Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > ما هو الزمن؟ – فايز فوق العادة

ما هو الزمن؟ – فايز فوق العادة

المصدر: الجمعية الكونية السورية

لا نتناول في هذا البحث مشكلة التوقيت أو التقويم، لكن حديثنا سيتركز على مفهوم الزمن. ولإيضاح الفارق بينهما، نسوق المثال التالي عن التوقيت: من المعروف أن الوحدة الأساسية البنيوية في الكون هي المجرة؛ والمجرة galaxy هي تجمُّعٌ من عدة مئات من آلاف ملايين النجوم. أما النجم فهو الجسم الكوني الذي يطلق طاقته من ذاته بفعل التفاعلات النووية الاندماجية في باطنه. على أن ما يهمنا هنا هي الكيفية التي تموت النجوم وفقًا لها. ففي أحد النماذج ينفجر النجم في نهاية حياته انفجارًا مأساويًّا هائلاً، في ما يُعرَف بـ”المتجدِّد الجبار” Supernova، ويضيء كلَّ المجرة التي ينتمي إليها، حتى يصل إشعاعُه إلى أقاصي الكون. إضافة أخرى لا بدَّ منها، تتعلق بواحدة لقياس المسافات في الكون هي السنة الضوئية. إن السنة الضوئية، لا كما قد يوحي المصطلح للوهلة الأولى، هي واحدة لقياس المسافة؛ وهي تساوي المسافة التي يقطعها الضوءُ خلال سنة زمنية كاملة، مرتحلاً بسرعته المعهودة البالغة 300,000 كم/ثا. نفترض وجود مجرتين على بُعد 60,000,000 سنة ضوئية إحداهما عن الأخرى، وأن انفجارًا لمتجدِّد جبار وقع في المجرة أ. يتفق العلماء من كوكب مُنْتَمٍ لهذه المجرة على اعتبار الانفجار المذكور بداية تقويمهم. بعد 10,000,000 سنة يحدث انفجار مماثل في المجرة ب، يعتبره علماءٌ على كوكب من هذه المجرة بداية التقويم عندهم. يبلغ وميضُ الانفجار المجرة ب بعد انطلاقه من المجرة أ بـ60,000,000 سنة. يؤرخ علماء المجرة ب لهذا الحدث على أنه وَقَعَ في السنة 50,000,000، بينما كان علماء المجرة أ قد ثبَّتوا وقوعه في السنة صفر. على نحو مُناظر، يؤرخ علماء المجرة أ انفجار المجرة ب في السنة 70,000,000 بينما كان علماء المجرة ب قد اعتبروه بداية التقويم. نتوصل مما تقدَّم إلى أن مسألة التوقيت والتقويم هي مسألة نسبية صرفة، قد نحسبها ذات طبيعة مطلقة بسبب إيقاعات الحياة اليومية.

تهدينا البداهة إلى حقيقة أن الزمن ليس ظاهرة مستقلة، ولكنه تجريد للحركة والأحداث في معنى من المعاني. تذكر إحدى روايات الخيال العلمي أن حاسبًا إلكترونيًّا حاول، في سياق بحثه عن طبيعة الزمن، دراسة فترة لازمنية، فعمد إلى إيقاف الزمن. لم يخطر في بال الحاسب أن إيقاف الزمن يُفضي إلى توقُّف الحركة وإلى توقُّفه هو، بالتالي، وإلى تجمد العالم بأسره! ولعل إدراكنا المحدود للزمن يُعزى إلى حقيقة كونه لغةً للتعامل مع الأحداث.

إن للتغيرات التي تطرأ على أنماط الحركة أثرًا كبيرًا في السيالة الزمنية. تذكر المخطوطات اليونانية أن كسوفًا كليًّا للشمس حَدَثَ في أثينا يوم 14 كانون الثاني سنة 484 م. وقد أشارت الحسابات الأولية إلى استحالة مرور شريط الكسوف من أثينا؛ لكن عندما أُخِذَ في الاعتبار التغيرُ الذي طرأ على نمط دورة الأرض حول نفسها منذ ذلك التاريخ، تأكدتْ صحةُ المخطوطات المذكورة: ذلك أن الأرض تبطئ في معدِّل دورتها حول نفسها، وأن طول اليوم يزداد على نحو مضطرد.

لقد اعتُمِدَتْ – ولازالت تُعتمَد – ظاهرةُ الحركة في قياس الزمن. فبدءًا من الساعة الرملية وانتهاءً بساعة ليزر الميثان، كانت الحركة – ولازالت – عماد ذلك القياس. إن المتغيِّر الزمني الذي يدخل القوانين الفيزيائية اصطلاحًا هو تجريدٌ مُستمَدٌّ من خصائص حركة معينة، كعدد هزات نواس مرجعي أو موقع نجم على القبة السماوية.

إننا لا نعرف ما هو الزمن على وجه الدقة، لكن المخ الإنساني يستطيع صَوْغَ مجرَّداتٍ في خضمِّ منظومة من المجاهيل. تتجسد شجاعة المفكرين في تبنِّيهم هذه المجرَّدات والانطلاق بها إلى الأمام. ولا يوجد هنا ما يدعو إلى الإحباط؛ إذ إن أهم الأفكار هي تلك التي لا يمكن تعريفها.

ومثلما هي حالة المجرَّدات كذلك هو أمر النماذج. ما من أحد منَّا يملك طريقة لتخلُّل الواقع. فهو، عندما يتعامل مع كلِّ ما في محيطه ويخاطبه، إنما يتعامل مع النماذج العقلية لما في ذلك المحيط ويخاطبها. والعقل، من هذا المنظور، هو كون كامل. لا تختلف النماذج في درجة تجريدها عن المجرَّدات؛ إذ إن بزوغ النموذج ودخوله في العقل لهو تيار زمني في حدِّ ذاته، يرفد السيالة الزمنية الوحيدة الاتجاه والممتدة من الأزل إلى الأبد.

فما الذي يجعلنا أسرى الاتجاه الوحيد للسيالة الزمنية؟ ولماذا لا نستطيع التجول في الزمان بحرية مثلما نفعل في المكان؟

إن في إمكاننا نَمْذَجَةُ الأحداث الكونية في عموميتها، وذلك بنسبة الزمن إلى تغيرات مادية ملحوظة، كتغير الكثافة الوسطية للمادة في الكون أو تبنِّي محاور زمنية مختلفة الاستطالة، وفق ما تفرضه نظرية النسبية Relativity.

ملاحظة لا بدَّ من إيرادها قبل المضيِّ في بحثنا: فتعريف الزمن في الفيزياء يكاد أن يكون أقل تعريفات الزمن عمقًا بالمقارنة مع المناهج الفلسفية المتباينة. تريحنا نسبية أينشتاين – ولو إلى حين – من عناء تصوُّر برهة زمنية مطلقة بالغة الامتداد وَهَبَها استيلاد الكونُ للحياة. ففي النسبية، لكلِّ مرجع مكانُه وزمانُه، والزمان والمكان موجودان بقدر وجود المادة.

تفقد هيمنة وحدةُ الاتجاه في السيالة الزمنية الكثيرَ من مغزاها ضمن أُطُر النسبية، ويندمج المكانُ والزمان في عالم رباعي الأبعاد، يظهر فيه الزمانُ كندٍّ للمكان. على أن الفيزيائيين يعجزون عن تعليل ذلك، ويُحبَطون أيما إحباط حيال تساؤل من النمط التالي: ما الذي يجعل العالم رباعي الأبعاد؟ لماذا لم يكن مبنيًّا، مثلاً، من عشرين بُعدًا؟

تؤكد النسبية أن المُدَد الزمنية تزداد وتتسع إذا كانت سرعةُ المرجع المعتبَر كبيرة. ولما كانت النسبية تُعنى بالحركة النسبية بين مرجعين، فإن المدة الزمنية الخاصة بمرجع معيَّن والمَقيسة في مرجع آخر ستتمدد، شأنها في ذلك شأن مدة المرجع الآخر لدى قياسها في المرجع الأول. إن الزمن سيظهر في نظرية النسبية وكأنه ذو طابع ذاتي.

وهكذا، إذا ازدادت سرعة الجسم امتدَّ آنُه. على أن النسبية لا تسمح بالتسارع حتى سرعة الضوء. وفي النسبية، يشكِّل الضوء حيزًا قائمًا في ذاته، يمتد آنُه إلى الأبد. تستحيل السرعات فوق الضوئية في النسبية، لكن السنوات الأخيرة شهدت كَسْرًا لهذه المصادرة؛ إذ لا يستبعد العلماء المتأخرون وجود قُسَيْمات particles تتحرك بسرعات أعلى من سرعة الضوء. إلا أن الاتساق النسبوي يفرض أن تكون حركة هذه القُسَيْمات نحو الماضي؛ لذا فهي لا تحمل من المعلومات – إن وُجِدَتْ – إلا النزر اليسير.

غدت “مفارقة التوأمين” المنسوبة إلى أينشتاين في عداد الكلاسيكيات. تتلخص المفارقة بأن أحد التوأمين يغادر الأرض في سرعة كبيرة، ليعود ويجد توأمَه قد تقدَّم عليه في السن. ولما كانت النسبية، كما تقدَّم، تُعنى بالحركة النسبية بين مرجعين، لِمَ لا نعتبر أن التوأم الباقي على الأرض هو الذي تَسارَع وغادر التوأم الأول؛ وبالتالي، سيجد أن ذلك التوأم هو الذي عمَّر أكثر منه. يبدو هذا الأمر صحيحًا للوهلة الأولى، وأن الأمر ينطوي على مفارقة بالفعل. فمادامت الحركة نسبية فإن أيًّا من التوأمين سيحكم أن توأمه الآخر هو الذي غادره. وإن كان على علم بالنسبية، فإنه سيحكم أن التوأم الآخر ذاته سيبقى أكثر شبابًا منه. لكن ما يحدث بالفعل هو أن التوأم الباقي على الأرض هو الذي يشيخ قبل التوأم الآخر. فليس في الأمر أية مفارقة paradox. وما علينا إلا العودة إلى مبدأ كوني أساسي، اعتمده أينشتاين في صوغ نظريته، ألا وهو مبدأ ماخ: تصور ماخ أن الكون كلٌّ موحَّد، وأن محاولة الحركة في جزء من أجزائه تُقابَل بمحاولات كبح من قبل الأجزاء الأخرى فيما دُعِيَ بالعطالة inertia.

وفي صورة أدق، فإن الحركة ليست نسبية تمامًا في مثالنا؛ وكان يقدَّر لها أن تكون كذلك لو احتوى الكونُ التوأمين وحسب، وفيما عداهما كان خاليًا. لقد تَسارَع أحد التوأمين ليس بالنسبة إلى التوأم الأول وحسب، ولكن بالنسبة إلى مجمل المادة في الكون؛ وفي هذا ما فيه من كَسْر للتناظر. فلو تَسارَع أحدهما لبدا الآخر متسارعًا بالنسبة إلى الأول، ولَحافَظَ كلٌّ من التوأمين على شبابه بالنسبة إلى التوأم الآخر. لكن الواقع هو أن الكون يضج بالمادة، وأن أحد التوأمين تَسارَع بالنسبة إلى مادة الكون، ولم يعد التوأمان على قدم المساواة بالنسبة إلى تلك المادة. نذكر، في هذا السياق، أن المرجع الفيزيائي المتسارع بالنسبة إلى مادة الكون ينقل آثار هذه الحالة إلى البشر المرتبطين به. ولا أدل على ذلك مما يعانيه البعض من دوار وصداع لدى تسارُع الطائرة أو القطار الذي يُقِلُّهم. باختصار، إن الدوار سببُه التسارُع بالنسبة إلى مادة الكون.

على أن المفارقات الزمنية في النسبية لا تتوقف عند حدود هذه المفارقة. فالأبحاث المستجدة تأتي على الدوام مؤيدة لفكر أينشتاين. تبيَّن في الأبحاث الأخيرة أن الفراغ يطلق على الدوام نتفًا بالغة الضآلة من الطاقة ويمتصها. هكذا، إذا عَبَرَ ذاك الفراغَ متحركٌ بسرعة منتظمة – منتظمة بالطبع بالنسبة إلى مجمل مادة الكون – فلن يتحسَّس هذه الظاهرة؛ إذ إن الإطلاق والامتصاص المذكورين سيبدوان متوازنين بالنسبة إليه. ينطبق ذلك على مَن يتسارع تسارُعًا صغيرًا بالنسبة إلى مادة الكون في حدود تقريبٍ مقبولة. على أن الأمر يتغير جذريًّا عندما يكبر هذا التسارع؛ إذ ينكسر التوازن بين الامتصاص والإطلاق الآنفي الذكر؛ وإذ ذاك يحدث اختلالٌ في تعامل المتحرك مع فيض الطاقة الكونية من حوله، وتأخذ آثار بطء الزمان طريقها إليه.

يتبدى هذا الاختلال في نطاق محلِّي – أي بالنسبة إلى المتحرك نفسه – بارتفاع في درجات الحرارة. ولا يتعلق هذا الارتفاع بالاحتكاك؛ فالمتحرك المفترَض يمخر عباب الفضاء الكوني، الذي نعتبره هنا فارغًا تمامًا، في حيِّز الحركة، لكن النجوم البعيدة تملأ الفضاء السحيق. وبشكل أدق، إن ظاهرة ارتفاع درجة الحرارة في هذه الحالة هي أشبه بظاهرة تباطؤ الزمن: إنها ليست ميكانيكية أو حتى فيزيائية بالمعنى التجريبي القريب، بل هي قضية ظاهرتية كونية تتعلق بالكون وبالوجود بشكل إجمالي. ومثل هذا الأمر يحدث في الثقوب السوداء Black Holes: فهناك يتباطأ الزمن إلى حدِّ التوقف؛ ذلك أن الجذب الثقالي القوي يكافئ، من وجهة نظر أينشتاين، التسارع الكبير؛ وأيضًا ترتفع الحرارة في جوار الثقب الأسود للسبب ذاته. أما الثقب الأسود فهو تجمُّع مادي هائل في حيِّز بالغ الصغر، قد لا يتجاوز كيلومترات عدة في امتداده، وينجم عن ميتة النجوم الهائلة الكتل.

تمثل النسبية أقصى ما يمكن تحقيقه في نطاق السببية causality. فعلى الرغم من أن النسبية نحَّتْ جانبًا المفهوم المطلق للسيالة الزمنية، لكنها أبقت على مبدأ السببية في صيغة فيزيائية، حين عرَّفتْ بالفعل الفيزيائي بكونه تبادلاً للتأثيرات المادية في سرعة قصوى مسموحة هي سرعة الضوء. يختلف مبدأ السببية عن المبادئ الفيزيائية الأخرى؛ وهذا المبدأ هو خبيء السيالة الزمنية. لذا يمكن لنا القول إن في مبدأ السببية نوعًا من أنواع الميتافيزياء يكسر البنيان الأساسي للقوانين الفيزيائية، من حيث عدم إمكانية العودة بالأحداث إلى الوراء، والاقتصار على استخدام القوانين الفيزيائية للتنبؤ بالمستقبل فقط. ولكن ألا يمكن لنا أن نصوغ القوانين الفيزيائية بعيدًا عن مبدأ السببية بهدف إلقاء نظرة أعمق على الزمن؟ – ذلك أن الزمن يَرِدُ في القوانين الفيزيائية كمتغير مجرَّد.

لا يمثل مبدأ السببية قَدَرًا مطلقًا. ففي الثقوب السوداء يُخرَق مبدأ السببية. ولو اكتُشِفَت القُسَيْمات الأسرع من الضوء tachyons لأضافت إثباتًا جديدًا على إمكان خَرْق ذلك المبدأ. يتَّسق مبدأ السببية مع التناول المحلِّي للعالم. أما الدراسة الشاملة للكون فلا بدَّ فيها من إسقاط السببية؛ ومع إسقاط هذا المبدأ تبرز الحاجة إلى تعريف جديد للزمن. قد نظن، للوهلة الأولى، أن السببية مغروسة في صلب القوانين الفيزيائية؛ لكن الصحيح هو أننا نختار تلقائيًّا ما يتناغم والسببية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، نذكر أن معادلات ماكسويل في الكهرمغنطيسية لا تفرض حلولاً معينة؛ لكننا ننتقي عادة ما يتَّسق والسببية.

ما هي علاقة السبب بالنتيجة؟ ما الذي يمنع من إعادة تعريف المستقبل في الفيزياء (في القوانين الفيزيائية) باختزاله إلى نمط احتمالي تُضفي الريبةُ عليه طابعَها؟ إذا حاولنا الهبوط إلى عمق علاقة السبب بالنتيجة لما استطعنا أن نقف على سبب لازم وكافٍ لنتيجة معينة. ولعل السبب في أية نتيجة هو أقرب سبب إليها؛ لكن أقرب سبب إلى النتيجة هي النتيجة ذاتها. أما الأسباب الأخرى في السلسلة فتختلف في كفايتها وفق اشتراطات أخرى. هكذا، لا يمكن لنا التحدث عن تيار سببي حاسم، أي تيار زمني حاسم. وتبقى قضية السبب والنتيجة قضية معزولة نسبية. فماذا لو توقف حاسب إلكتروني، لا بسبب انقطاع التيار الكهربائي، بل بسبب حدوث هزة أرضية؟ ألعل الحياة في تفاعلاتها البيوكيميائية قد احتاجت إلى نَهْج السببية، وكان أن تطبَّعنا عليه، كوننا الممثلين الرئيسيين للحياة؟

لقد تغيرتْ صورة العالم من منظور علم جديد ولد مع مطلع القرن الماضي، هو الميكانيكا الكوانتية Quantum Mechanics. تُسقِط الميكانيكا الكوانتية الصفةَ المقرَّرة للعالم، محولة ذلك العالم إلى مجموعة من الأحداث العشوائية الاحتمالية. يختلف الفكران النسبوي والكوانتي فيما يتعلق بالزمن: فالزمن، وفقًا للمدرسة الكوانتية، هو تيار مطلق يمتد من الأزل إلى الأبد؛ أما الميكانيكا الكوانتية فلا تعدم المفارقات الزمنية، كما سنبيِّن بعد قليل. تستبدل الميكانيكا الكوانتية بظواهر الطبيعة توابعَ رياضية مجردة؛ وهذا الاستبدال لا يشكل تقابُلاً، كما قد يخطر ببالنا للوهلة الأولى. فإن دلَّت هذه التوابع على شيء، إنما تدل على احتمال وقوع حدث معين، ولا صلة لها بأسباب ذلك الحدث. تقوم الميكانيكا الكوانتية على مفهوم القياس، ووجود الأحداث فيها مرتهَن لقياسها. أما عن ردِّ الخصائص الفيزيائية المَقيسة إلى الأحداث المدروسة – وبشكل منفصل، عن أداة القياس والراصد – فذلك من باب صياغة المصطلحات لا أكثر.

تتمخض كلُّ عملية قياس في الميكانيكا الكوانتية عن عدد محتمل من النتائج؛ لكننا لا نقع في النهاية إلاَّ على نتيجة واحدة وحسب. وإن كانت عملية القياس مرتبطة بأداة القياس والراصد، فكأننا هنا نضبط جهاز القياس مسبقًا لإجراء قياس معيَّن، وكأننا نتوقع النتيجة مسبقًا. وإذا اعتبرنا عملية القياس سببًا، فالسبب هنا يرتبط بعدة نتائج. وهكذا، ليست علاقة السبب بالنتيجة في الميكانيكا الكوانتية هي علاقة واحد لواحد، بل واحد لعدة. وهكذا تكسر الميكانيكا الكوانتية سلسلتَها الزمنية المُحكمة لدى طرحها هذا التصور.

نتوقف عند التكشُّف التجريبي للحدث في الميكانيكا الكوانتية. لما كان الحدث احتماليًّا في الميكانيكا الكوانتية فقد ننتظر حدوثه وننتظر. فماذا إن لم يقع الحدث؟ هل يعني ذلك انتهاء السيالة الزمنية؟ أليس الحدث هو المَعْلَم الرئيسي – لا بل الوحيد – في مسار السيالة الزمنية؟ إن وقوع الحدث هو نوع من المفاجأة، حتى لو كنَّا قد أعددنا مسبقًا لذلك الوقوع. على أن الأمر لا يتوقف هنا. فقد تمَّتْ البرهنةُ مؤخرًا على أن الكمال مستحيل التحقيق. يُترجَم ذلك، في السياق الفيزيائي، إلى استحالة في تحديد الحدث تحديدًا كاملاً. ولكننا كنَّا قد ألمحنا لتوِّنا إلى حقيقة أن الحدث هو عماد الزمن. تبدأ الميكانيكا الكوانتية، إذن، من سيالة زمنية مطلقةِ الوجود والإيقاعات، لتنتهي إلى زمن يعتمد المفاجأة في تحقُّقه، وتُضفى عليه سمةُ الاحتمال، وقد لا يتحقق على الإطلاق.

بيَّنت الأبحاث المستجدة على قاعدة الميكانيكا الكوانتية أن المادة التي تسوق الأحداث تحقيقًا لمبدأ السببية تكاد أن تكون فراغًا تامًا؛ لا بل إن السيالة الزمنية الكوانتية المطلقة تتكون من فجوات لازمنية في حقيقتها. ولإيضاح ذلك نذكر أن الأتباع المتأخرين للمدرسة الكوانتية يصوِّرون العالم وكأنه مكوَّن من أصناف متباينة من القُسَيْمات. يتبادل أفراد كلِّ صنف التأثيرَ بانتقال قُسَيْمات وسيطة فيما بينها. ما يهمنا هنا هو لقطة من تلك الصورة وحسب. يُدعى صنف من أصناف الجسيمات باللبتونات leptons، وتنتمي الإلكترونات إلى هذا الصنف. أما قُسَيْمات الوساطة فهي ثلاثة قُسَيْمات، تبلغ كتلة أحدها 95 ضعفًا كتلة الإلكترون، بينما تبلغ كتلة كلٍّ من القُسَيْمين الآخرين 85 ضعفًا كتلة الإلكترون. عندما يتبادل لبتونان التأثير، يطلَق أحدُ هذه القُسَيْمات الوسيطة من اللبتون الأول، ليمتصَّه اللبتون الثاني دون أن تنقص كتلة الأول أو تزيد كتلة الثاني. لكن كيف يتأتى لقُسَيْمات خفيفة كاللبتونات أن تتبادل قُسَيْمات الوساطة المذكورة العظيمة الكتل؟ أين تذهب كتل هذه القُسَيْمات لدى تلقف أحد الليبتونات لها؟ وهل تولد كتلها من لاشيء لدى إطلاقها من لبتون آخر؟ واقع الأمر أن القُسَيْمات الوسيطة تستطيع أن تقترض ما تشاء من الطاقة مادامت عملية الإقراض هذه تتم خلال فترة زمنية بالغة القِصَر، أو لِنَقُل، “فجوة زمنية” (تسمى “فترة هايزنبرغ”). يُترجَم قَرْضُ الطاقة هذا إلى كتلة وفق معادلة أينشتاين التاريخية: E = m.c² (الطاقة تساوي الكتلة في جداء مربع سرعة الضوء)؛ وهذه الكتلة هي كتلة القُسَيْم الوسيط. ولكن، لما كان القَرْض لا يتحقق إلا عبر فجوة زمنية، فلا بدَّ أن يسدِّد القُسَيْم الوسيط ما اقترضه من الطاقة؛ ولا يمكن حدوث ذلك إلا بامتصاص أحد الليبتونات له في فترة زمنية بالغة الضآلة مناسبة للفجوة الزمنية. تتميز هذه الفجوة بولادة الطاقة من لاشيء وبخَرْق نواميس الطبيعة الأخرى كلِّها. على أن هذا الخَرْق يتلاشى باضمحلال الفجوة الزمنية.

ألم تسبق البوذية القديمة الميكانيكا الكوانتية في اختزالها السلسلة السببية إلى سلسلة لامادية؟ علينا أن نتذكر أن الزمن في الفيزياء تقليد للدورات الطبيعية ونموذج لها، وأن الطابع الموضوعي للمكان والزمان ينبثق من إقحام المكان والزمان كعنصرين أساسيين في المعادلات الفيزيائية.

لا نعرف على وجه التحديد كيف يتعامل الدماغ مع الزمن وكيف يدركه. على أن ما نعرفه هو أن استشعارنا للزمن أقل من تحسُّسنا للمكان بحوالى 300,000,000 مرة. نستطيع أن نعزو ذلك إلى الفجوات الزمنية التي أتينا على ذكرها سابقًا. بهذا تضعنا الميكانيكا الكوانتية، فيما يخص الزمن، على مساس مع الفلسفة. فمادام الأمر احتماليًّا برمَّته فلا مناص، إذن، من اللجوء إلى بعض المقولات الفلسفية لإيضاح ما نحن في صدد إيضاحه.

إشارة لا بدَّ منها قبل أن ندلف إلى عالم الفلسفة بحثًا عن ضالتنا المنشودة: الزمن. إن العالم احتمالي من منظور الميكانيكا الكوانتية؛ وهو حتمي مقرَّر، كما تراه النسبية. وقد سبق أن عَرَضْنا خلافات أخرى بين وجهتي النظر النسبية والكوانتية. لكن الغريب أن وجهتي النظر المذكورتين تلتقيان فيما بينها، لا بل وتتفاعلان مع عقول المجرِّبين؛ ويبدو العالم بذلك كلاً موحدًا، لا انفصال فيه ولا أجزاء. ألا تذكِّرنا هذه النتيجة بوجهة نظر ماخ التي قامت عليها نظرية النسبية، والتي ترى في العالم كلاً موحدًا يُكبَح كلُّ جزء فيه بفعل الأجزاء الأخرى؟

إلا أننا لن نعبر إلى الفلسفة مباشرة، بل سنعرج على بعض المنظومات الفلسفية العملية، كعلم النفس وما يخص مشاكل الإدراك والوعي، مثلاً، لأننا لا نستطيع تجاهُل الطابع الذاتي للزمن – وليس الظرف الموضوعي إلا تجليًّا ذاتيًّا في نهاية المطاف. نؤكد هنا أن المنهجية العلمية – لا بل العلمية الضيقة – هي فلسفة، وهي بهذه المثابة تحتاج، ككلِّ فلسفة أخرى، إلى تعليل.

يبدو أن التكرار هو سمة كونية أساسية. فقد تأكدت العلاقةُ بين البناء المكاني للبلورات وبين خصائصها الزمانية الدورية. تعدِّل البلورة آليًّا أيَّ تغيير يطرأ عليها. أوَليس التكاثر نمطًا من أنماط التكرار؟ ألا تمثل النشاطات الذاتية درجة الإيقاعات الدورية للمنظومات البرمجية الدفينة في أعماق كلِّ فرد؟ يُختزَل التأويلُ المعلوماتي لما تقدَّم بكون المادة معلومات مركزة والطاقة معلومات مبعثرة. تخترق المعلوماتُ الآتية من المحيط جلدَ الراصد، متحولةً إلى إشارات بطيئة في داخله؛ وهناك، في عمق الراصد، حيث تقبع وحدة الإدراك المركزية، تُضبَط تلك الإشارات البطيئة على خلفية الآن العميق؛ إذ إن الأصل في فهم الزمن هو أننا موجودون وأننا نرغب في استمرار ذلك الوجود. يتعلق الوعي، من هذا المنظور، بالصيغة الكلِّية للذات وبالصيغة الكلِّية للأنا وفق مدرسة الغشتالت Gestalt النفسية. ويتأكد ذلك باستمرار الوعي في حالة الصَّمَم والعمى. ولا نستبعد أن يكون الوعي حقلاً كمثل الحقل الثقالي والحقل الكهرمغنطيسي وسواهما – وإن كان التتبُّع في حالة الوعي مستحيل. وإذا قبلنا بفرضية الحقل، فما “الآن العميق” إلا التفسير النوعي لاجترار الوعي للمعلومات. يترتَّب على ذلك ألاَّ يكون دفقُ التوقيت الذاتي بالضرورة وحيد الاتجاه وألا يملك الوعي في ذاته آنًا خاصًّا.

إن النظرية القائلة بأن الوعي والإدراك الزمني هما وظيفتان ارتقيتا في سياق ظروف واشتراطات معينة قد ثبت خطؤها الآن. إذ لقد بيَّنت الأبحاثُ البيولوجية أن كلَّ خلية من خلايا أيِّ كائن حيٍّ تنطوي على الصفات الإجمالية لذلك الكائن؛ لا بل يمكن لنا أن نكرر ذلك الكائن بدءًا من أية خلية من خلاياه. ناهيك عن أن أبحاثًا مستمَدة من الرياضيات أثبتت أن التماثُل الوظيفي بين خليتين من خلايا المخ لا يستتبع، بالضرورة، التجاوُر الجغرافي بين الخليتين، ويبدو المخ وكأنه مغمور في متَّصَل continuum من الوعي. إلا أننا، في إطار هذا التفسير، مازلنا نحتاج إلى تحديد موقع دقيق للإرادة الفاعلة في معزل عن الظروف. فالإرادة، كما هو معروف، هي المحرك الأول للحقول، وهي التي تبث الحيوية في تلك الحقول. ألا يمثل قذف حجر تأجيجًا للحقل الثقالي تُمليه الإرادة؟ وماذا لو انساقت الإرادةُ وراء التعريف الاجتماعي للزمن؟ ألا يكبح ذلك من قدراتها على التأثير في مختلف الحقول؟

لا توجد نفسٌ بلا زمن؛ لكن لا يوجد زمن بلا نفس. تتعزز هذه المقولة بتأكد الفروق الفردية مع تقدُّم السن. يكوِّن الوعي والزمن والنَّفْس محيطًا واحدًا لا انفصام فيه. من هنا يبدو الزمن الخام صعبَ التوصيف. كذلك شأن العلاقة بين لقطة الحركة وبين آنيَّتها الظاهرية. لذا لا يمكن أن تُعزى الصلةُ بين الإحساس بالوقت وبين الممارسة إلى أولوية أيٍّ منهما. إن الظاهرتين الأخيرتين عمليتان مكرورتان، وليستا تلقائيتين أو أصيلتين. لذا كانت العلاقة البيولوجية الاجتماعية علاقة طقسية وحسب – أي طقسية ظاهرتية، لا تمتُّ إلى المفهوم العميق للزمن بأية صلة.

إن للزمن في علم النفس طيفًا واسعًا. فبدءًا من علم النفس الكوني الذي يطرح مصادرة غريبة، هي مصادرة الذاكرة، وانتهاءً بالساعة البيولوجية القابعة في عمق كلِّ كائن، نجد أن علم النفس يزودنا بذخيرة لا نهاية لها من المعلومات الزمنية البالغة الأهمية.

بدأت الذاكرة الكونية منذ الانطلاقة الأولى للانفجار الكوني البدئي Big Bang الذي أتى بالكون إلى الوجود. إن انفجار النجوم هو ذكرى ذلك الانفجار البدئي، وتطور الجنين في رحم أمه هو ذكرى الحيوات الأرضية الأخرى. أما الانطباع المعلوماتي في الدماغ، الذي يتبدى كذاكرة، فيُرَدُّ بدوره إلى حقيقة العطالة الكونية. فلولا العطالة لانمحى كلُّ شيء من الذهن على الفور. قد تكون الذاكرة، بهذا المعنى، بديل التيار الزمني الوحيد الاتجاه. ولما كانت عملية التخزين المعلوماتي في الدماغ منسوبة إلى العطالة، أي مقاومة أيِّ كائن لمحاولة تغيير وضعه، فإن التحويلات التي يتركها دفقُ المعلومات في الدماغ تبقى على ما هي لفترة قد تطول أو تقصر. من هنا تنشأ الذاكرة. على أن هذه الذاكرة، كما أشرنا، قد تكون هي المسؤولة عن خَلْق الإحساس بالفترة التي قد تطول أو تقصر. وإذ ذاك يتوقف طول المدة أو قِصَرُها على شدة المؤثر الفيزيائي. إن للذاكرة الدماغية أنواعًا ثلاثة هي: الذاكرة المباشرة، والذاكرة المتوسطة، والذاكرة البعيدة. تنطبق ملاحظتُنا عن الذاكرة في سياق العطالة على الذاكرتين المتوسطة والبعيدة. إننا نستطيع إدراك الذاكرة المتوسطة، حتى في حالة غياب إحساسنا بالزمن. والزمن، إذا اعتُبِرَ كترتيب للأحداث في الدماغ، فلن ينطبق على آليات الذاكرتين المتوسطة والبعيدة. وفي عبارة أبسط، لا يوجد وقت كافٍ للترتيب في هاتين الذاكرتين؛ ومن الأرجح أنهما تنطويان على قدرات إدراكية دفينة. إنهما غير زمنيتين.

لقد طوَّرت الكائناتُ الحية، على اختلافها، منظومات ضبط داخلية تفيد في التعامل مع الأحداث الدورية في المحيط. تُعرَف هذه المنظومات بـ”الساعة البيولوجية”. ويمتلك الإنسان ساعة بيولوجية مداها 24 ساعة، ويمكن إثبات وجودها ببعض المعالجات العصبية. وقد غاصت هذه الساعة إلى اللاوعي، على ما يبدو، منذ اكتشاف النار قبل 800,000 سنة. كما تمتلك المرأة ساعة بيولوجية شهرية قمرية تتكشف في الأحوال النفسية المضطربة؛ وقد غاصت بدورها في اللاوعي. أخيرًا لم يُكتشَف حتى الآن ما يشير إلى امتلاك الإنسان لساعة سنوية.

ما الذي نقصده بمصطلح “الآن”؟ قد يكون الآن هو الوقت برمَّته، لأن الماضي كان آنًا؛ والمستقبل بدوره سيكون آنًا آخر. يتصور البعض الآن وكأنه لحظة من الخلود. إن الخلود هو الأطروحة المناقضة للزمن، لكنه من طبيعة الزمن ذاتها. وأدنى سويات الخلود هو المفهوم المجسِّد للزمن كلِّه. إذا كانت القوانين الناظمة للكون خالدة، فستكون ممثِّلة للخلود، حتى لو لم يكن ثمة خلود. وقد اتفقت البوذية مع نيتشه على أن كلَّ فرد هو كون بأكمله، وأن كلَّ لحظة هي الخلود بأسره. أما ماركس فقد رأى أن العلاقة بين الأفكار خالدة، بينما الأفكار في ذاتها ليست خالدة. إنها معضلة كبرى – مشكلة الآن. أمن الممكن تعريف الزمن بآن أو آنات متتالية؟ قد لا يكون مثل هذا التعريف ممكنًا – ذلك أن الآن يمضي، ويُفقَد بذلك موطئ قدم لتعريف الزمن – ومع هذا الفقدان يفقد الآن معناه. ولو استعدنا صورة السهم الزمني الوحيد الاتجاه، الممتد من الأزل إلى الأبد، لما وجدنا فيها آنًا. إن الآن يفقد معناه أيضًا في هذه الصورة.

توقف كيركغور عند معنى اللحظة، بما تنطوي عليه من قرار مستقبلي وعَوْد إلى الماضي. إن اللحظة هي الأهم عند كيركغور؛ إذ تذوب فيها الأزمانُ كلُّها؛ وهي نوع من اللازمنية أو الخلود. إن لحظة الآن هي بداية التيارات الزمنية، سواء في اتجاه الماضي أو المستقبل. ونستطيع أن نقارن آراء كيركغور وآراء هيدغِّر ونعارض فيما بينها: فبينما يرى الأول في الماضي نمطًا من أنماط التفكير أو التجلِّي، يَسِمُ الثاني الماضي بسمة التكرار؛ وفي حين يختزل كيركغور الحاضر بكونه اللحظة أو التحول، يربط هيدغِّر الحاضر بفعل الكشف. أما المستقبل فهو انعتاق لدى كيركغور وحدس لدى هيدغِّر.

هل حقًّا أن الوجود ينطوي على “عَوْدٍ أبدي”؟ أم أن التيار الزمني سهم وحيد الاتجاه، يمتد من الأزل إلى الأبد، كما سبق وأشرنا؟ إن كان ثمة عَوْدٌ أبدي، فما من شكٍّ في أن الزمن سيكون دائريًّا. شهد تاريخ الفكر موضوعات متباينة في نطاق النموذجين. انطلق نيتشه من الزمن المستقيم ليبلغ الزمن الدائري؛ ومثله فعل الهنود، لكنْ لعلل مختلفة. أما العالم بولتزمَن فقد أتتْ محاولاتُه على العكس من ذلك تمامًا: ذلك أنه سعى إلى استنتاج الزمن المستقيم الوحيد الاتجاه من الزمن الدائري، مستخدمًا تقنيات فيزيائية صرفة، لكنه فشل في نهاية المطاف.

رأى لايبنتس الزمن في التاريخ الإنساني؛ ومثله هيغل، في مَعرِض من مَعارضه. إلا أننا لا نستطيع الأخذ بهذا الرأي. فأين يقع تاريخ الكون إنْ كان ذلك صحيحًا؟ ألا يعود بنا هذا الرأيُ إلى مبدأ المركزية الذي كان كوبرنيكوس قد تجاوزه؟ نستطيع تحديد موقع التاريخ الإنساني بصوغ نموذج زمن، الآن فيه هو الزمن الفيزيائي، والزمن البيولوجي هو الماضي؛ ويرتبط الزمنان من خلال التاريخ الإنساني.

لكن هيغل ذهب أبعد من ذلك: فقد رأى أن العقل يتطور في خضم الزمن، وأن النفي هو قوة الزمن التدميرية. وهكذا فإن النفي الزماني للمكان هو تحقيق واقعي له.

إننا، وفق هيغل، لا ندرك لحظات وأمكنة، لكننا ندرك هنات وآنات (جمع هنا وآن). إن هيغل هو مؤسِّس الفكرة العلمية المعاصرة المتعلقة بالمتصل الزماني–المكاني أي الزمكان أو الآن–هنا. والزمن لدى هيغل هو الحالة المجردة للإحساس والإدراك، وهو العامل غير المحسوس فيما هو محسوس. إن الزمان والمكان هما مجرَّدان من مجرَّدات للكون الخارجي (في المقارنة مع الكون الداخلي). والزمن هو الحادث نفسه، البارز ثم المندثر، وهو تجريد للنفي وللتدمير. وهكذا يشكِّل سياقُ الأشياء الواقعية الزمنَ؛ لكن فكرة الزمن تبقى فكرة خالدة، أي أنها فكرة لازمنية.

وبالمثل، يعرِّف سارتر الزمن. إنه ما ليس هو وما ليس هو: هو. لقد وقع الأدب المعاصر في مفارقة كبيرة حيال مشكلة الزمن: فمن جهة، طرح هذا الأدب فكرة التخلُّص من قيم الماضي؛ لكنه، من جهة أخرى، أصرَّ على أهمية الزمن كمفهوم خلفي وكأرضية للتقدم. إن محو الشخصية الإنسانية الذي يجري على صعيد العالم الآن ويفجر العالم في محيطات الاستهلاك هو قضية نقيضة، ربما تفرض العودة بالزمن إلى الوراء وإحياء القيم مرة أخرى.

هل تعني استحالة التدخل في أحداث الماضي أن كلَّ ما تحقَّق وما وُجِدَ قبلاً هو، في مجمله، خطة مقررة للأحداث المستقبلية؟ وماذا عن أمر الاختيار الأخلاقي إن كانت القضايا كلُّها قد قُرِّرَتْ سابقًا؟ صحيح أن الزمن يظهر كقوة فعل، مثل قولنا: “الزمن أكل الصخور”، كما أنه يمثل أهدافًا معينة، كتأكيدنا أن “الزمن سيقرِّر” أو أن “الوقت الملائم سيأتي”. لكن لا شيء يتحرك في المكان وحده أو في الزمان وحده؛ حتى الزمن ذاته لا يمكن أن يتحرك من دون المكان. لا بل إن الزمن لا يستطيع الحركة في معزل عن التفكير.

إن تسلسل الأحداث الزمني الفيزيائي غير طَبوق في حالة التفكير. فالأفكار السابقة والحالية والمستقبلية تقبع كلُّها في الفكر الآن وفي وقت واحد. وواقع الأمر أن المخَّ يشبه آلة زمن مصغرة، قد يكون في مقدورها – إذا تطورتْ وارتقتْ – العودةُ بالزمن إلى الوراء. وإذ ذاك يصبح التمييز الزمني مرتبطًا بالمعالجات الداخلية فقط. ولا غرو في ذلك: فقد أشرنا في المقدمة من هذه المقالة إلى أن ما من أحد منَّا يملك طريقةً لتخلُّل الواقع. فهو عندما يتعامل مع كلِّ ما في محيطه ويخاطبه، إنما يتعامل مع النماذج العقلية لما في ذلك المحيط ويخاطبها. وإذا كان للزمن طابعه الذاتي هذا، فما من شكٍّ في أن القرار الأخلاقي يؤكد هذا الطابع الذاتي للزمن؛ إذ يتم استدعاء المستقبل بهدف صوغ هذا القرار. الحق نقول إن زمننا الذاتي يجب أن يكون، من وجهة النظر الأخلاقية، أهم من الزمن الموضوعي الذي نعامل به الأشياء التي تعجز عن استقدام مستقبلها إلى الآن، كما نفعل نحن.

يذهب العالم هرمان فايل أبعد من ذلك، حين يقول: “كلُّ شيء موجود هناك.” ولكن يبدو أن كلَّ شيء يتحرك بالنسبة إلى بصيرتي التي تصعد ببطء خطَّ العالم الخاص بها. تبدو الموضوعية هنا كمجموعة من عوالم وأزمان.

واقع الأمر أن صعود البصيرة هو حدث فعلي، يصل في موضوعيته إلى حدِّ المشاركة في أحداث العالم. وإن كان للبصيرة هذا الشأن، فلا شكَّ في أن حقل الوعي، كما سبق وعرَّفنا به، هو جزء من مصداقية الوجود. ولا يمكن لشهادات الوعي المطلوبة في سياق هذه المصداقية أن تُستجَرَّ ما لم يكن الزمن عَكوسًا reversible. وإن شئنا الاستطراد في هذا النهج من التفكير، فسنخلص إلى مفارقة كبيرة: إذ لو صنَّفنا الزمن كبيِّنة على الوجود، لوَجَبَ أن يكون الزمن وحيد الاتجاه، أي غير عَكوس irreversible.

لو ربطنا الزمن بثنائية الموت ومعرفة الذات، لوَجَبَ أن نقرَّ بأن إحساس الآن إنما يتأتى عن تمييز الذات لبيولوجيتها وحركتها في المحيط؛ وإذ ذاك ينقطع الماضي، وينحل الحاضر، ويندثر المستقبل، ولا تتبقَّى إلا لوحة واحدة ساكنة ومتماسكة من الأحداث.

الزمن، من المنظور الاجتماعي، هو خروج على الذاكرة المعرفية. ذلك أن السياق الاجتماعي يغدو مصادرة فعلية عند اقتفاء أثره؛ مما يُفضي إلى حَجْبِ الحقيقة بغلالة لا تمتُّ إلى الحقيقة المبتغاة بصلة. ولا أدلَّ على ذلك من أن الزمن الاجتماعي صار يقوَّم بالنقود؛ بل لقد غدا أغلى منها! إن الصناعيين والمحاربين المعاصرين يحاولون استعارة الوقت من المستقبل. وتقود الوتائر المتسارعة للإنتاج إلى تساؤل يتعلق بإمكانية إنتاج الزمن، تمامًا كما هي الحال لدى إنتاج أية سلعة أخرى. هذه الإمكانية مستحيلة. وتضفي هذه الاستحالة راحةً على أفئدة طلاب الحقيقة، إن لم يكن لسبب فلأن الاستهلاك يقصِّر الزمن ولا ريب. إن الزمن الاجتماعي تافه. كذلك التوقيت هو مجرد ممارسة تافهة.

كانت أحداث قياس الوقت في الماضي تختلف وتتباين باختلاف وتبايُن النشاط المقيس. وقد شهد العصر الحديث توحيد تلك الواحدات، مثلما تمَّ توحيد النَّقْد (العملة) على هامش تبسيط عمليات الإنتاج وتسريعها. نجم عن ذلك اغترابٌ في علاقة الذات بالزمن. فكم هي مضجرة، مملة وكئيبة، تلك الساعات الطوال التي نقضيها في عمل نعدم أيَّ اتساق معه، وتفرضه علينا الاشتراطات الاجتماعية؛ وكم هو مفرح ووثَّاب ذلك الزمن الذي يمرُّ بنا، بينما نحن نقدِّم جهدًا اخترنا بَذْلَه في معزل عن أية قيود.

إن لمعرفة العالم وسائل وطرائق: منها، مثلاً، أن نحاول الاتحاد بالعالم ضمن استجابة عميقة لأرفع الأعمال الموسيقية. تتيح لنا تلك الاستجابة أن نقرأ في تفاصيل الزمن، متجاوزين ما قد يقدِّمه التأمل من حدس، لا بل وأن نرتحل بعيدًا ضمن التشكيلات الكبرى للزمن. ولا تتجسد أهمية الموسيقى في سماعها، بل في استلهام المغزى الزمني منها. أما أن نطبِّق الزمن على الموسيقى، فذلك أمر آخر؛ إذ يخلق فينا ذلك وَهْمَ الحركة، فنبتعد عن المَحاور الزمنية الحقيقية، ويلبس المكان طابعًا مستنقعيًّا. هذا هو عين ما يحدث لدى محاولتنا الإصغاء إلى ما يُعرَف بمصطلح “الموسيقى الحديثة”.

تتميَّز الموسيقى الرفيعة بموازنة دقيقة بين الكمِّ المعلوماتي والتكرار. وفي محاولته تفهُّم تلك الموسيقى، يحاول الإنسان إسقاط المعاناة المعرفية ومماثلتها أمام ناظريه. إن ما نعنيه بكلمة الموسيقى فيما يلي هي هذه الموسيقى الرفيعة. إن الموسيقى موائمة زمنية كونية. ويمكن للموسيقى أن تمدِّد الزمن.

تستطيع الموسيقى أن تقدِّم لنا استعارة كونية نختبر الزمن من خلالها. ذلك أن الموسيقى هي فعل فيزيائي، وهي انفعال إنساني. إن تأليف الموسيقى هو نشاط حدسي يتجاوز المصادرات المنطقية – ومن هنا علاقتُها بالمفهوم العفوي للزمن. ترتبط الموسيقى بالذاكرة، كما تتناغم مع إيقاعات الذاكرة: فكما أن لكلِّ عمل موسيقي هوية، كذلك فإن الذاكرة هي هوية الفرد الإنساني. وكما أن للذاكرة جذورها العطالية، كذا شأن الموسيقى. وما خلود النغم إلا نوع من أنواع العطالة.

تتسق الموسيقى مع الحدود الآنية للذاكرة. فكما أن سهمًا زمنيًّا قصير المدى يوجِّه الذاكرة إلى الفعل التالي، كذلك ننتظر النغم التالي في الموسيقى. وبذا تتناغم الموسيقى مع البيِّنة الزمنية المباشرة القائمة على ضرورة التوجُّه نحو الهدف التالي.

تتماثل الموسيقى، من المنظور الأشمل، مع الذاكرة أيضًا. إن النشاط البعيد للذاكرة يجري، على الأرجح، وفق أحكام الميكانيكا الكوانتية. وتبدو لنا الأعمال الموسيقية الكبيرة – بالمثل – غير ذات مغزى للوهلة الأولى، كما تتكشف عن أكثر من احتمال لدى تكرار الانفعال المديد معها. نميِّز هنا بين الفنون الزمنية، كالموسيقى والشعر، والفنون المكانية، كالعمارة والرسم.

لا ندَّعي هنا أننا حللنا مشكلة الزمن في هذه المقالة؛ إذ لا يلوح في الأفق حلٌّ قريب لها. كما نقر أننا لم نفِ الزمن حقَّه من الحديث. وهل في مقدور أيِّ حديث مثل ذلك الوفاء؟! ذلك أن الزمن يحيط بالكلِّ، ولا يحيط بالزمن أيُّ شيء. إن الزيادة المطردة للفوضى – أي الإنتروبيا entropy – تعرِّف بالزمن المألوف اللاعكوس الذي انطلق مع ولادة الكون.

لقد تطرَّق المعري إلى الزمن المألوف المؤسَّس على الفوضى:

واللبيبُ اللبيـبُ مَن ليـس * يغتـرُّ بكوْنٍ مصيرُه للفساد

فسادٌ وكونٌ حادثان كلاهما * شهيدٌ بأن الخلقَ صُنْعُ حكيم

يحطِّمنا ريبُ الزمان كأننا * زجاجٌ ولكن لا يُعاد لنا سَـبْك

تصوَّر المعري أزلية الزمن:

يُفني ولا يفنى ويُبلي ولا يبلى * ويـأتـي برخـاء وويـل

ولـو طارَ جبريلُ بقية عمره * عن الدَّهر ما استطاع الخروج [من الدهر]

نَـزول كمـا زال أجدادُنـا * ويبقـى الزمـانُ على ما ترى

أما المكان فثابت لا ينطـوي * لكـن زمـانك ذاهبٌ لا يثبت

وما الإنسان في التطواف إلا * أسـير للزمـان فمـا يفـك

وعن الفترة الزمنية المنطقية قال المعري:

وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآتٍ بما لم تستطعْه الأوائل

تطرَّق المتنبي إلى نفس الفترة:

وقت يضيع وعمر ليت مدَّته * في غير أمَّته من سابق الأمم

أتى الزمان بنوع في شبيبته * فسرَّهم وأتيناه وعلـى الهرم

تحدث المتنبي عن أزلية الزمان بقوله:

صَحِبَ الناسُ قبلنا ذا الزمانا * وعَنَاهم من أمره ما عَنَـانا

يقبع الخلودُ كهاجس في أعمق أعماق النفس البشرية. وقد أسْقَطَ الإنسانُ هاجسَه هذا على الإيديولوجيا، حيث يرتبط تحقُّق الخلود بتنفيذ سلوك معيَّن. وضمَّنه كذلك في فلسفة العلم، حيث يُطوَّر العلمُ لإصلاح كلِّ ما يطرأ على الخلايا في نهاية المطاف، إبعادًا لشبح الموت وتحقيقًا للخلود. لعلَّ هذا الهدف هو الذي أسبغ سمةَ العكوسية على كلِّ قانون من قوانين الفيزياء. إذا اختزلنا إشكالية الخلود إلى سوية الحياة الفيزيائية، نستنتج أن ظاهرة الحياة لا تموت في الكون. لا نقصد هنا النوع الإنساني حصرًا؛ إذ لا يُعقَل أن يكون الكون بأسره قد اختُصِرَ في الكائن الإنساني. إن الانقراضات الجماعية للكائنات الحية على الأرض، التي تكررتْ كثيرًا عبر التاريخ الطويل لكوكبنا، لهي أكبر دليل على صحة ما ذهبنا إليه: إن الزمن الكوني ليس زمن الإنسان.

لقد رسم بولتزمان الزمن اللاعكوس المؤسَّس على ازدياد الإنتروبيا. وقد وقف بوانكاريه ضد بولتزمان، فصاغ نظرية رياضية مفادها أن أية منظومة، إن تُرِكَتْ وشأنها لفترة زمنية طويلة، تعود إلى ما كانت عليه في الأصل. ثَبَتَ خطأ هذه النظرية من الناحية الرياضية بعد عدة عقود. كما لا نقبل الآن بآراء مرشيا إلياده حول العَوْد الأبدي. على أية حال، إن الزمان بشقَّيه – الماضي والمستقبل – ليس كالمكان بشقَّيه – اليمين واليسار. ونجد لدى بريغوجين آراء تُناقِض آراء بولتزمان. فوفق بريغوجين، يتحقق الانتظام الذاتي auto-organization في خضمِّ التيار المتصاعد للفوضى. يجد مثل هذا الانتظام دعمًا جزئيًّا في التفاعلات الكيميائية التي تتوسط لذاتها، كما في حالة الأنزيمات وتفاعلاتها.

سبق أن تطرَّقنا إلى ظاهرة الشواش Chaos. إن زمن الشواش لا يحاكي التيار الزمني المألوف. أما البنى المتبددة dissipative structures فإنها تمر عبر كافة الحالات، أي في كلِّ اللحظات الزمنية. ولا يحتاج بعض الأحداث الفيزيائية إلى فترات زمنية، كالقفزات الكوانتية quantum leaps مثلاً: إن انتقال الإلكترون من سوية طاقية إلى سوية طاقية أخرى يتم بقفزة كوانتية، دونما حاجة إلى زمن.

تقول إحدى النظريات الأساسية في الفيزياء: لو شكَّلنا خيال منظومة فيزيائية في مرآة، وعَكَسْنا الشحنة الكهربائية لكلِّ قُسَيْم في المنظومة، وقلبنا أخيرًا التيار الزمني، إذن، لاستمرت الفعاليات الخاصة بالمنظومة دون تغيير.

إن إمكانية الحديث عن الزمن لن تنتهي مادام الزمن باقيًا. أما من جانبنا، فلا نجد مناصًا من أن نوقف حديثنا عن الزمن. لكننا لن نستطيع التحرر منه، كما ذَكَرَ المعري.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий