصورة التي يرسمها الشعر للكائن الكاسي أقلّ قتامة من صورته في القصّة القصيرة. فرؤيا الشاعر محمود درويش تصدم قارئها بهذا المشهد المروّع:

“يوم الثلاثاء.. الخميس.. الأربعاء وتأبّطوا تسعين جيتارا وغنّوا حول مائدة الشواء الآدميّ “(2)

من المتعارف عليه بين ثقافات الكائنات الكاسية أنّ موسوعات الحضارة لم تحدّث عمّا يشير إلى أنّ الكائن العاري قد أكل نوعَه نيّئا، ولا حتى مشويّا، في كهف البداية الأولى. يمكن أن يكون قد قتله ليأخذ طعامه أو لينكح أنثاه أو ليستولي على كهفه، لكنّه أبدا لم يفعل ذلك ليأكله. ولم يكشف علم التشريح ولا علم الأجناس ولا الأنثروبولوجيا عن أيّ نزوع لدى الكائن العاري لأكل نوعه. ويشترك الكائن الإنسان العاري مع كلّ الكائنات العارية الأخرى من حيوان وطير وحوت وحشرات وزواحف في تعفّفها عن أكل أنواعها أو حتى عن اشتهاء أكلها. فالنسر لا يأكل النسر. والأسد لا يأكل الأسد. وسمكة القرش لا تأكل سمكة القرش. والتمساح لا يأكل تمساحا. والإنسان لا يأكل الإنسان حتى للبقاء.

لكنّ هذا الحدث الذي ترصده الرؤيا الشعريّة الدرويشيّة يحتاج إلى كثير من التأنّي في التفكيك والتأويل لأنّه يكشف ما حجبته الموسوعات والمعارف والثقافات الإنسانيّة من أنّ الكائن الكاسي، ابنَ الحضارة وسليلَ الكائن العاري، يطرب لأكل نوعه. ويعِدّ لذلك الحفلات والولائم. فهو حدث يؤدّي التأمّل فيه إلى إدراك خيبات الكائن الكاسي المزهوّ بربطة العنق المبتسم أمام كاميرات التصوير في براءة الظباء.

هذا المشهد يتركّب من أسطر ثلاثة تحيل على عناصر ثلاثة هي: الزمن الميقاتيّ/ العزف والغناء/ وليمة الشواء. وهي عناصر مختلفة المرجع والمعجم والدلالة. السطر الأوّل يتكوّن من أسماء ثلاث وحدات لقياس الزمن الميقاتيّ (الثلاثاء/ الخميس/ الأربعاء). وقد ورد ترتيبها مشوّشا على غير ما هو مألوف في الذهن البشريّ. وهذا التشويش دليل على فوضى عارمة عمّت الوجود لحظة رصد الحدث تكشف عن تعطّل صيرورة زمن الحضارة، الحضارةِ محلِّ فخرِ الكائن الكاسي وازدهائه. إنّ ما رصدته الرؤيا الشعريّة فظيع إلى حدٍّ بلبلت فظاعتُه صيرورة الزمن! والزمن مفهوم مجرّد وضعه الكائن الكاسي. ووضع له وحدات لقياسه وقياس خيباته تحت الشمس. ومفاهيم الزمن محاولات معذّبة من الكائن الكاسي لِلَجم الطبيعة وحصر جموحها.

والسطر الثاني جملتان فعليّتان مسندٌ الفعل في كليهما إلى فاعل غير مذكور بالاسم وإنّما بضمير الجمع المذكّر الغائب (هُم). وسنعود لاحقا إلى دلالات عمليّة الإسناد هذه. الجملة الأولى اكتملت في سطرها الثاني. والثانية تركت ظرفها في السطر الثالث. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ تقسيم الكلام على الأسطر الشعريّة يخضع تماما لاختيارات الشاعر ورؤاه الإيقاعيّة والدلاليّة لا لإكراهات الصفحة أو ما شابه ذلك. وهذا يعني أنّ تأخير الظرف لِيُفرد في السطر الثالث طافح بالدلالة. ويعني، أيضا، أنّ التفاوت في مدى الأسطر، وفي أنواع الجمل أو المركّبات، التي يحتوي عليها كلّ منها مادّة مفيدة للقراءة والتحليل والتأويل، في سبيل كشف خيبات الكائن الكاسي. ومحتوى السطر الثالث هو، كما لاحظنا، ظرف لجملة السطر الثاني الفعليّة الثانية.

يرصد السطر الثاني حدثين أسندا إلى ضمير الجمع المذكّر الغائب، هما العزف والغناء. والفنّ هو أرقى فعل مارسه الكائن الكاسي وأقدره على محاورة الطبيعة لمحاولة إدراك أسرارها وقوانينها. إنّه مساءلة عاتية لأسرار الخلود بممارسة فعل الخلق الخارق، كما حدّثتنا الأساطير (أسطورة النحّات بيچماليون الإغريقيّة، مثلا). وهو بحث قاس عن سبل تجاوز حدود الفناء المصير الحتميّ الذي أوجع الكائن الكاسي. وكان الكائن العاري معفى من التعرّض لفداحة الإحساس به بحكم تأخّر ظهور الوعي الفنيّ إلى عصر الكساء. إنّ محتوى السطر الثاني من هذا المشهد الشعريّ قد يحمل القارئ على افتراض تأويل إيجابيّ لهذه البلبلة ـ التي طرأت على صيرورة الزمن ـ يتمثّل في كون الفنّان قد يفقد الإحساس بالزمن الميقاتيّ حين يعانق فنّه زمن الديمومة والبقاء.

لكنّ هذا الاحتمال سرعان ما يتبدّد بالنظر في ظرف الجملة الثانية محتوى السطر الثالث. فحدثا العزف والغناء، علامة احتفال الكائنات الكاسية، لم يتمّا إلاّ بوجود وليمة شواء للحم الآدميّ. وهنا تكمن المفارقة المروّعة التي تنتج شيئا لم تقع تسميته بعد. فهذا الكائن الفنّان، الذي يمارس فعل الفنّ الراقي الذي يعدّ السبيل الأمجد الذي سلكه الإنسان لاسترداد إنسانيّته رهينةِ رأس المال وتاريخِ الاستبداد الطويل، هذا الكائن نفسه يتلذّذ بأكل نوعه! إنّ الجدّ الأوّل، الكائنَ العاري، لم يأكل نوعه كما لاحظنا. وهذا الكائن الكاسي الذي اكتشف الفنّ وتوغّل في جماليّاته يفعل ذلك! فمن أيّ نسل جاءنا هذا الكائن الكاسي؟ لا يمكن أن يكون قد انحدر من نسل جدّه العاري لاختلاف في الغريزة. ولا يمكن أن يكون من نفس الجنس الذي انحدر منه أطفال هيروشيما وبيروت وغزّة وبغداد.

لكنّ قراءة الأبعاد المعجميّة للفظيْ “مائدة” و”الشواء”، ولدلالة الجمع في الضمير الذي أسند إليه حدثا المشهد، قد تكون مفيدة في رحلة الكشف عن خيبات الكائن الكاسي. فالمائدة شكل احتفاليّ بالطعام لم يفقه الكائن العاري كنهه. ولم يعرفه إلاّ الكائن الكاسي. ومن شروطها الالتقاء جماعةً. والشواء نمط من الطعام لا يتحقّق إلاّ بوجود النار رمزِ الخروج من البدائيّة إلى الحضارة. ولكنّ حدث الشواء لا يحدث في الغالب إلاّ خارج الجدران وبين أحضان الطبيعة. وهو ما يشدّ هذا الحدث بحبال سريّة إلى مشهد الكائن العاري وهو ذاهل أمام اكتشاف النار. والشواء هو أوّل طعام غير نيّئ تناوله الكائن العاري. ولكنّه شواء للحم بني جنسه. أمّا ضمير الجمع فهو دليل على أنّ الكائن الكاسي قد خرج من العزلة والبدائيّة وبرد الكهوف إلى الاجتماع والمدنيّة. ولكنّها مدنيّة التلذّذ بأكل لحم البشر مشويّا.

لقد عمِل الأدب عمَل الأنثروبولوجيا وكشف حقيقة الكائن الذي نجهله لشدّة علمنا به. والفرق بين الأدب والأنثروبولوجيا هو أنّ هذه الأخيرة تعمل في الكهوف والغابات والمناطق الأثريّة والأماكن القصيّة أين يمكن أن توجد آثار الكائنات العارية. أمّا الأدب فإنّه يعمل بين الكائنات الكاسية. ولم يبتعد عنها. إنّ مجال عمله هو المكان الذي توجد فيه. وهو المدينة. والكائن الذي كشف الأدب حقيقته ليس كائنا بدائيّا ولا متوحّشا. ولا هو كائن مختف في بطون الكهوف. ولا هو متحضّر أيضا. ولكنّه يقيم على سطح الأرض وتحت الشمس مزهوّا بربطة عنقه مبتسما أمام كاميرات التصوير بين جدرانه المبلّطة التي كاد أن يفني نسله في إعلائها لتحميته من الطبيعة التي تخيفه وتؤهل نومه بالكوابيس.

لقد نظر الأدب فيما يراه الجميع. ولكنّه اكتشف ما لم يكتشفوه؛ اكتشف كائنا هجينا يتلذّذ بأكل نوعه وإبادة نسله يمرح في المدينة والناس عنه غافلون. فلا هو فنّان ابن الحضارة. ولا هو بدائيّ من نسل الكائن العاري. ﻓ “مِن أيّ غاب جاء هذا اللّيل؟ من أيّ الكهوف؟ من أيّ وجر للذئاب”(3) جاءنا هذا الكائن؟ وماذا نسمّيه؟

لقد حدّد الأدب صفاته. وكشف خيباته. وبقي على المعجميّين أن يجدوا له الإسم. ولو افترضنا أنّه هو الكائن نفسه سليل الكائن العاري المنحدر من الجنس نفسه الذي انحدر منه أطفال المحارق، فلا بدّ للأنثروبولوجيّين من الانتباه إلى ما طرأ عليه من تحوّلات خطيرة في الغريزة. والأخطر فيها أنّ هذا الكائن حافظ على الخِلقة نفسها وعلى الشكل نفسه. وبدّل غرائزه الأمر الذي ألحقه بجنس مصّاصي الدماء وآكلي لحوم البشر مشويّة، وهو في كامل أناقته متهندما بربطة العنق مبتسما لكاميرات التصوير في وداعة الحمام.

الشواهد:

(1) البشير خريّف: مشموم الفلّ، الدار التونسيّة للنشر، ط2، 1971، ص 92 ¬ 95.

(2) محمود درويش: قصيدة بيروت، ضمن الأعمال الكاملة الأولى (ثلاثة مجلّدات)، المجلّد الثاني، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، يناير 2009، ص 526.

(3) بدر شاكر السيّاب: قصيدة “المومس العمياء”، ضمن الديوان ، المجلّد الثاني، دار العودة، بيروت، 2005، ص 142.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий