Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > كلود ليفي ستروس: طوطم لم يزل مشعاً لـ: د. محمد نعمة

كلود ليفي ستروس: طوطم لم يزل مشعاً لـ: د. محمد نعمة

منذ سردية غلغامش السومرية والمنقوشة على ألواح الطين إلى الرسائل الالكترونية ( اس م اس) للرجل ‘الرقمي’، لم نشهد أي قرن من حقبة الخمسة آلاف سنة هذه، يضاهي القرن العشرين من حيث عمق التحولات الجذرية التي أصابت الإنسان وبيئته في لعبة السيطرة القاتلة، ومن حيث سعة التغيرات العلائقية بين الذات والآخر في لعبة الانعزال ـ الصهر، والنبذ ـ الذوبان، وأيضا من حيث الثورات المعرفية وتداعياتها البناءة والهدامة على السواء. رجل واحد بعينه قد شهد هذا القرن برمته، وقد أثر وتأثر به. انه كلود ليفي ستروس الذي فتح عينيه عام 1908 ليغمضهما بعد رحيل قرنه بعقد أي منذ بضعة أيام. إن هذا المفكر والقرن العشرين قد تفاعلا سويا وبصمت، فآثار وتأثير كل منهما على الآخر ليسا بحاجة لبراهين. فغزارة أضواء الشهرة والمكانة التي طاردته لم تهز مراقبته الهادئة لعالم القرن العشرين هذا، وسلاسته المعهودة في تفاعله مع هذا العالم لم تأبه إلى الضجيج المديد لذاك التصفيق لأوسمته المتراكمة على صدره. وذلك ربما لأنه قد تطعم قبلا من سلاسة وهدوء رجال الأمازون والغابات الاستوائية، ميدان فكره وتصوره للعالم.

نعم، ونقولها بشكل قطعي ليست ثمة دراسة جدية أو أطروحة في علوم الإنسان لم تتأثر أو على الأقل لم تتطرق من قريب أو من بعيد إلى فكر ليفي ستروس. انه من العلماء النادرين الذين استطاعوا الذوبان الكلي والتحول إلى ‘جزئية بنيوية’ من مياه العلوم بتفرعاتها والتي لا بد أن يرتوي منها دارسو الإنسان. إن تأثير ليفي ستروس على الانتروبولوجيا والاتنولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وحتى الفلسفة لهو كبير. هذا ولو أن فكره كان ولا يزال عرضة للنقد وللنقض. هنا لن نقف في عجالتنا المقتضبة هذه على ما يعتري فكر ليفي ستروس من بعض التعثرات والندوب، كالغرق في علموية فاقعة والناتجة عن تأثر معلن بمدرسة علم الاجتماع الفرنسي من اوغوست كونت إلى إميل دوركايم، وذلك عبر جعل ‘الحالة’ الإنسانية عبارة عن محض ‘حيز موضوعي’، خاضع للتشريح الموضعي والجزئي وللتمحيص الرياضي والحسابي، أو كعدم اكتراثه لتاريخ التفاعل الإنساني عموما مع ثقافة معينة في زمان ومكان محددين، فإذ به يضع تركيزه بمجمله على ‘بنية’ المحيط الاجتماعي للفرد والجماعة وعلى ‘أسسو’نظم’ الثقافة كظاهرة مستقلة عن التاريخ، ومنسلخة أيضا عن أية أرضية أو معطى سياسي.

بالإضافة إلى ذلك إن أهمية ليفي ستروس ليست كما تراها بعض الدوائر الثقافية الغربية، كونه قد غير نظرتنا إلى الشعوب التي تسمى بالبدائية إن في أفريقيا أو أميركا الاستوائية ومن حيث انه قد نزع عنها بدائيتها المفترضة من قبل عقلانية الغرب ولردح من الزمن.
وبالتالي قد استحق كل هذا الثناء والاعتراف. فمن وجهة نظرنا، إن أهمية ليفي ستروس تتعدى بكثير هذا المعطى المعرفي لكي تصيب فلذة العقل الحداثي نفسه، فمن حيث أن التصنيف البائد والهرمي للشعوب والاتنيات والثقافات قد كان محط دحضه المعرفي، وشكه بخلفية الطرح هذا الإيديولوجية والتي كانت ذات نزعة داروينية ـ اجتماعية قائمة أساسا على عقيدة التفوق بين الثقافات، وهذا ما أعلنه منذ أكثر من خمسة وخمسين عاما، عندما قال بان: ‘البربري ( الهمجي حسب مخيلتنا العربية) هو قبل كل شيء الإنسان الذي يعتقد بالبربرية ( الهمجية)’.

إن القيمة المضافة الأخرى لليفي ستروس هي في كونه قد فكك وهدم بتؤدة نظرية الهرم الثقافي للتاريخ بصيغتيه الماركسية والسارترية، والتي اعتبرت الثقافات البدائية كمخلفات ماض دون ‘تقدم’ أو دون ‘حرية’ مقابل الحاضرالمتقدم’ أو ‘الحر’ بصيغته الأمينة للأنوية الغربية. وما كل هذا الإطراء الحالي والمعمم للتعددية الثقافية وأهميتها إلا صدى مجتزأ ومتأخر لهذه المقاربة المنهجية والجريئة لليفي ستروس، وخاصة عندما يحدد بوضوح بان ‘ثمة ثقافات كثيرة وأعراقاً اقل، فالأولى هي بالمئات أما الثانية فهي بالآحاد‘. وبالتالي فكل عرق واحد يخترقه العديد من الثقافات المتباينة والمختلفة فيما بينها. لذا وبحسب قراءاته الميدانية، فالمجتمعات الإنسانية لم تكن أبدا منقطعة عن بعضها بعـضاً، وحتى في حالات التباعد الجغرافي أو البيئي أو العرقي فهي كانت عمليا وفعليا في حالة تعايش وتفاعل على الأقلّ عبر الرغبات الذاتية لدى كل جماعة بالتمايز والاختلاف مع الآخر الشبيه والمختلف. وبالتالي بحسب ليفي ستروس فان التعددية الثقافية هي اقل منها وظيفة انعزال تلجأ إليها الجماعات على كونها روابط لتقاطعاتها الوجودية.

من هنا يمكننا أن نستشف الدفين الفلسفي لليفي ستروس، باعتبار انه لم يكتشف مكانة وأهمية الغيرية لدى الذات، لكنه قد وجد ذاته مبنية جوهريا وتطبيقيا من خلال تلك الغيرية. إذن إن فرادته ليست هي بما أضافه للعلوم الإنسانية وهذا قد يكون هامشيا بالنسبة لما قدمه الآخرون ممن سبقوه، إلا أن ما قدمه هو بالتحديد هذا النفث الفلسفي الساعي دوما لإدخال الذات والآخر في غيرية محدّدة للطرفين، وبالتالي فان إنسانية الآخر كإنسانية الذات ليست في اختلافها وإنما بحضورها رغما عن هذا الاختلاف.

استنادا لهذه الخلفية الفلسفية يمكننا أن نستوعب قيمة حسه المعرفي وتجرده التجريبي، عندما يؤكد لصحيفة ‘الموند’ الفرنسية في صيف 1962 أن القيمة الأساسية للباحث في قضايا الذات ـ الآخر هي بالتحديد من خلال: ‘إعطاء الإنسان مرآة متعددة الأوجه بحيث يتعلم الوجه الحقيقي لمعتقداته هو وقواعدها والتي لم يتركها إلا مشوهة بسبب تربيته وأحكامه المسبقة، إلا أننا نحن أيضا نملك أساطيرنا الخاصة بنا والتي نتنكر لكينونتها كما هي‘.

خارج هذا الغنى في شخصية المفكر ورهافة تصوره للعالم، لا يمكننا استقراء محصوله العلمي سواء من حيث خياره الابستمولوجي أو أبعاده المنهجية أو التجريبية. هنا يمكننا فهم وتفهم تقدم ليفي ستروس بقوته الناعمة على دك قلعة ‘الوعي الظواهري’ لدى موريس مارلوـ بونتي وخنادق ‘الكينونة بذاتها أو في ذاتها’ لدى جان ـ بول سارتر وكسر تلك ‘الحرية الواعية المتصاعدة’ وعلى حطامها قد نصب هو رايات البنيوية والتي تنادي ‘بالنظم التحتية’ أو بالرموز العابرة’ و’الكود’ المتعددة وعلاقتها فيما بينها.
فإذا كان صحيحا، أولاً، بان الأب الروحي للبنيوية هو الأديب واللغوي السويسري فردينان دو سوسور، وفكرته التي تعتبر لبنة البنيوية الأولى: ‘اللغة كونها بنية’، وثانيا، بان وهج البنيوية وشعاعها قد أنجزه مفكرون كأمثال الطبيب والمحلل النفسي جاك لاكان، وبتعبيره الشهير: ‘اللاوعي كونه بنية’، والفيلسوف الذائع الصيت ميشال فوكو وأعماله الضخمة في حفريات المعرفة و’الكلمات والأشياء’، إلا أن ليفي ستروس يعتبر بحق الأب الطبيعي لها، وذلك بنجاحه في إعادة هيكلة الانتروبولوجيا والاتنولوجيا وحقنها ببنيوية مضادة لمظاهر الترهل الثقافوي الامريكي أو الدارويني التطوري، وبعد أن أزاح من دربها الوجودية والظواهرية معاً.

إن الورشة الفكرية التي قام بها ليفي ستروس عملت على عدة مستويات بالوقت نفسه، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
ـ أولاً، شغفه في تطبيق منطق العلم الطبيعي على الانتروبولوجيا والاتنولوجيا ووضعهما نهائيا على سكة بنيوية تبحث عن البنى الاجتماعية والثقافية كمولدة وكناتجة للتمايزات والتقاطعات الاتنية، فإذ به يضعنا جميعا أمام ‘بنية ‘ زنى المحارم كونه، أولا، معلم أولي للتشابه بين الجماعات، والذي يكرس خروج الإنسان من دائرة الطبيعة والبيولوجيا العمياء، ودخوله في دائرة الثقافة والحلال ‘الائتلافي’. ثانيا، كونه معلم أولي أيضا للتمايزات والاختلافات داخل الجماعة نفسها وذلك عبر ‘أنظمة’ التزاوج المسموح به والتزاوج الممنوع.

ـ ثانيا، هاجسه في البحث الدائم وبنفس الوقت عن ‘بنى الأسطورة’ والعمل على استخراج معاني ترميزات تفاصيلها، والتي تعتبر بنظره ذات قوانين خاصة وذات منطق’ محدد لا تعرف الصدفة، ولأن هذه المعاني كانت تصب جميعها وبالنسبة اليه، في نقطة مركزية من الغاية الأسطورية وهو السعي الإنساني الدائم للانتقال من الطبيعي إلى الثقافي.
و ما السرديات الأسطورية عن ‘الطهي والنيئ’ والتي تابعها عن كثب عند إنسان الغابات الاستوائية إلا التعبير الفذ عن ميل الإنسان الدائم في التمايز عن الطبيعة وأيضا في التحكم بها. هنا الطهي كمثال تجريبي وترميزي يجسد عملية تسريع وتحويل لعوامل الطبيعة وضرورة صيرورتها، وذلك من اجل خدمة الإنسان. فمن خلال قراءته للأسطورة وللطهي لدى ‘الإنسان البري’ وجد ليفي ستروس ثمة ضرورة حياتية لحماية الإنسان من خطرين اثنين: خطر سيطرة الطبيعة وتبدلاتها القاسية على الإنسان في يومياته وغده، وخطر سيطرة الثقافة بانسلاخها القطعي والحاد مع الطبيعة ـ الام (العمى والجشع التكنولوجيان). انهما بنظره خطران يجلبان المآسي والمجاعات للبشر. مع هذه القراءة لأسطورة الإنسان البري، كان ليفي ستروس من أوائل المفكرين المعاصرين المهتمين بالبيئة، والداعين إلى ضرورة إيجاد علاقة مواءمة وملاءمة بين متطلبات كل من الطبيعة والإنسان. إن خلاصة قراءته لبنية الأسطورة أدت به إلى كشف كنه نظرة الإنسان البري إلى العالم، نظرة ملؤها التوازن والانسجام والحكمة.

مع هذا الاكتشاف الستروسي، يمكننا التأكيد على انه يكفي لهذا المفكر الإقرار للآخر المختلف والمشكوك بقدراته وبغنى وجوده، ليس فقط بالمعارف المميزة التي لديه، وأيضا الإقرار له بصفاء عناصره الوجودية رغم تعداد مساربها وتعرجاتها، وبسكينة وسلاسة طبيعته رغم شح محيطه وقسوة بيئته.
إن هذه الخلاصة التي توصل إليها هذا المفكر السلس والهادئ، ليست بعيدة عنه وعن حيوية وعمق تاريخه الفكري وهو الذي قال منذ ما يزيد عن نصف قرن بان: ‘غربنة’ الحياة اليومية والتي تجتاح العالم ليست خيارا تلقائيا وحرا للشعوب الأخرى وإنما قد نتجت عن غياب خيارات أخرى لدى هذه الشعوب.
مدير مجلة ‘مدارات غربية’ – باريس

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий