Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > لآسيا دين مادي ومعنوي على أوروبا

لآسيا دين مادي ومعنوي على أوروبا

© توفيق صديقي
موقع “موهنجودارو” في باكيستان، من قائمة التراث العالمي لليونسكو.
من خلال إشراك آسيا بالقوة في عجلة الاقتصاد العالمي وكانت لا تزال بعد في طور اقتصادي بدائي، واهتمام الاقتصاد العالمي حصراً باستغلال المواد الأولية واليد العاملة، أطلقت أوروبا أزمة يتعين عليها معالجتها، كما يشرحه ليفي ستروس في هذه المقالة الصادرة في “رسالة اليونسكو” في شهر يونيو/حزيران 1952.
ثمة مفهوم يجب أن يُلغى تماماً من ذهن الأوروبي الساعي إلى فهم مشكلة آسيا الجنوبية، وهو البعد “الغريب” لحضارة هذه المنطقة. فخلافاً لما قد تتضمنه الإيحاءات الكثيرة في الكتب وتجارب المسافرين، لا تختلف حضارات الشرق، في الجوهر، عن حضارات الغرب.
[…]لو جلت بين الآثار المتبقية لثقافة الشرق القديمة على الرغم من مرّ القرون، واجتياح الرمال، والفيضانات، والغزوات الآرية، وتوقفت تحديداً في موقعي وادي السند، “موهنجودارو” و”هارابا”، اللذين يرقيان إلى الألف الثالث، ستقع على مشهد مخيِّب! شوارع شُقت على شكل خطوط واضحة ودقيقة، تشكل فيما بينها زوايا مستقيمة؛ وأحياء للعمال تكثر فيها المساكن المتطابقة الكئيبة؛ وورش صناعية لطحن الدقيق وصهر المعادن ونقشها، أو لإنتاج تلك الأقداح الرخيصة بالجملة، التي ما زالت بقاياها متناثرة على الأرض؛ ومخازن بلدية تحتل (والبعض سيقولها بطيبة خاطر مع تبديل المكان والزمان) عدة “قوالب من الإسمنت”؛ وحمامات عامة، وشبكات قنوات ومجارير؛ وأحياء سكنية ذات وسائل راحة متينة بلا أناقة، صُممت لمجموعة ميسورة، ليس لأقلية نافذة. يعلن هذا المشهد للزائر سحر وعيوب مدينة عصرية كبرى، تظهر فيها أشكال الحضارة الغربية التي توفر الولايات المتحدة الأمريكية حالياً خير نموذج لها، حتى في نظر أوروبا.

ويروق للبعض تصور أن الدورة الحضارية وصلت إلى نهايتها بعد مرور أربعة إلى خمسة آلاف عام من التاريخ؛ وأن حضارة المدن، والحضارة الصناعية، وحضارة البورجوازية الصغيرة التي تمثلها اليوم مدن السند القديم، ليست مختلفة كثيراً في إلهامها العميق عن تلك التي كان مقدَّراً لها، بعد انغمادها الطويل في الخادرة الأوروبية، بلوغ كمال شكلها الحالي في الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي. ولا شك أن العالم القديم بدأ، منذ أن كان يافعاً، برسم ملامح وجه العالم الجديد. ولربما يمهد اختفاء آثار حقبة ما قبل التاريخ، في حركة تضامن مع الماضي، لبزوغ تحولات تاريخية تمعن في إقامة التباعد. لكن هذا التباعد، على مر العصور، لم يكن إلا متقطعاً. فمنذ فترة ما قبل التاريخ حتى الحقبة الحديثة، سعى الشرق والغرب دائماً إلى إصلاح وحدة تتهددها التطورات الخارجة عن المألوف. وعندما كانا يبدوان متباعدين، كان الطابع المنهجي لنقاط التعارض التي طوّراها، من خلال موقع الهند من جهة، وموقع أمريكا من جهة أخرى، على طرفين متناقضين جغرافياً – وأخلاقياً أيضاً- يعرض أمامنا، وجهاً لوجه، المشهد الأكثر قدماً والمشهد الأكثر حداثةً، ودليلاً إضافياً، بالمناسبة ذاتها، عن تضامن المجموع.

الأمازون وآسيا: متشابهة ومختلفة

©هارولد لاش
مخطوطة بنغالية
بين هذين القطبين، تجد أوروبا نفسها في الموقع الوسيط. فهي تحتل مكاناً متواضعاً لا تني تحاول رفع شأنه بتوجيه الانتقاد، بجناحيها، لما تعتبره نوعاً من الإفراط. انتقاد للاهتمام الغالب بالممتلكات المادية في أمريكا، ولانشغال محصور جداً بالقيم الروحانية في الشرق؛ وفرة من جهة، وبؤس من جهة أخرى، فيما الطرفان يجهدان لضبط الوضع باعتماد عقائد اقتصادية متعارضة، أي بالتمسك بالاقتصاد القائم على الاستهلاك من جهة، وعلى الشح من جهة ثانية، وكأنهما قسم من عقيدة دينية.

عندما استلم موقِّع هذه السطور في العام الماضي، بعد أعوام طويلة أمضاها في الأمريكتين، أول أمثولة له في الفلسفة الآسيوية من حافظ بنغالي للمخطوطات، كان من السهل أن يقع في سحر التعميمات السريعة. ففي وجه أمريكا الأمازونية، تلك المنطقة المدارية الفقيرة، غير المأهولة بالبشر (وهذا يوازن ذاك جزئياً)، تبرز آسيا الجنوبية، تلك المنطقة المدارية الفقيرة أيضاً، وإنما المكتظة بالسكان (وهذا يفاقم من حدة ذاك)، تماماً كما تقف، في فئة البلدان المعتدلة، أمريكا الشمالية ذات الموارد الضخمة والعدد المحصور نسبياً من السكان، في موازاة أوروبا ذات الموارد المحصورة نسبياً والعدد المرتفع للسكان. وما يدعو إلى الحيرة هو أننا، ما أن ننتقل من المستوى الاقتصادي إلى المستوى النفساني والأخلاقي، حتى تصبح هذه التباينات أكثر تعقيداً. إذ لم يكن يبدو أن هناك شيئاً أكثر ابتعاداً عن النمط الأمريكي من أسلوب حياة ذاك الحكيم الذي يفخر بالمشي حافي القدمين، وامتلاك ثلاثة جلاليب من القطن يغسلها ويرتّقها بنفسه، وهي كل ما يملك في هذه الأرض، ظناً منه أنه حلّ المشكلة الاجتماعية بعدما توصل إلى طريقة لشوي غذائه فوق نار الكريات المصنوعة من أوراق ميتة لمّها وجبلها بيديه. فلعل المذهب القائل بالحد التلقائي من الاحتياجات، والتقليل من الاتصال والتبادل بين الكائنات والأشياء، والانطواء على الذات حرصاً على عدم التعدي على الآخرين، وضمان اتصال أفضل مع الخالق في آن معاً، كلها عوامل ليست وليدة فكر متعارض جذرياً مع الغرب. وفي الواقع أن بعض العلماء الغربيين الذين بحثوا في مشاكل آسيا الشرقية والجنوبية اعتمدوا، في استنتاجاتهم الأخيرة، شكلاً أكثر ترشيداً بالكاد من تلك الحلول التقليدية التي تعكس النتيجة المنطقية لتباين الوضع بين أوروبا وآسيا على أثر سلسلة من التحولات التاريخية التي شهدتها القارتان معاً، لكنهما خضعتا لتأثيرها على نحو متناقض.

أوروبا هي أمريكا القارة الآسيوية

© اليونسكو/ نيغوين زارياب
شبوجماي زارياب: “أين العلاج للجنون الذي يدعى الحرب؟”

عندما تحلّق فوق الأراضي الشاسعة لمنطقة آسيا الجنوبية، من كراتشي إلى سايغون، بعد اجتياز الصحراء الهندية الكبرى (أو ما يُعرف بصحراء “ثار”)، يوحي مشهد هذه الأرض المقسَّمة إلى قطع صغيرة ومزروعة حتى آخر فدّان، للوهلة الأولى، شعوراً بالألفة بالنسبة للقادم من أوروبا. بيد أن نظرة ممعنة سرعان ما تغير هذا الانطباع: فهذه الألوان الوردية والخضراء، الحائلة الشاحبة، والحدود غير المنتظمة لحقول الرز، التي أعيد رسمها مرة تلو الأخرى بأشكال مختلفة، هذه الحدود المبهمة، وكأنما رتِّقت، لو قورنت بالأشكال والألوان الصافية الواضحة للأرياف الأوروبية، سيبدو لنا أننا ننظر إليها بالمقلوب. تعكس هذه الصورة جيداً موقع كل من أوروبا وآسيا بالنسبة إلى حضارتهما المشتركة: فعلى المستوى المادي على الأقل، تبدو الأولى مقلوبة بالنسبة للثانية. قارة تفوز دوماً، والثانية تتكبد الخسارة، وكأنما استطاعت الأولى ضمن مشروع تجاري واحد (جرى افتتاحه، كما ذكرنا أعلاه، بشراكة الاثنين)، اجتذاب جميع العائدات، فيما حصدت الثانية البؤس والشقاء. في الحالة الأولى (لكن إلى متى؟)، أتاح التوسع الديمغرافي تحقيق التطور الزراعي والصناعي، إلى درجة تزايدت فيها الموارد بسرعة أكبر من تزايد عدد المستهلكين. أما في الحالة الثانية، فإن العامل نفسه أدى منذ مطلع القرن الثامن عشر إلى هبوط دائم في العائدات الفردية قياسا إلى كتلة بقيت جامدة نسبياً. لقد بدأت أوروبا تجمع بين قيمها الأكثر إرهافاً على المستويين المادي والروحي في أعقاب ولادة الحياة في المدن وتطورها. وفي المقابل، فإن الوتيرة السريعة لتطور المدن في الشرق (فلنفكر بعدد السكان في كالكوتا الذي ارتفع من 2 إلى 5،5 مليون نسمة خلال أعوام معدودة) لم تصادف، في المناطق المحرومة، سوى البؤس والشقاء والمآسي التي لم تعتبرها أوروبا يوماً إلا الوجه الآخر لسيرورتها الموفقة والسعيدة. فحياة المدن في الشرق لا تعني سوى التشوش والانعدام الكريه لقواعد الصحة ووسائل الراحة، والأوبئة، وسوء التغذية، وغياب الأمن، والانحلال الجسدي والعقلي الناجم عن حياة جماعية ثقيلة جداً… وكل ما يبدو في الغرب عارضاً مرضياً مؤقتاً في النمو العادي للشخص إنما يشكل الوضع القائم بثبات في الشرق، الذي كما قلنا، يبدو وكأنه محكوم بسحب الورق الخاسر في مباراة اللعب الثنائية هذه. مع ذلك، ودون العودة أربعة أو خمسة آلاف عام إلى الوراء، يبدو أن هذه البلية لم تكن قديمة العهد، بل وكان يمكن تفاديها أيضاً. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر – والفضل يعود بشكل رئيسي، دون شك، إلى القياصرة المغول الذين برعوا في إدارة البلاد – لم يكن عدد السكان في آسيا الجنوبية هائلاً، في ظل وفرة من المنتجات الزراعية والصناعية. فكان المسافرون الأوروبيون، حال وصولهم إلى الأسواق الشرقية الممتدة على مسافة 15 إلى 20 ميلاً داخل البلاد (كما كانت الحال من أغرا إلى فتح بور سيكري مثلاً) وعند رؤية سلعها وأسعارها الرخيصة في نظرهم، يظنون أنهم وصلوا إلى “أرض اللبن والعسل”. […]

«يجب أن تصبح أوروبا على قناعة بأن آسيا تملك إزاءها الدين المادي والمعنوي ذاته الذي تدعي هي نفسها أحياناً بحق مطالبة الولايات المتحدة به. وإذا كانت أوروبا تعتقد أن لها حقوقاً على العالم الجديد، الذي انبثقت حضارته منها، فلا يمكنها نسيان أن هذه الحقوق قائمة على أسس تاريخية وأخلاقية، وتترتب بالمقابل على واجبات كبرى إزاء العالم الذي انبثقت هي نفسها منه.
وليكن الغرب مطمئناً: ففي عملية ضبط الحسابات هذه بينه وبين الشرق، لن يتعين عليه إعادة الأشياء فقط. »

ولا بأس من التذكير مرة أخرى بأن أوروبا، من خلال إصرارها على إدخال آسيا المبتدئة في اقتصاد عالمي لا يهتم سوى باستغلال المواد الأولية واليد العاملة وإمكانات ابتلاع الأسواق الجديدة، هي التي أطلقت، بشكل غير متعمد دون شك (بحسناتها وتجاوزاتها على السواء)، أزمة يتعين عليها اليوم معالجتها.

فلدى مقارنة نفسها بأمريكا، تعترف أوروبا دون تردد بموقعها المحروم من الحظوة بالنسبة للثروات الطبيعية، والكثافة النسبية للسكان، والإنتاجية الفردية، ومعدل مستوى الاستهلاك. لكنها تزدهي في المقابل، عن صواب أو عن خطأ، باهتمامها الأكبر بالقيم الروحانية. فكيف لا نعترف، والحال هذه، بأنه يسع آسيا اعتماد المنطق نفسه لحسابها وتطبيقه على أوروبا التي يمثل رخاؤها المتواضع، بالنسبة لها، ترفاً وبذخاً لا يمكن تبريرهما بأي حجة؟ وبهذا المعنى، فإن أوروبا هي أمريكا القارة الآسيوية. آسيا هذه التي تزداد فقراً وكثافة سكانية، وتعاني من قلة رؤوس الأموال والتقنيين اللازمين لتحويلها إلى المرحلة الصناعية، تشهد بعينيها كل يوم تلف أراضيها، وخسارة ماشيتها، فيما عدد سكانها إلى تزايد بوتيرة لم يكن أحد ليتنبأ بها، وتميل باستمرار لتذكير أوروبا بمبدأ التضامن الناجم عن أصلهما وعدم تكافؤ مصيرهما في استغلال الإرث المشترك.

يجب أن تصبح أوروبا على قناعة بأن آسيا تملك إزاءها الدين المادي والمعنوي ذاته الذي تدعي هي نفسها أحياناً بحق مطالبة الولايات المتحدة به. وإذا كانت أوروبا تعتقد أن لها حقوقاً على العالم الجديد، الذي انبثقت حضارته منها، فلا يمكنها نسيان أن هذه الحقوق قائمة على أسس تاريخية وأخلاقية، وتترتب بالمقابل على واجبات كبرى إزاء العالم الذي انبثقت هي نفسها منه.

وليكن الغرب مطمئناً: ففي عملية ضبط الحسابات هذه بينه وبين الشرق، لن يتعين عليه إعادة الأشياء فقط. فبعد انشغاله الطويل بالجانب الاقتصادي للعلاقات بين هذين العالمين، لربما أهمل مجموعة من العبر التي كان يمكن أن يتلقاها من آسيا، والتي لم يفت الأوان بعد للمطالبة بها.

الجسد والروح

© الحقوق محفوظة
طبيب على طريقة أيورفيدا (الهند).
على الرغم من الاهتمام الذي أبداه العلماء بالفكر الآسيوي، والنتاج الغني للمستشرقين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، بقي الرأي العام الغربي، إجمالاً، عديم التأثر برسائل هذا الفكر. فهل هذا عائد إلى قلة الوضوح في محاولات نقله إلى مجتمع يفتقر للتجارب الأساسية التي يرتكز عليها الفكر الآسيوي؟ إذ أن الحضارة الغربية برمتها تميل إلى الفصل، بقدر الإمكان، بين الأنشطة الجسدية والأنشطة الروحانية، أو بعبارة أدق، إلى التعاطي معها وكأنها تنتمي إلى عالمين مغلقين. كما نجد هذا الموقف في نظريات الغرب الفلسفية والأخلاقية والدينية، وفي تقنياته وحياته العملية أيضاً. ولم يبدأ الغرب حقاً بإدراك التواصل القائم بين النظامين إلا منذ فترة قصيرة، مع تطور طب الأمراض النفسية، ثم المعالجة بالتحليل النفساني، والطب النفسي -الجسدي. لكن هذا المفتاح الجديد الذي ما زال الغرب يستخدمه على نحو أخرق، يجد في آسيا من يستعمله بأساليب تقليدية، وإن كان علينا الإقرار بموضوعية بأن الغايات ليست متطابقة في الحالتين. لقد نسي الغرب، لكونه موجهاً أساساً، منذ ثلاثة قرون، نحو تطور الوسائل الميكانيكية، أو أنه بالأحرى لم يهتم يوماً بتطوير تقنيات الجسد التي تتيح استخراج فوائد جمة ذات تنوع ودقة مجهولة عموماً، من خلال هذه الواسطة الطبيعية والعالمية التي هي في متناول كل إنسان.

تتيح إعادة اكتشاف جسد الإنسان، التي يمكن لآسيا أن تؤدي فيها دور الدليل للبشرية، فرصة لإعادة اكتشاف روح هذه القارة إذ أنها ستلقي الضوء (كما في اليوغا والمذاهب الفلسفية المشابهة) على شبكة من الأنشطة والتصورات والتجارب الذهنية والآليات المادية. وفي غياب معرفتها، سيبقى الفكر الشرقي على المستويين النفساني والفلسفي، مجموعة من الصيغ الفارغة من محتواها بالنسبة للغرب.

كما أن شعور آسيا الحاد بالترابط بين العوالم المختلفة، في الوقت الذي يسعى الآخرون إلى الفصل بينها وعزلها، وإحساسها بالتوافق والانسجام بين القيم التي تعتبر أحياناً غير متلائمة، قائمان أيضاً على مستوى فكرها السياسي والاجتماعي. وسنختار ضمن المجال الديني أول مثال على ذلك. فمنذ بروز البوذية وصولاً إلى الإسلام، مروراً بمختلف أشكال الهندوسية، أثبتت ديانات آسيا الجنوبية أنها قادرة تماماً على العيش في وفاق في ظل معتقدات مختلفة جداً.

حينما كانوا يتحكمون بسوق لحم الخنزير

© سيمون كنوت
جامع إيسويتش المركزي (المملكة المتحدة)، القائم بالقرب من الكنيسة الكثوليكية سينت بانكراس. لقد بني في عام 1970 لأفراد مجتمع بنغلاديش في مدينة إيسويتش.

وفي منطقة البنغال الشرقية (تدعى بنغلادش اليوم)، بالقرب من الحدود البيرمانية، تسنت لنا فرصة مشاهدة المساجد الخالية من المظاهر الخدّاعة إلى جانب المعابد الهندوسية التي تُجمع الأصنام فيها تبعاً للآلهة، والمعابد البوذية التي تكثر فيها صور الحكيم الواحد (وهي موضوعة هنا في سبيل التأمل)، الأرفع منزلة من الآلهة والبشر معاً – تلك الأشكال التي لسنا في معرض تحليلها الآن، متممة تحديداً لأوجه الإيمان البشري، ويمكن أن تتعايش دون صدام ولا تنافر، إلى درجة أننا صادفنا مصلحة إسلامية تراقب عمل الأسواق في منطقة لم يتوفر فيها إلا لحم الخنزير في دكان الجزار، وهو الغذاء المعتاد للفلاحين المنغوليين في منطقة “شيتاغونغ”. فكان المراهقون البوذيون يمدون لها يد المساعدة بحماسة، أمام الرهبان البوذيين الذين وجدوا المشهد مسلياً، خلال الموكب الهندوسي السنوي لجرّ عربة الإلهة “كالي” باتجاه النهر.

قد يكون سهلا الاعتراض على هذه “الأساليب الغزلية” بين الديانات بالإشارة إلى الحرائق والمذابح التي وقعت إبان الفصل بين الهند وباكستان. أليس الغرب من يتحمل المسؤولية الأولى عن هذه العواقب العالمية التي ينفثها السم القومي؟ كما أن محاولات التوحيد السياسي التي شهدتها آسيا الجنوبية، قبل أن تبدأ أوروبا بإرغامها على التفكير في إطار قوالبها الخاصة، تمت في مناخ مختلف جداً. فمنذ الإمبراطور أزوكا، الذي شدد مدير عام اليونسكو، في خطابه أمام اللجنة الوطنية الهندية، على أنه “كان قد صاغ مبدأ المؤازرة العالمية في سبيل خير ومنفعة جميع الكائنات”، وصولاً إلى غاندي، وُجد دوماً الحرص على بلوغ التآخي السلمي. وينعكس هذا المثال ببلاغة في الإرث السياسي والجمالي للإمبراطور أكبر، الذي تعلن قصوره المنهارة – وتجتمع فيها الأساليب الهندسية الفارسية والهندوسية، والأوروبية أحياناً – عن إرادة وإمكانية للعيش بانسجام (حتى ضمن العائلة الحاكمة) بين الأعراق والمعتقدات والحضارات.

يشكل هذا المقال خلاصة لمقال صدر في “النشرة الدولية للعلوم الاجتماعية”، المجلد الثالث، رقم 4، وهي مجلة فصلية تنشرها اليونسكو.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий