Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > كلود ليفي شتراوس منقِّب أو عالم آثار الثقافة

كلود ليفي شتراوس منقِّب أو عالم آثار الثقافة

ليفي ستروسربى سابا حبيب

مكالمة هاتفية قررت مصير الرجل، تلقى دعوة للمشاركة في بعثة جامعية من بوغليه، إلى البرازيل. قبلَ، وبدأت المهمة أو الدعوة الإنتروبولوجية التي غيرت مجرى حياة كلود ليفي شتراوس ومعها غيَّرت نوعية تفكير القرن العشرين

كان مؤلفه «مدارات حزينة» عام 1955 محطة أساسية كرست هذا العالم محللاً للحضارات والثقافات الآيلة إلى الانقراض، وشاهدا على عصره. سافر، راقبَ، شاركَ، حلَّل، اختبرَ وكتبَ برهافة الشاعر ورصانة العالم. ولم يهمل أهمية الأحاسيس الإنسانية المتفوقة وهو يصف تقاليد وحضارات الشعوب. طبعَ شتراوس القرن العشرين بواسطة اكتشافات المجتمعات البدائية وتفكيك الأساطير، وهو يعتبر آخر البنيويين والإنتروبولوجيين في زمن ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.

موقع شتراوس

قاوم الفكر الفرنسي المفعم بفلسفة لغة متشعبة من مدرسة القواعد العامة في بور رويال port-royal، طويلاً التيار الجديد المتمثل بعلماء اللغة أو علماء فقه اللغة. وظلّت الثقافة الفرنسية على هامش ما جاء به فردينان دو سوسور، فجرت القرن التاسع عشر دون أن تلتفت إلى الألسنية والبنيوية الحديثة. حتى أتى مقال كلود ليفي شتراوس الشهير سنة 1945 وعنوانهُ «التحليل البنيوي في اللغة والإنتروبولوجيا» ليولّد مناخًا من الانتباه العلمي حيث تجد الألسنية حيّزًا مهما.

يذكر «جان ماري أوزياس» في مقدمتهِ المعروفة عن البنيوية كيفَ أن «غريماس» يختار أسطورة آل بورورو bororo، في مقال يهديه إلى شتراوس. هذه الأسطورة خدمت العالم في الطازج والمطهو، وجعلتهُ يعطي المكونات التالية في توصيف الأسطورة

– الهيكل la structure
– الرمز: le code
– الرسالة: le message

في عملية فهم رواية أو حكاية أو قصة الأسطورة تساءل كيف تقوم هذه المكونات في إطار نظرية علم المعاني la sémantique. من ثمّ أبحر في تكوين الأسطورة في «الفكر المتوحش» حيث عثر على البدايات منذ العام 1962، التي أعطاها صفة الطبيعي، وهكذا انقلب على الفلسفة الاجتماعية السابقة التقليدية السائدة عبر قرون من دراسة عالم الأساطير. وأبرز إرث يتركهُ شتراوس هو عملية تأسيس تقوم بها الميثولوجيا، في الفكر المتوحش.. بهذا النتاج انتقلَ من دور المفكر إلى دور عالم يقوم عمله على التجربة والاختبار في «ميدان corpus» حياة المجتمعات ضد الأوهام وتمجيدها.

الإضافة: كي نفهم الإضافة الفلسفية التي ندين بها لشتراوس علينا تحديد المفاهيم التالية. الثقافة – العرق والذهنية عند علماء الاجتماع الذين سبقوه. فهو تساءل: هل البدائي هو الأول، ورفضَ مسألة الأصل origine وكانت المجتمعات غير الأوربية تخضع للمعادلة التالية وفق علماء السوسيولوجيا.

بدائي=طبيعي=غرائزي=عنيف، فلا فكر عند هذه الشعوب ولا اختراع ولا خلق، بل عوالم سحر لا تفرق بين الدين والشعوذة.

حين جاء شتراوس اختزلَ فعل السحر عند البدائي بمفهوم المانا mana أي فكرة الروح في الأشياء.

عاش كلود ليفي شتراوس بين مجموعة سكانية بهدف درسها وهي النبيكارا في البرازيل الوسطى.

تبرز هذه الدراسة في المدارات الحزينة tristes tropiques، طموحهُ أن يقدم دراسة سوسيولوجية مقارنة في تقديمه مدخلاً للنظرية العامة في الأنظمة الأسرية وبمعرفة تحظير سفاح القربى inceste.

يشكّل إمكانية تكوين كل مجتمع. لأن هذا المنع يعد من الثوابت الموجودة في الطبيعة وفي الثقافة. كي تحترم وتطبق هذه الممنوعات، هناك الحلول التي تعين التبادل الأمومي matrimonial الذي هو في النهاية جسر العبور بين الحدث الطبيعي والحدث الثقافي داخل الرباط الأسري. الأمثلة عديدة:

منها تقديم النساء في مجموعة ما إلى رجال قبيلة أخرى والعكس صحيح أي بحدوث التبادل. وهكذا يصبح التبادل المعمم قاعدة التبادل في جملة براهين عالم الإنتروبولوجيا.

يورد شتراوس أفكاره على مستويين:

الأول: موجز نظري وتحليلي لميدان القربى عبر عملية تبادل النساء هذه ضمن مجموعات معينة كي تنشأ وتستمر المجتمعات والجنس البشري.

الثاني: أكثر طموحًا، إذ إنه يقترح منهجية جديدة مستقاة من علم الفونولوجيا البنيوية ومن علم التحليل النفسي. بواسطتها يفسّر الآليات الرمزية ومن بعدها الآليات الاجتماعية. خلاصة نظرية التبادل والتواصل تدعونا إلى دراسة الإشارات.

(النساء كما الممتلكات تخضع للتبادل والمقايضة، وتسمح بتأليف منظم كي تبني لا شعوريًّا العلاقات الاجتماعية إن على مستوى الدين وإن على المستوى الاقتصادي والعائلي..).

اقتنع كلود ليفي شتراوس بأن الإنتروبولوج هو عالم فضاء العلوم الاجتماعية وعليه أن يكتشف معنى للتنظيمات المختلفة حسب درجة عظمتها أو بعدها أو قربها من المراقب.

نظريته هذه الشهيرة لها عنوان: «الإنتربولوجيا البنيوية».

من أين أتى بكل هذه المفاهيم؟؟

لا شيء يأتي من عدم، فالألسنية البنيوية عند رومان جاكوبسون (صديق شتراوس) انطلقت من النظرية السوسورية Saussure التي تعتمد الرمز كمكون أول للوحدة في اللغة. لأن اللغة لا تتكون من كلمات تتولد ككيان لتعطي الجملة بل من رموز. لهذا الكيان طابع الازدواج: فهو يتضمن ظاهرة حسيّة: الصوت أو الدال، وظاهرة عقلية: المعنى أو المدلول.

حينئذٍ لا وجود مستقلا للرمز الذي يبقى قابلاً للتغيير. الأمر الوحيد الذي يثبت الرمز ويعطيه معنى هو العلاقة Rapport بين الصوت والمعنى أي بين الدال والمدلول. الرمز لا يردنا إلى شيء، لأنّهُ ليس في ظهورهِ بل في قيمته. تلكَ التي تكمن في كونه الرابط أو العلاقة بين الدال والمدلول.

لذا برأي جاكسون، ما يُدرس في اللغة هو مجموعة العلاقات الداخلية للرمز والعلاقات داخل الرموز.

فالرمز عند سوسور لا معنى لهُ، هو نسبي ولا وجود لمعنى لهُ إلاّ إذا حدَثَت علاقة بين الدال والمدلول. وبين الرموز علاقة تعارض وتمايز. تعريف مماثل للرمز يستوجب تعريف اللغة كنظام.

في الولايات المتحدة الأميركية تعرف كلود ليفي شتراوس على جاكوبسون وغدا بطريقة واعية بنيويًّا.

الثقافة الموسيقية والأدبية

إضافةً إلى صداقتهِ الوطيدة مع رومان جاكوبسون كان لليفي شتراوس انتماء فعلي مع الثقافة الموسيقية والأدبية مع فاغنر ومع الشعر بودلير وأندريه بروتون. في مرحلة الصبا. كما أن تأثير الأب والأعمام والرسامين. وفي طفولتهِ كان مقمشًا أي يجمع كل شيء لهُ صلة بالثقافة. مهارتهُ الحرفية مهمة في اتجاهه الانتروبولوجي – طفولته ومراهقته في فرساي، ثم انتقلَ مع أهلهِ إلى مدن البحر المتوسط حيث اكتشف الصبي المراهق طبيعة أخرى غريبة عن منطقة فرنسا الشمالية. حيث اكتشفَ نباتات جديدة، أشجارًا جديدة ومناظر مختلفة تمكن من التحاور معها. درسَ القانون والفلسفة حيث اكتشف فرويد وماركس. الانتولوجيا قادتهُ إلى البرازيل ومن ثمّ إلى الولايات المتحدة سنة 1940. لم يجرؤ العلماء قبل شتراوس على التوغل في كشف التركيبات الكامنة في الثقافة. بواسطة طرائق وأساليب مختلفة حاول وكشفَ وفهمَ هذه الآلة المرمزة الجامعة لمخططات الحياة الانسانية، والعائلة والمعتقدات الدينية وحتى أنه توصَّل إلى الآثار الفنية وفنون المائدة.

يُقال إنه اكتشفَ سولفيج الفكر. كان ينتمي إلى هؤلاء الكبار الذين يفكرون بعلم الجيولوجيا في تأملهِ للمناظر الجميلة، وحين ينظر إلى الورود والزهور كان يفكّر بأنواعها الطبيعية – لذا خلقَ قواعد السلالة أو الأساطير وفوضى التبادل الاقتصادي تمضي كي يكتشف البنى التي تولدها.

همهُ في استخلاص البنى، والروابط وأنظمة التحوّل قرَّبهُ من رجال العلم، وخاصة الرياضيين والتحق بصفوف الفلاسفة خاصة أفلاطون وكانت في سعيه نحو السياق التشكيلي. فللأساطير تفكير داخلي وتتساءل ضمن طرق ذهنية عالمية.

هكذا حاول شتراوس الولوج إلى فكر الانسان ومعرفة أسرار الموت والحياة وعلى الأصح أسرار الموت والإيمان بالانبعاث: ففي سنة 1974 أراد التعبير عن منهجيته في خطابه الشهير أمام الأكاديمية الفرنسية حين انتخابه عضوًا بين أعضائها «الخالدون» Les immortels. تكلم على الموت وطبق أفكارهُ في الوراثة في السلالة. في الروابط العائلية قال حينها: «بعدَ أن قدمت طلب الانتساب إليكم، ذهبت إلى جماعة هندية في كنداتفيش على ضفاف المحيط الهادئ. أمضيت الليل بكامله أشارك في احتفالات يبعث فيها الشبان بعد حالتي الموت والعذاب كي يجدوا مطرحًا في خوية جديدة. فبعد الثبات والسكون كنا معهم يصرخون كأطفالٍ في المهد وكانوا ينتظرون ملاكًا حارسًا..

تأثرت كثيرًا وانفعلت معهم واكتشفت طابع هذه الطقوس الكوني. فلذا أنا أيضًا كونيٌّ إن قيَّضَ لي أن أكون معكم وبينكم.

أبدأ بموتي في المرحلة الفاصلة ما بين قبولي ويوم الاحتفال بي. بعدها أو حينها أبعث بينكم من جديد لأني تغيرت في كل أحوالي.

«نشيدي هنا خطابي ومن سبقني يلعب دور الروح الحارسة أو دور الملاك الحارس».

مكانة كلود ليفي شتراوس تبقى في همه الكبير في تقارب أشكال التفكير بين الشعوب. فالحضارات التي وصَّفت ذاتها بالعالية: كالمسيحية والإسلام والبوذية وانتشرت في كل أنحاء العالم تجد نفسها مندمجة اليوم بالعالم الآخر الذي صنفتهُ أو وصفتهُ من قبل بالبدائي والمتقهقر، فعند تلاقي الحضارات يولد ما نسميه التمازج..

وينبه في كتابه الموت مدارات حزينة، من مأساوية المصير، مصير الشعوب التي سميت بالبدائية. لذا يفرح بكل شعاع أمل أو أسطورة مكتشفة كانت أو مفقودة.

كتاب حدثَ لما ينضوي على رصانة ورقة في آن وضمن طيات صفحاته يدلي شتراوس.

باشمئزازه من الجمود الفلسفي واتجاهه إلى علم الانتروبولوجيا، الثقافة أهم مواصفات الانتروبولوجي، إضافة إلى حاجته إلى طاولة عمل ليدرس المجتمع الحي المحافظ على تقاليده. الصدمة كبيرة وفي بعض الأحيان يشعر بالهلع. حين زار هنود بورورو عرف بسرعة كيف يتفهم أو كيف يفهم حياة البورورو في قريتهم. راقب مختلف العائلات المتوزعة حسب الجماعة، وحسب اللون (أحمر أو أصفر) فبدت لهُ هذه المجتمعات البدائية في غاية التعقيد، وهذا ما يعبر عن غنى مستوى الثقافة. لا نجد الكثير من الشعوب على قدر تدين آل بورورو الخاضع لنظام عالٍ من المعتقدات. كل عمل شتراوس البنيوي سيجهد في تتبع أروقة المرور من نظام إلى نظام آخر حتى يتحصل لدينا بنية كاملة من البنى الاجتماعية. لذا عرف كم أن عملية فهم هذه الشعوب تستمد قوتها من الثقافة ومن الذكاء. على العالم أن يتخلى عن الأحكام المسبقة كي يستنبط وجود وقيمة المفاهيم.

لكن المعتقدات الروحية والعادات اليومية تندمج بسهولة بحيث إن السكان الأصليين يشعرون بالعبور من نظام إلى آخر. كل سعي العمل البنيوي يتركز في التقاط منعطفات هذه الأجهزة وهذه الأنظمة المختلفة.

فيقول شتراوس: «معنى البيت يفوق معنى الحياة الاجتماعية والدينية التي حاولت وصفها وتحليلها. فبنية القرية لا يمكن أن تسمح بلعبة المؤسسات فحسب، بل تحقق وتختصر العلاقات بين الإنسان والكون وبين المجتمع والعالم الخارق وبين الأحياء والأموات».

يعد هذا النص مفتاح الإنتروبولوجيا البنيوية لأنهُ يقدّم المسكن والمجتمع معًا، وبغية المجتمع وبغية المسكن متماثلتان. الشيء نفسه بالنسبة إلى الدين، إلى الحقوق إلى الشعائر عند الأحياء أو لدى الأموات. البنية هي كيان موجود بشكل دائم وعلى عالم الانتروبولوجيا أن يستنبط هذه البنية. إنها في اللاوعي ولا ترى، إنها كيان وكل هذا يمنعها ولا يبعدها عن الأصالة الحقيقية وفاعليتها… أكد شتراوس هذه المقولات في «البنى الأساسية» للسلالة وللقرابة حين انكب مدة عشرين سنة على الموضوع التالي:

«التعارض بين الطبيعة والثقافة».

لا وجود للإنسان الطبيعي فالطبيعة هي معطى والإنسان ينهض بها من خلال الثقافة. وما كل ما هو كوني في الانسان مستمد من الطبيعة.

تبدو الثقافة نسبية خاصة.فالمجتمع الانساني يظهر كثقافة حين يبدأ الحظر مثلا منع سفاح القربى.

برزت أمام شتراوس مشكلة كأنها لغز أو سرّ. فلعلاقة «سفاح القربى» مواصفات كونية كالغريزة من جهة، ومواصفات جبرية المؤسسات من جهة أخرى. لذا يأتي المنع كصرخة أمام أصم أو أمام يائس في المجتمع الذي تنشأ فيه.

«الطبيعة تتفوق على نفسها، تشعل شرارة بنية جديدة أكثر تعقيدًا فتتألف وتحدث طبقية بالنسبة لعالم الحيوان. إنها تعمل ووحدها تؤلف بداية نظام آخر جديد.

مرحلة الفكر المتوحش

أراد شتراوس تفسير حياة المجتمعات والثقافات بواسطة المنطق اللاواعي. إنها محاولة جادة لا يمكن فصلها عن المنهجية التحليلية التفسيرية المسماة: البنيوية. فخصائص ما دعاه «بالفكر المتوحش» منظَّمَة ومنَظِّمة.

الأشكال اللاواعية تعمل كلغة إذاً، كبنية في طريقة قراءتها للعالم. لذا انكب عالمنا منذ 1950 على بنية الأساطير خاصة دراسة ظاهرة التوتم totémisme أي كيف أن الفكر في حالته الطبيعية «الخام» و«المتوحشة» طبّق هذا المفهوم على المجتمعات المتقدمة حيث يسيطر الفكر العلمي. بينما الفكر المتوحش ينظم……. بدقة العالم الطبيعي والطبيعة الحية الانسان أيضًا. كما يعبر عنه في المعتقدات والمؤسسات.. هذه الفلسفة تجد مفاهيمها في عالم الحس وفي أكثر الأحيان في العالم الحرفي bricolage.

تجرّأ ليفي شتراوس وحده على أن يدلي بحقائق ثقيلة. فمثلاً حين يقول إن الآخر المختلف عني ليس بأقل منِّي. التنوع في الكون لا يبرر الظلم injustice. والبربري هو الذي يؤمن بالبربرية، وإن النظرة المتعالية التي لا تفرق بين التقدم المادي والحضارة المتفوقة، هي في موقع الخطأ، هي غلطة الفكر وتطرف في الذات. هكذا شنّ حربًا ضروسًا على الفكر المتقوقع والعنصري والأحكام المسبقة الجاهزة.

هنا لم نعد كما قال سارتر في منتصف القرن العشرين: «الآخر هو الجحيم» نفهم أن شتراوس عارض مفهوم سارتر في التاريخ وفي الجدلية. فـ«ليفي شتراوس» يؤكد أن الشعوب التي لا تعرف الكتابة «تفكّر» كما نحن نفكّر، لكن طرق تفكيرها، تقدّم طبقًا للنظرية البنيوية أشكالاً منظمة بمنطق فاعل ومتقدّم كما في تفكيرنا نحن.

متأثرًا بكانت، يرفض النظرية الجدلية في دراسة الكل.

يأخذ شتراوس على سارتر في كتابهِ «نقد الفكر الجدلي»، اعتباره أفق هذه الكلية كسيطرة تاريخية. بنظر شتراوس التاريخ الكلّي كغايته الذاتية. ونتاجهِ يساوي درجة صفر. لأن للتاريخ نظامه الخاص الذي هو التسلسل ولا وجود للكليَّة التاريخية بل بتواريخ.

هذا يؤدي بنا إلى البنية بالنسبة إلى حتمية البنى التحتية. يعتبر كلود ليفي شتراوس نفسه تلميذًا لماركس. يرى مثله أن البنى التحتية تفعل كما قال ماركس. والبنى التي تولدها تعمل في الإنتروبولوجيا ثقافيا.

لا نكف عن تكرار فكرة أهمية كلود ليفي شتراوس في القرن العشرين، في المعرفة وفي البنيوية التي بناها وقد جاءت بعدها مع «ديريدا» نظريات تفكيكية خالفت نظريَّات شتراوس.

هذا لا يقلل من أهمية العالم الذي على مدار التاريخ الحديث ظلَّ متعلقًا بكرامة الشعوب.

أرى من الضروري أن أورد بعض أقوالهِ في هذا المعرض دون أن أعلق عليها. في الصفحة 342 من مدارات حزينة ما يأتي «الكتابة شي غريب» يبدو أن ظهورها قرَّر تحولات عميقة في ظروف وجود الإنسانية. هذه التحولات ثقافية في أكثر الأحيان «التمكن من الكتابة يضاعف بشكل هائل قدرة الناس على حفظ المعلومات أو المعرفة.

… بعدَ أن نستعيد القياس الذي يدلنا على «همجية» «بربرية» الحضارات، يستحبّ أن نتوقف عند ما يلي: «إن الشعوب مع وبدون الكتابة، بعضها يستطيع أن يجمع المكتسبات القديمة، وأن يصل بأسرع طريقة إلى الهدف المرتجى، بينما البعض الآخر غير قادر على حفظ الماضي كما تفعل الذاكرة، فيبقى سجين تاريخ واهٍ منقوص، لا يملك «الأصل» والوعي الدائم لمشروع ما. فهو يحذر في أعماله من التوسع الاستعماري، ومن التقدم الصناعي الذي يخرِّب الطبيعة ومعها البشرية ولم يفرق أبدًا بين التنوع الثقافي وبين التنوع الطبيعي.

صوت خاص

منذ أن ولدت أعمال شتراوس تغير وجه الثقافة لأن هذه الأخيرة وجدت النبرة أو الصوت الخاص بها.

كان وقع أعماله خطيرًا بمنزلة وقع أعمال جان جاك روسو في زمنهِ لأنه في المدارات الحزينة انطلق من الحيا ة إلى الكتابة.

فلسفتهِ ذهنية وآفاقها علمية فيها يتساءل شتراوس عن نظام الاتنولوج ومنهجيته أي ازدواج إضافة الأسطورة إلى الشعر في المادة المدرسية.

كما في فلسفته يرفض رفضًا قاطعًا وظائفية أو نهائية الثقافات والأجهزة الاجتماعية. فالكون يقدم مادة للتفكير وللفكر في آن. أنظمة البنية تتقدّم على التاريخ وعلى ولادة الحس. الفكر ليس في الانعكاس بل في الضيق. الدماغ كامن ضمن الأنظمة وفي ختام «الرجل العاري» يذكر أن التحليل البنيوي لا ينبثق في الفكر إلا لأن مثاله موجود أصلاً في الجسد.

الكون والطبيعة والإنسان في حركة ضمن نظام ميثولوجي.

هذا التفكير سمي بالتفكير الانقلابي وضع حدًّا للتفكير العنصري. وأطلق العنان للحياة والحرية. لأن الأمثلة كثيرة في المجتمعات التي يدرسها الانتروبولوج أكثر مما هي في المجتمعات المعقدة..

التكريم الهائل الذي حظيَ بهِ شتراوس في حياتهِ والمناصب العالية التي شغلها لم تبهره بل جعلته يتطلع دائمًا من بعيد إلى أشياء العالم الحديث كي يرى بعيني صقر، وبنظرتهِ الثاقبة يفك رموز الطبيعة البشرية على مدى القرن العشرين. أراد إعطاء «حلول» أو علاجات للمجتمعات التي تبحث عن معنى وجودها. مئة عام وعام، مع ليفي شتراوس يودع العالم من كان ضمير البشرية، شاعرها، مفكرها، محللها، والعارف بأسرارها وقبل كل شيء هو محبّ للبشريّة.

يمكن أن نختم هذا البحث برسم خاطف لشخصية العالم أوردتها فرانسواز هيريتيه: وهي حلت مكانه في الكوليج دي فرانس.

كان يأتي إلى مختبرهِ في الكوليج دي فرانس. كان يستقبل الطلاب والباحثين الجدد وكان دومًا كريمًا في تبادل المعلومات والآراء.

من جهتي أقول: ظللت أتهيّب أمامه وأكن له كل احترام. في العلاقات الفردية كان رجل صداقة وثقة وقد دافع عن كل من عملَ معه لكنه لم يقبل أبدًا برفع الكلفة. كان يتمتع بنظرة فيل وعينه الصغيرة تعرِّي الآخر. حين كنا في حضرته كنا نتفكك. كان علينا أن نتحلى بالشجاعة كي نعاود بناء أنفسنا. لا أذكر أن أحدًا تجرأ أن يناديه باسمه… لا أعتقد..

وتضيف: شتراوس جعلنا نكتشف وجود عوالم لا تتصرّف مثلنا وأن خلف هذه الفروقات، وراء الاختلاف الهائل مع حقيقتنا يمكننا استخراج آليات معرفية مشتركة بيننا. هكذا ينفي الفرق بين الاختلاف والعولمة. هذا هو إرثهُ الكبير.

من أعمال شتراوس
– العِرق والتاريخ – باريس، الأونيسكو 1952
– مدارات حزينة – باريس – بلون 1955
– الانتروبولوجيا البنيانية – باريس – بلون 1958
– الفكر المتوحش – باريس – بلون 1962
– ميثولوجيات 1- النيّ والمطهو – باريس – بلون 1964
– ميثولوجيات 2- من العسل إلى الرماد – باريس – بلون 1967
– ميثولوجيات 3- أصل آداب المائدة – باريس – بلون 1968
– ميثولوجيات 4- الرجل العاري. – باريس – بلون 1971
– الانتروبولوجية البنيوية – باريس- بلون 1972
– طريق الأقنعة – جنيف 1975
– الكلمات المعطاة – باريس – بلون 1984
– نظرَ سمعَ قرأ – باريس – بلون 1993

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий