Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (12) الاعتراب في واقع انسداده… نقد تصور الجابري للأمازيغية (2/1)

محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (12) الاعتراب في واقع انسداده… نقد تصور الجابري للأمازيغية (2/1)

الاحد 20 حزيران (يونيو) 2010

بقلم: إبراهيم أزروال

في النهاية ينتقم التاريخ من الأيديولوجيا.

العروي / خواطر الصباح – يوميات ( 1974-1981)

1- اعطاب الفكر الإيديولوجي :

من غرائب الفكر المغربي والمغاربي الميل إلى الطيّ والتضخيم في ذات الآن. ونقصد بالطي هنا، اختزال حيثيات الواقع المحلّي وتغييب قسماته المائزة لصالح خطاطة فكرانية مبلورة من قبل دوائر قرار متعيّنة تاريخيا وسياسيا. ونقصد بالتضخيم، تضخيم الفكرية الاصطناعية المنسوبة إلى تاريخية ميتافيزيقية رغم ماجريات التاريخ والتشكّلات المورفولوجية للاجتماع من جهة، وتضخيم ماهية ومدى سمية الفعل الاستعماري من جهة أخرى. ولذلك فالخطاب ينطق باليقين فيما ينهض على فراغات الايدولوجيا وعلى بياضات إرادة الاعتقاد. ثمّة فكرية مانوية، مهووسة بمسح الطاولة وبتأكيد سلطة الاعتراب السلفي بالمغارب ضدّا على معطيات التاريخ الحيّ وضدّ منتجات المتخيل الجماعي. وتقدم كتابات الجابري الملامسة للإشكالية الأمازيغية غرارات نموذجية في هذا السياق.

يقول في (وجهة نظر) ما يلي :

( ولم تكن هذه الثنائية، على مستوى الأداة، قائمة ومجدّدة في الوطن العربي ككلّ بل كانت كذلك في سورية ولبنان والجزيرة بصورة خاصة. . . أما في أقطاب المغرب العربي فلم تكن هناك أية ثنائية من هذا النوع لأن “الآخر ” الذي كان يتهدد أهله كان واحدا وليس متعددا، كان : الاستعمار الفرنسي وحده، أي “الآخر ” الأوروبي، ليس غير. وبما أن السياسة الاستعمارية الفرنسية قد استهدفت، من جملة ما استهدفته تنصير “الأهالي”، أو قسما منهم على الأقلّ، وهم “البربر” الذين كانت تريد فصلهم عن “العرب”، فلقد جاء ردّ الفعل الوطني مزدوجا : إسلاميا، ضد التنصير والتبشير، وعربيا ضدّ السياسة البربرية. وإذا أضفنا إلى هذا خلوّ المغرب العربي من التعددية على صعيد الدين، فجميع السكان مسلمون سنّيون مالكيون، أدركنا كيف أصبحت ” العروبة ” و”الإسلام ” في المغرب العربي يحيلان إلى شيء واحد هو الهوية الوطنية.)

( – محمد عابد الجابري – وجهة نظر. . . نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1992-ص. 26).
يفترض تدشين معقولية جديدة في مسار النظام الفكري، استشكال فكرية الحركة الوطنية وتفكيك متخيلها السياسي وافتحاص آلياتها الإجرائية ؛ والحال أن الجابري، يستعيد مفردات هذا المتخيل، بدون تزمين أو توطين تاريخيين لمحتوياتها ولا استشكال لبنيتها ولتركيبتها الذهنية . فالواقع أن تنميط التاريخ الاجتماعي أو الثقافي لا يجدي في محو الاختلافات والانشقاقات والمغايرات ؛ كما لا يجدي إسقاط الأبنية الذهنية للشرق الأوسط وماجريات التاريخ وطبيعة التراكب المذهبي والإثني هناك على المغارب، في تحريك السواكن الفكرية وإنعاش الفعالية التاريخية ؛ لقد تميز تاريخ المغرب دوما بالتعددية الدينية والمذهبية والعرفانية، وبذلك التوزع الوجداني الصعب بين المخزن والقبائل والزوايا. وبما أن كل مؤسسة تحتكم إلى إطار معياري خاص، فإنها تؤول إلى فرض سؤددها والى التحكم في الأفئدة وفي الأجساد، وفي رسم خريطة التدافع الرمزي أو الحركي مع الأغيار والفرقاء المؤسسيين. فالمغرب التقليدي مخترق بالصراعات القبلية بين القبائل والأحلاف القبلية، بين الفكر الصوفي الطرقي والأرثوذوكسية الفقهية المالكية، بين الحاضرة السنية الأرثوذكسية والبادية الجامعة بين مبعثرات فقهية ومتصورات عرفانية – طرقية، بين الولاء المبدئي للإمامة والاحتكام إلى الأعراف والقوانين الجماعية عمليا.

كما أنّ طيّ الحضور التاريخيّ لليهودية وللإباضية، لا ييسر التمكن من إدراك التاريخ العقديّ والأنثروبولوجيا الدينية المغاربية وفهم تمفصلاتهما.

فما يراد تقديمه في صيغة النسق المندمج، يحفل على الحقيقة، بالتمزقات والتشققات والتصدعات النظرية والمعرفية؛ لم يحل الانتصار السياسي للمالكية الملقحة بالأشعرية، بعد تجفيف منابع الفكرية الخارجية والاعتزالية والشيعية والظاهرية، من استمرار الانقسامات الفكرية وتجدّد حضور المتصوّرات والتمثلات المرذولة من قبل الأرثوذوكسية المالكية. لا يعني الانتقال، مذهبيا، من “التعدد إلى الوحدة ” في الحالة المغربية، انتفاء القلق العقدي، ولا اجتثاث الجذمور المخيالي الأمازيغي، ولم تتمكّن المؤسسة الفقهية من احتواء باقي الفرقاء العقديين من مرابطين ومتصوفة وهراطقة ومهدويين ومتنبئين. . . الخ. فاضطرت للبحث في اضبارتها الأصولية عن آليات ومقولات ومفاهيم تجيز التأقلم والتكيف، مع اجتماع، لا يستجيب للمثال النبوي ولنموذج المدينة ولطوبى “الفقهتاريا “. يقول امحمد العثماني في معرض تبريره لتجويز العمل بالألواح العرفية بسوس ما يلي :

( ثم إن كثيرا من العلماء في جزولة يؤيدون، بل يوجبون إقامة الضوابط والألواح، خصوصا في البلاد التي تقلصت عنها مراقبة السلطة المركزية. ولا شك في أن لهم أصلا في ذلك، وهو العقد الذي عقده النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار واليهود أول نزوله بالمدينة أو بعد بدر. وإذا جاز ذلك للنبي صلى الله عليه وسام والوحي ينزل عليه، فلم لا يجوز لغيره؟ خصوصا عند الضرورة. وعهد النبي صلى الله عليه وسلم هذا يعد أقدم دستور إسلامي، وأخطر وثيقة قيمة. ويدل أيضا على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بضمان الأمن وفرض النظام والعدل. ونفس الشيء هو قصد الجزوليين. )

( امحمد العثماني – ألواح جزولة والتشريع الإسلامي – دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي – منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية –الطبعة الأولى 2004-ص. 137)

لا مراء إذن في قوة المتخيل الجمعي والمؤسسات التنظيمية الجماعية، بالمناطق البعيدة عن الحواضر والعواصم السلطانية، بشهادة النقاشات والمناظرات واستقصاءات الرأي، المنعقدة بخصوص جواز العمل بالأعراف والألواح الجزولية مثلا. لا تدعم “العلمنة “الجنينية المعمول بها في المناطق الأمازيغية، دعوى مسح الطاولة العقدية الجابرية ، ولا تمكن المؤسسات الأرثوذكسية من التفكيك الكلي، للبنيات التنظيمية الأمازيغية ومتخيلها الرمزي وتصورها لجدل الفعالية المحايثة والفعالية المتعالية في تنظيم الكل القبلي. يقول أبو زيد التمنارتي، عن تركيبية وتراكب، العقل التشريعي، في الفضاء الأمازيغي، ما يلي :

( سافرت من تارودانت لبلاد القبلة، فمررت ببلاد هنكيسة فكانوا يتحاكمون إلي. فإذا عرضت خصومة تتعلق بحصونهم التي أعدوها لحفظ أموالهم، وكانوا يبنونها على شواهق منيعة، قالوا هذه إنما يحكم فيها ألواح الحصون، فسألتهم عنها، فقالوا : هي ضوابط وقوانين رسموها، وينتهون إليها عند وقوع حادث في الحصن. فشرحوا لي منها كثيرا، فوجدتها كلها من باب العقوبة بالمال التي ليست في الشريعة إلا في الغش، وليس شيء منها في الغش، بل هي عوض عن الحدود الني نصبها الشارع زواجر. فقلت لهم : هذا من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به، وأجملت في ذلك. . . )

(-أبو زيد التمنارتي – الفوائد الجمة في إسناد علوم الملة – تحقيق : اليزيد الراضي – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية -2007-ص. 462).

لم تحل سياسات الأسلمة المنهجية إذن دون استمرار التشريع الجماعي في قطاعات اجتماعية إستراتيجية وتعيين حدود عازلة بين الشريعة والأعراف ؛تنظم المجموعات الأمازيغية مجالها، بالاستناد إلى خبرتها الايكولوجية والأمنية والثقافية، لا بالارتكاز إلى المتصورات المتعالية للمؤسسة الفقهية المشدودة، عمقيا، إلى نموذج المدينة والى الآليات والأجهزة الإجرائية المبلورة في سياقات سوسيو-ثقافية مختلفة عن البناء السوسيو-اجتماعي المغاربي. وبما أن الأرثوذوكسية، لا تملك الأدوات التقنية ولا الإمكانيات السياسية ولا القدرات الاقتصادية، لتعميم متصورها الفكراني، فإنها كثيرا ما تبحث عن تسويات وتوافقات وترضيات مسوغة شرعا، لتفادي الفوضى الكلية وانخرام الجسد النظري للأرثوذوكسية المالكية.

ثمة توافقات تعقد إذن، لتسويغ التجاور المؤسسي والقانوني، بين المؤسسات القبلية المحتكمة إلى التعاقد الجماعي والى الخبرة التاريخية للمجموعة الإثنية أو الثقافية والمؤسسة الفقهية المحملة بالأنثروبولوجيا التاريخية للعربيا . غير أن التوافق المعلن، لا يعني إلغاء احتراب المخيالات، ولا ضراوة المناكفات الرمزية بين نخبة عالمة متعالية عن الجسد الاجتماعي وكتل جماعية تمتاح من مخزونها الأنثروبولوجي ، ومن المدونة الفقهية ومن الرمزيات الصوفية والعرفانية والهرطوقية بدون مفاضلات نظرية.

وللبرهنة على هشاشة التسويات النظرية بين الأوفاق الأنثروبولوجية المغاربية، نورد رأي السلطان المتسلف المولى سليمان في التصوف الطرقي المتمغرب.

يقول المولى سليمان في خطبة نقدية للطرقية ما يلي :

(واعلموا أن الله بمحض فضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها،وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها، وكلفكم لينظر عملكم، فاسمعوا قوله في ذلك و أطيعوه، واعرفوا فضله عليكم وعوه، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون، والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون، وافترقوا أوزاعا، وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا، بما هو صراح كتابا وسنة وإجماعا، وتسموا فقراء، و أحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا، ” قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا : الآية ” وكل ذلك بدعة شنيعة، وفعلة فظيعة، وشيمة وضيعة، وسنة مخالفة لأحكام الشريعة، وتلبيس وضلال ، وتدليس شيطاني وخبال، زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتا ، وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا، وتصدى له أهل البدع من ” عساوة وجلالة ” وغيرهم من ذوي البدع والضلالة، والحماقة، والجهالة، وصاروا يرتقبون للهوهم الساعات، وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات. . . )

(-أبو القاسم الزياني – الترجمانة الكبرى – في أخبار المعمور برا وبحرا – تحقيق وتعليق : عبد الكريم الفيلالي – دار النشر المعرفة للنشر والتوزيع – الرباط – المغرب – طبعة 1991- ص. 467).

يفصح هذا النص عن عمق وجذرية الاختلاف بين التسلف” المتوهبن”، والطرقية “المتمغربة “، وعدم تمكن الأرثوذوكسية والنخب والثقافة العالمة من اجتثاث التجليات الأنثروبولوجية للمقدس التعديدي المنفتح على معتقدات و مؤثرات أفريقية ومتوسطية ويهودية. لقد شكلت الطرقية “المتمغربة”، البنية النظرية الجامعة والضابطة لمقتبسات رمزية وترمزية،منبثقة من مخيالات متعددة، ومن آفاق كينونية، مفارقة للآفاق التذاهنية السنية. إن الطرقية “المتمغربة”،بوتقة صاهرة، لمؤثرات قدسانية نابعة من كوى الروح الأمازيغية أو الإفريقية أو اليهودية أو المتوسطية وهي تعارك المجهول، وتكابد مشاق التراجيديا العالقة بجوهر الوجود، وتتعالى على دونيتها بإطلاق قوى الجسد والمخيلة وتحريرها من رهاب النصوص الغضة ومن هجاس المؤسسات الامتثالية. تعلن الطرقية “المتمغربة “، صعوبة تذويب مقدس مركب باسم انثروبولوجيا تخفي عينيتها وتارخيتها عبر اصطناع مفاهيم وآليات مجردة. ألا يخفي الفقه وجهه الأنثروبولوجي بقناع الابستمولوجيا؟

لا يمكن قراءة التاريخ العقدي للمغرب، إلا بصيغة الجمع؛ أما التنصيص على الهيمنة الصورية للمالكية، وتغييب ما ينطوي عليه الجسد الطرقي، من مكونات وإشارات وترميزات، لا أرثوذوكسية، جوهريا، فإنه يختزل وينفي عنفوان الواقعات الفكرية وتعقد بنياتها وإواليات تكونها وتفرعها وانغراسها في النسغ الوجودي للكائن.

فكيف ينفي الجابري التعددية العقدية، ويؤكد على الوحدة الوطنية في مجتمع متعدد، اثنيا ولغويا وثقافيا ورؤيويا، وبعيد عن شرائط المواطنة وعن الفلسفة القانونية والسياسية المحددة لمساراتها؟ ألا يدل تطويق التسلفية المغربية للطرقية، على عمق الاختلاف حول التدبير التاريخي لبنيات المتخيل الإبراهيمي؟

لا يتحدّد الآخر في مغرب ما قبل الحماية، بالنصارى فقط، بل بكل مخالف، اثني أو لغوي أو ثقافي أو مذهبي أو طرقي. ففي غياب المواطنة والفلسفة والمؤسسات المؤسسة والداعمة لها، فإنّ الفرد يرتبط بتنظيماته القبلية الأصلية، أو ببنيته الطرقية، ويحدد رؤيته ومواقفه استنادا إلى ما يؤسسه وعي أو لاوعي مجموعته الإثنو-ثقافية. ولا بدّ من التلميح، إلى الحضور الكبير للغيرية اليهودية، في المخيال والوعي المغربيين، بدلالة التواجد المكثف للكيانية اليهودية في الفنون التعبيرية والمشهدية والقولية المغربية. ومن هنا، فإن تمرير محدلة التوحيد والوحدانية على مشهدية مغرب ما قبل الحماية، تنم عن مجافاة صريحة، لتعقد الخريطة الفكرية والعقدية، وعن رغبة فكرانية في تأبيد السرديات الكبرى والأساطير المؤسسة للحركة الوطنية المغربية. ثمة تاريخ عقدي آخر، تنفي الرؤية السكونية إمكان نسج لحمته وسداه هنا والآن.

2- أسطورة مسح الطاولة :

لا يقدم الجابري أيّ استشكال نقدي للإسطوغرافيا العربية الإسلامية، ولمروياتها المقدمة في إهاب ملحمي.. كما لا يلتفت إلى الآليات الإجرائية والمفاهيم التصورية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، الكاشفة عن آليات اشتغال المتخيل الجمعي وتعقد التركيبة الأنثروبولوجية للبنى الثقافية ذات الإحالات والمرجعيات والجينيالوجيات المتخالفة بالمغارب قديما وحديثا.

ينطلق الجابري من فرضية المسح العقدي للطاولة بشمال إفريقيا، أي بالأسلمة الشاملة للمغارب ومحو الثقافات القديمة للمغاربيين. ومن المؤكد أن إحلال ثقافة محل ثقافة “مقررة بين أهلها”، يقتضي التفعيل الأقصى للعنف الرمزي وللعنف المادي ذي المقصديات الاستئصالية والاجتثاثية. ومن هنا، فهو يقدم صورة ” احتفائية ” عن حرب ثقافية، قاصدة لتوطين ثقافية منقولة محل ثقافة مأصولة، وعن فرض متخيل الآخر على ذاتية مستقلة بقوة الحرب، لا بقوة الجدارة الاعتبارية. لا تنفصل قراءة الجابري عن المقروء الإسطوغرافي، ولا تسعى إلى إقامة المسافة النقدية الضرورية، لإدراك الخلفيات المتحكمة في بنية المقروء وفي تمفصلاته الدلالية. لا يظهر ناقد الاستشراق أي رغبة نقدية أو ناقدة، للاستعراب، بل يتماهى مع مسلكيته المركزية المتعالية ومع مروياته الملحمية الموغلة في أمثلة الذات و أبلسة الآخر. فباسم أية جدارة ابستيمية أو ايطيقية يحق للمعتصم بمحوريته الاعترابية أن ينقد محورية الاستشراق أو هيجيمونية العولمة الثقافية ؟

( لقد كان المغرب الأقصى من الأقطار العربية التي “مسح” فيها الإسلام “الطاولة ” مسحا. ذلك أنه على الرغم من أن الفتح الإسلامي قد تعرض لمقاومة ضارية، في شمال إفريقيا عامة – إذ دامت عمليات الفتح وإعادة الفتح عدة عقود من السنين قبل أن يستقر الأمر للإسلام بكيفية نهائية في هذه المنطقة – فإن الانتصار الذي حققه الفاتحون العرب في نهاية المطاف كان شاملا بحيث لم يبق هناك وجود لأية أقلية دينية، كما تمت تصفية بنية المعتقدات الرئيسية القديمة مع استقرار الإسلام وتغلغله في جسم المجتمع. )

( -محمد عابد الجابري – المغرب المعاصر – الخصوصية والهوية. . الحداثة والتنمية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1988-ص. 46)

إن للثقافات قدرات تكيفية كبرى، ومدارات متاهية، يصعب إدراك تشعباتها ومساربها وتعرجاتها على من يقرأ التاريخ من منظور الإخباري المتكلم. فللثقافات قدرات كبيرة على الترميق وعلى الاستدماج وعلى التهجين ؛ وعليه، فلا يمكن استئصال المركبات الثقافية الأمازيغية، مادامت قادرة على إقامة تعاقدات ثقافية توافقية، تدخل المؤثرات الثقافية بموجبها في إطار بوتقة تثاقفية استدماجية متعددة الخلفيات.

لا يمكن التعويل على الوضع الدليلي للأرثوذوكسية، لاستكناه حقيقة التركيبة العقدية والثقافية بالمغارب طيلة العصر الإسلامي، خصوصا في أزمنة لا تمتلك فيها الوسائل اللوجستيكية والتقنية والسياسية،لفرض مقرراتها العقدية على المناطق المتشبثة بذاتيتها الثقافية وبالبنى الأنثروبولوجة لمتخيلاتها الجماعية. لقد مثلت الذاكرة المغاربية بوتقة للصهر والتذويب والتهجين والتبيئة المركبة ؛ وعليه، فبدلا من التنصيص على الأسلمة القسرية للمغارب على أسنة رماح الفاتحين، يجدر بالباحث أن ينصرف إلى آليات التمازج والتصارع والتثاقف داخل الإطار الثقافي الأنثروبولوجي المغاربي بين الإطار الطقوسي الإسلامي والإطار الميتافزيقي الأمازيغي المطعم بأكثر من مؤثر ومرجع وسند إحالي. وعليه، فلا غرابة أن تنطوي، بنية الطقوسيات الشعبية المغربية، على معتقدات أمازيغية ومتوسطة وافريقية ويهودية وإسلامية. وبالرغم من الأسلمة الشكلانية لتلك المؤثرات، فإن الأرثوذوكسية المالكية أو”المتوهبنة”، ما فتئت تطالب، باجتثاث البنى والطقوس اللاارثوذوكسية. فبما أن ناقد العقل العربي، حصر نظره في العقل النظري واستنكف عن الامتياح من المنظور الأنثروبولوجي رغم انتهاض البيان البين على انثروبولوجيا خاصة ، فإنه يقارب البنية العقدية المغربية، برؤية غير مطابقة للنسيج الناظم والمنظم، منهجيا، لتلك البنية.

وكما لا يتناول الأنثروبولوجيا والاثنولوجيا المغربيتين بالمنهجات المطابقة، فإنه لا يبدي أي استشكال للعقل التاريخي العربي، ولا لنسقه المفهومي. ومن اللافت للنظر هنا، ميل الناقد الابستمولوجي إلى الأحكام المرسلة، والى التنميط الفكراني، المترفع عن الوقائع المذكورة في الأسفار الإسطوغرافية أو البدعوية.

رغم فراغات النصوص الإسلامية، فإنها تثبت، لاعتبارات معرفية أو منهجية، ما تحيله المحدلة الكلامية إلى الخمود. يقول ابن حزم عن بورغواطة ما يلي :

( فكيف يستجيز مسلم أن يثبت بعده عليه السلام نبيا في الأرض حاشا ما استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآثار المسندة الثابتة من نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، وكفار برغواطة إلى اليوم ينتظرون صالح بن طريف، الذي شرع لهم دينهم. )

(- ابن حزم – الفصل في الملل والأهواء والنحل – وضع حواشيه : أحمد شمس الدين – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية – 1999-الجزء الثالث – ص. 114-).

لم يكتف صالح بن طريف برسم معالم الاستقلال العقدي التاريخي عن الأغيار، بل وضع مصحفا في ثمانين سورة حسب البكري. تكمن وراء التثاقف الاجتيافي كما مارسته غمارة وبورغواطة، رغبة أكيدة في إعادة ترميم النظام الكلي للرمزية المؤسسة لانتظام الكينونة الجماعية.

ومن المحقق أن فرضية العصبية القبلية لا تفسر كلية ظاهرة الارتداد الدوري للأمازيغ عن الإسلام؛ فالعصبية القبلية مندغمة بالمتخيل الجمعي، وهذا ما لمسته برقة غير آسرة النظرية الخلدونية :

( قال ابن أبي زيد : ارتدت البرابرة بالمغرب اثنتي عشرة مرة. ولم تستقر كمة(كذا) الإسلام إلا لعهد ولاية موسى بن نصير فما بعده. وهذا معنى ما ينقل عن عمر أن إفريقية مفرقة لقلوب أهلها، إشارة إلى ما فيها كثرة العصائب والقبائل الحاملة لهم على عدم الإذعان والانقياد. ولم يكن العراق العهد بتلك الصفة ولا الشام، إنما كانت حاميتها من فارس والروم ؛ والكافة دهماء أهل مدن و أنصار. فلما غلبهم المسلمون على الأمر وانتزعوه من أيديهم لم يبق ممانع ولا مشاق. والبربر قبائلهم بالمغرب أكثر من أن تحصى، وكلهم بادية وأهل عصائب وعشائر. وكلما هلكت قبيلة عادت الأخرى إلى مكانها والى دينها من الخلاف والردة ؛ فطال أمر العرب في تمهيد الدولة بوطن إفريقية والمغرب. )

(- ابن خلدون – المقدمة – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – 2002-ص. 153).

يشير الشاهد الخلدوني إلى استعصاء التركيب الاجتماعي الأمازيغي على التذويب وعلى الاستيعاب والاستلحاق ؛ إلا أنه يحصر قوة ذلك التركيب في العصبية القبلية، علما أن للعصبية بؤرا ونوابض ثقافية، وموشورات نظرية. ليست العصبية القبلية معزولة عن رؤية “فلسفية “للعالم وعن تدبر تاريخي للغيرية وعن خبرة جماعية في المثاقفة. فالعصبية القبلية لا تنفصل، في هذا السياق، عن تجربة المثاقفة العقدية بالمغارب ؛ فقد راكمت هذه الفضاءات الثقافية، تجارب تاريخية ثرة في التدافع والتثاقف العقديين،وفي بلورة ايكولوجيا رمزية وفي التكيف مع الحالات القصوى للاحتقان العقدي. لا يمكن لفضاءات ثقافية،خبرت الممانعة الرمزية إزاء المسيحية أو التكييف والتبيئة المجالية لمعتقداتها كما في النحلة الدوناتية، أن تعدم آليات إدارة المصادمات الرمزية. فمن الصعب، فهم الاستجابة الأمازيغية المعقدة للإسلام، في غياب حصيلة المراس الأمازيغي في باب التنافذات الرمزية والتجاذبات التاريخية بين المؤثرات الإفريقية والمتوسطية والاستجابات الثقافية المحلية لإشكاليات الوضع الكينوني للإنسان.

3- التفكير الاعترابي في” العقل” المغاربي :

يغيب تكوين العقل المغاربي عن الأفق الفكري للجابري، كما تغيب عنه خصائص التاريخ الثقافي والاجتماعي بالعالم الأمازيغي. لا تحضر الديناميات السوسيو-تاريخية ولا التراكبات التثاقفية، لهذا العالم في كتاباته ؛فما يعنيه هو استقراء استتباع المغارب للروحية والفكرية الشرقانية، وتتبع أمارات الاعتراب التسلفي، وتعيين لحظاته المائزة. يتفوق المطلب الفكراني هنا على التحليل الابستمولوجي وعن التعليل التاريخي وعن الاستكشاف الأنثروبولوجي – التاريخي. يقدم الباحث استقالته الابستمولوجية، ليمسك المتكلم المتفقه، بقياد الخطاب، رغم حداثة اللغة المستعملة أحيانا. لا يبدي ناقد العقل العربي أي اهتمام بنقد الهوية العربية، ولا بتفكيك التركيب العروبي، ولا باستقصاء جدل الإثبات والمحو في الإنشاء البعدي للعروبة الثقافية. وهكذا، تغيب المادة اللزجة للتاريخ والأنثروبولوجيا، لتتغلب المادة الأثيرية للفقه وللكلام. وبمقتضى هذا الاعتبار، لا تعدو الجمهورية الفرنسية، أن تكون تجليا من التجليات الثقافية للنصرانية وللفكرية الصليبية؛ علما أن التاريخ الفكري الحديث لفرنسا، يغلي بالانزياحات والقطائع والمراجعات على صعيد العقل المكون(بالكسر) والعقل المكون( بالفتح) على السواء .

من بداهات الفكرية الاستعمارية سواء أكانت شرقية أم غربية، ربط السيطرة السياسية بالهيمنة الثقافية وإخراج الآخر من غيريته دون تمكينه من الانصهار في الذاتية المتغلبة ؛ من الطبيعي إذن أن تروم فرنسا التحديث والعصرنة والفرنسة، وقضم الثوابت الأنثربولوجية للإنسان المغاربي. ومن الغريب أن ينفي الجابري مركزية الأمازيغية الثابتة في هوية المغرب خصوصا والفضاء التاريخي الأمازيغي عموما. فلئن رامت فرنسا إلحاق الأمازيغ بالمشروع الإيديولوجي للجمهورية الثالثة، فإن الحركة الوطنية، أسقطت الأمازيغية أصلا من برنامجها الثقافي – والسياسي. والمسكوت عنه، في نص الجابري، هو الانتماء الأندلسي – الموريسكي للنخب المحتجة على”الظهير المنظم لسير العدالة بالقبائل ذات الأعراف البربرية والتي لا يوجد بها محاكم لتطبيق الشريعة”، المسمى خطأ بالظهير البربري.

( لقد كانت السلطات الاستعمارية الفرنسية ترمي من ورائه إلى فصل العنصر “البربري” عن العنصر “العربي” في المجتمع المغربي وبالتالي فصله عن الإسلام كتشريع وثقافة ودين حتى يتأتى لها ربطه بفرنسا ثقافيا وحضاريا ربطا عضويا، وبالتالي ضمان الاستمرار ” التاريخي ” للوجود الفرنسي في المغرب. فكان رد الفعل الوطني الذي قادته النخبة الوطنية المثقفة بسلا وفاس وغيرها من المدن هو الدفاع عن الإسلام والعروبة معا بوصفهما يؤسسان الوحدة الوطنية المغربية).

-محمد عابد الجابري – المغرب المعاصر – الخصوصية والهوية. . الحداثة والتنمية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1988-ص. -40-41. )

من المفروض في أي فكر وطني، أن يكون وليد الحداثة الفكرية وأن يعيد النظر في الأنساق الفكرانية القدامية وأن يبني إشكالية الانتماء والهوية على مفاهيم الحداثة السياسية. والحال أن خطاب الحركة الوطنية، قدامي كلاسيكي في الجوهر،مبني على ثوابت السياسة الشرعية وعلى الانتماء الإيديولوجي إلى أمة متكتلة حول التاريخ الأنبيائي لا على الانتماء إلى الدولة / الأمة. فلا مناص إذن، أن يزال الثابت الأمازيغي، في فضائها الفكري. فلئن رامت الجمهورية الفرنسية استتباع الأمازيغ، فإن الحركة الوطنية، اكتفت بإلغاء الفكرية والثقافة الأمازيغيتين، من برنامجها الفكري – السياسي. إلا أن إلغاء هذا الثابت المركزي في التاريخ والأنثروبولوجيا المغاربيين، يفصح عن رغبة في مأسسة النفي الهوياتي وتدشين المهابدة الثقافية بالاستعانة بمزق من الفكرية الحداثية و بالأدوات التقانية الجديدة. وهكذا، عاش الثابت الهوياتي الأمازيغي، موزعا بين الاستلحاق الفكراني الاستعماري وبين الاستتباع الالغائي الإعترابي. وهكذا، بدلا من تنصب مقاربة الجابري، على اللاشعور المعرفي وعلى العقل المكون للحركة الوطنية المغربية أو على محددات عقلها السياسي أو أن تكشف عن المضمرات الفكرانية لخطابها السياسي- الاجتماعي، فإنه يكتفي بتقديم الخطاب المعياري/ الوطني بلا استشكال ولا مساءلة عن متانة الأساس المفهومي أو البناء النظري أو التواؤم مع الملابسات التاريخية والسياسية. فكيف تتأسس الوحدة الوطنية في غياب أحد مركزاتها البنيوية؟ أليس من المفارقة التاريخية أن تفتتح، حركة وطنية انبثاقها التاريخي، بالقنوت و اللطيف والصوم الجماعي وبالتنكر العملي لثقافة الوطنية الحداثية تعريفا، والعلمانية جوهرا؟ كيف يوفق الخطاب النقدي الابستمولوجي، بين الوطنية وبين استعادة أجواء الحروب الدينية، بين فرض الأسلمة من جهة وافتراض التنصير من جهة أخرى؟ أليس غريبا، أن ننقذ الأمازيغ من التنصير المفترض، بإلغائهم من المشهدية السياسية والثقافية جملة؟ألا يتحكم اللاشعور المعرفي في بنية خطاب الحركة الوطنية وفي ميلها إلى التجميع الترميقي بين مفاهيم سلفية وليبرالية وممارسات فقهية متسننة ومتسلفة؟كيف يغيب تحليل اللاشعور السياسي الراسم للمحددات المفصلية للسلوكيات السياسية للنخب”البورجوازية” المدينية؟ ألا ينطوي الخطاب الاعترابي على توهمات تاريخية واستيهامات عقدية جلية رغم تلألؤ السطوح بأضواء التساهل والتسامح والحداثة الازدواجية الفارهة كما في خطابات علال الفاسي ومحمد بلحسن الوزاني ؟

(ومن هنا كان الصراع في المغرب هو صراع بين “البدو ” و”الحضر” بالمعنى الخلدوني للكلمتين، أي بين سكان السهول والجبال والصحراء والقرى والمداشر والأحياء الفقيرة في المدن من جهة، وبين “الارستقراطية المدينية ” التي تتوارث السلطة : سلطة المال وسلطة العلم، وبالتالي سلطة السياسة. )

(-محمد عابد الجابري – المغرب المعاصر – الخصوصية والهوية. . الحداثة والتنمية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1988-ص. -97-98. )

يشير هذا الشاهد، إلى الصراع البنيوي، بين البداوة والتمدن، بين الكتل البدوية المفتقرة إلى السلطة والجاه والارستقراطية المدينية المحتكرة لسلطة المال والعلم والسياسة. من نافلة القول، التنصيص على مدينية الأرثوذوكسية المالكية وثقافتها العالمة؛ غير أن التحكم في السلطة المعرفية، لا يعني التحكم في السلطة السياسية أو في القرار الاقتصادي. فمما لا شك فيه أن تأسيس الدولة المرابطية الصنهاجية والموحدية المصمودية والمرينية والوطاسية الزناتيتين والسعدية والعلوية، تم على يد قوى بدوية بالأساس. وعليه، فإن الشاهد اللاخلدوني للجابري، يسقط صورة تاريخية مستحكمة بعد الدياسبورا الموريسكية وإبان الفصل الحمائي، على اجتماع بنى لحظات تألقه السياسي والاقتصادي على الاحتياطي والمخزون الرمزي البدوي تعيينا.

والواقع أن الظرفية الموصوفة، لا تستجيب لا لمقتضيات التحليل الخلدوني ولا لملابسات نظرية الصراع الطبقي الماركسية ؛ فهي وضعية انتقال من توازن استراتيجي بين البنيات السياسية والاجتماعية التقليدية (المخزن والقبائل والزوايا) إلى وضعية تجاور بين مؤسسات قدامية ومؤسسات حداثية ذات إحداثيات تنظيمية مختلفة.

(- وبالمثل، فكون “اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش ” لا يعني في ذهن ابن خلدون أكثر من اختلاف الأفراد والجماعات بسبب اختلاف ما اعتادوه من ظروف معيشية. فالقضية هنا ليست قضية “أسلوب الإنتاج” ولا علاقات الإنتاج. بل هي فقط مسألة ما يعتاده المرء ويألفه من أنواع العيش ومستوياته. إن علاقات الإنتاج، بمعنى علاقة المستغِلّ بالمستغَلّ، لم تكن مطروحة عند ابن خلدون. ومن ثمة فإن اختلاف الناس باختلاف نحلهم من المعاش، إنما يعني في ذهن ابن خلدون اختلاف البدو عن الحضر، اختلافا يرجع إلى التباين القائم بين وسائل كسب العيش ونمط المعيشة الذي توفره هذه الوسائل. )

(- محمد عابد الجابري –فكر ابن خلدون – العصبية والدولة – معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان – الطبعة الثامنة – 2007-ص. 161).

ومن المحقق أن الحداثة أنهت الوضع الموصوف في الشاهد الخلدوني، وأدخلت السياق المغاربي في تفاعلات سوسيو-اقتصادية مستجدة وفي تراتبيات وتهيئات غير معهودة في النسق الاقتصادي القديم. كما تميز الوضع الجديد،بالتفاوت، بين البادية والحاضرة، في تحصيل الثقافة الحديثة وفي الانتظام في سياقاتها. لقد انتبهت القوى الصاعدة إلى قوة الرأسمال الثقافي الحديث وإلى ضرورة التموقع في سياق الحراك الثقافي الجديد. فلم يمنع رهاب التنصير، كثيرا من صانعي الممانعة العقدية، من الانتظام الجيد أحيانا، في مفاصل الثقافة الحداثية ومن الاستفادة لاحقا من امتيازات التأهيل الحديث.

( وهكذا برزت، غداة الإعلان عن استقلاله، حقيقة قاسية وهي أن المؤهلين لمراكز المسؤولية والحصول على وظيفة في الإدارة والمراكز الاقتصادية، وبالتالي على مركز في الحياة العصرية هم فئة قليلة ممن ينتمون إلى “الارستقراطية المدينية” التي كان معظم أفرادها ممن نزحوا من الأندلس وسكنوا مدن فاس وسلا والرباط وتطوان وقدموا للمخزن، عبر القرون “الأطر الفنية” التي كان يحتاج إليها. أما باقي الأسر والقبائل المعربة والمتكلمة لهجة بربرية، في المدن كما في السهول والجبال، فقد وجدوا أنفسهم في موقع المهشمين المحرومين. )

(-محمد عابد الجابري – المغرب المعاصر – الخصوصية والهوية. . الحداثة والتنمية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1988-ص. -106. )

عادت الارستقراطية المدينية، المحتجة على الظهير الاستعماري، لتحكم قبضتها بعد الاستقلال على مفاصل السياسية والثقافة والاقتصاد. وما كان لها أن تتبوأ هذه المكانة الرفيعة في وضعية انتقالية وإشكالية، ما لم تنخرط في الأوان الحمائي، في أنحاء وظيفية من الثقافة الحديثة. ولا يمكن تفسير دعوة الأمازيغ إلى مقاطعة الثقافة الحديثة باسم محاربة التنصير والسياسة البربرية والانخراط في البنيات والمؤسسات الحديثة، بالانفصال التاريخي بين البداوة الأمازيغية والارستقراطية المدينية ذات المحتد الموريسكي كما يعتقد الجابري، بل بتفكيك البنية السردية للأساطير المؤسسة للدينامية السياسية – الثقافية للحركة الوطنية عموما.

يقبل الجابري نظام الحقيقة كما قررته الحركة الوطنية، بعيدا عن أي استقصاء نقدي أو أي مساءلة عن البداهات المخفية أو عن المسكوتات المطمورة في قيعان الخطاب. فالحقيقة أن لهذا الخطاب ضمنيات ومتوجهات، لا يمكن للذهول عن مفاعيلها إلا أن يغرق القراءة في الامتثالية اللانقدية. فمن مظاهر هامشية الإشكالية المغربية في مشروعه الفكري، عدم انكبابه عن نقد العقل النظري والسياسي والأخلاقي للحركة الوطنية،واكتفائه بتسويغ تمثلات ومتصورات الفكرية السائدة والمسيطرة عبر الأجهزة الإيديولوجية المهيمنة. فخطاب الحركة الوطنية، لا يتحرك على مدار المنطوقات السياسية، بل يغوص عمقيا في مضمرات اثنية وعقدية ومذهبية ويتفاعل، سلبيا، مع تواريخ “اللقاحية” الأمازيغية.

تنطوي الخطابات على شقوق وخروم وعلى بياضات، وتنبني على مضمرات ومسبقات وينبغيات؛ ومن هنا فلا مجال لإعفاء خطاب الحركة الوطنية من الالتباسات ومن الفجوات الفاصلة بين المنطوق والمفهوم، بين المعلن والمخفي، بين الدليل ونقضيه. ومن هنا، فلا يمكن التسليم بشفافية خطاب الحركة الوطنية وباستيفائه الكامل لمقتضيات المطابقة، إلا من منظورية غير نقدية تعيينا. أليست الحصافة مثالا يلامسه أفق الفكر، ولا يناله بفعل ثقالة الحمولة الإيديولوجية؟ ألا يسقط الخطاب في الازدواجية وفي اختلال المعايير؟ألا يصير الخطاب الناقد جزءا من الخطاب المنقود؟ ألم يبهرن ناقد العقل العربي على انتمائه العميق إلى البنية الذهنية للاعتراب؟

( هنا أيضا نجد الخطاب عبارة عن رغبة مؤسسة على رغبة. والخطاب الذي من هذا النوع خطاب في الممكنات. ولا يمكن تحقيق الرغبة أو الرغبات التي يفصح عنها هذا الخطاب إلا إذا تحولت الممكنات التي تؤسسه إلى واقع. )

( – محمد عابد الجابري – الخطاب العربي المعاصر – دراسة تحليلية نقدية – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الثالثة – 1988-ص121)

يتخفف الخطاب الابستمولوجي، من الحمولة النظرية والمعرفية للتاريخ والأنثروبولوجيا، كلما لا مس التاريخ الفكري للمغارب. والحقّ أن، ناقد العقل العربي لا يتناول العقل المغاربي إلا عرضا وفي مقامات جانبية مرتطبة بمقامات المقايسة والمقارنة بين الوضع المشرقي والوضع المغربي. فمن غرائب خطاب الجابري، غياب الإشكالية المغربية – المغاربية عن بنية فكره. فما دام خطابه مشغولا بإشكاليات الفكريات المشرقية، فإنه لا يلتفت إلى المشهدية المغاربية، إلا لمتابعة سريان الفكريات المشرقية على أرض المغارب، وسياقات استنباتها وتكييفها في فضاء ثقافي هجين. لا إمكان للتفكير، من منظوره في “تكوين العقل المغاربي” أو في ” بنية العقل المغاربي “، طالما أنه يغيب الدينامية التاريخية للمغارب، ولا يكاد يحتفل إلا بقسماتها العربية – الإسلامية، بمعزل عن الثوابت والمرتكزات المفصلية لهذا السياق الثقافي التاريخي الخاص.

لا سبيل إلى تدبر التاريخ الثقافي والاجتماعي، كما لا سبيل إلى تعقل التثاقف المهجن بالمغارب، استنادا إلى الفضاء المفهومي لناقد العقل العربي ؛ فهو مسكون بالمقايسة وبتتبع آليات استزراع إشكاليات العقل المعرفي والأخلاقي والسياسي العربي، خارج مداراتها الأصلية.

ولإبراز قابلية المغارب الأنطولوجية، للتجاوب مع الإشكاليات المركزية للعقل المعرفي أو العقل السياسي أو الأخلاقي، فإنه يغيب المادة التاريخية والأنثروبولوجية المغاربية، ويعتمد على مستندات ودعائم خارج تعالقاتها وتشابكاتها السوسيو-تاريخية.

لا يساعد الانهمام بالمسبقات والمقصديات هنا، على تفعيل مبدإ الملاءمة في اختيار المفاهيم وتسديد أجهزة الاستقصاء النظرية؛ لا غرابة إذن، في أن تتأول الوطنية والحداثة والوحدة الوطنية تأويلات اعترابية، بعيدة عن المقتضيات الدلالية للمجال التداولي العربي – الإسلامي من جهة والمجالات التداولية الحداثية من جهة أخرى.

يتجسد غياب الملاءمة هنا، في الرؤية التنميطية للتاريخ الثقافي للمغارب ؛ فمما لا شك فيه، أن للتاريخ العقدي للمغارب في الزمان الإسلامي، تعرّجات وتفرّعات وتشابكات، لا مجال لاختزالها في أية مقاربة عالمة وموضوعية. لا تروم الرؤية الثبوتية، قراءة التعددية والانشقاقات، ولا رصد التمفصل الصعب بين الثابت الإثني-الثقافي والمتغير العقدي. ثمة تواريخ عقدية متشابكة، نسج خيوطها الزيدية والمعتزلة والفاطميون والخوارج والهراطقة والمبتدعة والطرقية، لا يستحضرهم التاريخ المؤسطر، إلا عرضا أو في معرض التدليل على موافقة التركيبة المالكية – الأشعرية – الجنيدية للاجتماع المغربي. لا يعنى خطاب الجابري، بتفكيك الأسس التاريخية والابستمولوجية للأنظمة الفكر المغاربي، ولا لحيثيات التنميط الاعترابي، لفضاء ثقافي، ذي مواصفات انثروبولوجية وتاريخية واجتماعية ولسانية خاصة. وكما في كل تقصد فكراني، فإن الخطاب يقف على العتبة، ولا يفصح عن المقصود الاستراتيجي. فلئن جوبه الخطاب البياني الأصلي بمقاومة ثقافية غنوصية وهرمسية اختراقية في المشرق، فإنه توفق في مسح الطاولة العقدية والثقافية بالمغارب، وحقق المطلب البياني، ومشروعه الثقافي الاستراتيجي. ومن المحقق أن بين المطلب الفكراني هنا، وتطلبات الصرامة المنهجية، مساحات لا تملؤها الكاريزما الفكرية، إلا لدى المتكلمين الجدد.

يقتضي مسح الطاولة، مسح الثوابت الاثنولوجية والأنثروبولوجية،كما في نفيه الصارم للأمازيغية من قارة الأصالة. والحال أن لا أصالة مغاربية، بدون تفكير متجدد، في البناء التاريخي المغاربي وفي استكشاف ثنايا وخبايا وزوايا، التركيب الأنثرو-تاريخي لشمال إفريقيا. وكما تقوم الأصالة هنا، على الاجتثاث والاحتفاء بالمهابدة الثقافية، فإن الحداثة المنوه بها، حداثة أداتيه، إجرائية فاقدة للوعي بالسيرورة والصيرورة معا. وهذا مؤشر أكيد على قدامة المشروع وافتقاده إلى منازع الحداثة.

4- نقد التأويل الوطني للظهير الكولونيالي :

يقود القصد الفكراني، النظر إلى “التجويزالمفهومي” والى “التجويز التاريخي”؛ فكما ينهض التجويز على نفي الطبائع والنواميس الكونية، فإن “التجويز المفهومي” يقلب البناء المفهومي للمصطلحات و”التجويز التاريخي ” ينفي السببية التاريخية ويصيغ الأحداث وفق تطلبات نفسانية أو فكرانية أو ثيولوجية. وهذا تضيع معقولية التاريخ، ليحتل السرد الحالم والمقارنة الاستيهامية، سطح الخطاب، بفصاحة تليق بالاستدلال والاعتبار البيانيين. !

( إن هذا يعني، في السياق الذي نتحرك فيه، أن “العروبة ” قامت للدفاع عن ” الإسلام ” في المغرب، وبالتالي فالتعارض بين ” الإسلام ” و”العروبة ” الذي كان يعاني منه المشرق، وما زال، نتيجة المعطيات التي ذكرنا، قد حل محله في المغرب التضامن بين العرب والبربر تحت راية الإسلام، الإسلام الدين، والإسلام الأمة، الذي ظل على الدوام يؤسس الوحدة الوطنية المغربية منذ الفتح الإسلامي. ومع غياب التعارض بين ” الإسلام ” و”العروبة ” وقيام التضامن بينهما بل استمراره، ينتفي بصورة مباشرة التعارض بين الأصالة والحداثة، باعتبار الأصالة هي هنا الإسلام والعروبة معا، وان الحداثة ضرورية للنهوض ضد المستعمر الذي لم يعد خطره منحصرا في إفقاد البلاد سيادتها وسلبها خيراتها. . . بل لقد أصبح يهدد بسياسته البربرية الوحدة الوطنية، لا بل كيان الأمة الديني والثقافي والحضاري. )

(-محمد عابد الجابري – المغرب المعاصر – الخصوصية والهوية. . الحداثة والتنمية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1988-ص. -41- . )

تحتكم أراء الجابري، هنا، إلى المرسخات البنائية للوغوسفير العربية – الإسلامية، والى

الأطر الفكرية للقدامة الكلاسيكية. فالحقيقة، أن ثمة بونا وهوة، بين الحداثة بما هي تدبر واشتغال محايث ومسامت للسيرورة التاريخية، وبين خطاب يقرأ الحداثة بما قبلها، وتحولات التاريخ بالأنماط التعليلية المعهودة في التاريخ المؤسطر، وتناقضات الاجتماع البشري بمفاهيم السياسة الشرعية. إن الاحتماء من صدمة الحداثة، بالقنوت واللطيف (اللهم نسألك اللطف فيما جرت به المقادير لا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر) وتحريك فوبيا التنصير، يكشف، على الحقيقة، عن الارتباطات السلفية لخطاب الحركة الوطنية. فبدلا من أن تكون صدمة الحداثة، فرصة لاستشكال الأرضية المعرفية لخطاب القدامة الكلاسيكية وتحرير متحركات التاريخ من سواكن الفقه ، فإن خطاب الاستجابة، اكتفى بإعادة تحيين المتخيل الجهادي، وتحريك الهواجس والفوبيا العقدية، والتمترس خلف مرسخات التاريخ المغلق.

لا يملك الخطاب الصادر عن تكليم التاريخ،التفكير النقدي في تاريخيته وآليات اشتغال مفاهيمه وأدواته الإجرائية ورؤاه التصورية ؛فما يعنيه هو تأبيد صورة الذات عن نفسها، والتنفيذ الآلي والتقني، للأنماط التصورية النموذجية، والتكيف التقني مع الظرفيات التاريخية المختلفة، جزئيا أو كليا، عن الظرفية الأصلية المؤسسة للخطاب المرجعي. ومادام الخطاب المؤسس، قداميا تعيينا، ومنشغلا بالتدين الذاتي وبتديين الآخر، فإنه لا يتصور أي خطاب متسق منهجيا، وبعيد، رؤيويا، عن المقتضيات المتعالية للفكرية الإبراهيمية. وهذا ما يفسر إصرار هذا الخطاب، على إخراج العرضي مخرج الجوهري، في المنطلقات الثقافية للجمهورية الثالثة. فحيث إن الخطاب التسلفي، ينفي إمكان اجتراح بديل تثاقفي، حضاري خارج المقررات التداولية للخطاب الإبراهيمي، فإنه يتأول الجمهورية الفرنسية الثالثة بمثابتها امتدادا لمملكة القديس لويس التاسع!.

يقود التضامن التاريخي مع الجماعة الوطنية، إلى تنكب طريق الواقعات التاريخية والتواء مسالكها وممراتها، والى قبول الحقائق التداولية مهما كانت موغلة في الأسطرة والتخييل ؛ والحال أن دعوى تنصير الأمازيغ لا تملك صدقيتها للاعتبارات التالية :

1- الاختراق الابستيمي للنسق الرمزي اليهودي – المسيحي واعتماد إبدال معرفي حداثي منذ القرن الثامن عشر،

2- صدور الدولة – الأمة على فلسفة علمانية للشخص البشري،

3-احتكام السياسة الكولونيالية إلى استراتيجيات جيو-استراتيجية لا تحتل فيه المؤسسات الكنسية موقعا رئيسا،

4- تفضيل السلطات الكولونيالية للمجاورة المؤسسية والاحتفاظ بهيبة وتمامية النسق الاعتقادي- الشعائري التقليدي،

5- الاعتماد على التحديث التدريجي بالاستعانة بأعتى المؤسسات التقليدية وفقا لمقتضيات السياسة الإسلامية.

فبدلا من الكشف عن الرهانات والمضمرات الفكرية والتاريخية الحقيقة لرد الحركة الوطنية المغربية على ظهير 16 ماي، اختار الجابري المسايرة اللانقدية للسردية الميثية، “للبورجوازية المدينية ” الباحثة عن وجه اعترابي خال من الوشم الأمازيغي!

فالخطاب اللانقدي، محكوم هنا، بما سماه فرنسيس بيكون بأوهام المسرح،وبانسابية الأسطورة التأسيسية، للوعي العروبي في جغرافيا ثقافية لم يتمكن الاعتراب الكلاسيكي ولا الحديث من “تشريقها ” وتعريب ” عمقها الثقافي ونواتها الصلبة. ومن هنا فقراءة الجابري قراءة احتفالية وامتثالية وفكرانية، وغير مستوفية لشرائط القراءة المعاصرة كما حددها في سفر ( نحن والتراث ).

( وهي “معاصرة ” بالمعنيين معا :

– فمن جهة تحرص هذه القراءة على جعل المقروء معاصرا لنفسه على صعيد الإشكالية والمحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي، ومن هنا معناه بالنسبة لمحيطه الخاص.

– ومن جهة أخرى تحاول هذه القراءة أن تجعل المقروء معاصرا لنا، ولكن فقط على صعيد الفهم والمعقولية، ومن هنا معناه بالنسبة لنا نحن. إن إضفاء المعقولية على المقروء من طرف القارئ معناه نقل المقروء إلى مجال اهتمامك القارئ، الشيء الذي قد يسمح بتوظيفه من طرف هذا الأخير في اغناء ذاته أو حتى في إعادة بنائها. )

(- محمد عابد الجابري – نحن والتراث –قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي- المركز الثقافي العربي –الدار البيضاء – المغرب – الطبعة السادسة -1993-ص. 11-12)

يغيب بروتوكول القراءة إذن، لتتوالد الاستنتاجات غير المؤسسة، وتقوم مقام الأدلة الغائبة. حين تغرب شمس الاستشكال المعرفي،ويصير المقروء الغض الدليل الأخير، يستحيل الخطاب إلى غلالة شفيفة لا تقوى على تغطية البطانة الوجدانية،والتماهي مع الكوسموجونية التأسيسية للخطاب المؤقنم. وبما أن الحقيقة التاريخية، لا تقيم اعتبارا، للميثولوجيات التأسيسة، فإننا نورد مقطعا من رسالة لمحمد الخامس، تضع نقاطا نقدية كثيرة، على الحروف الأسطورية للوطنية المتسلفة.

(. . وقد قامت شرذمة من صبيانكم الذين يكادون لم يبلغوا الحلم و أشاعوا ولبيس ما صنعوا، أن البرابر بموجب الظهير الشريف تنصروا وما ذروا عاقبة فعلهم الذميم وما تبصروا وموهوا بذلك على العامة وصاروا يدعونهم لعقد الاجتماعات بالمساجد عقب الصلوات لذكر اسم الله تعالى اللطيف فخرجت المسألة من دور التضرع والعبادة إلى دور التحزب والتمرد فساء جنابنا الشريف أن تصير مساجد – قال الله في حقها : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه الآية – محلات اجتماعات سياسية تروج فيها الأغراض و الشهوات وعلوم لدى الخصوص والعموم أن مولانا المقدس بالله كان أحرص الناس على إيصال الخير لأمته فكيف يفعل أن يسعى في تكفير جزء عظيم من قبائل رعيته ونحن والحمد لله سائرون على أثره في ذلك ساهرون على دفع كل ضرر يلحق برعيتنا السعيدة فليس إبقاء تقرير البرابر على عوائدهم إلا مساعدة من جنابنا الشريف على محض طلبهم وإجراء لهم على ما كانوا عليه منذ أزمان طويلة. . . . )

( ضمن – محمد مونيب – الظهير ” البربري” أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر – دار أبي رقراق للطباعة والنشر – الرباط – المغرب– 2002-ص. 91-92).

ولا يغرق شاهد الجابري في أوهام الكهف فقط بل يغوص في ما سماه فرنسيس بيكون بأوهام السوق ؛إذ ينهض الخطاب- هنا – على استعمال هلامي للمصطلحات وعلى” نقع “فكراني لدلالاتها، تعانق بمقتضاهما “الوحدة الوطنية “الفتح الإسلامي، وتندغم الأصالة –حصريا – بالعروبة والإسلام، وترتبط الحداثة بالممانعة الثقافة والحضارية. إن نصا يدير المفاهيم ب”النقع “والتعويم، لا يمكن إلا أن يفقد متنانه البرهانية وجدارته الحجاجية، مهما نافح عن الاستدلال والرؤية البرهانيين ضد القياس البياني والرؤية التحاجية.

يقتضي التدبر العقلاني للمفاهيم، توطينها في مساقاتها وسياقاتها المجالية والثقافية والتاريخية، واستعمالها استعمالا وظيفيا لا احتياليا. فلئن مثلت الحداثة عنوان انقلاب مفهومي ونظري وتاريخي وتجاوز للابستيمية القروسطية، فإن حداثة الوطنية المتسلفة تستحيل عند الجابري إلى محض أداة احتيالية للممانعة، بعد قرون من استفحال الغمم المغربية. إن وسم حركة سلفية مناهضة لجوهرالتحديث بمسيم الحداثة، جدير بينبغيات الإيديولوجي لا المفكر ناقد بنية العقل التراثي. فرغم اشتداد الغمم المغربية وانكشاف العجز البنيوي للنسق الفكري – السياسي الشرعي، فإن النخب المتسلفة، تصر على تنقية الأجواء العقدية في الفكريات التراثية، وعلى استعارة بعض عناصر الحداثة التقنية، لمصاولة الطبعة الحداثية من الجوهر النصراني – الصليبي!.

لقد اعتقدت السلفية النهضوية، أن الغمة لا تحتاج إلا لاستئناف النظر في/وبالآليات التراثية وإعادة ترتيب الأولويات وفق الروزنامة الثيولوجية المعلومة والتماهي مع المسلكيات المؤمثلة للسلف ؛ علما أن تشقق النسق التداولي والعمق النظري للوعي الجمعي، يستوجب، إعادة بناء الأولويات على أسس جديدة : أي الانتقال من إبدال إلى إبدال من ابستيمية إلى ابستيمية مخالفة . ولم تفلح حداثة الترميق الوسيلي، وحداثة الاحتيال المفهومي والنظري، في تحقيق المعادلة حتى الآن، رغم كل التقريبات التداولية والتبيئات المجالية المنجزة باسم التجديد من الداخل !

وحتى يكتمل بهاء الزوج الميتافيزيقي، فإنه يستعرض مكونات الأصالة. والغريب هنا، هو أن المفكر المنادي بالتجديد من الداخل وبمراعاة السياقات التاريخية والدعوة إلى الكتلة التاريخية، يلغي هذه الملابسات السياقية جملة كلما لامس إشكالية الأمازيغية. فتزكية “الأصالة “القائمة على الركنين الركينين في المنظومة التراثية،لا تصدر إلا عن منظورية فقهية- ايديولوجية، قليلة الاحتفال بمقاربات وآليات علوم الإنسان والمجتمع. وهكذا تلغي فيتيشية الايديولوجيا، التاريخ والاجتماع المغربيين، لتبحث عن الأصالة في أنظار تسلفية ليست إلا استعادات فجة للأنثروبولوجيا المرفوعة إلى مرتبة الابستمولوجيا المعيارية ( ابستمولوجيا أصول الفقه ) بالفعل السياسي التوسعي المستحوذ على فائض القيمة التاريخي .

من الغرابة إذن، أن تعزى أصالة التحقق والانجاز،إلى خطاب يرفع الاستئصال الفكري إلى مرتبة المسلمة المنهجية. لقد اضطر الفقهاء والأصوليون والمؤرخون، للتعامل العملي مع التعقيد الإشكالي للسوسيولوجيا المغاربية، رغم ارتباطهم الوجداني بالمعيارية الشرعية. وفي هذا السياق، فإن جدة خطاب الحركة الوطنية، تكمن، على الحقيقة، في تنظيره لإمكان تجاوز تلك المراعاة ورفع المانع السوسيو-انثروبولوجي بعد الانعطافة الحمائية.

فالأصالة لا تحب الاشتباك بالمتاهات السوسيولوجية والتاريخية،وبالطبقات المتراكبة للوعي واللاوعي المغربيين، وتفضل سيولة البيان على تشعب مسالك العمران. وهذا ما يفسر –جزئيا-تغليب الجابري للرشدية على الخلدونية في أعماله.

ولتقريب “الأصالة” المنوه بها، نورد شاهدا آخر، يكشف عن بعض “تجليات “العقل الوطني :

( يتلخص ” الظهير البربري ” الذي استصدرته سلطان الحماية الفرنسية بتاريخ 16 أيار / مايو 1930 في فكرة واحدة هي : تطبيق العرف المحلي بدل الشريعة الإسلامية في ” القبائل ذات العوائد البربرية ” مع توسيع نفوذ المحاكم الفرنسية – في المغرب – بحيث يصبح من اختصاصها ” النظر في زجر الجنايات التي يقع ارتكابها في النواحي البربرية مهما كانت حالة مرتكبي الجناية “. )

(-محمد عابد الجابري – المغرب المعاصر – الخصوصية والهوية. . الحداثة والتنمية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1988-ص. -81- . )

فمن علامات الأصالة الاعتراض على تطبيق العرف الأمازيغي وإدخال الحداثة التشريعية والقانونية إلى الفضاءات الثقافية الأمازيغية. ويكفي قليل من التأمل في طبائع العمران، لندرك أن للأعراف سريانا وإواليات كاشفة عن طرائق اشتغال البنيات السياسية والاجتماعية وعن لا تاريخية دعوى مسح الطاولة. فبدلا من تدبر العقل التشريعي والفلسفة الثاوية خلف نلك الأعراف، اكتفى الخطاب المتعالي، بقراءة التعقد السوسيو- سياسي للواقعات القروية، بلغة الأدبيات البدعوية. ومن الواضح هنا، أن فرنسا اكتفت بإدخال الحداثة القانونية والتشريعية، لا القانون الكنسي كما هو مفترض في خطاب الداعين إلى القنوت واللطيف. فمن لطائف الخطاب هنا،اعتبار الحداثة القانونية مدخلا إلى التنصير والى معانقة القانون الكنسي !.

فمعانقة التنصير عبر الحداثة، مكرمة “تحاجية”، يعلنها خطاب البيان حين يفقد نسغ التاريخ وينقطع عن طبائع البرهان !

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий