Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > محمد أركون ومشروعه – هاشم صالح

محمد أركون ومشروعه – هاشم صالح

كثيراً ما طرح عليّ هذا السؤال: لماذا كل هذا الإلحاح على اركون؟ ألا تعتقد بأنك تبالغ في أهميته؟، وما هو الشيء الذي قدمه للفكر العربي أو الإسلامي؟.. وأعترف بأن التساؤل كان يحيّرني ويدهشني في كل مرة، فقد كنت اعتقد بأن الترجمات التي قدمتها حتى الآن (حوالي العشرة كتب وآلاف الصفحات..)، كافية للبرهنة على أهمية هذا المشروع وضرورته بالنسبة للعرب والمسلمين ككل. وأنا واثق من أن هذه الأهمية، سوف تتجلى للناس أكثر فأكثر بمرور الأيام، وإلا فإني أكون قد أضعت خمسة وعشرين عاماً من عمري عبثاً!..

عندما ابتدأت بترجمة اركون لم تكن مشكلة الأصولية المتعصبة قد أصبحت الشغل الشاغل للناس، كما هو عليه الحال في هذه الأيام، كانوا يضحكون عليك وأنت ذاهب لحضور دروسه في السوربون عن الفكر الإسلامي، كانوا يقولون لك بأننا تجاوزنا مرحلة الفكر الديني وأصبحنا ماركسيين، تقدميين من آخر طراز!، فما بالك تشغل نفسك بأشياء قديمة عفى عليها الزمن؟.

الشيء الذي كان يثير استغرابي لدى بعض المثقفين العرب «التقدميين»، هو الهشاشة والسطحية، لكيلا أقول المراهقة الفكرية. وكنت أجد عكس ذلك تماماً في الدرس الأسبوعي الشهير لاركون. فالرجل يأخذ التراث الديني على محمل الجد، ويعرف قيمته ووزنه التاريخي، ويعرف أن تجاوزه لا يمكن أن يتم بشكل ناجع، إلا من خلال مقارعته والدخول معه في معركة المصارحة الفكرية المفتوحة على مصراعيها.

لماذا نجح مشروع اركون وفشلت كل مشاريع تجديد التراث أو نقد العقل العربي أو سوى ذلك؟، لسبب بسيط، هو انه يذهب إلى المشاكل الأساسية ولا يتحاشاها. ينبغي القول هنا بأن وجوده في جامعة أجنبية، يؤمّن له حرية في التفكير لا يمكن ان توجد في أي جامعة عربية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتحليل الفكر الديني، وبالتالي فهناك بعض الأعذار لأصحاب المشاريع الأخرى الذين لا يتمتعون بهذا الامتياز، ويخافون بالتالي من طرق الموضوعات المحرمة، لكن هذا لا يكفي وحده لتفسير سبب نجاح الرجل في تشخيص المشاكل الأساسية للفكر الإسلامي. هناك أسباب أخرى ليس أقلها السيطرة الكاملة على المصطلح والمنهج، ثم المقدرة على تطبيق العلوم الإنسانية على تراثنا العربي الإسلامي من دون أن يبدو ذلك تعسفياً وكأنه مقحم من الخارج، يضاف إلى ذلك الجرأة الاقتحامية لمفكر شديد المراس.

من يجرؤ على دراسة ظاهرة الوحي من وجهة نظر تاريخية ومقارنة؟، من يعرف كيف يطرحها من خلال ثلاثة تراثات دينية توحيدية وليس تراثاً واحداً ومن دون أن يقطعها بالضرورة عن مفهوم التعالي؟، من يعرف كيف يطبق على النص القرآني ثلاثة منهجيات متتالية: المنهجية الألسنية أو اللغوية الحديثة، فالمنهجية التاريخية والسوسيولوجية، فالمنهجية الفلسفية؟، بعدئذ تشعر وكأن القرآن قد أُضيء لك من كافة جوانبه واتخذ كل معانيه وأبعاده من خلال ربطه بلحظته التاريخية التي ظهر فيها: أي القرن السابع الميلادي، ثم من خلال ربطه بالنصوص الأخرى التي سبقته، وبعدئذ تشعر وكأنك قد تحررت من أثقال الماضي ونفضت عن ذاتك غبار القرون المتطاولة، بعدئذ تشعر وكأنك قد وصلت إلى المنبع الأساسي، إلى أصل الأصول، إلى غاية الغايات.

لذلك قلت أكثر من مرة بأن منهجيته في دراسة التراث تشبه التحليل النفسي بالضبط، فهي تؤدي إلى تحرير الشخصية العربية ـ الإسلامية من الداخل، ودرجة درجة، خطوة خطوة. انها تحرر الإنسان المسلم من كل التصورات الخاطئة او الرؤى الغيبية والأسطورية التي تربّى عليها وتشرّبها بشكل عذب مع حليب الطفولة. لقد تربّى عليها وكأنها حقائق يقينية لا تناقش ولا تمسّ، ثم يجيء اركون لكي يفكّك له كل ذلك حجرة حجرة، وجداراً جداراً، ويقول له كيف حصلت الأمور بالضبط، وعندئذ يفهم عبارة نيتشه المرعبة «آه أيتها الحقيقة، يا أكبر كذبة في التاريخ!»، عندئذ يتمكن من تشكيل صورة تاريخية ناضجة عن تراثه ويحقق مقولة كانط، فيلسوف التنوير الأكبر، ومعلوم أنه كان يعرّف التنوير على أساس انه انتقال البشرية من مرحلة التصور العقلي والتصورات الطفولية الساذجة، إلى مرحلة سن الرشد والبلوغ العقلي.

متى ستنضج البشرية الإسلامية وتستنير فكرياً؟، عندما تقبل بأن تخرج من مرحلة «الطفولة العقلية» وتدرس ماضيها بطريقة علمية، كما فعلت الأمم المتقدمة في أوروبا، هل تعتقدون بأن التراث المسيحي لم يكن عزيزاً على قلوب الأوروبيين الذين جُبلوا به جبلاً طيلة ثمانية عشر قرناً؟، ومع ذلك فقد ابتدأوا منذ القرن الثامن عشر، أي منذ عصر التنوير، بل وحتى قبل ذلك بقليل، بدراسته على ضوء العقل والعلم وحقائق التاريخ. ولم يعودوا يتقبلونه بشكل تسليمي جاهز، كما كانوا يفعلون سابقاً. ولم يمت تراثهم بعد هذه العملية الجراحية الخطيرة، إنما أصبح أكثر تسامحاً وحرية.

على هذا النحو خرجوا شيئاً فشيئاً من الفضاء العقلي للقرون الوسطى ودخلوا في الفضاء العقلي للعصور الحديثة، ومن قال لكم بأننا لن نشهد نفس الظاهرة، بل واننا انخرطنا فيها حالياً؟، من قال بأن التخلص من التأويل القديم ـ إن لم نقل الخرافي ـ للتراث الديني، يعني خيانة الدين أو المساس بثوابت الأمة ومقدساتها؟، لن ينتهي الدين بعد عملية التنوير، إنما سوف يتخذ حلّة جديدة ومفهوماً آخر، بل سوف أقول بأن جوهر الدين لن يظهر، أو لن ينكشف، إلا بعد القيام بهذه العملية التعزيلية الهائلة من النقد التاريخي. أما الآن، فتغطي عليه طبقات من القشور المتراكمة وأكداس الغبار. انظر إلى الكتب الصفراء القديمة، أقول ذلك وأنا اعتذر للمعري:

وقبيح بنا وان قدم العهد

هو ان الآباء والأجداد..

لكن يبقى صحيحاً القول بأن عملية الانتقال من التصور اللاهوتي القمعي للقرون الوسطى إلى التصور العلماني الحر للعصور الحديثة، لن تتم من دون نزيف داخلي حاد واختلاجات هائجة. وهذا ما يحصل الآن بالضبط، فكلما اقتربنا من حقيقتنا المطموسة اكثر زاد النزيف والاختلاج، وهنا يكمن وجه الشبه في عملية التحليل النفسي، مع الفارق هو ان التحليل هنا يشمل مليار شخص، فمن المعروف انه كلما اقتربت من العقدة النفسية الرهيبة التي تشكلت في أعماقك أثناء فترة الطفولة الأولى، زاد هيجانك ورعبك. ومن المعلوم انك ستحاول تأجيل لحظة المواجهة الصاعقة للذات مع ذاتها إلى أقصى حد ممكن وسوف تحاول بألف وسيلة ووسيلة أن تتحاشاها، لكن هذا الاقتراب أو تلك المواجهة تشكل شرطاً لا بد منه لتحريرك. كذلك الأمر فيما يخص التراث الديني وحقائقه الدفينة، فكلما اقتربنا من منطقة الحقائق الكبرى التي تشكلت أثناء العصور الأولى، كلما زادت اختلاجاتنا الهائجة. واللحظة الأصولية التي نعيشها الآن ونكتوي بحرّ نارها، ليست إلا تعبيراً عن هذا الوضع. لذلك قلت اكثر من مرة واقول الآن بأن الظاهرة الأصولية ليست إلا محاولة يائسة ـ آخر محاولة ـ لتأجيل عملية المواجهة التاريخية للذات الإسلامية مع ذاتها. فهناك خوف مرعب من ان تنكشف الحقائق الكبرى للتراث، إذا ما طبقنا عليه المنهج التاريخي. هناك خوف من أن نفقد الكثير من تصوراتنا الراسخة التي عشنا عليها منذ مئات السنين، ولهذا السبب لوحق المفكرون في أوروبا، بل وتعرضوا أحياناً للتصفية الجسدية عندما اقتربوا من منطقة الحقائق الساخنة للتراث المسيحي، لكن الأوروبيين لم يقلعوا حضارياً إلا بعد أن اقتربوا منها وصفّوا حساباتهم مع التركة الثقيلة للماضي. ولهذا السبب يُلاحق المثقفون في العالم العربي والإسلامي اليوم، فهناك يد خفية، جماعية، جبارة، تريد ان تمنعهم من الاقتراب من تلك المنطقة المحرمة، فلنحاول اذن ان نقترب منها بهدوء، وعلى مراحل، كما يفعل اركون، لنحاول ان نراعي الحساسية العامة للشعب، وان نسير به وبأنفسنا شيئاً فشيئاً نحو نور الحقيقة..

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий