Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > مؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس- بقلم هاشم صالح

مؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس- بقلم هاشم صالح

نادرا أن يتاح لمفكّر أو حتى لشخص عاديّ أن يعيش مائة سنة كاملة. ولكن لا ينبغي أن نحسده كثيرا على ذلك. فكلود ليفي ستروس نفسه يعترف بأنّ تقدّم العمر يمثّل مشكلة أيضا لأنّه أصبح غير قادر من الناحية البيولوجية على العمل والإنتاج والإبداع. كلّ همّه أصبح يتمثل في محاولة الاستمرار على قيد الحياة لا أكثر ولا أقلّ. فتصبح الحياة بالتالي عبئا في مثل هذه الحالة أكثر ممّا هي متعة أو هديّة من القدرة الربّانية. أيّا يكن الأمر فقد أتيح له أن يعيش الوقت الكافي كي يكتب كلّ ما يريد ويعطي ما يمكن أن يعطيه. وهذا هو المهمّ.

ولد كلود ليفي ستروس في عائلة يهودية بورجوازية في الثامن والعشرين من شهر نوفمبر عام 1908 أي بعد جان بول سارتر بثلاثة أعوام فقط ولا يزال حيّا يرزق حتى هذه اللحظة في حين أنّ سارتر مات قبل أكثر من ربع قرن..وكان من المفترض أن يصبح فيلسوفا كسارتر لولا أنّ الأقدار شاءت له مصيرا آخر. فالواقع انّه درس الفلسفة مثل سارتر ولكنه زهد فيها لأنها كانت تجريدية أكثر من اللزوم آنذاك. ورغم أنّ جدّه كان الحاخام الأكبر لفرساي العاصمة الإمبراطورية لملوك فرنسا إلا أنّ علاقته باليهودية كدين ظلت واهية جدا. وهو لا يتردّد عن التصريح قائلا بأنّ أصوله اليهودية لم تعذّبه ولا اليهودية كدين. فهو يشعر بأنّه أقرب ما يكون إلى الديانة الإحيائيّة وبخاصة ديانة الشنتو اليابانية. وهي التي تمثل الدين الأصليّ لليابان في حين أنّ البوذية استوردت حديثا إلى تلك البلاد إذا جاز التعبير: أي في القرن السّادس الميلادي. وديانة الشنتو تقدّس الطبيعة تقديسا كاملا وتؤمن بالشرك أو تعدّد الآلهة. وهذا ما يعجب ليفي ستروس المولع بدراسة الحكايات الشعبية وأساطير الشعوب البدائية. إنها تؤمن بوحدة الطبيعة على طريقة ابن عربي وسبينوزا وآخرين. وبالتالي فهي المضادّ الكامل للديانات التوحيدية من يهودية ومسيحية وإسلام. وهي ديانات ينفر منها كلود ليفي ستروس على ما يبدو وخاصّة الإسلام كما سيرد لاحقا.. من هنا عدم اهتمامه إطلاقا بدين آبائه وأجداده. وربما كان لذلك علاقة بعدم مبالاته بإسرائيل بل وإدانته لمبدأ قيامها كما سنذكر لاحقا. والواقع أن عقيدة الشنتو تعني الإيمان بوحدة الوجود وأنّ الإنسان هو جزء من هذا الكلّ الغامر المدعوّ بالطبيعة آو الكون واسع الأرجاء. ودين الشنتو يملك مئات الآلهة من أرباب وربّات.

على أيّ حال فإنّ نقطة الانطلاق الأولى لكلود ليفي ستروس تعود إلى مكالمة هاتفية تلقّاها في خريف 1934 الساعة التاسعة صباحا كما يقول في كتابه الجميل: المداران الحزينان. فقد اتّصل به أحد المسؤولين عن التعليم الجامعيّ الفرنسيّ واقترح عليه منصب أستاذ علم الاجتماع في جامعة سان باولو بالبرازيل. وبقبوله لهذا المنصب كان قد حسم مساره الفكريّ. فهذا المنصب أتاح له أن يتعرّف على قبائل الهنود الحمر التي تسكن المناطق المحيطة بالعاصمة البرازيلية. وهكذا أصبح عالم اتنولوجيا بدلا من أن يصبح فيلسوفا كما كان متوقّعا من خلال دراساته الباريسية. ولكن هل تخلّى كليّا عن الفلسفة؟ أمر مشكوك فيه. فالواقع أنّ الدراسات الميدانية على أرض الواقع جعلت منه فيلسوفا أكثر واقعية وأقلّ تهويما في سماء التأمّلات الميتافيزيقية..

بعد عودته من سان باولو عشيّة الحرب العالمية الثانية انخرط في الحرب على خطّ ماجينو كعنصر تواصل وارتباط. ثم ترك الجيش المنهار المنهزم أمام هتلر وعاد إلى مهنة التدريس في ظلّ الاحتلال الألماني. ولكن سرعان ما اكتشفت حكومة فيشي العميلة أصله اليهوديّ فصرفته من الخدمة طبقا للقوانين العنصرية التي سنّتها. وقال له المفتّش العامّ آنذاك: كيف يمكن أن تذهب للتدريس في مونبلييه وأنت تحمل هذا الاسم؟ والمقصود اسم ليفي الدالّ على يهوديته..ومع ذلك فإنّه رفض أن يتحمّس للمشروع الصهيونيّ على عكس ريمون آرون وعشرات المثقفين اليهود الآخرين. وهنا تكمن عظمته في رأيي. فالمفكّر ليس عظيما بشهاداته العليا ولا حتى باكتشافاته العلمية بقدر ما هو عظيم بالانتصار على نفسه وعصبيته الدفينة وانتصاره لقضية الحقّ والعدل. يقول بالحرف الواحد هذا الكلام المدهش الذي نادرا ما يصدر عن مثقف غربيّ في حجمه يهوديا كان أم غير يهوديّ:

فهمي للمسألة الإسرائيلية مرتبط بمسألة أخرى أكثر حساسية بالنسبة لي وأقرب إلى قلبي. وأقصد بها تلك المأساة التي حصلت قبل عدّة قرون في الطرف الآخر من العالم. فهناك أيضا حصل نفس الشيء. فقد أتى إلى تلك البلاد مضطهدون ومقموعون آخرون للاستقرار في أراض ليست لهم، أراض مملوكة منذ آلاف السنين من قبل شعوب أكثر ضعفا من الفلسطينيين. ثم سارعوا إلى طردهم من ديارهم. وبالتالي فإنّي أشعر وكأن تدمير الهنود الحمر جرْحٌ في خاصرتي، جرح دامٍ. ولا أستطيع إلا أن أشعر بنفس الشيء تجاه العرب الفلسطينيين.

هذا الجرح العميق الذي أصاب ليفي ستروس عندما اكتشف حجم المجزرة التي أصابت الهنود الحمر من جراء اكتشاف أميركا ووصول الأوروبيين إليها سوف تكون له انعكاسات كبيرة على بحوثه وأعماله الفكرية. فالفكر المتوحّش لم يعد بدائيا إلى الحدّ الذي تصوّره علماء الانتربولوجيا طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين: أي طيلة مرحلة الاستعمار وسيطرة العرقية المركزية الأوروبية على العقول في الغرب آو حتى لدى بعض المثقفين في الشرق. انظر “الاستشراق معكوسا” حيث يتماهى المستعمر بفتح الميم مع المستعمر بكسرها إلى درجة أنّه يكره نفسه ويلعن ذاته. وهذا في الواقع قانون تاريخيّ كان ابن خلدون قد اكتشفه عندما قال بأنّ المغلوب يقلّد الغالب للاعتقاد بكماله. فهو يقلّده في شعاره وزيّه ونحلته وسائر عوائده. يقول أحد الباحثين ما معناه:

لكي نفهم النظرية الانتربولوجية لكلود ليفي ستروس في كتابه الفكر المتوحّش ينبغي أن نعلم ما يلي: في نظره لا يوجد أيّ فرق بين المبشر المسيحيّ الأوروبيّ الذي ذهب لاستعمار أميركا وبين الإنسان البدائيّ المتوحّش القابع في أعماق الغابات والذي لم يسمع بالمسيح أبدا ولا بالحداثة. ولكي نفهم الإنسان جيّدا، وهذا هو موضوع علم الانتربولوجيا، فإنّه لا يكفي أن ندرس أنفسنا على طريقة الفيلسوف الذي يمارس الاستبطان الذاتي للذات. ولا يكفي أن ندرسه من خلال فترة واحدة من فترات الماضي على طريقة المؤرّخ. وإنما ينبغي أن نحرق مراكبنا ونذهب بعيدا لكي نلتقي أولئك الذين يبدون بمثابة الأبعد عنّا. وعندئذ يمكن أن نقارن بيننا وبينهم ونكتشف الخصائص المشتركة والثابتة بين البشر. وهذا ما كان قد عبّر عنه جان جاك روسو الأستاذ الأكبر لكلود ليفي ستروس عندما قال عبارته الشهيرة: كي نفهم الناس يكفي أن ننظر إلى ما حولنا ولكن كي نفهم الإنسان ينبغي أن ننظر بعيدا..بهذا المعنى فإنّ روسو هو الذي أسّس علم الانتربولوجيا، أي علم الإنسان، كما يعترف كلود ليفي ستروس نفسه. فدون مقارنة بين شعوب مختلفة ومتباعدة لا يمكن أن نفهم القواسم المشتركة التي تجمع البشر على اختلاف أجناسهم وأديانهم وعاداتهم وتقاليدهم. ولا يمكن أن نفهم طبيعة الإنسان كإنسان. من هنا ضرورة القيام بأبحاث ميدانية على أرض الواقع في شتّى أنحاء العالم كي نتعرّف على أكبر قدر ممكن من الشعوب والثقافات البشرية قبل أن نحكم على الجنس البشريّ ونستخلص القوانين العامّة التي تتحكم به. من هنا أهمّية علم الانتربولوجيا: أي الدراسة المقارنة للأقوام والثقافات..

يرى ليفي ستروس أن ما كان ينقص علم الانتربولوجيا حتى الخمسينات من القرن العشرين هو نظرية تفسيرية شمولية للظواهر المدروسة أو المراقبة. كان يقول ما معناه: كلّ العلوم الإنسانية بحاجة إلى فلسفة تستخلص منها الدروس والعبر. وعلم الانتربولوجيا لا يشذّ عن القاعدة. وإذا كان ماركس قد استطاع بلورة هذه النظرية التأويلية لعلم الاجتماع فإنّ كلود ليفي ستروس سوف يبلورها بالنسبة لعلم الانتربولوجيا. وسوف تكون هذه النظرية التأويلية هي الفلسفة البنيوية آو بالأحرى المنهجية البنيوية. بهذا المعنى فإنّ البنيوية ليست إلا النظارات التي راح كلود ليفي ستروس من خلالها يفكّ رموز الحضارات..

كان اللقاء الحاسم لكلود ليفي ستروس والذي أدّى إلى ولادة البنيوية قد حصل مع عالم الألسنيات الروسي رومان جاكبسون في أميركا. فقد شرح له النظرية البنيوية قائلا: فم الإنسان يمكن أن يطلق عددا لانهائيا من الأصوات ولكنّ كلّ لغة مضطرة لاختيار عدد محدود منها لتشكيل نظامها اللغويّ. وعن طريق تضادّها مع بعضها البعض فإنّها تتوصل إلى التمييز بين المعاني. وبالتالي فإنّ كلّ لغة هي عبارة عن تنويع ما انطلاقا من بنية عامة تتجاوزه. البنية الأساسية لا تتغير ولكن اللغات البشرية المشتقة منها هي التي تتنوع بتنوع العربية والانكليزية والفرنسية وسواها من اللغات البشرية. على هذا المنوال راح كلود ليفي ستروس كعالم انتربولوجي يدرس أساطير الشعوب البدائية وعلاقات القرابة السائدة بينها. وراح يقارن بينها وبين ما هو موجود لدى الشعوب المتحضرة. واكتشف هنا أيضا أن البنية الأساسية واحدة على الرغم من تنوع تجلياتها. واستنتج أنّه فيما وراء تنوع الثقافات البشرية فانه توجد وحدة نفسانية مشتركة للجنس البشريّ. فالحضارات البشرية العديدة لا تفعل إلا أن تركب بطريقة مختلفة العناصر القاعدية المشتركة لكل البشرية.

وهذا يعني أن أساطير وقواعد الحياة الاجتماعية هي الموادّ الأولية أو الأساسية التي يرى فيها ليفي ستروس ما يدعى بالثوابت البنيوية. نضرب على ذلك مثلا الزواج بالمحارم. فهو يشكّل قاعدة اجتماعية متبعة في كلّ المجتمعات البشرية قاطبة. لا يوجد مجتمع بشريّ واحد يسمح بالزواج من الأمّ أو الأخت أو الخالة أو العمّة الخ. والمجتمع إذ يجبر أعضاءه على الزواج خارج العائلة يضمن الانتقال من مرحلة الإنسان البيولوجيّ إلى مرحلة الإنسان السوسيولوجيّ أو الاجتماعيّ. وعلى هذا النحو يتشكّل المجتمع. وبالتالي فهذا التابو يشكل نمطا من أنماط البنية الثابتة أو الثوابت البنيوية.

ثم يردف كلود ليفي ستروس قائلا ما معناه: إنّ ميزة دراسة البدائيين أو مراقبتهم هي أنّ مجتمعهم أصغر وأكثر بساطة. وبالتالي فإنّ الدراسة الشاملة له ممكنة ولا تعترضها عوائق كثيرة. وهنا نرى أنّه لا توجد حضارة بدائية بالمعنى الحرفيّ للكلمة ولا حضارة متطوّرة. وإنما توجد أجوبة مختلفة على مشاكل أساسية ومتماثلة. إذ أن المتوحشين البدائيين يفكرون بل إنّ الفكر المتوحّش أو المدعوّ كذلك ليس أدنى مستوى من فكرنا! بل إنّه معقّد جدا وليس بسيطا ولا بدائيا على عكس ما نتوهّم. الفرق الوحيد هو أنّه لا يمارس دوره مثل فكرنا. فالفكر الغربي محكوم بالتنظير التجريدي. بمعنى انه يفرغ ذاته من المدركات الحسية لكي يشتغل بواسطة المصطلحات والمفاهيم المجردة. أما الفكر المتوحش للبدائيين فإنّه يحسب لا عن طريق المعطيات التجريدية والمفاهيم النظرية وإنما عن طريق الخبرة العملية والمعطيات المحسوسة: كالروائح والألوان والموادّ المختلفة. وفي كلتا الحالتين فإنّ الإنسان يحاول أن يفهم الكون أو يفكّ طلاسمه ورموزه. والفكر البدائيّ المتوحّش يتوصّل إلى ذلك بطريقته الخاصّة تماما كالفكر الحديث.

ثم يردف مؤسس البنيوية قائلا:

ما يميز الإنسان “المتحضّر” بين قوسين عن الإنسان “البدائي” بين قوسين أيضا هو موقفهما من التاريخ أو الماضي عموما. فالبدائيون لا يحبّون التاريخ حسب رأي ليفي ستروس. إنهم يريدون أن يبدوا أكثر بدائية عمّا هم عليه في الواقع. نقول ذلك ونحن نعلم أنّ المجتمعات البدائية شهدت التاريخ أو الكثير من الأحداث التاريخية كالحرب والسلم وعهود السلالات الحاكمة والثورات. ولكنهم يفضلون نسيانها ومحو آثارها. وذلك لأنّ المجتمعات البدائية تفضّل أن ترى نفسها وكأنّها ثابتة لا تتغيّر لكي تبقى على حالها كما خلقتها الآلهة. أما بالنسبة لنا نحن المحدثين فإننا نفعل العكس تماما. فنحن نعبد التاريخ ونقدّسه ونبجله. وذلك لأنّه عن طريق الصورة التي نشكّلها عن تاريخنا فإنّنا نحاول أن نفهم الماضي والحاضر ونتوجّه نحو المستقبل. وهنا يقول ليفي ستروس عبارة مفاجئة ومزعجة للمؤرّخين المحترفين: إنّ علم التاريخ هو آخر أساطيرنا نحن المحدثين. ونحن نرتّب التاريخ ونتلاعب به على طريقة البدائيين مع الأساطير. نحن نتلاعب به بشكل اعتباطيّ كي نشكّل رؤيا شمولية عن الكون.

ويرى كلود ليفي ستروس أنّ اكتشاف أميركا والاستعمار الذي تلاه كانا بمثابة كارثة بالنسبة للجنس البشريّ. إنّه جريمة الجرائم. ولكنّ هذا لا يعني أنّنا مذنبون أو مسؤولون عما فعله كريستوف كولومبس ولا حتى عما فعله أجدادنا لاحقا. فلا يمكن تحميل الأجيال الحالية مسؤولية ما فعلته الأجيال السابقة. هذا محال. وبالتالي فإنّ شعور المثقفين الغربيين بالخطيئة والذنب تجاه العالم الثالث بسبب المرحلة الاستعمارية لا مبرّر له في رأيه. نقول ذلك خاصّة لأنّ مسؤولية القادة الحاليين للعالم الثالث عن تدمير الثقافات المدعوّة متخلّفة لا تقلّ خطورة عن مسؤولية الغرب إن لم تزد عليها.

ثم يسجّل كلود ليفي ستروس هذه الملاحظة التي تهمّنا نحن العرب: الثقافات لا تكون مبدعة وخلاّقة عندما تنعزل كثيرا وتتقوقع على ذاتها. ولكن ينبغي أن تنعزل قليلا كي تستطيع أن تهضم وتتمثل ما تستعيره من الخارج. وبالتالي ينصحنا بعدم الانعزال الزائد عن الحد وعدم الذوبان الزائد عن الحدّ. وهو يرى أنّ اليابان تحقّق هذا الشرط بشكل جيّد: فهي تمتصّ الكثير من الخارج وترفض الكثير. اليابان هي اكبر بلد مترجم في العالم. ولكنها لا تهضم ولا تتمثّل إلا ما يتناسب مع طبيعتها وعبقريتها التاريخية.

ينبغي أن نتوقّف هنا لحظة كي نشير إلى مناقشة بالغة الأهمية كانت أبحاث ليفي ستروس عن الفكر المتوحّش والبدائيين قد أشعلتها. فقد ردّ عليه عضو الأكاديمية الفرنسية روجيه كايوا متّهما إيّاه بالإعجاب المبالغ فيه بالمجتمعات البدائية المتوحشة. وقال له ما معناه: من غير المقبول إطلاقا أن تنكر فكرة التقدّم وتساوي بين المجتمعات البدائية والمجتمعات الحضارية. وانتهى كايوا إلى حدّ القول بأنّ الحضارة الغربية متفوّقة على بقية الحضارات البشرية الآخرى. وهاجمه أيضا من هذه الناحية المستشرق المعروف مكسيم رودنسون وآخرون عديدون. وحتى تودوروف الذي كان معجبا به كثيرا انتقده من هذه الناحية. صحيح أنّه أقرّ بعظمة أبحاثه التي وجّهت في الخمسينات ضربة موجعة للعرقية المركزية الأوروبية. كما شكّلت ثناء لا مثيل له على ثقافات الشعوب البدائية والمستعمرة من قبل الغرب. ولكن إذا ما نظرنا إلى الأمور بعد أربعين سنة من حصولها فإنّه يمكننا أن نوجّه إليه بعض الانتقادات الوجيهة. فقد سقط في نوع من النسبوية أو حتى العدمية إذ ساوى بين جميع الثقافات البشرية وقال بأنّ ثقافة قبائل الهنود الحمر لا تقلّ أهمية عن ثقافة مفكّري باريس! ولكن فيما يخصّ هذه النقطة يبدو أن ليفي ستروس تراجع مؤخّرا عن حماقته وأقرّ بتفوّق الحضارة الغربية من حيث التطوّر العقلانيّ وازدهار العلمانية وانتشار الفكرة الديمقراطية. وربما لعب اندلاع الحركات الأصولية الإسلامية دوره في تراجعه هذا. بل إنّ ذلك شبه مؤكّد. ثم يأخذ عليه تودوروف مساواته للإنسان ببقية الكائنات الحية الموجودة في الطبيعة بل وحقده على الإنسان لأنّه بتهوّره واستغلاله المسرف للطبيعة أدّى إلى انقراض الكثير من الأجناس الحيّة. ويرى تودوروف أنّ الإنسان يبقى أعظم مخلوق على وجه الأرض ولا يمكن أن نساوي الكائنات الآخرى به من حيوانية أو نباتية. يضاف إلى ذلك أنّ ليفي ستروس اعتبر الإنسان مسيّرا لا مخيّرا ونفى أيّ هامش حرية للإنسان. واصطدم مع جان بول سارتر في مناظرة شهيرة بهذا الخصوص. وعندئذ قال عبارته المعروفة: إنّ هدف العلوم الإنسانية ليس تشكيل الإنسان وإنّما تفكيكه وتذويبه وانحلاله إلى عناصره الأوّلية. وهي عبارة خطيرة في رأي تودوروف وغير مقبولة إلا جزئيا. صحيح انه لا يمكن فهم الإنسان جيّدا قبل تفكيكه: أي قبل تفكيك عقائده وطقوسه وعاداته لمعرفة منشئها التاريخيّ وكشف هالات الأساطير والقداسة عنها. ولكن بعد تفكيكه ينبغي تركيبه على أسس حرّة جديدة. وعندئذ لا يكون التفكيك غاية في حدّ ذاته وإنّما وسيلة من أجل التحرير: أي تحرير الإنسان من الانغلاقات الدوغمائية المتحجّرة والخانقة التي تقيّده وتضغط عليه. وبالتالي فأهلا وسهلا بالتفكيك ولكن من أجل التحرير. (أفتح هنا قوسا وأقول إنّ العالم العربيّ الإسلاميّ أحوج بألف مرّة من أوروبا إلى التفكيك. لماذا؟ لأنه منغلق على ذاته ويقينياته الجامدة منذ مئات السنين. هذا في حين أنّ مفكّري التنوير الأوروبّي لم يتركوا شيئا إلا فكّكوه في العقائد المسيحية على مدار ثلاثمائة سنة متواصلة. وذلك بدءا من سبينوزا وانتهاء ببول ريكور مرورا بفولتير وروسو وكانط وهيغل ونيتشه وماركس وفرويد وهيدغر الخ..) وأخيرا فإنّ تودوروف يعيب على كلود ليفي ستروس سقوطه في الدوغمائية المتحجرة التي طالما حاربها. كيف؟ عن طريق انبهاره بالبنيوية إلى درجة انه اعتبرها المفتاح الوحيد لفهم الظواهر البشرية والاجتماعية. وهكذا أصبح ليفي ستروس ضحيّة نجاحه ونجاح المنهجية البنيوية التي أسّسها وأشاعها في العالم كله. وفي رأي تودوروف أنّ هناك مناهج أخرى غير البنيوية ومفاتيح أخرى لدراسة النصوص الأدبية أو المجتمعات البشرية. ولا ينبغي أن نكتفي بها. والدليل على ذلك أنّ التحليل البنيويّ الشكلانيّ للنصوص الأدبية شعرية كانت أم نثرية كشف عن محدوديته بل وجفافه الناشف إذ حوّل النص إلى جثة هامدة مقطعة الأوصال وقضى على روح الأدب وطراوته بل وجوهره. لا ريب في أنّ المنهجية البنيوية ضرورية ومفيدة ولكن كمرحلة أولى فقط في دراسة النصّ لا كمرحلة وحيدة ونهائية كما توهّم ليفي ستروس وجحافل البنيويين العرب والباريسيين. ويمكن اعتبار نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني بمثابة نواة أولية للمنهجية البنيوية..وبالتالي فنحن العرب لنا باع طويل في هذا المجال وقد سبقنا البنيويين إلى هذه النقطة بمئات السنين وان كانوا قد تجاوزونا بمسافات بالطبع.

المصدر: منتديات ملاك روحي – من قسم: الفلسفة والعلوم النفسية والانسانية

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий