Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > لا وجود لثقافة أرقى من الأخرى – “الالتقاء بالأجنبيّ، هذا الحدث الجوهريّ”- ريزارد كابوتشنسكي Ryszard Kapuscinski

لا وجود لثقافة أرقى من الأخرى – “الالتقاء بالأجنبيّ، هذا الحدث الجوهريّ”- ريزارد كابوتشنسكي Ryszard Kapuscinski

الثلثاء 24 شباط (فبراير) 2009

بقلم: الأوان

حين أتأمّل في رحلاتي عبر العالم، رحلاتي الّتي استغرقت سنوات عديدة، أشعر أحيانا بأنّ الحدود والجبهات والمخاطر والمتاعب المرتبطة بتلك الرّحلات، قد أوجدت في نفسي لغزا أكثر ممّا أثارت قلقا، هذا اللّغز الحاضر أبدا يتمثّل في معرفة كيف سيتمّ كلّ لقاء جديد مع الآخرين، مع أولئك الأشخاص الأجانب الّذين سألتقي بهم طوال الطّريق. لقد عرفت دائما أنّ الطّريقة الّتي تحدث بها هذه اللّقاءات تحدّد بنسبة كبيرة، وحتّى كلّيّة، ما سيجري لاحقا. كلّ واحدة من تلك الرّحلات إذن مثّلت لي سلسلة من التّساؤلات: كيف ستبدأ؟ كيف ستدور؟ كيف ستنتهي؟

إنّها لأسئلة قديمة تعود إلى أزمنة بعيدة لدرجة أنّنا يمكن أن نصفها بأنّها سرمديّة. فالالتقاء بالآخر، أي بكائنات بشريّة مختلفة، شكّل منذ الأزل التّجربة الجوهريّة والكونيّة لنوعنا. ويخبرنا علماء الآثار بأنّ الجماعات الإنسانيّة الأكثر بدائيّة لم يكن تعدادها يفوق الثّلاثين أو الخمسين نفرا على أقصى تقدير. فلو كانت هذه الأسر- القبائل أكبر حجما، لاستعصى عليها أن تدافع عن نفسها وأن تخوض معركة البقاء. وها أنّ أسرتنا- القبيلة الصّغيرة تجد نفسها فجأة خلال بحثها عن الطّعام في مواجهة أسرة- قبيلة أخرى. إنّها لحظة حاسمة في تاريخ العالم! إنّه اكتشاف خارق للعادة ذاك الإدراك بأنّ العالم تسكنه كائنات بشريّة أخرى! إلى حدود هذه اللّحظة، كان بإمكان عضو من مجموعتنا الأسريّة القبليّة أن يعيش مقتنعا بأنّه إذ يعرف إخوته وأخواته، الثّلاثين أو الأربعين أو الخمسين، فهو يعرف جميع سكّان الأرض. وفجأة يكتشف أنّه على خطأ وأنّ العالم يؤوي كائنات أخرى شبيهة به!

ما العمل إزاء اكتشاف كهذا؟ كيف التّصرّف؟ ما هو القرار؟ الانقضاض بوحشيّة على الأجانب؟ التّقاطع معهم متجاهلا إيّاهم ومواصلة الطّريق؟ أم السّعي إلى التّعرّف عليهم ومحاولة الوصول إلى أرضيّة للتّفاهم معهم؟

إنّ حتميّة الاختيار هذه، بين مختلف هذه الخيارات، كانت قد فرضت نفسها على أسلافنا منذ ملايين السّنين، وها هي اليوم تفرض علينا نفسها من جديد بنفس الحدّة. لقد صار هذا الاختيار جوهريّا وحاسما. فما الموقف الّذي ينبغي اتّخاذه في مواجهة الآخر؟ وكيف ننظر إليه؟

قد ينقلب الأمر إلى مبارزة، إلى صراع، إلى حرب. فهناك شواهد على مواجهات من هذا النّوع، تملأ جميع الأرشيفات الممكنة والمفترضة. وتشهد على ذلك ميادين القتال والأطلال الّتي لا تحصى، والمنثورة هنا وهناك في العالم. وهذا يظهر فشل الإنسان الّذي لم يعرف، أو لم يشأ أن يعرف، طريقة للتّفاهم مع الآخر. ولقد استلهمت آداب جميع البلدان في كلّ الأحقاب التّاريخيّة من هذه التّراجيديا ومن هذا القصور الإنسانيّ واتّخذت منهما موضوعا من مواضيعها المفضّلة القابل للتّعديل إلى ما لا نهاية.

وقد يحدث أيضا أنّ أسرتنا- القبيلة، الّتي نقتفي نحن خطواتها، تقرّر عوضا عن الهجوم والمحاربة أن تنعزل عن الآخرين، أن تنكفئ على نفسها، أن تقف خلف المتاريس. إنّ موقفا كهذا أفرز مع الزّمن بنايات تعبّر عن رغبة في القطيعة، كأبراج بابل العملاقة وأبوابها، أو المساحل الرّومانيّة، أو سور الصّين العظيم، أو حصون الأنكا الضّخمة.

لكن من حسن الحظّ أنّه توجد أدلّة موزّعة عبر المعمورة على أنّ اللّقاءات بين الجماعات الإنسانيّة قد شهد طرازا ثالثا من الحلول. فالشّواهد على التّعاون بينها وفيرة، مثلما تدلّ على ذلك أطلال الأسواق، والموانئ البحريّة والنّهريّة، والفضاءات التّي كانت تضمّ ساحات عامّة ومعابد، حيث يمكن أن نعاين حتّى اليوم آثارا لمقرّات جامعات أو أكاديميات قديمة، وأيضا آثار طرق تجاريّة قديمة مثل طرق الحرير والعنبر أو الطّريق الصّحراويّة لتجارة الملح والذّهب.

كانت تلك الفضاءات أماكن للتّلاقي يتّصل فيها النّاس بعضهم ببعض، ويتواصلون، ويتبادلون الآراء والبضائع، ويختمون عقود الشّراء والبيع ويعقدون الصّفقات، ويشكّلون اتّحادات وتحالفات، ويضعون لأنفسهم أهدافا متماثلة مبنيّة على قيم مشتركة. وهكذا يكفّ الآخر عن أن يكون مرادفا للمجهول المعادي، وللخصم، وللخطر الماحق وللمجسّد للشّرّ. كان كلّ فرد يحمل في ذاته جزءا ولو بسيطا من هذا الآخر أو هذا على الأقلّ ما كان يؤمن به، وهو ما من شأنه أن يجعله متصالحا مع جميع البشر على الأرض. وهكذا كان للإنسان على الدّوام ثلاثة ردود أفعال مختلفة تجاه الآخر: إمّا أن يختار الحرب المأساة، وإمّا أن ينعزل خلف سور، أو أن يقيم حوارا معه. وقد تردّد الإنسان على مرّ التّاريخ بين هذه الخيارات الثّلاثة، واختار منها واحدة توافق ثقافته والعصر الّذي كان فيه يعيش. وما نلاحظه اليوم هو أنّه مازال متذبذبا في قراراته، غير واثق دائما من نفسه، ولا يضع قدميه حتّى الآن على أرض صلبة.

عندما تكون المواجهة ثمنا للالتقاء بالآخر، فإنّها تؤدّي عموما إلى المأساة والحرب، رغم أنّ الحرب لا تخلّف إلاّ الخاسرين. ذلك أنّ العجز عن التّفاهم مع الآخرين، وعن النّفاذ إلى ما وراء جلدتهم، ينمّ عن إخفاق الكائن البشريّ، ويضع مسألة ذكاء الإنسان على المحكّ. أمّا رغبة البعض في تشييد أسوار ضخمة، وفي حفر خنادق عميقة، لتجنّب الآخرين، فقد تمّ مهرها في عصرنا هذا بصفة الميز العنصريّ apartheidوهو مفهوم تمّ إطلاقه على نظام البيض البغيض في إفريقيا الجنوبيّة والّذي لم يعد قائما اليوم. ولكنّ الحقيقة هي أنّ التّمييز العنصريّ كان يمارس منذ أزمنة سحيقة، ولو أردنا تبسيط الأمر كثيرا لقلنا إنّه يتعلّق بعقيدة يعبّر عنها معتنقوها بما يلي: ” بإمكان أيّ كان أن يعيش كما يحلو له، على شرط أن يكون ذلك بعيدا عنّي، إن لم يكن من عرقي ومن ديني ومن ثقافتي.” وليت أنّ الأمر يتوقٌف عند هذا الحدّ، غير أنّ الواقع هو أنّنا أمام عقيدة لا تكافئ النّوع البشريّ.

تعبّر أساطير العديد من الشّعوب وخرافاتها عن القناعة بأنّنا ” نحن الآخرين ” فقط، أي أفراد عشيرتنا- جماعتنا، كائنات بشريّة. أمّا الآخرون فجميعهم بشر أدنون. وتوضّح عقيدة الصّين القديمة هذا الموقف أحسن توضيح. فمن لم يكن صينيّا كان يعتبر ” براز الشّيطان”، أو في أفضل الأحوال مسكينا بائسا لم يسعفه الحظّ كي يولد في الصّين. ونتيجة ذلك هي أنّ هذا الآخر كان بمثابة الكلب أو الجرذ أو زاحفة من الزّواحف. لقد كان التّمييز العنصريّ على الدّوام عقيدة كراهية واحتقار ونفور إزاء الآخر الغريب الشّاذّ.

كانت صورة الآخر مغايرة تماما في عصر المعتقدات الأنتروبومرفيّة ( الإحيائية )، عندما كان من الممكن أن ترتدي الآلهة رداء إنسانيّا وتتصرّف مثل البشر. في تلك الأزمنة لم يكن معلوما أبدا إن كان المسافر أو القادم للقائنا إلها أو إنسانا. وهذا الالتباس، هذا الازدواج المدهش، يمثّل موردا من موارد ثقافة الضّيافة الّتي تستوجب معاملة شهمة للزّائر، الّذي ليست طبيعته قابلة للتّعيين.

كان “شاعر ملعون” بولونيّ من القرن التّاسع عشر يدعى سيبريان نارفيد Cyprian Narwid قد كتب في هذا الموضوع وفكّر في مقدّمة أوديسته في منابع هذه الضّيافة التّي تحمي أوديسيوس أثناء عودته إلى إيتاكا. فقال:” في تلك الأمكنة، وراء كلّ متسوّل أو كلّ متشرّد غريب، كان يُرتاب في وجود كائن سماويّ، ولم يكن من اللاّئق قبل استضافة الزّائر سؤاله عمّن يكون. ليس إلاّ بعد افتراض أصله السّماويّ يتمّ النّزول إلى طرح الأسئلة الأرضيّة، وهذا ما كانوا يسمّونه “حسن الوفادة”. ولهذا السّبب بالذّات كانت الضّيافة تمثّل جزءا من العادات والفضائل الأكثر إجلالا. قلّما كان يونانيو هوميروس يعرفون “الأخير من البشر”! كان الإنسان دائما الأوّل، أي كان سماويّا.“

إنّ الثّقافة كما فهمها اليونانيون، بالمعنى الّذي ذهب إليه نارفيد، تبيّن عن دلالات جديدة للأشياء، دلالات محبّبة وعطوفة. فالأبواب والبوّابات تستخدم لإبعاد الآخر، ولكنّها من الممكن أن تنفتح في وجهه، أن تدعوه لولوجها. أمّا الطّريق المعبّدة فلا داعي البتّة إلى أن تكون السّبيل الّذي ننتظر منه قدوم العصابات المعادية، بل يمكنها أن تكون الدّرب الّذي يقترب من خلاله إلى بيتنا إله من آلهتنا متنكّرا في ثياب حاجّ.

بفضل مثل هذه التّأويلات نشرع في لمح عالم ليس أكثر غنى فحسب، بل أكثر حفاوة أيضا، متمتّعا بأفضل السّلوكيات مع نظرائنا، عالم نشعر فيه بالحاجة إلى الخروج لاستقبال الآخر.

يسمّي إيمانوال لوفيناس Emmanuel Levinas الالتقاء بالآخر حدثا بل يسمّيه الحدث الجوهريّ. فمن وجهة نظره يتعلّق الأمر بالتّجربة الأهمّ، التّجربة الّتي تفتح أوسع الآفاق. ينتمي لوفيناس إلى عائلة الفلاسفة الحواريين مثل مارتن بوبر Martin Buber وغابريال مارسيل Gabriel Marcel الّذين طوّروا فكرة الآخر باعتباره كيانا فريدا وغير قابل للمحاكاة، انطلاقا من مواقع تتعارض مع ظاهرتين مميّزتين للقرن العشرين: مجتمع الجماهير الّذي يلغي فرادة الفرد من جهة، والإيديولوجيات الهدّامة والشّموليّة من جهة أخرى. فهؤلاء الفلاسفة يحاولون أن ينقذوا ما يعتبرونه بمثابة القيمة الأسمى وهو الفرد. ويسعون إلى أن يحموا أنا وأنت والآخر من التّكتيل، ومن الشّموليات المقوّضة لكلّ هويّة فرديّة. ولأجل هذا أذاعوا هذا المفهوم للآخر باعتماد حرف البداية أ لإبراز الاختلاف بين الأفراد وبين خاصّياتهم الذّاتيّة والفريدة وغير القابلة للانقطاع.

لقد حظي هذا التّيّار الفكريّ بأهمّيّة بالغة، لأنّه كان يعلي من قيمة الإنسان وينقذه، ويعلي من شأن الآخر وينقذه، هذا الآخر الّذي ينبغي عليّ عندما أواجهه ـ كما قال لوفيناس ـ أن أتساوى وأن أتحاور معه. كما أنّ من واجبي أن أكون مسئولا عنه.

أمّا عن موقف هؤلاء الحواريين من الآخر، من الآخرين، فإنّهم يرفضون الحرب الّتي يعتبرونها طريقا لا تؤدّي إلاّ إلى نهاية وحيدة: الخراب. كما أنّهم ينتقدون اللاّمبالاة والتّحصّن خلف سور، وينادون بضرورة (وهو واجب إيتيقيّ أيضا) اتّخاذ مواقف منفتحة وبضرورة التّقارب والسّلوك الجيّد.

في صلب هذا التّيّار الفكريّ نفسه، تبرز شخصيّة عالم الإناسة الشّهير برونيسلاف مالينوفسكي (1884- 1942) القريب جدّا من المواقف الّتي تبنّاها الحواريون. كان تحدّي مالينوفسكي هو الآتي: كيف الاقتراب من الآخر عندما لا يكون كائنا افتراضيّا بل كائنا من لحم ودم، ينتمي إلى عرق آخر، ويتكلّم لغة أخرى، وله إيمان مختلف، ونظام قيميّ مغاير، وله عادات وتقاليد وثقافة خاصّة به.

بصفة عامّة، كان مفهوم الآخر قد تحدّد من زاوية نظر الأبيض الأوروبّيّ. ولكنّني حين أتجوّل اليوم في قرية أثيوبيّة بين الجبال تجري خلفي مجموعة من الصّبيان الضّاحكين وهم يشيرون إليّ بأصابعهم ويصيحون ferenchi! ferenchi! وهو ما يعني بالضّبط “آخر”، “أجنبيّ”. إنّه لمثال بسيط على تفكّك تراتبيّة العالم وثقافاته حاليّا. فمن المؤكّد أنّ الآخر يبدو لي أنا مختلفا ولكنّ الأمر هو نفسه بالنّسبة إليه: إنّي الآخر.

بهذا المعنى، جميعنا منضوون تحت الرّاية نفسها: كلّ سكّان المعمورة هم آخرون في نظر الآخرين، أنا في نظرهم وهم في نظري.

في زمن مالينوفسكي لم يكن الأبيض الأوروبّيّ يغادر قارّته إلاّ لغاية وحيدة هي الغزو. كان يترك موطنه ليصبح سيّدا على أرض أخرى، ليحصل على عبيد، ليتاجر أو ليبشّر. وكانت حملاته تتحوّل في الغالب إلى حمّامات دماء، كما حدث عند غزو الأمريكتين بعد كريستوف كولومب الّذي تلاه غزو المستعمرين البيض القادمين من القارّة العجوز ثمّ غزو إفريقيا وأستراليا الخ…

سافر مالينوفسكي في جزر المحيط الهادي في إطار مختلف تماما هو التّعرّف على الآخر، عليه وعلى جيرانه، على عاداته ولغته ولدراسة نمط حياته. أراد أن يراه بأمّ عينيه وأن يحتكّ معه بجسده، وكان يرجو أن يراكم تجاربه ليحلّل فيما بعد ما عاشه.

يبدو لنا هذا المشروع للوهلة الأولى في منتهى البداهة، ولكنّه أصبح رغم ذلك ثوريّا، بما أنّه كشف عن ضعف كلّ ثقافة بدرجات متفاوتة أو بالأحرى عن خاصّيّة متأصّلة في كلّ ثقافة، وهي أنّ لكلّ منها صعوبات في فهم الآخر.

على سبيل المثال، بعد أن وصل مالينوفسكي إلى المنطقة المعنيّة بدراسته، وهي جزر تروبريان (حاليّا كيريونيا في غينيا الجديدة) دوّن أنّ البيض الّذين يعيشون فيها منذ سنوات يجهلون كلّ شيء عن السّكّان المحلّيين وعن ثقافتهم. ليس ذلك وحسب، بل إنّهم يحملون فكرة مغلوطة محشوّة بالغطرسة والاحتقار.

وعلى نقيض العادات الاستعماريّة السّائدة، أقام مالينوفسكي خيمته في قلب قرية عاش بين سكّانها المحلّيين. ولم تكن تجربته مجرّد فسحة مسلّية، فقد ذكر في جريدته بالمعنى الدّقيق للكلمة الصّعوبات الّتي اعترضته، وتحدّث عن الضّيق الّذي شعر به، وعن وهنه وعن حالات اكتئابه المتواترة.

إنّ أيّ شخص يتمّ انتزاعه مكرها أو طواعيّة من ثقافته يدفع الثّمن باهظا. لذلك من المهمّ جدّا امتلاك هويّة خاصّة ومحدّدة وكذلك الاقتناع التّامّ بقوّة هذه الثّقافة وقيمتها ونضجها. هكذا فقط يمكن للإنسان أن يواجه ثقافة أخرى بكلّ ثقة في النّفس. أمّا في الحالة المعاكسة فسوف يميل إلى الانغلاق في مخبئه، إلى الانطواء خائفا من العالم الّذي يحيط به. ومثلما أنّ الآخر ليس إلاّ انعكاسا لتصوّره الخاصّ به فإنّه هو نفسه كذلك في عيون الآخر. إنّه انعكاس يفضحه ويعرّيه لذلك يفضّل عادة تجنّب مثل هذه الأمور. ومن المهمّ أن نلاحظ، أنّه في الوقت الّذي كانت فيه أوروبّا مسقط رأس مالينوفسكي مسرحا للحرب العالميّة الأولى، كان الأنتروبولوجيّ الشّابّ منكبّا على دراسة ثقافة المبادلة. كان يشتغل على الاتّصالات بين سكّان جزر تروبريان وعلى طقوسهم المشتركة، وهي بحوث سينشرها في كتابه “مغامرو المحيط الهادئ الغربيّ” (1922) وسيصوغ انطلاقا منها أطروحته الأساسيّة جدّا بيد أنّها مع الأسف لا تلقى اهتماما كافيا: ” لنتمكّن من الحكم على شيء ما ينبغي علينا أن نكون على عين المكان.“ سيعرض مالينوفسكي أيضا أطروحة أخرى تعتبر جريئة جدّا في عصره: ” لا وجود لثقافات راقية وأخرى دنيا. لا توجد سوى ثقافات مختلفة، تلبّي كلّ واحدة منها على طريقتها حاجيات من يتقاسمونها وتطلّعاتهم“. فبالنّسبة إلى عالم الأعراق هذا، كلّ فرد ينتمي إلى عرق آخر أو ثقافة أخرى هو شخص ينطوي سلوكه ويحثّ على إجلال القيم القائمة واحترامها، وهذا ما يسري على كلّ واحد منّا.

كان مالينوفسكي يعدّ أشغاله في الوقت الّذي ظهر فيه مجتمع الجماهير. ونحن اليوم نمرّ بمرحلة انتقاليّة من مجتمع الجماهير إلى المجتمع الكوكبيّ. ثمّة عوامل كثيرة تساعد على هذا الانتقال: منها الثّورة الرّقميّة وتطوّر الاتّصالات المذهل والتّسهيلات الرّائعة في النّقل..وهي عوامل متّصلة بالتّحوّلات الّتي طالت عقليات الأجيال الشّابّة في حقل الثّقافة بالمعنى الواسع للكلمة. ففيم يمكن لكلّ هذا أن يغيّر من موقفنا تجاه الأشخاص المنتمين إلى ثقافات مختلفة عن ثقافتنا؟ كيف سيؤثّر ذلك في علاقتي بالآخر؟ إنّ الإجابة على هذين السّؤالين تلوح ضروريّة، غير أنّنا بصدد الحديث عن ظاهرة جارية نحن أنفسنا مغمورون بها.

لقد طرح مالينوفسكي مسألة العلاقة أنا- الآخر في إطار حضارة تاريخيّة واحدة ومنسجمة على الصّعيد العرقيّ. وقام بدراسة القبائل المايلانيزيّة في حقبة مازالت تحتفظ فيها في أعماقها بحالتها الأصليّة وبمنأى عن العدوى الثّقافيّة اللّاحقة. ولكن من ذلك الوقت فصاعدا سيكون الأمر نادرا جدّا. فالثّقافة تصير كلّ يوم أكثر هجانة وتداخلا واختلاطا. ومؤخّرا كنت في دبي شاهدا على مشهد معبّر جدّا: على شاطئ البحر كانت هناك فتاة تتجوّل، فتاة مسلمة دون أدنى شكّ؛ فشعرها وكلّ رأسها ملفوفان بحجاب إسلاميّ معقود بطريقة صارمة ومحكمة حتّى أنّ عينيها لا تظهران. ولكنّها في الوقت نفسه كانت ترتدي صدارا وسروال دجين مضغوطين عليها جدّا..

توجد اليوم مدارس فكريّة في مجالات كالفلسفة والأنتروبولوجيا والنّقد الأدبيّ تعير اهتماما خاصّا لكلّ آليات “التّهجين” والتّعدّديّة الثّقافيّة والتّلاقح الثّقافيّ. ونلاحظ ذلك بصورة خاصّة في المناطق الّتي كانت فيها الحدود بين الدّول حدودا بين الثّقافات ( كالحدود بين الولايات المتّحدة والمكسيك)، كما نلاحظه في المدن الكبرى مثل ساو باولو وسنغافورة ونيويورك، حيث يسود خليط من الأجناس والثّقافات الأكثر تنوّعا.

إنّنا نقول عن عالمنا الرّاهن إنّه متعدّد الأعراق ومتعدّد الثّقافات، لا بسبب زيادة ما في عدد المجموعات العرقيّة والثّقافات، بل لأنّ هذه تتكلّم بصوت مسموع وحازم أكثر فأكثر، مطالبة الاعتراف بقيمتها الحقيقيّة وبمكان لها حول طاولة الأمم.

يمثّل النّصف الثّاني من القرن العشرين لحظة تحرّر فيها ثلثا سكّان العالم من نير الاستعمار، وأصبحوا مواطنين في دول مستقلّة. وشيئا فشيئا أخذ هؤلاء النّاس في اكتشاف ماضيهم الخاصّ وثقافتهم ومخيالهم وأساطيرهم وحكاياتهم. أخذوا في اكتشاف جذورهم وهويّتهم. وحين أكملوا اكتشافاتهم تلك استمدوّا منها عزّتهم المشروعة. فهؤلاء النّسوة والرّجال الّذين كانوا في الماضي تحت الاحتلال يريدون، من هنا فصاعدا، أن يتحكّموا بأنفسهم في مصيرهم، وما عادوا أبدا يتحمّلون أن يعاملوا على أنّهم أشياء أو رسوم صامتة أو ضحايا سلبيون لهيمنة أجنبيّة منصرمة.

كلّ هذا يفتح الطّريق أمام عالم جديد كلّ الجدّة، بحيث لن تكون الخبرات المتراكمة على امتداد التّاريخ كافية ربّما لفهمه، ولجعلنا نستدلّ به. ومهما يكن، فيمكننا أن نسمّيه “معمورة الفرصة الكبرى” ولكن بشروط.

في هذا العالم الآتي سنلتقي في كلّ لحظة بآخر جديد، سينبثق شيئا فشيئا من فوضى معاصرتنا والتباسها، فعلينا إذن أن نحاول فهمه وأن نسعى إلى التّحاور معه. سيولد هذا الآخر من نقطة التّنازع بين تيّارين، تيّار العولمة اللّيبراليّة الّذي ينمّط واقعنا من جهة، ونقيضه التيّار الّذي يحافظ عل أصالتنا، على “لا قابليّة إعادة إنتاجنا”.

إنّ تجربتي في التّعايش طوال سنوات عديدة مع الآخرين البعيدين جدّا عنّا ـ نحن البيض الغربيين الأوروبّيين ـ علّمتني أنّ التّعامل الجيّد مع إنسان آخر هو الأسلوب الوحيد لرفع حبل الإنسانيّة المشترك.

فمن سيكون هذا الآخر الجديد؟ كيف سيكون لقاؤنا؟ ماذا سيقول الواحد منّا للآخر؟ بأيّة لغة سنتخاطب؟ هل سنحسن الإصغاء لبعضنا البعض؟ هل سنعرف كيف نتفاهم؟ هل سنعرف- نحن الاثنين- كيف نقتدي وفقا لعبارات جوزيف كونراد:” بمن يتحدّث عن قدرتنا على الفرح والإعجاب، ويخاطب إحساسنا بالغامض الّذي يلفّ حياتنا، يخاطب ملكة الرّحمة والجمال والوجع فينا، يخاطب الشّعور الّذي يشدّنا إلى الكون كلّه، يخاطب القناعة الهادئة ولكن الرّاسخة بالتّضامن الّذي يوحّد الوحشة في قلوب لا تحصى، يخاطب هذا التّضامن في الأحلام، في اللّذّة، في الحزن، في الانفعالات، في الأوهام، في الرّجاء، والخوف. هذا التّضامن الّذي يدني كلّ إنسان من جاره، ويضمّ الإنسانيّة كلّها بأمواتها وأحيائها، ثمّ بأحيائها وأولئك الّذين لم يولدوا بعد“؟

* المقال باللّغة الفرنسيّة منشور في صحيفة Le Monde Diplomatique – جانفي- 2006- صص 1415

** Ryszard Kapuscinski كاتب وأديب ورحّالة بولونيّ معاصر.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий