Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > محمد اركون ورؤية تفعيل المنهج الانثروبولوجي في دراسة القرآن والنصوص المقدسة – محمد ديلان حنون

محمد اركون ورؤية تفعيل المنهج الانثروبولوجي في دراسة القرآن والنصوص المقدسة – محمد ديلان حنون

محمد أركون باحث ومؤرخ ومفكر جزائري، ولد عام 1928 في بلدة “تاوريرت ميمون” بمنطقة القبائل الكبرى الأمازيغية بالجزائر، وانتقل مع عائلته إلى بلدة عين الأربعاء (ولاية عين تموشنت) حيث أكمل دراسته الإبتدائية بها، كما أكمل دراسته الثانوية في وهران، وابتدأ دراسته الجامعية بكلية الفلسفة في الجزائر ثم أتم دراسته في السوربون في باريس.
يتميز فكر “أركون” بمحاولة عدم الفصل بين الحضارات: شرقية وغربية واحتكار الإسقاطات على أحدهما دون الآخر، بل يدعو إلى إمكانية فهم الحضارات دون النظر إليها على أنها شكل غريب من الآخر، وهو ينتقد الإستشراق المبني على هذا الشكل. وعُين “اركون” أستاذا لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة في جامعة السوربون عام 1968 بعد حصوله على درجة دكتوراه في الفلسفة منها، وعمل كباحث مرافق في برلين عام 1986 و 1987، ويشغل ومنذ العام 1993 منصب عضو في مجلس إدارة معاهد الدراسات الإسلامية في لندن. (المصدر: ويكيبيديا-الموسوعة الحرة) ………...
ويتناول “اركون” مشروعه الفكري اذ يفصح عنه بالقول: انّ مشروع “نقد العقل الاسلامي” لا ينحاز لمذهب ضد المذاهب الاخرى ولا يقف مع عقيدة ضد العقائد التي ظهرت أو تظهر في التاريخ، انه مشروع تاريخي وانثروبولوجي في آن معا؛ انه يثير اسئلة انثروبولوجية في كل مرحلة من مراحل التاريخ… ولا يكتفي بمعلومات التاريخ الراوي المشير الى أسماء وحوادث وأفكار وآثار دون ان يتساءل عن تاريخ المفهومات الاساسية المؤسسة كالدين والدولة والمجتمع والحقوق والحلال والحرام والمقدس والطبيعة والعقل والمخيال والضمير واللاشعور واللامعقول… والمعرفة القصصية (اي الاسطورية) والمعرفة التاريخية والمعرفة العلمية والمعرفة الفلسفية ….. (محمد اركون: اين هو الفكر الاسلامي المعاصر ……).
وحسب “اركون”: ان مفهوم العقل الاسلامي يتقيّد بالوحي أو المعطى المنزّل، ويقر ان المعطى هو الاول لأنه الهي، وان دور العقل ينحصر في خدمة الوحي اي فهم وتفهيم ما ورد فيه من احكام وتعاليم وارشاد، ثم الاستنتاج والاستنباط منه، فالعقل تابع وليس متبوع ……..
ثم يعرج على الدين ويقول: لا بدّ من دراسة الدين كظاهرة والقرآن ايضا كظاهرة قرآنية، وعندما نتكلم عن الظاهرة يعني ان هناك شيئا لا يمكن ان نفهمه بسهولة لأنها مشكلة مربكة، معقدة جدا، صعبة الفهم، …. لذلك لا بد من دراسة الدين والقرآن دراسة انثروبولوجية ….. ويرى “اركون”: بأننا الى يومنا هذا لم نتبن المقاربة السوسيولوجية للظاهرة القرآنية …..!!!!.
ويرى الأستاذ “محمد أركون” أن الإسلام بتنوع تعبيراته الثقافية وتجلياته التاريخية يبقى على غرار جميع الأديان -باستثناء المسيحية- تحديا للعلوم الاجتماعية، فإنه يرى بالمقابل أن العلوم الاجتماعية إذا طُبِّقت التطبيق المناسب فإنها تمثل (تحدياً للإسلام) في واقعه المعيشي والملموس، وبمثل ما يدعو الأستاذ “أركون” إلى ما يسميه النقد العلمي “للعقل الديني” في تجلياته التاريخية فإنه يدعو بالمقابل إلى النقد العلمي “للعقل العلماني” ذاته، ذلك أن موقف الأستاذ “أركون” من مسألة العلمانية يتسم بدرجة عالية من التركيب تتضح في محاولته الجادة لتجاوز الثنائية التقليدية التي تقابل بين العلماني والإيماني، حيث أنه يرفض ما يسميه العلمانية النضالية أو السطحية التي لا تُعير أي اهتمام للظاهرة الدينية ولا تدرك وظائف القصص والرمز والعلامة والمجاز في توليد المعاني وبالتالي في توليد كل أنظمة الدلالة التي يفسر البشر بواسطتها العالم.
وبما أن الأستاذ “أركون” يصدر عن الرؤيا الأنثروبولوجية التي تَعتبر أن النظام السياسي والاجتماعي والقانوني والاقتصادي مشتق من الأنظمة المعنوية والرمزية والسيميائية التي تتحكم بالحساسية الفردية والجماعية، وبما أنه مُدرك لعجز الحداثة عن التوصل إلى حل نهائي للمسائل الإنسانية الجذرية التي تتعلق بالمعنى والقيمة والعدالة والمقدس والرغبة في الخلود، فإنه يدعو إلى ما يسميه العلمانية المنفتحة أو الجديدة التي تؤلف بين الإنسنية الحديثة والإنسنية الدينية ويُعرف الأستاذ “أركون” هذه العلمانية المنفتحة بأنها موقف الروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أمام مشكلة المعرفة ومع ذلك فإنه يقدر صعوبة هذه الدعوة حيث يقول: إن العلمانية قضية شائكة لا في الشرق فحسب بل إنها لا تزال قضية شائكة حتى في الغرب.
ويلح “أركون” على استخدام”الأنثروبولوجيا” في دراسة وتحليل الفكر الاسلامي لأنه يعتقد انه (العلم الوحيد الذي يعطينا المفاتيح اللازمة والمناسبة لاكتشاف الثقافات الأخرى والمذاهب المختلفة والاهتمام بها، من دون النظر إلى تلك الثقافات والمذاهب نظرة متعالية ومليئة بالازدراء). و”الانثروبولوجيا” فهي ما تزال مجهولة كعلم واهمالها سيبقي تفكيرنا ضيقا وسيصاحبه دائما ما -لا يمكن التفكير فيه- لأننا نعرض عن ميادين عديدة من التفكير ونفضل أن نجهلها ونعزلها وننقطع عنها على الإهتمام بها والاستفادة منها، ولنفيد أيضا، لأن الثروة الثقافية بهذا ستكون أكبر في الفكر الإسلامي وبالتالي سيجذب الناس ويثير اهتماماتهم لأنه يتبنى هذا الموقف الفكري المتفتح الذي يخرجنا من التعصب السياسي والتعصب الجنسي والعنصري.
يقول “اركون”: وبناء هلى هذه النظرية التاريخية والايديولوجية –اي النظرية العقلية المستمرة والمتكررة في ظروف تاريخية واصطدامات سياسية واجتماعية متنوعة- يصح للباحث والمفكر المعاصر ان يطرح من جديد مشكلة “الاسلام” الصحيح المرتبط بالدين الحق…… هل هناك من سبيل علمي للتعرف على هذا الاسلام حتى يجمع عليه العلماء؟ أم هل يجب العدول لأول مرة عن النظرية التقليدية ونقر بضرورة التعددية العقائدية لأن مصدر “الاسلام” القرآن؟….. والنصوص القرآنية قد الهمت ولا تزال تلهم تأويلات متغيرة بتغير الزمان والمكان …… كما هو شأن كل نص غزير المعاني قصصي البنية رمزي المقاصد (محمد اركون: اين هو الفكر الاسلامي المعاصر)…………
لقد تم إهمال الأنثروبولوجيا لأنها -حسب نظره- “خطيرة” بالنسبة للخطاب الإيديولوجي والرسمي، فهي معرفة نظرية وعملية ستنطق ما تم إحالته على الصمت لاعتبارات تاريخية وسياسية، وهي أيضا آلة في الكشف عما حجبته الخطابات الإيديولوجية مثل إقصاء الأقليات العرقية والدينية والسياسية، لهذا السبب كانت “الأنثروبولوجيا” هي آخر معرفة اهتمت بها الجامعات تحت الأنظمة الشيوعية السوفياتية أو النازية الألمانية، فهي معرفة تزعج بخطابها النقدي القائم على الاعتراف بالحق في الاختلاف، وعلى إعادة الكلمة المحاصرة أو المقوضة إلى من تم نسيانه أو إقصاؤه.
إن الفكر الإسلامي يمتلك في مساره التاريخي الطويل مرجعيات فكرية رائعة وعظيمة، كما يمتلك الثروات أو الإمكانات البشرية الضرورية التي تمكنه من الإسهام منذ الآن فصاعدا في البحث الكوني عن فلسفة إنسانية جديدة، وهي فلسفة مغتنية باستمرار عن طريق الممارسة المتضافرة للتداخلية الثقافية والتداخلية الإبداعية.
ويعترف “أركون” ان هناك مهمة عسيرة تنتظره وهي تحليل “النصوص التأسيسية” على ضوء العلم المعاصر وتفكيكها من الداخل بمنهجية ودقة وأمانة علمية، وهو يعني بالنصوص التأسيسية: أصول الدين وأصول الفقه. ويستند في منهجه الجريء هذا إلى أعمال ومحاولات علمية وفلسفية قامت في القرن الرابع الهجري وما بعده مثل “الهوامل والشوامل” للتوحيدي، و”تجارب الأمم” لابن مسكويه، و”السعادة والإسعاد” لأبي الحسن العامري، وكتب الماوردي، وابن الطفيل وغيرها…………
ويطرح المفكر “اركون” مجموعة اسئلة تكون محور ادارته ودراسته من قبيل: متى وكيف انبثق الموقف الإنساني في السياق الإسلامي؟…….. وفي أي الأوساط الاجتماعية انبثق؟…….. ولماذا وكيف تراجعت هذه النزعة الإنسانية حتى انقرضت أخيرا في المجتمعات الإسلامية المعاصرة؟……..
يشير-هنا- “أركون” إلى أهم المراجع والدراسات التي تناولت هذه القضية وربما يكون مفيدا للقارئ ذكرها هنا وهي “نهضة الإسلام” لآدم ميتز وهو مستشرق ألماني وقد صدر الكتاب عام 1922 وترجم إلى العربية عام 1967 تحت عنوان “الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري: عصر النهضة في الإسلام”، وكتاب جورج مقدسي “سيطرة الفلسفة الإنسانية في فترة الإسلام الكلاسيكي والغرب المسيحي، مع ذكر خاص للسكولاستيكية أو المدرسانية التكرارية” وقد صدر عن جامعة أدنبرا عام 1990، وكتاب روا موتاهيدي “الولاء والزعامة في المجتمع الإسلامي الأولي” وقد صدر عام 1980، وكتاب أندريه ميكيل “الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي حتى منتصف القرن الحادي عشر” وصدرت الطبعة الثانية منه في باريس عام 1976، وكتاب جويل كريمر “دور الفلسفة الإنسانية في نهضة الإسلام، والانبعاث الثقافي خلال العصر البويهي” وصدر عام 1986، وكتب محمد أركون منذ بداية الثمانينيات “النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي” و”كيف نفكر في الإسلام اليوم” و”قراءات في القرآن” و”الإسلام مقاربة نقدية” و”الفكر الأصولي أمام استحالة التأصيل”…………
ان “اركون” يشكك في إمكانية العثور على اسلام واقعي ….. (كامل الهاشمي: دراسات نقدية في الفكر العربي المعاصر، ص164.)، ويدعو إلى استعمال وسائل التحليل الانثروبولوجي لدراسة الجماعات المختلفة والتي ترزخ تحت ضغط الحكومات والانظمة السياسية …. فقد ركزنا في دراستنا على حالات تبرير وجود هذا النظام الحاكم او ذالك ….. بينما اهملنا وضع المجموعات المهمشة …. ان التحليل الانثروبولوجي سيكشف حالة التناقض هذه وزيف تلك الانظمة ….
انه يريد ان يثبت متاهات وتقوقعات السلطات والانظمة الحاكمة سياسيا واجتماعيا من خلال العمل الانثروبولوجي بعد ان تلثمت بعباء ايديولوجي لتبرير افعالها وسيطرتها المطلقة على حياة الناس والشعوب فالانثروبولوجيا هنا تقف على الضد من الممارسات الايديولوجية المشينة التي غلفت افعال واعمال التاريخ الانساني للحياة الاجتماعية خلال الفترات الزمنية المتعاقبة.
مفهوم المخيال الاجتماعي:
اقترح المفكر “اركون” مصطلح “المخيال الاجتماعي” ويرى ان هذا “المخيال الاجتماعي” يفرض ثقافته هذه على المجتمع ….. ويقول: لقد اهملنا اللغة الشفاهية لاننا لم نعتن بالعلم الذي يدرس الذاكرة الشفاهية وهي “الاثنوغرافيا” التي تعتن بالوصف الدقيق لجميع مظاهر الحياة اليومية للجماعة، يعني التقاليد والعقائد والمناسك القديمة ….. ان الاثنوغرافي يكتشف هذه التقاليد في تاريخها البعيد بعد ان اهملت هذه التقاليد لأسباب دينية لأن العقائد الارثذوكسية في المسيحية والاسلام أو اي دين آخر تغطي التقاليد والعقائد التي ترجع الى ما قبل الاسلام والمسيحية …….. والخطوة الاثنوغرافية في البحث عن الذاكرة الجماعية يكملها ويتبعها البحث الانثروبولوجي عن الذاكرات الجماعية المختلفة في مجمتع من المجتمعات حتى ندرك كيف تفاعلت بينها اثناء تاريخها واثناء الصراعات التي وقعت في مجتمع بين الذاكرات المختلفة ….. هذا يمكننا من ان نتحرر مما يتلقاه المخيال الاجتماعي اثناء الصراعات السياسية ليدافع عن هوية كل ذاكرة دون ان يهتم بالقواعد الثقافية التقليدية التي يمكن ان تشترك بها هذه الذاكرات ……
ويذكر الاستاذ “زهير سوكاح” ان لكتابات عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي موريس هالبواكس (Mauric Halbwachs) تأثيرات واضحة على الأبحاث الحديثة حول الذاكرة في مجال العلوم الثقافية, حيث تبلورت عبرها نظرية الذاكرة الجمعية, والتي تعتبر أن عملية التذكر الفردية لا يمكن أن تنشأ أو أن تتم إلا ضمن إطار اجتماعي معين; فعلى عكس التصورات العلمية السائدة في عصره, والتي كانت تنظر إلى الذاكرة وعملية التذكر الفردية كوظيفة بيولوجية محضة, ربط “هالبواكس” في دراساته حول الذاكرة الجمعية الذكريات الشخصية للفرد بالمجتمع الذي ينتمي إليه, واعتبر أن الإطار الاجتماعي ـ والذي تنشئه ثقافة مجتمع ماـ يسهر على وضع نسق جمعي يجعل الخبرات الفردية قابلة للتذكر و للتفسير.
ان البحوث العلمية في مجتمعاتنا العربية لم تعط هذين العلمين (الاثنوغرافي-الانثروبولوجي) ما يستحقانه من الاهتمام في البحث العلمي ومن الاهتمام ايضا بتطبيق النتائج العلمية التي يأتي بها هذان العلمان، اي في تدريس تاريخ المجتمعات العربية تدريسا شاملا محيطا بالانثروبولوجيا التاريخية للمجتمعات العربية، ان الذاكرة الجمعية ومن خلال التنقيب والحفر الانثروبولوجي الذي يجعلنا ان نحترم القيم التي تطالب بها وتحافظ عليها كل ذاكرة عن الذاكرات الجماعية دون اي حالة من حالات الصراع المستمر ………
كما ان احدى محتويات الذاكرة الجماعية هي اللهجة التي يستعملها اعضاء الجماعة، والبحث الاثنوغرافي والاثنولوجي يكشف هذين المستويين من الذاكرات الجماعية: الذاكرة المبنية على اللغة والثقافة، والذاكرة التي تستعمل اللهجة، يضاف الى انّ الشفاهي اليومي (غير المكتوب) حامل لألفاظ تعيدنا الى تاريخ الذاكرة الجماعية الحقيقية، وهذا امر لم نعتن به بعد في مجتمعاتنا العربية بسبب الفصل الذي استمر في جميع المجتعات العربية بين الفلسفة المكتوبة واللغة الشفاهية …..
يقول “اركون”: ان ثقافة العلمنة لا تعني الاعراض عن الاديان او رفض العقائد الدينية كما يظن الكثيرون، على العكس من ذلك، ان الموقف العلماني مبني على احترام جميع الذاكرات الجماعية مع عقائدها الدينية، وينبغي ان نحمي جميع الذاكرات المتساكنة، ولكن في نفس الوقت، علينا ان نلح على ضرورة تدريس التاريخ مع تدريس الابعاد الانثروبولوجية للثقافات المتواجدة في مجمتع من المجتمعات، وذلك حتى تتمكن العناصر المتساكنة من ادراك هذه القاعدة الثقافية المشتركة لجميع المجتمعات في المجتمع………..
فالحل الانثروبولوجي-هنا- ضروري للتغلب على سلطة الشعارات الايديولوجية التي تغذي المخيالات الاجتماعية المتصارعة، ذلك ان المقاربة الانثروبولوجية تمنح مفهوم القيم والعقائد رؤية متسامحة وقاعدة مشتركة محررة لها، اذن لا بد من تشجيع هذه البحوث لكي تعطي حالة من التسامح والتشارك تسود المخيالات الاجتماعية المختلفة ……..
وقد أدى اهتمام “أركون” بالبعد الأسطوري والمجازي إلى تدعيم ترسانته المفاهيمية في مقاربة النص الإسلامي، بمفهوم المخيال (Imaginaire)الذي تمت بلورته في الأبحاث الأنثروبولوجية وعلم التاريخ الحديث. فهذا المصطلح يحتل أهمية مركزية في فكر “أركون” الذي يستخدمه كرد فعل على التطرف المادي أو الماركسوي في دراسة التاريخ. فليس العامل المادي وحده هو الذي يحسم حركة التاريخ، بل إن “العامل الرمزي” يلعب دوره أيضا في هذه الحركة، وبخاصة في المجتمعات القروسطية حيث كان اقتصاد الكفاف هو السائد، وعموما في كل المجتمعات الزراعية ما قبل الصناعية.
إن كلمة مخيال Imaginaire هي غير كلمة خيال Imagination ، وإن كانتا تنتميان إلى نفس الجذر اللغوي، فالمخيال يتشكل تاريخيا في الذاكرة الجماعية أو في الذهن – وهو يماثل تعبير دوركايم عن التصورات الجمعية او التماثل الجمعي- ويمكن استغلاله سياسياً وإيديولوجياً في اللحظات التاريخية العصيبة، فهو يضرب بجذوره في أعماق اللاوعي عبر تشكله خلال مختلف المراحل التاريخية، هكذا نتحدث مثلا عن مخيال إسلامي ضد الغرب، أو مخيال غربي ضد الإسلام، فالمخيال هنا هو “عبارة عن شبكة من الصور التي تستثار في أية لحظة بشكل لاواعي وكنوع من رد الفعل. بل ويوجد متخيل (مخيال) كاثوليكي ضد البروتستانت أو بروتستانتي ضد الكاثوليك، أو شيعي ضد السنة أو سني ضد الشيعة…..الخ. كل فئة تشكل صورة محددة عن الفئة الأخرى، وترسخ هذه الصورة بمرور الزمن في الوعي الجماعي”.
وفي هذا السياق يرى “أركون” أن الأنثروبولوجيا المعاصرة تتيح لنا أن نتحدث عن وجود معرفة ذات نمط أسطوري، وهو ما لا يفهمه أو يقبله أناس العصور الوسطى، فالفكر الإسلامي لا يزال في نظره بعيدا عن مفهوم الأسطورة بحسب المعنى الأنثروبولوجي الحديث، فهو يفهمها بمعناها القديم المكرس في اللغة العربية، معنى الخرافات والأباطيل، وما يجب الانتباه إليه هنا هو أن البعد الأسطوري أو الخيالي أو المجازي هو أحد الأبعاد الأساسية التي يتكون منها الشخص البشري والثقافة البشرية على العموم، بالإضافة طبعا إلى البعد العقلاني والاقتصادي والحسابي .
وقد رفضت النزعة الوضعية في القرن التاسع عشر الاعتراف بالبعد الخيالي والأسطوري للإنسان، ولذلك اعتبرت الدين والبعد الديني شيئا متجاوزا ينتمي إلى العالم القديم، أما العلم المعاصر فهو يعيد الاعتبار إلى الأسطورة ويعتبرها إحدى الطرق لإنتاج المعرفة؛ فالأساطير المنتشرة عند شعب من الشعوب تكشف إلى حد كبير عن العادات والتقاليد والأخلاقيات السائدة فيه. بهذا المعنى فالأسطورة ظاهرة أنثروبولوجية تشترك فيها جميع الثقافات والشعوب. في هذا الإطار يرى “أركون” أن “الأسطورة تحرك التاريخ مثلما تحركه الوعود المحسوسة والماديات، وربما أكثر، هنا يكمن نقص الماركسية الرهيب، فهي تقف على رجل واحدة لا رجلين وهنا يتوفق ماكس فيبر على كارل ماركس”.
ويذهب “أركون” إلى تقرير نوع من التقابل بين الموقف العقلاني للعالم والموقف المخيالي. ويرى “أن المخيال هو عبارة عن بنية أنثروبولوجية موجودة لدى كل الأشخاص وفي كل المجتمعات، مهما اختلفت أشكالهم وانواعهم بحسب التاريخية والمشروطية الزمكانية”. ومن ثم فلا توجد فروق في نظره بين المؤمن وغير المؤمن، ذلك أن العجيب الخلاب أو الساحر الخلاب موجود لدى الاثنين. فالإنسان يسعى من خلال المخيال إلى البحث عن إشباع كل ما لا يستطيع إشباعه في نفسه أو في عقله، فالمخيال بهذا المعنى مرتبط بالرغبة الشعرية الكامنة في النفس البشرية، والتي يحاول من خلالها الإنسان تخيل كل ما يتجاوز قواه الخلاقة، أي ما يسميه أركون “بالعجيب الخلاب”. لذلك يقول: ” ينبغي أن تتوجه كل جهودنا العلمية ودراستنا نحو تحديد بنى المخيال والخيال في الحضارة العربية الإسلامية”.
هكذا يلتقي “أركون” -هنا- في تأكيده على أهمية الخيال والمخيال، بأحدث النظريات في مجالي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا؛ فعلماء أمثال: “بيير بورديو” و”جورج بالانديي” و”كاستر ياديس” و”جورج دوبي” اهتموا كثيرا بالعامل الرمزي، ودوره في بلورة الوعي الجماعي وتحريك المسار التاريخي، “فالبنية الفوقية” لم تعد نتيجة ميكانيكية “للبنية التحتية”، بل أصبحت تمتلك استقلالية نسبية، بل وأصبحت أحيانا تشكل قوة مادية ودافعة لمختلف الأحداث التاريخية.
إن ما يهدف إليه “أركون” في دراسته للمخيال، هو تقديم تفسير وتحليل وفهم للآلية الوظائفية التي يتمتع بها هذا المصطلح في قدرته على تحريك العواطف، وتجييشها في المنعطفات التاريخية الكبرى التي تعرفها المجتمعات الإسلامية. وهو يهدف أيضا من خلال هذا التفسير والفهم، تكسير تلك الازدواجية الوهمية التي توضع عادة بين “الإسلام” و “الغرب”، والتي ترتب عنها وجود مخيال غربي تجاه الإسلام ومخيال إسلامي تجاه الغرب. وهذين المخيالين غالبا ما يقدمان صورة سلبية عن الإسلام، وهذه الصورة المدمرة ناجمة عن تراكمات يحكمها منظور خاطىء لعلاقة الدين بالمجتمع والتاريخ، من هنا سوف يستمر الناس في هذا الخط مادامت الإشكالية النفسية واللغوية والأنثروبولوجية الخاصة بالمتخيل(المخيال) لم تفرض نفسها بعد على مراقبي الإسلام وشارحيه بالأمس واليوم.
إذن الانثروبولوجيا مبنية على جميع العلوم التي نصفها بعلوم الانسان والمجتمع ولا يمكن ان نقوم ببحث انثروبولوجي الا اذا مهدنا له بتاريخ يكتب هو ايضا بمعاجم عديدة خاصة بالعلوم الاجتماعية، اي بالاعتماد على السوسيولوجيا التاريخية وعلم النفس التاريخي …… هذه العلوم هي التي تؤدي الى التفسير الانثروبولوجي للمجتمعات، ولذلك يقول “اركون”: ان الانثروبولوجيا لا يمكن ان تنحسر الى اثنوغرافيا الثقافات الجماعية، الذي اذا ما اكتفينا بها نلم بمعلومات مهمة ولكن لا يمكن ان ندرك تلك القاعدة الثقافية المشتركة للعناصر المتساكنة في المجتمع، وللأديان المتواجدة في المجتمع، مثلا: الاثنوغرافيا تبحث عن الحلال والحرام في جماعة من الجماعات التي تعتنق دينا من الاديان، أما الانثروبولوجيا فتبحث عن الحلال والحرام في جماعات مختلفة تعتنق اديانا مختلفة وتتساءل عن المعايير التي تستعملها كل جماعة لتفرض ما هو حلال وما حرام، وكذلك جميع الجماعات مع اديانها المختلفة تبني قيمها على الروايات القصصية، وهذا عنصر مشترك لجميع الذاكرات الجماعية ايا كان دينها وتقاليدها…….
ويضرب “اركون” مثالا على ذلك ليفهم القارئ مقاصد الانثروبولوجيا: درس الاميركي كليفورد جيرتز الذاكرات الجماعية في جافا باندونيسيا والمّ بجميع المعلومات الاثنوغرافية الخاصة بهذه الذاكرات الجماعية، ثم انتقل من جافا الى المغرب الاقصى، وهنا يبدأ المنهج الانثروبولوجي، بعدما تزود بالمعلومات الاثنوغرافية الخاصة بالمجتمعين رجع الى برنستون حيث كتب كتابه الشيق الذي ينبغي على الباحثين ان يقتدو به (Islam Observed) الاسلام ملاحظا……..
الاسلاميات التطبيقية والاسلاميات الكلاسيكية:
اعلن “اركون” تأسيس ما يسمى بـ”الاسلاميات التطبيقية” ومنذ بداية نتاجاته المعرفية راح يوضع عمله ضمن منظور التفريق بين رؤيتين او منهجين لدراسة الاسلام: الاولى: منهجية الاستشراق التقليدي (الاسلاميات الكلاسيكية)….. والثانية: منهجية الاسلاميات التطبيقية ….. ويهدف “أركون” إلى بناء “إسلاميات تطبيقية” وهى عبارة مستمدة من كتاب روجيه باستيد “الأنثروبولوجيا التطبيقية” ومن هنا فإن هذه المنهجية التي يحاول تطبيقها على القرآن الكريم كانت قد طبقت على النصوص المسيحية وتتلخص في اخضاع النص الديني لمحك النقد التاريخي المقارن، والتحليل الألسني التفكيكي وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه. وقد أعاد الدكتور “محمد أركون” على بساط المناقشة مفهوم ”الإسلامولوجيا التطبيقية” الذي استحدثه في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين عندما أصدر سنة 1984 كتابه الشهير” نحو نقد العقل الإسلامي”.
ان الاسلاميات الكلاسيكية: هي مجمل المعرفة الغربية المتجمعة عن الاسلام منذ اوائل القرن التاسع عشر وحتى الخمسينات من هذا القرن…. وهي تبدو ضعيفة وهشة عندما نكشف مسلماتها الضمنية او الصريحة وكذلك عندما تفصح عن كثير من منهجياتها وبالتالي تأويلاتها للإسلام ….. ان الاسلاميات الكلاسيكية تحصر منهجها في دراسة الاسلام من خلال كتابات كبار الفقهاء والمفكرين الاسلاميين الكلاسيكيين الراسخين والمكرسين، وللوهلة الاولى تبدو هذه المنهجية على الدقة والموضوعية، انّ عالم الكلاسيكيات ولكي يتحاشى اطلاق اي حكم اعتباطي او تعسفي فانه يكتفي بنقل مضمون كبريات النصوص الاسلامية الكلاسيكية او الحديثة الى اللغات الاجنبية …… انه يدلك على اللوحات في المتحف دون ان يتدخل في شيء، اي دون ان يفسرها او يقيمها او يساعدك على فهمها، انها مسائل داخلية على حد زعمه تخص المسلمين فقط ولا علاقة لنا بهذا …… فالاسلام الوحيد الذي يهتم به المستشرق او عالم الاسلاميات الكلاسيكي هو في الواقع الاسلام الرسمي المرتبط بالدولة والسلطة واللغة الفصحى …….
لذلك دعا “اركون” إلى الانخراط في نقد ابستمولوجي عميق لكل من النظامين الفكريين التاليين: النظام العربي-الاسلامي الكلاسيكي من جهة، والنظام الغربي من جهة أخرى …………. ويعتقد “اركون” ان الاسلام الكلاسيكي يهمل القطاعات والجوانب التالية:

ويرى “اركون”: ان الاسلام السني ليس الا عبارة عن تنظير عقائدي دوغمائي جاء فيما بعد او كتب فيما بعد من أجل تبرير ما حصل وخلع المشروعية على الامر الواقع …. فالاسلام السني مرتبط جدا بالسلطات السياسية التي كانت قد تعاقبت منذ الامويين وحتى يومنا هذا وبالتالي ينبغي الاعتراف بمشروعية الاسلام الاباضي والاسلام الشيعي-كما يقول اركون- لكي يحصل الحوار مع الاسلام السني ويتم توحيد المذاهب الاسلامية واطلاق رؤية معرفية فكرية موحدة للاسلام ………
بيد ان ملاحظة “اركون” هذه تفتقر –الى حد ما- الى رؤية تاريخية واضحة وهي اهماله للاسلام السني (الشعبي) والذي كان أكثر ما يرتبط باسلام الفقهاء الذين كانوا يعارضون السلطات الحاكمة انذاك وما تعرض له علماء المذهب السني من حملات اعتقال وتشريد طالت ضمنها الجماهير العريضة من الموالين لهذا المذهب ومثال ذلك هو ما حصل مع الامام احمد بن حنبل وغيره ……..
ويعيب “اركون” على عالم الاسلاميات الكلاسيكية اهماله وتجاهله:

ما يريده “محمد اركون” هو إحلال الاسلاميات التطبيقية محل الاسلاميات الكلاسيكية (أو الاستشراق)، يقول: كان روجيه باستيد قد نشر كتابا بعنوان “الانثروبولوجيا التطبيقية” ونحن على غراره نستخدم مصطلح “الاسلاميات التطبيقية” ….. انّ مهمة الاسلاميات التطبيقية: الانتقال بالوعي الاسلامي من مرحلة القرون الوسطى الى مرحلة الحداثة (دون ان يشعره بالصدمة أو دون ان يصدمه حقا)….. ربما يكون ذلك ممكنا من خلال تجاوز التفاوت التاريخي !!!!!………
لقد تعرضت المجتمعات الاسلامية الى هزات ورضات او لطفرات تطورية تشبه تلك التي تعرضت لها المجتمعات الغربية المسيحية ونتج عن ذلك بعض المهام التي ينبغي على الباحثين عدم اغفالها، وهذه المهام هي التي تشكل برنامج الاسلاميات التطبيقية وهي تنحصر في المهمة التالية: إعادة قراءة نقدية للتراث الاسلامي الكلي…. (الانخراط في مشروع نقدي يطال في احاطته كل النصوص المقدسة) …..
ويحدد “اركون” اركان المنهجية الجديدة بما يلي:

وضمن هذا المنظور فان هدف الاسلاميات الكلاسيكية (الاستشراق) هو: تقديم معلومات دقيقة ووصفية عن الاسلام الى الجمهور الغربي الذي لا يعرف عنه شيئاً، والتي تنخرط في دراسة نقدية مقارنة تضع الاسلام على قدم المساواة مع المسيحية واليهودية ….
أما هدف “الاسلاميات التطبيقية”، اي منهجية اركون فهي تتجلى من خلال:

ان مهام الإسلامولوجيا التطبيقية ليست عقلنة اعتباطية دون فهم الدوافع الدفينة للظاهرة الاجتماعية، وإنما هي رؤية حصيفة في الأشكال اللغوية أي في أنماط التعبير (خطاب سياسي، تحليل إعلامي، حكايات شعبية) التي تختبئ وراءها تصورات ومخيالات في غاية الخطورة تخضع هذه المخيالات إلى ضبط إيديولوجي وتوجيه نحو غايات مسطرة مسبقا.
والإسلامولوجيا التطبيقية تنتقد –أيضاً- الخطاب الإصلاحي القائم على البحث عن الأصول المفقودة والمثل المتعالية، يقوم هذا الخطاب على محو الحاضر بمثاليات الماضي والنتائج المترتبة عن ذلك هي في غاية الخطورة، جمود فكري وقصور نظري، انفعال نفسي تجاه حاضر غير قادر على رفع التحديات لأنه سجين الماضي، رد فعل انفعالي أمام مبتكرات الآخر… الخ. كما يقول “محمد أركون”: لقد تم فرض الإصلاح لاعتبارات سياسية قاهرة، وهو كبنية نظرية واجتماعية غير مقبول فكريا، فالإصلاح يفترض إعادة بناء الحاضر وفق مثاليات الماضي، ولكن الحاضر لا يتطابق مع الماضي لا نفسيا ولا فكريا ولا اجتماعيا، لهذا السبب الخطاب الإصلاحي هو منهج عقيم لأنه يقوم على تهييج العواطف والانفعالات للمخيال الجمعي وعلى أسطرة التاريخ.
انّ المنهج الأساسي الذي تقوم عليه الإسلامولوجيا التطبيقية هو ”علم الإنسان” أو الأنثروبولوجيا، يقول محمد أركون: بأن الأنثروبولوجيا ليست مجرد معرفة حول الإنسان وإنما هي أيضا لغة حول شرطه الوجودي والتي تتجلى في الشعائر والممارسات اليومية. كما تستند الإسلامولوجيا التطبيقية إلى هذه المعرفة الأنثروبولوجية في سبيل إعادة دائرة التفكير الى ما تم إقصاؤه إلى فضاء اللامفكر فيه، فهي تعمل على قلب المعادلة القائمة منذ القرن الثالث عشر، بمعنى استحداث لغة مفهومية مكان اللغة الإيديولوجية والتبجيلية والتفكير جديا ونقدا في ما لم يفكر فيه العقل الإسلامي إلى اليوم. كما يلاحظ “محمد أركون” أرضية اللامفكر فيه واسعة جدا، وما هو مفكر فيه اليوم أرضيته ضيقة تكاد تخنق مفكريه، فالرهان هو توسيع دائرة التفكير في المنسيات والمحظورات وإلغاء الحدود المفروضة بين الأنظمة المعرفية بهذا الشكل بحيث يستعيد الفكر الإسلامي حيويته في التفكير والقراءة دونما حظر أو ترهيب. فالمسألة تحتاج إلى جرأة وعزيمة وإلى تضافر الجهود بين الفاعلين الاجتماعيين والفاعلين الثقافيين.
اللامفكر فيه والمستحيل التفكير فيه:
في الثقافة التي ننتمي اليها هناك ما يسمى “ما يمكن التفكير فيه” وآخر “ما لا يمكن أو اللامسموح التفكير فيه”….. ما يمكن التفكير فيه مسموح سياسيا ولكن سياسيا –ايضاً- هناك قضايا غير مسموح ان تقرأها، ان نفكر فيها بسبب سياسة معينة، بسبب العقل البشري، لأنه محدود في ادراكه … لأن ما لا يمكن التفكير فيه يأتي بسببين: سبب سياسي، وسبب حدود العقل ….. واللامفكر فيه: ما لم يخطر على البال بعد ….. والمستحيل التفكير فيه: هو ما يمنع منعا باتا التفكير فيه في لحظة معينة من لحظات التاريخ …. ولكن قد تجيء لحظة لاحقة يصبح التفكير فيه أمراً ممكنا ……. وبل ويستغرب الناس كيف انه كان محرماً على التفكير فيما مضى ………
هكذا نجد “أركون” يعيب على المستشرقين عدم الأخذ بكل الإمكانيات المعرفية والمنهجية التي تتيحها لنا العلوم الحديثة وإهمالهم لحيز اللامفكر فيه. ويقصد بها: منظومة الدلالات الحافة والمحيطة أو الثانوية التي تثير إشكالاً كبيراً في الخطاب الديني باللغة العربية، مثل: أسطورة وتاريخية وبنية وخطاب ……..
كما ان دراسة اللغة أمر هام ونعني بها اللغة المفهومية التي تلتحم باللغة المادية (المكتوبة والمقولة). وفيما يتعلق باللغة العربية، يلاحظ “محمد أركون” أن اللغة العربية فقدت من قوتها المفهومية والفلسفية منذ القرن الثالث عشر، لتتحول منذ هذه الفترة وإلى اليوم إلى مجرد لغة الخطاب اللاهوتي الفقهي والخطاب الإيديولوجي السياسي، لقد تم إفراغ اللغة من محتوياتها الفلسفية والنقدية لتنتقل من المفكر فيه إلى اللامفكر فيه، مثلا كان مشكل خلق القرآن الذي استحدثته المعتزلة ملتحما بلغة ذات مفاهيم ودلالات ثرية، كان مشكل خلق القرآن وقتئذ مفكرا فيه، لكن بعد قرار الخليفة المعتصم بمنع الكلام المعتزلي أصبح هذا المشكل غير مفكر فيه.
دراسة الدين كظاهرة انثروبولوجية:
يلاحظ “محمد أركون” أن ”الدين” بمفهومه العام كمعطى سوسيولوجي ومخزون رمزي وروحي هو سجين عاملين إيديولوجيين: العامل الأول هو ”الديانة” كمعطى سياسي في إضفاء الشرعية وتغذية المخيالات الاجتماعية بمثاليات عقيمة، والعامل الثاني هو ”التدين” كانصهار نفسي في الظاهرة العقائدية دون روية أو تمعن أو استقلالية في التفكير؛ باختصار: الدين هو بين سندان التدين ومطرقة الديانة في التحامها بالسياسة فهي مجرد آلة في التطبيع والتطويع، والتدين بدون تمييز نظري هو مجرد ممارسات شعائرية تنتهي إلى التطرف والعنف، كما هو الحال مع الإسلاميين في العالم العربي والإنجيليين في أمريكا.
كما ان الرهان الحاصل مع “الإسلامولوجيا التطبيقية” هو تخليص الدين من الاستعمال السياسي والإيديولوجي لرموزه ودلالاته، ومن الانفعال النفسي أو التهييج العاطفي الذي يسجن الضمير الفردي أو الجماعي في مخيالات وقوالب تصورية تحكم مصيره وحياته برمته.
وقد نحت “محمد أركون” مصطلح “الأنسنة” تعريبا للمصطلح الأوروبي “هيومانيزم”، ويقترح المترجم هاشم صالح مصطلح “النزعة الإنسانية” أو “الفلسفة الإنسانية”، ولكن أركون يصر على مصطلح “الأنسنة” لأنه يعبر عن تركز النظر في الاجتهادات الفكرية لتعقل الوضع البشري وفتح آفاق جديدة لمعنى المساعي البشرية لإنتاج التاريخ مع الوعي. أن التاريخ صراع مستمر بين قوى الشر والعنف وقوى السلم والخير والجمال والمعرفة المنقذة من “الضلال”.
ويعتقد “أركون” أن الدين الذي يهمل الاجتهاد الفكري المبدع والمنقاد لجميع ما ينتجه العقل يصبح لا محالة آلة خطرة يستغلها المتلاعبون بالنفوس والقامعون للحريات الأساسية التي يتطلبها كل إنسان لكي يرتقي إلى درجة الأنسنة. كذلك فإن الإسلام شهد الأنسنة قبل أن تشهدها أوروبا في القرن السادس عشر إبان عصر النهضة، ولكن هذه الحركة الناتجة عن مزج الفلسفة الإغريقية بالدين الإسلامي أجهضت ولم تدم طويلا، وحل محلها قرون المدرسانية منذ القرن الثالث عشر في حين ظلت الأنسنة أو النهضوية الأوروبية مستمرة وصاعدة منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم.
ويرى “اركون” انّ الوعي الاسلامي المعاصر مريض بل ومريض جدا، وهو يريد انقاذه لا يريد قتله…. يريد انتشاله من الوهدة الانحطاطية المميتة التي سقط فيها….. ان “اركون” يريد ان يقول: ان الدين مرتبط بحالة المجتمع ودرجة تطوره او عدم تطوره …. وهكذا يضع “اركون” القرآن الكريم على محك النقد التاريخي والمقارن، ثم على محك التحليل الالسني التفكيكي والتأمل الفلسفي الذي يركز دراسته على كيفية انتاج المعنى ولشروط انتشاره وتحولاته وانهداماته ………
فالمعنى -مثلا- ليس ابديا ولا ازليا وانما هو ينفك وينحل مثلما يتركب ويتشكل انه يتفكك بعد ان تكون الجماعة قد عاشت فترة معينة من الزمن وعن طريق هذه الاضاءة الجديدة للقرآن الكريم يريد “اركون” ان يتوصل الى تجديد الفكر الديني بالمعنى الاوسع للكلمة وليس فقط الفكر الديني في الاسلام انه يريد تجديد فهمنا للظاهرة الدينية عن طريق تطبيق المنهجيات الحديثة على دراسة الاسلام …….. لقد دعا “اركون” الى تأسيس “سوسيولوجيا الاخفاق” او “الفشل” في الساحة العربية لمعرفة الاسباب الاجتماعية التي تؤدي الى فشل فكر ما في لحظة ما من لحظات التاريخ …. (جورج طرابيشي: من النهظة الى الردة تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ص140.)……..
فالاسلام لم يعد ديناً في عصرنا الراهن، وانما اصبح ايديولوجية سياسية تزاود عليها قوى السلطة والمعارضة معاً، لقد فقد بعده الديني والروحي المتعالي على عكس ما يظن الكثيرون. لذلك أقول بأنّ العلمنة التي ادعو اليها في العالم الاسلامي ليست مضادة للدين، وإنما فقط هي مضادة لاستخدام الدين لأغراض سلطوية….. (محمد اركون: الاسلام، اوربا، الغرب: رهانات المعنى وارادات الهيمنة، ص203)…..
ويستخدم “اركون” مصطلح الظاهرة القرآنية او الحدث القرآني، وليس القرآن للدلالة على تاريخية هذا الحدث ……. المقصود انه حدث لغوي وثقافي وديني يستخدم مرجعيات تعود الى القرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية ولا يفهمها جيدا الا من عاش في ذلك العصر او درسه من الداخل …. والحدث القرآني هو انبجاس لغوي رائع أخاذ ومفتوح على العديد من المعاني والدلالات لأنه يستخدم لغة رمزية مجازية في معظم الاحيان ….. ولذلك يميّز “اركون” بين الظاهرة القرآنية والظاهرة الاسلامية ….. فالثانية ليست الا تجسيدا تاريخيا محسوسا للأولى …… لقد حولها من الحالة الرمزية المنفتحة الى قوالب قسرية وقوانين تشريعية محددة لتلبية حاجات المجتمع في القرون الهجرية الاولى….. وهكذا تحولت لغة الانبجاسية الرمزية الى لغة نثرية احادية المعنى بعد ان احتك الوحي بالتاريخ او تجسد تاريخيا وولد الظاهرة الاسلامية …. (قضايا في نقد العقل الديني…. محمد اركون….. ص29)…..
ان ما يبغيه “اركون” هو تقوية الوظيفة النقدية للعلوم الاجتماعية واعطاءها مصداقية أكبر من خلال تطبيقها، فالمنهج الانثروبولوجي –هنا- يعمل على فتح ورشات جديدة للتحليل، وذلك من أجل فتح إمكانيات جديدة للتأويل والتفسير …… ولهذا السبب فقد دعا أكثر من مرة الى اجراء بحث معمّق من أجل معرفة سبب فشل فكر ابن رشد في البيئة الاسلامية، وسبب نجاحه وتوسعه وانتشاره السريع في البيئة المسيحية في القرون الوسطى وسمى ذلك بدراسة سوسيولوجيا الفشل، وسوسيولوجيا النجاح: أي السبب السوسيولوجي الذي يدعو الى فشل فكر ما في بيئة معينة والى نجاحه في بيئة اخرى في الفترة ذاتها …………
ان دراسة النصوص المقدسة مثل القرآن ضرورية وذلك من خلال مسألة التأويل …… إذ ان الدراسة الانثروبولوجية للنصوص المقدسة تفتح آفاقا جديدة لرؤيتنا المعرفية عن علاقة الانسان بالله مثلا …. انها تحضر في الذاكرة خطابات الوعي الاجتماعي التقليدي القديم وكيف تكوّن؟ ان المعرفة الانثروبولوجية والسوسيولوجية تمدنا بتصور جديد عن هذه العلاقة …………. فمثلا: مسألة الايمان بالله وانه موجود وفوق بني البشر …. لا يختلف عليها ….. لكن ينبغي علينا –ايضا- ان نفهم الله بطريقة اخرى تتناسب مع واقعنا في الحياة والعصر الذي نعيشه ………… انه اختلاف في التصورات عن الله “عزّ وجل” …… وليس اختلاف فيه “تعالى” …… فهذا ما لا يجوز، لأننا مؤمنين بالله ونعتقد بوجوده ….. ما تختلف هي تصوراتنا عنه فقط …… ان عبارة “موت الله” لنيتشه ينبغي ان لا تخيفنا لأنها لا تعني رفض الله او رفض الايمان به، فالله حي لا يموت …. انها تعني موت جينالوجيا معينة، او طريقة لغوية معينة للتعبير عن وجود الله ……
واعتقد ان الكثير من الصعاب التي تواجه مشروع “اركون” النقدي تنبع –احيانا- من الاساءة الى ترجمة المفهوم وبيانه….. فأغلب كتابات ومؤلفات اركون هي باللغة الفرنسية ….. لذلك فان عادة ما يتحمل المترجمون مسألة ترجمة بعض المفاهيم والمصطلحات، وأن بعضهم قد يتدخل في صياغة وتركيب مفهوم جديد وخصوصا عندما لا يكون هناك مرادف للمصطلح في اللغة العربية ……… ويحدد “اركون” في دراسة له رائعة مفاهيم من قبيل:

ويقول: ان الفاعلين الاجتماعيين (اي البشر) يلجأون باستمرار الى عمليات نزع الصبغة التاريخية عن تراثهم من أجل ان يتحاشى ماضيهم الديني، او الثقافي، السياسي، مع همومهم ومشاكلهم في الوقت الحاضر، وان الرؤية التقليدية (او اللاتاريخية) هي المسيطرة على الوعي الاسلامي من اقصاه، بل هي المسيطرة على وعي المثقفين حتى الان… وأكبر دليل هو مدى اتساع اللامفكر فيه والمستحيل التفكير فيه في الساحة العربية والاسلامية …… (ص59، قضايا في نقد العقل الديني)……..
ويناقش “اركون” ما يسمى بالنظرية الشهيرة صدام الحضارات ويرى انه ليس هناك صدام حضارات أو صدام أديان ولكنه صدام خيالات اجتماعية….. ويضرب مثالا على ذلك بظاهرة العنف ويعتبر التيارات الإرهابية والأصولوية والشعبوية التي نشاهدها في أوائل القرن 21 بعدما وُعدنا به ووعدتنا به الحداثة ووعدتنا به الأديان السماوية فنحن نواجه هذا العنف العام على سطح الأرض…… ما معنى هذه الفترة التي نعيشها؟ معنى هذا أن العقل لم يُلفت النظر بعد إلى أشياء بقيت في الوراء في الأسراد ما نسميها الأسراد التي لا ندركها مع أن العلم أدرك أشياء عديدة ولكن هناك أبواب مغلقة لا تدع المعارف التي اكتسبناها ان تُدرّس أو تُناقش –مثلا- فيما يتعلق بالدراسات القرآنية هناك كتاب أُلِّف في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ألَّفه مستشرق ألماني اسمه “تيودور نولدكه” اسمه تاريخ القرآن، لم يصل هذا الكتاب الى الميدان العربي ……….
ويهاجم “أركون” الحركات السياسية الإسلامية والحكومات التي تستخدم الإسلام لأغراض سلطوية وتخلط بين النشاط الحركي الأيديولوجي والإبداع الفكري والفني والأدبي، ويساعدها في ذلك أن التراث الإسلامي لم يتعرض للنقد التاريخي كما حصل للتراث المسيحي. وما يجري -برأيه- في المجتمعات الموصوفة بالإسلامية في الدساتير الرسمية أو في الخطابات اليومية أو في كتب علماء السياسة يدل دلالة واضحة على غياب النزعة الإنسانية سواء في عباراتها ومعاركها القديمة في السياقات العربية والإسلامية أو في معاركها وإبداعاتها المتواصلة في أوروبا منذ أربعة قرون.
ولذلك فإن “أركون” يحاول أن يلفت الانتباه إلى الأبعاد الغائبة بعد ازدهارها، ويدعو بإلحاح إلى ضرورة إحياء الموقف الفلسفي في الفكر العربي بخاصة والفكر الإسلامي بعامة، فهو يعتقد أنه لا سبيل إلى الاعتناء بمصير الإنسان عناية شاملة نقدية منيرة محررة دون التساؤل الفلسفي عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها. ويؤسس للموقف الإنساني بالتعددية الفكرية والحوار والقبول بهذا الجو وهو ما كان سائدا في فجر الإسلام وضحاه، ويشير “أركون” إلى المناظرات الفكرية والفلسفية التي كانت منتشرة وتجري بين مفكرين كبار ينتمون إلى مذاهب مختلفة بل ويعتنقون أديانا متعادية أو متنافسة ويتقنون علوما متعددة، ثم توقفت هذه المناظرات والحوارات منذ القرن الثالث عشر الميلادي ووصول السلاجقة إلى الحكم وضرب الفلسفة والأنسنة والحركة العقلية بمجملها وفرض مذهب واحد على الجميع بصفته حقيقة مطلقة.
ويرى أن الإصلاح يبدأ بإعادة المناظرات والحوارات بمشاركة كل الناس وتوفير وسائل التربية الإنسانية ومناهجها وبرامجها وفرض التثقيف والتفاعل المبدع مع جميع الثقافات الأخرى وفنونها دون تفضيل ثقافة رسمية أو عزل ثقافات شعبية شفاهية، وعندما يفرض العنف نفسه حلا وحيدا وأخيرا فإن الموقف الإنساني يتبخر ويصبح زهيدا لا أهمية له، لماذا؟ لأنه يتموضع عندئذ غصبا عنه داخل منظور الأمد الطويل مفضلا المراهنة على العمل التربوي والتثقيفي الصبور، وكذلك يراهن على عملية تفسير جميع الأنظمة المعرفية التي أنتجها البشر في المجتمع وعلى إيضاحها وفهمها ونقدها آملا بذلك أن يعود إلى الساحة من جديد يوما ما.
فالموقف الإنساني يدعو إلى التمييز الدقيق بين السمات الخاصة للظاهرة الدينية المحضة وبين الوظائف الأخرى المحددة لها في جميع الأديان، وهذا يؤدي إلى تصور معين للدين، ويبدأ ذلك بإعادة تحديد أو تعريف النصوص التأسيسية، الا أن “أركون” يفرق في مفهوم النصوص التأسيسية بين القرآن والحديث وبين الخطابات المتفرعة عنها كالفقه والتشريع والتفسير….. وهذا التمييز -حسبما يقوله أركون- مفيد ومهم من أجل القيام بتأويل إنساني أو فلسفي للنصوص.
إن مشروع النزعة الإنسانية ينبغي أن يشق طريقه داخل أجواء الهلع والآلام والأزمة العامة للقيم والظروف الهشة والخطرة للفكر الاستهلاكي، والحقائق العابرة الخادعة، والمجازر المتكررة أمام عقل سياسي دون مرتكزات موثوقة، والفوضى المعنوية التي يزيد من حدتها سيول الأخبار والمعلومات.
ويرفض “أركون” هنا المنهج العلماني الغربي الذي عزل الدين وأبعده عن الواقع الفكري والثقافي، فما يريده ربما يكون وسطا بين علمانية أوروبا وهيمنة الدين في العالم الإسلامي على الحياة والفكر والتطبيق (برأي أركون) ورفض عام لفرض الإلحاد الذي جرى في الدول الشيوعية أو فرض الدين وشعائره على الناشئة والمجتمعات، إنه يريد باختصار علمانية مهذبة أقل وحشية وعدوانية وأكثر احتراما للدين والإنسان.

المصادر المعتمدة:
جورج طرابيشي: من النهظة الى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة.
كامل الهاشمي: دراسات نقدية في الفكر العربي المعاصر.
محمد أركون: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى 1987.
محمد أركون: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الأولى، 1993.
محمد أركون: الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الثانية 1992.
محمد أركون: الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت 1987، ص243.
محمد اركون: الاسلام، اوربا، الغرب: رهانات المعنى وارادات الهيمنة.
محمد اركون:قضايا في نقد العقل الديني.
1-كل التعبير الشفهي للاسلام. وخاصة ذلك المتعلق بالشعوب التي لا تعرف الكتابة، كالبربر والافارقة ….. الخ. 2-المعاش غير المكتوب وغير المقال، اي الذي لا يجرؤ أحد على قوله او كتابته بسبب الرقابة الايديولوجية الصارمة….. 3-المعاش غير المكتوب ولكن المقال والمحكي في الندوات والجوامع والمدارس والجامعات ….. 4-اهمال النصوص المعتبر بانها غير تمثيلية للاسلام، اي اهمال الاسلام الشيعي والاباضي –حسب قول اركون- وتركيز الانتباه فقط على الاسلام السني المعتبر انه يمثل الاسلام او انه يمثل الارثذوكسية الاسلامية (اي الاسلام الصحيح والمستقيم، وما عداه فبدع وهرطقات)….. 1- كل الانظمة السيميائية-الدلالية غير اللغوية (اي التي تدل عن طريق الايحاء والرمز والاشارة او “اللغة” غير اللغوية)….. كالاساطير الموروثة والشعائر والطقوس والموسيقى والفن والازياء…الخ. 2- انهم يريدون خدمة مجتمعاتهم الغربية بالدرجة الاولى لا خدمة المجتمعات الاسلامية المدروسة، لقد اهمل هؤلاء الاسلام كظاهرة دينية من خلال تركيزهم عليه من منظور تجريدي يقف فوق المجتمع وفوق التاريخ وان لا علاقة للدين بالملابسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ……. لقد بقي هؤلاء محكومين في معظم الاحيان بالمنهجية الكلاسيكية للغرب، اي بالوضعية التاريخوية والعرقية المركزية ……… ولم ينفتحوا على التجديد المنهجي في علوم الانسان والمجتمع…….. 1- ان الاسلاميات التطبيقية تتميز بطابعها العملي او التطبيقي، وليس النظري او التجريدي في دراسة موضوعها ….. 2-التأثير الذي يمكن ان تغلبه جذريا العلوم الانسانية الحديثة بالنسبة لشروط ممارسة الفكر العلمي ….. ان الفكر الاسلامي لا يزال واقعا تحت هيمنة نظام الفكر القروسطي، انه فكر دوغمائي ويتميز بتأكيداته اللاهوتية في أفضليته للمؤمن ووقفيته للغة وتقديسه لها، كما انه يفترض ان العقل الذي يصدر منه هو عقل يتمتع بأساس انطولوجي يتجاوز كل تاريخية ويعلو عليها اي يحميه من التغير بتغير الازمان والعصور ….. 3-ان الاسلاميات التطبيقية تدرس الاسلام ضمن منظور انثروبولوجي واسع، فهي تعتبر ان الاسلام ليس الا احدى تجليات الظاهرة الدينية التي تتجاوزه وتتجاوز كل دين خاص مأخوذا على حدة، فالظاهرة الدينية او “ظاهرة التقديس” ظاهرة انثروبولوجية بمعنى انه لا يخلو منها اي مجتمع بشري، بدائيا كان او متحضرا، عتيقا كان أو حديثا، ان وجهة النظر هذه تعتبر حديثة جدا حتى بالنسبة للفكر الغربي المتقدم ……. 1- اعتماد الموقف المقارن، بمعنى الانخراط في أكبر عملية تحرير داخلية للفكر الاسلامي بعد تدمير المعارف الخاطئة التي تربينا عليها…… 2- ان علم الاسلاميات التطبيقية يعتبر نفسه فعالية علمية متضامنة مع كل الفكر المعاصر، انه يريد ان يدرس الاسلام في علاقته بالاديان الاخرى ضمن منظور الاسهام في اغناء الانثروبولوجيا التطبيقية، اي دراسة الظاهرة الدينية أو ظاهرة التقديس خلال كل الاديان وليس من خلال دين واحد فقط فالتقديس ظاهرة انثروبولوجية اجتماعية، لذلك عمد “محمد اركون” باعادة قراءة القرآن الكريم وبعض النصوص الاسلامية الكلاسيكية الكبرى ……… 1-اسباغ الصبغة التاريخية (الارخنة)…….. 2-نزع الصبغة التاريخية (نزع الارخنة) ……. اي تحويل الاشياء والاشخاص –مثلا- الى اشياء نموذجية، مثالية، تتعالى على التاريخية………

المصدر: http://www.ejtemay.com/showthread.php?t=19802

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий