Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > ماني (216-276م) أولى محاولات الإنسان التنويرية

ماني (216-276م) أولى محاولات الإنسان التنويرية

الاربعاء 24 شباط (فبراير) 2010

بقلم: خضر الآغا

ربما لم يحدث، في التاريخ قديمه وحديثه، أن أقصيت بنية دينية أو معرفية، حتّى في شكلها البسيط، كما حدث مع ديانة ماني، أو المانوية كما يُطلق عليها. فقد اجتمعت عليها، وضدّها الزرادشتية واليهودية والمسيحية، والإسلام فيما بعد. رغم أنّنا نستطيع بتأوّل بسيط لمعتقداتها وأفكارها، أن نلاحظ أنها لم تظهر بهدف تدمير البنى الدينية والمعرفية التي ظهرت قبلها، بل لتطوير وتنقية وتنظيف البنية البابلية بكلّ ما تنطوي عليه من تعدّدية أقوامية وعقدية. فالبنية البابلية، كما بات معروفاً، أفضت إلى بزوغ نزعة تعدّدية، لم تتكرّر منذ اختفائها في الزمن القديم. فقد سمحت بتعايش عدّة آلهة في آن معاً، وكان لكلّ جماعة أن تعبد إلهها وفق ما طوّرت من معتقدات. وقد وصل الأمر بمردوخ ذاته: كبير الآلهة وزعيمهم، أن يتشارك اسمه مع آمون – رع. وهذا ما يعتبره آرنولد توينبي انعداماً للنزعة الحصرية في البنية البابلية. إنّ المجتمع البابلي هو المجتمع الأمثل للتعدّدية، فلم يسجّل التاريخ أيّة حركات انكماشية أو تمرّدية طيلة وجوده.

استمرّت البنية البابلية في إنتاج هذه الصيغ الكونية الفريدة التي ستبقى البشرية زمناً طويلاً تحاول، عبثاً، إعادة إنتاجها. واستمرّ برج بابل في إنتاج المعنى والدلالة، وإضفائهما على هذه الصيغ، إلى أن حدث التدمير الكارثيّ له، ما يعني تدمير تلك البنية المانحة والخالقة، فحدث، تبعاً لذلك، اضطراب وتشوّش في الكون، فبدا أنّ العلامات المبثوثة فيه لم تعد قادرة على القول الذي تنطوي عليه حقّا، وبدا أنّ اللغة التي ينطقها الجميع: الإله والإنسان، لم تعد واحدة، لقد انفصلت لغة الإله عن لغة البشر، ولم يعد المكان الذي يعيشون فيه معاً واحداً: أقام الإله في مكان ناء ومنعزل عن مكان البشر. لقد حدث، إذاً، أن وضعت أولى الحجب على الكينونة في انبثاقها الأوّل. وذلك كلّه مع بزوغ النزعة الحصرية للإله اليهوديّ وإقصائه الآلهة الأخرى، فيما يعرف بالديانة التوحيدية، وبالتالي تم شرخ ذلك الكون وتدمير تلك البنية.

وقد أكدت المسيحية الأمر حين اعتبر الأكليروس المسيحي أن العهد القديم جزء رئيس من معتقداتها، الأمر الذي جعل ماني يعتبر الأناجيل مكتوبة بأيد يهودية، أو أن اليهود، على الأقل، نقّحوها!

فكان عمل ماني هو إزالة الحجب عن الكينونة، وإعادة البنية البابلية إلى عملها ووجودها على أنها بنية شفافة تتبادل فيها الأذرع الأربعة للكون: الله والبشر والطبيعة واللغة الأدوار، ويتقاسمون الحصة ذاتها في الخلق.

تتمركز أفكار ماني حول هدف سام: إظهار الكينونة المحجوبة، وإعادة الكون إلى وجوده الأول وشفافيته الأولى، وذلك عبر تخليص الإنسان الأوّل من آلامه، وإعادته من عالم الظلام إلى عالم النور، وإعادة بناء برج بابل، ليكون مع ماني برجاً نورانياً يتّخذ اسماً آخر: “عمود النور”.

إنّ المحور الذي يقوم عليه نظام ماني يتألّف من عنصرين أساسيين: الربّ والمادّة، وهما يستمرّان باسم النور والظلام، دون أن يكونا اسمين لإلهين. يقول القدّيس أوغسطين على لسان فاوست: “لم يكن هناك أبداً اسمان لإلهين في تفسيراتنا (أي، تفسيرات المانويين) فنحن نعترف بوجود عنصرين رئيسين نسمّي أحدهما الربّ، والآخر المادّة، أو كما أقول وبشكل مألوف: الشيطان”، ويتابع: “إنني أبشّر أنّ هناك عنصرين رئيسين هما الربّ والمادة، فأعزو كلّ ما هو شرير إلى المادة، كما أعزو إلى الربّ كلّ قوّة خير كما هو لائق به”.

يذهب ماني في تفسيره المذهب التالي:

سيطر الربّ – أبو النور المبارك على مملكة النور التي تتألف من نور الأرض وضوء الفضاء، وهذان متطابقان من حيث أنّ مملكة النور هي جسد الله. نُصّب الله على عرشه في هذه المملكة، وأحاط به نوره، كما أحاطت به قوّته وحكمته. هذه السمات الثلاث لطبيعة الله: النور- القوة- الحكمة، شكّلت فيض وجوده. وهذه المملكة غير محدّدة شمالاً وشرقاً وغرباً، وقد تلاقت جنوباً مع الظلام.

ساد السلام والانسجام المطلقان هذه المملكة. وبالمقابل فقد تبدّى نقيض ذلك في مملكة الظلام، فثار سكّانها ودفع بعضهم بعضاً هنا وهناك، وقد أدّت حركة دورانهم إلى امتداد الظلام نحو الحافّة القصوى لمملكة النور، فتلاصقا. عندما رأى الشيطان وأعوانه الجمال السامي لهذه المملكة، استبدّ بهم شوق عنيف للتسرّب إليها والاندماج بها، فتسلّحوا وانقضّوا عليها، فأصبحت بذلك محاطة بالتهديد والاضطراب. هنا تحتّم على ملك النور أن يخرج عن صمته المهيب ورقوده الذاتي وعن فيض وجوده. وذلك، كما يقول ماني، “لكي يدافع عن نفسه وعن مملكته، حيث يجب عليه أن ينتقل من وجود التأمل إلى وجود الفعل”.

يمكن أن نلاحظ أنّ الكون النوراني الذي يريده ماني هو الكون البابليّ، فمنذ بدء تبشيره أعلن:

“أنا الرسول الشكور

المبعوث من أرض بابل”

لقد فسد الكون البابليّ إذاً. فقرّر الله – ملك النور أن يعيده إلى ما قبل التوراة والأناجيل، إلى شفافيته، حيث الله واللغة والطبيعة والإنسان يتشاركون في الخلق وفي الحضور. يقول ماني إنّ الإله الذي هو الكائن الأسمى كان نقياً، ولم يكن أهلاً للصراع والنزاع. فقام باستدعاء “أمّ الحياة” التي استدعت بدورها (نشاقدامايا) “الإنسان الأول” (نشاقدامايا، كلمة سريانية، تعني حرفياً: الإنسان القديم) فارتدى هذا دروعه وشرع بقتال قوى الظلام والمادّة والشرّ. تتكوّن دروعه من خمسة عناصر نورانية هي، في الحقيقة، جوهره وذاته الحقيقية، وهي: الهواء والريح والضوء والماء والنار. لكنّ قوى الظلام هزمته وسلبته دروعه. في التعبير المانوي: “التهمت أبناءه الخمسة”، أي العناصر النورانية الخمسة.

يشير جيواند نفرين (وهو متخصص بديانة ماني) أنّ ماني لم يستخدم تعبير “يخلق”، بل: “يستدعي” كإشارة إلى أزلية الكون. لكنني أعتبر أن ذلك يعود إلى أنّ ماني لا يريد خلق الكون مجدّداً، بل العودة إليه في صياغاته الأولى، يريد إظهار الكينونة المحجوبة وتنقيتها من الظلام الذي تسرّب إليها. فهو لم يزل يقرأ العلامات الأولى ويؤوّلها على أنّها نور تتوجّب تنقيته وإعادته إلى ما كان عليه قبل أن يتمّ العبث به وتأويله بما لا ينطوي عليه. أراد ماني إعادة ذلك الحقل الذي تتفتّح فيه العلامات وتلعب وتكبر في عالم من النور. المطلوب هو استدعاء العالم الموجود مسبقاً، إنما المُغيّب. المطلوب إذاً، هو استدعاء الكينونة في ظهورها الأوّل، والمحجوبة بفعل ما تراكم عليها من شرائع ولوائح.

تشير تعاليم ماني إلى أن “الإنسان الأوّل” نزل بملء إرادته إلى عالم الظلام، وذلك كي يفتدي مملكة النور، فضحّى بنفسه: ذلك أنّه عندما سمح بتبديد عناصره النورانية، أي: أبناءه الخمسة، كان يريد لها أن تتحوّل إلى سمّ قاتل: لقد التهم الظلام هذه العناصر، وبذلك قدّم لنفسه مادّة ذات اختلاف جوهريّ عن مادّته، وهي، لهذا، ستؤدّي إلى قتله. يشبّه جيواند نفرين ذلك بالقائد الذي يضحّي بطليعة جيشه كي ينقذ الباقي.

بعد ذلك، وفي عالم الظلام، صحا “الإنسان الأوّل” من غيبوبته، وأطلق دعاء، وعندها:

“استدعى إله العظمة مخلوقاً ثانياً

إلى حيز الوجود

إنّه صديق النور الذي

استدعى البناء العظيم ban rab الذي

استدعى الروح الحية”

تقدّمت هذه الأخيرة مع أبنائها الخمسة الذين استدعتهم أيضاً، وأطلقت صيحة مدوّية إلى الإنسان الأوّل، فاستجاب لها بهتاف مدوٍّ أيضاً. هذه “الدعوة” وتلك “الاستجابة” تمثّلان شخصيّتين سماويّتين مقدّستين، وعبر الحوار بينهما سيتمّ إرساء حالة تتكرّر باستمرار: إذ أنّ الإنسان كلّما وجود نفسه في ضيق، فإنه يطلق دعوة ينشد فيها الخلاص وتتم الاستجابة له.

يتابع ماني:

“ثمّ صرخت الروح الحيّة بصوت عالٍ

وكان صوت الروح الحية كالسيف الحادّ

وقد كشف عن شكل الإنسان الأوّل

وقال مخاطباً إياه:

السلام عليك أيها الممتاز بين الأشرار

أيها الّلامع وسط الظلام

ربَّ قائمٍ وسط وحوش الغضب

لا يعرف شيئاً عن عظمتك”.

وقد أجابه الإنسان الأوّل:

“تعال مع السلام، وأحضر

أسباب الطمأنينة والسلام”.

وتكلم معه قائلاً:

“كيف هي الأحوال مع أبنائنا- آلهتنا،

أبناء النور في مساكنهم”.

يلاحظ أنّ أوّل سؤال وجّهه الإنسان الأوّل كان عن أبناء النور، فقد كان يريد الاطمئنان فيما إذا كانت تضحيته وافتداؤه إياهم أدّيا إلى نتيجة، أم كانا عديمي الجدوى.

أبناء النور هم أقرباء الإنسان الأوّل، حسب تعاليم ماني، وهم جزء من العلامات الأولى المنثورة في الكون. إلا أنّ قوى الظلام تفوّقت عليهم وابتلعتهم، الأمر الذي أدّى إلى تشوّه تلك العلامات واختفائها، بما ينطوي عليه ذلك من اختفاء القدرة على الاستمرار في التأسيس الكونيّ في أولى صياغاته. وبما أنّ مهمّة ماني، ليست الخلق من جديد، إنّما إظهار العلامات الأولى وإعادة ترتيبها وجعلها تتكلّم بما تخفيه فيها، فإنّ السؤال الأوّل كان: هل عادت العلامات الأولى إلى وجودها البدئيّ؟ بما يعني من عودة الكون البابليّ للظهور مرة أخرى. إن ما يريده ماني، أيضاً، هو تجريد المسيحية من التأثيرات اليهودية.

بعد ذلك، مدّت “الروح الحية” يدها اليمنى إلى “الإنسان الأوّل”، فأمسك بها، وتم انتشاله من عالم الظلام، وارتفع مع “أمّ الحياة” و”الروح الحيّة”، وحلّق مثل النور، وعاد إلى مسكنه بجانب أبناء النور، بعد أن خاطبته “الروح الحية”.

“اجمع أطرافك

فلقد أعد الجمال السرمدي مطيّته مع المظهر النوراني ليبدأ زحفه”.

وأمسكته “أمّ الحياة” وقبّلته قائلة:

“ها قد عدت أيها الابن المنفي

أسرع واعبر إلى النور، فلطفك وعظمتك متلهّفان إلى لقياك”.

لكنّ الذي حدث نتيجة ذلك كان خطيراً. فبعد أن قهرت قوى الظلام ذرّات النور، نشأت حالة من الامتزاج مع قوى الظلام، وبقيت عناصر النور في مخاضات الظلام، وبالتالي فقد استمرّت “نفس وروح” “الإنسان الأوّل” مكبّلتين ومشوّهتين. لذلك تطلّب الأمر إنقاذهما وتحريرهما وإعادتهما إلى عالم النور. فبدأت مهمّة التحرير على يد “الروح الحيّة”، فظهرت الذرات النورانية التي لم تكن قد تلوّثت بعد، وصُنع منها فلكا النور: الشمس والقمر. وصُنع من الذرّات الملوثة جزئياً: النجوم. أمّا الملوّثة كثيراً، فكان لا بدّ، كي تمكن إعادتها إلى نقائها، من إجراء معقّد جدّاً: اخترع ماني قطعة آلية أصيلة، وهي عبارة عن عجلة كونية ضخمة جدّاً كأنها كوكب، وتشبه ناعورة الماء، وحدّدت ذرّات الشمس والقمر، وبزغت ذرّات النور المتّقدة كعمود من نور يعرف باسم “عمود المجد”. وسيتمّ رفع هذا النصب إلى السماء، مثل عمود ضوء كونيّ، وسوف تلغى قبّة السماء، وسيتمّ قذف الملعونين والشياطين وعالم المادّة والظلام إلى أخدود كونيّ سيغلق بصخرة عظيمة!.

هكذا تصوّر ماني الكون في هيئته الأولى: كون من نور، لا حواجز، لا لوائح، ولا شرائع. كون بابليّ، لكنّه عبارة عن حدائق من نور.

أدرك ماني أنّ برج بابل هو البنية التي انتظمت العلامات الكونية الأولى، وأنه: من جهة دالّ على وحدة الكون، ومن أخرى هو الذي يصونها، ومن ثالثة يحكي عنها بوصفه لغة، وأدرك أن لا وجوداً حقيقياً للكون على الهيئة البابلية إلا بهذا البرج، ولا عودة لذلك الكون إلا بعودته. فكان “عمود النور” هو البرج البديل الذي سيخترق قبّة السماء ويلغيها، لتزال آخر الحواجز بين الأضلاع الأربعة للوجود: الله، الإنسان، الطبيعة، واللغة، وبذا، تُزال عوائق الكينونة، ويتمّ الإفراج الكامل عنها. “عمود المجد” مثل برج بابل: بنية، لكنها تفوقها جمالاً في أنّها من نور.

إنّ الخطأ التاريخيّ الذي وقعت فيه المسيحية حين اعتبرت “العهد القديم” جزءاً من تراثها، كان لا يستقيم، من وجهة نظر ماني، مع الكون على الهيئة البابلية، لذلك كان لا بدّ من تسوية هذا الوضع المعوجّ وتصحيحه، وقد جاء ماني لهذا الغرض بالضبط.

ماني هو “الفارقليط” الذي بشر به المسيح. “الفارقليط”، كما ورد في انجيل يوحنا، هو “روح القدس” الذي يأتي عوضاً عن المسيح. يقول ماني في “الكفالايا” (kaphalaia تعني “الفصول”):

“قال (أي: المسيح): عندما سأذهب سأرسل الفارقليط إليكم

وعندما يأتي الفارقليط سيعود العالم بعيداً عن الإثم وسيتكلم معكم عن العدل…”

يتضح من المناقشات المانوية، أن المانويين يدافعون عن ديانتهم بوصفها الديانة المسيحية الحقيقية، منقاة ومصفاة من “العهد القديم” الذي اعتبروا أنه لا يقدّم أيّ دليل أو برهان على صحة الديانة المسيحية، واعتبروا أنّ قيمته تتجلى فقط للذين كانوا يهوداً ثم صاروا مسيحيين، وأكدوا أنّ حواريّي يسوع لم يؤلّفوا كتبهم الأصلية، وأنّ نصوصهم فيما لو كتبوها هم، فقد نقّحها كتّاب متهوّدون فيما بعد، لذلك لا بدّ من تدقيقها، فهي زائفة. من هنا، فإنّ المبدأ الموجّه للمانويين هو القيام بتمييز التحريفات التي شوّشت التعاليم النقيّة للأناجيل مع آراء الديانة اليهودية.

لقد أنكر ماني، وفق مناقشة أوغسطين بعد أن ارتدّ عن المانوية، بيّنة العهد القديم على أنّ يسوع هو المسيح حقاً. فما الدليل الذي لماني على ذلك من نافذة، وعلى أنه رسول من نافذة أخرى؟ لقد اعتمد على الوحي الذي أرسل إليه، وذلك بحضور الملك بهرام، حيث يقول: “في هذه السنة (كان عمره حسب ابن النديم، صاحب الفهرست، 12 عاماً) عندما كان الملك أردشير (الفارسي) على وشك التتويج، نزل الفارقليط الحيّ، وكلّمني للمرّة الأولى، وأباح لي معرفة السرّ المحجوب عن عصور وأجيال بني البشر، السرّ العميق والعالي، سرّ النور والظلام والحرب والحرب الماحقة، كل هذا أباحه لي”. إنّ الاعتماد على الوحي كاف، برأي ماني، على صدق نبوّة عيسى دون العهد القديم برمّته.

أمّا دليله على أنّه رسول، فقد اعتمد على أنّ عقيدته يجب أن تكون مقنعة بسبب قوتها الخاصة، وأنها يجب أن تكون معقولة لجميع أبناء النور. بالإضافة إلى ذلك، يستخدم ماني دليلاً قوياً على صحّة عقيدته، وهي أنّ المؤسّسين الدينيين الأوائل لم يؤلّفوا كتبهم بالطريقة التي أتى بها هو، وأنه كان يدوّنها بنفسه على خلاف سابقيه: عيسى وبوذا وزرادشت الذين دوّنت كتبهم بعد وفاتهم، وعلى يد من أتوا بعدهم.

ثمّة وصف لماني يظهر ولعه ومباهاته بكتبه، وهو أنه كان، على الدوام، يتأبّط كتاباً خطّه بنفسه باللغة البابلية (الآرامية المشرقية).

لقد اختار ماني لكتاباته لغة خاصة هي الآرامية الشرقية، وهي فرع متطابق مع السريانية الرهاوية (التي تطوّرت في الرها)، وهي اللغة الأكثر انتشاراً حينذاك، وقد كانت مستخدمة في التقاليد الأدبية الكنسية، هذه اللغة لم تكن تتطابق مع الكلام البابلي الشمالي المستخدم في التلمود، ولا مع الكلام الجنوبي المستخدم لدى المندعيين، بل هي لغة خاصة أتى بها ماني، كما لم يفعل أحد من الأنبياء قبله.

إضافة إلى نزعته الجمالية الفنية التي جعلته يوضّح كتاباته بالرسوم، عبر تقاليد فنّية خاصّة ومختلفة عمّا كان سائداً في القرن الثالث الميلادي (القرن الذي ظهر فيه). يشير ماني، بوصفه فناناً محترفاً، إلى أنّ تدوينه لتعاليمه بالشكل المفهوم، عن طرق الصور، مزيّة سما بها عن سابقيه: “..أما بالنسبة إلى جميع إخواني من الرسل الذين جاؤوا من قبلي، فإنهم لم يدوّنوا حكمتهم بالصور كما رسمتها”.

لأجل ذلك، لم يكن بحاجة إلى التوراة لإثبات نبوّة المسيح، فهو لم يعترف بالتوراة ولا بجميع الأنبياء المذكورين فيها، بدءاً من موسى. فالله، ملك النور، لم يبعث من رسل سوى “آدم ثمّ شيثا ثم نوح، وبعث زرادشت إلى أرض فارس، والبددة (أي بوذا) إلى أرض الهند، وعيسى إلى بلاد المغرب، وماني خاتم النبيين”.

إن قوة العقيدة المانوية، وفق أوغسطين، تكمن في مقدرتها على الإيحاء بتفسير شامل للكون، محاولة أن تقدم، أولاً، تفسيراً معقولاً للظواهر. وهذا يعني تزامناً بين الديانة والمعرفة، هذا من نافذة. من أخرى، إنها لم تُظهر أي بند من بنودها إلا بعد أن جرت مناقشته وإظهار صحته. بينما المسيحية، وفق أوغسطين أيضاً، تفرض الدين قبل العقل على أتباعها، وهذه مصدر فخر للمانويين، إذ إنهم لا يضعون نير الاعتقاد على امرئٍ دون إظهار مصدر للاقتناع.

لهذا لم يكن ماني بحاجة إلى التوراة ونبوءاتها بشأن المسيح. كما لم يكن بحاجة إلى نبوءات المسيح ذاته بشأن الفارقليط. لقد اعتمد على قوّة الكتابة لإظهار ذلك. إن مقدرته الأدبية والروحية الفائقة كافية، برأيه، على إثبات دعوته.

لقد قام بتأليف كتاب أسماه “الإنجيل الحيّ” أو “الإنجيل العظيم” المؤلّف من أسفار هي، بحسب البيروني، بعدد الحروف السريانية: 22 حرفاً، 22 سفراً، وقصد به أن يكون بديلاً لإنجيل عيسى، يلغي كافة الأناجيل، بوصفها كتبت، أو، على الأقل، نُقحت على أيدي متهوّدين. من الممكن، في سياق آخر، أن يكون فكّر بإنجيل مسيحي واحد.

هكذا أراد ماني إعادة الكون إلى صيغته الأولى، “إلى الحالة التي كانت قائمة قبل خلط النور والظلمة”، أي، الحالة ما قبل الشرائع والألواح التي شرخت الكون، وأخفت العلامات الأولى التي انبثق عنها. أراد تحرير الكينونة. وقد وجد استجابة شعبية كبيرة لأفكاره وعقيدته، ما يشير إلى توق عظيم للحالة البابلية وتلك الشفافية الفريدة التي أسستها وتأسست عليها، حيث أنّ العالم كان قد سئم الشرخ الذي حدث في الكون، والانفصال بين والله الإنسان والطبيعة واللغة، فلا صوت الله مسموع ولا صوت الإنسان يصل إليه، ثمة لغة نائمة في الأشياء وما من أحد يوقظها. وعندما ظهر ماني وطرح فكرة العودة إلى الحالة البابلية وجد تلك الاستجابة الشعبية، لاسيما أن عقيدته مجموع توفيقيّ من العقائد التي كانت تشكّل تقاليد محلية أصيلة، فلم يجدها الناس غريبة بشكل كبير عن تقاليدهم العقدية، خاصة أنها، كما ذكرت، اعتمدت على الإقناع وليس على الفرض. يقول جيواند نفرين: “إن دين ماني مزيج توفيقيّ من المسيحية والعقيدة الإيرانية مع مرتكزات من عقيدة بلاد الرافدين القديمة وفق الشكل الذي اكتسبته من العقيدة المعمدانية الغنطوسية. وأصبحت المسيحية والعقيدة الإيرانية معتادتين على نوع من التقوى الرافدية، لأنّ التقاليد المحلية مارست نفوذاً قوياً(…) ولهذا السبب كانت المانوية في وضع مناسب أكثر إشراقاً من أيّ دين آخر بين العالمين الدينيين المتنافسين(…): عالمي اللاهوت المسيحي والإيراني، كي يندمجا في كيان توحيدي أعلى يوضع تحت تصرف السكان الأصليين لبلاد ما بين النهرين بدرجة متساوية. هؤلاء السكان ذوي النتاج الغنطوسي المنبعث من العقائد البابلية- الآشورية التقليدية الموروثة”. يصف ماني هذا الطابع العالمي لتعاليمه فيقول: “كما أنّ نهراً يرفد آخر لتكوين تيّار دافق، كذلك صبّت الكتب القديمة في كتاباتي، فشكّلت حكمة كبرى لا مثيل لها في الأجيال السابقة”.

إلا أن هذه النزعة التوفيقية لا تعني أن تعاليمه مجرد مزيج من تلك العقائد، لكنها، وكما يقول بوخPuech : ” كانت تكميلية بمثابة سمات خارجية جاءت نتيجة جهد مدروس للتكيف والتبنّي من قبل ماني”. فلم يكن إذاً توفيقياً نتيجة سذاجة من نوع ما، بل كان من أعظم الواعين لذلك. يعتبر جورج قرم أنه لو وفق في محاولته هذه، لكان أتاح للأديان المتنافسة أن تنصهر في قالب جديد.

أمام هذا الاندفاع الكبير والانتشار الواسع لتعاليمه، وجد فيه الأكليروس الزرادشتي منافساً حتمياً لامتيازاته في البلاط الساساني خلال حكم الملك شابور المتأثر بالتقاليد الزرادشتية، فخلال حكمه مارس هذا الأكليروس دور محاكم التفتيش على الأقليات الدينية. وإنّ إبداع “الأفستا”: الكتاب الزرادشتي المقدّس، تمّ ليكون منافساً لكتب ماني. فقد كان على الزرادشتية أن تدافع عن نفسها بدءاً من منتصف القرن الثالث الميلادي. وهكذا قدّم كهنتها لائحة اتّهام بحقّ ماني إلى الملك بهرام جاء فيها: “بشّر ماني بمبادئ تعارض شريعتنا”، فأرسل هذا في طلب ماني وقتله. كان ذلك في العام 277 م. بعد موته ظلّت المانوية منتشرة ولها أتباع كثيرون، فقوبل مذهبه، كما يقول جورج قرم، بحرب عوان من المسيحية والإسلام. أمّا المسيحية فربّما لأنه، كما أرى، اتّهمها بأنّها متهوّدة ومحرّفة، وأمّا الإسلام فربّما لأنه قال عن نفسه إنّه خاتم النبيين، فيما، إسلامياً، فإنّ محمداً خاتمهم.

وهكذا، لم يصل ماني إلى هدفه، وبقي الإنسان الأوّل مغيّباً تحت نير الشرائع والألواح والنزعة الحصرية.

إنّ عدم السماح لأفكار ماني بالظهور والنموّ يعني عدم السماح للتعددية، ولوحدة الكون، وشفافيته حيث يشارك الإنسانُ الإلهَ في الخلق بالظهور والعودة مرة أخرى تحت أي ظرف، يعني تكريساً للنزعة الحصرية والإقصاء والقمع التي عانت البشرية منها، ولم تزل تعاني، حتى أيامنا هذه. يعني، أيضاً وأساساً، عدم السماح بإزالة الحجب عن الكينونة، وإبقائها تحت نير الشرائع واللوائح والأنظمة التي لم تنفك تقتل الإنسان. يعني عدم السماح بتنوير الكون والإنسان.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий