Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (13) الاعتراب في واقع انسداده نقد تصور الجابري للأمازيغية (2/2)

محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (13) الاعتراب في واقع انسداده نقد تصور الجابري للأمازيغية (2/2)

الاربعاء 30 حزيران (يونيو) 2010

بقلم: إبراهيم أزروال
5- التكيف الثقافي المتبادل:

خلافا لمفكّري الحركة الوطنية المغربية، أظهر السوسيولوجيون والأنثربولوجيون الغربيون اهتماما كبيرا بتاريخية وبنائية وتداولية العرف الأمازيغي. يدخل التفكير في التركيب البنائي والاواليات التداولية لأزرف، في إطار اللامفكّر فيه، لدى الفكرانيين القوميين. كما لا تتّسع منظوراتهم المعرفية، لإدراك نوعية التمفصلات التاريخية بين العرف الأمازيغي والشريعة العربية – الإسلامية، في إطار ما نسميه: بـ التكيّف الثقافي المتبادل. لا تملك ثقافتان متجاورتان ومتداخلتان، في سياقات سوسيو-تاريخية متشابكة، سوى إعادة توزيع الملكيات الرمزية بين الذات الأصلية والآخر النافي لتلك الذاتية، باسم الأحقية الأنطولوجية وجدارة الخطاب المعياري والدليل الأخير، رغم اضطراره إلى إضمار قبلياته بدعوى مراعاة مقتضيات الأحوال ودرء المفاسد وجلب المصالح.

ليست الأعراف الأمازيغية، من وجهة النظر الاعترابية، إلا عوائق مانعة لإقرار وتعميم القانون الشرعي، وإنهاء حالة التوازن المختلّ بين عرف بلا مستند نظريّ منضبط وشريعة مستوفية للأهلية الميتافيزيقية والابستمولوجية!

وحيث أنّ القراءة التاريخية لم تشمل البنية النظرية للتشريع في الفضاء الأنثروبولوجي الأمازيغي ولا آليات الاستدماج والتلوين في المتنين الشرعي والعرفي معا، فإنّ القراءة سوف تؤكّد التوافق والتطابق ظاهرا، فيما تنصرف بنية القول إلى التنصيص على معيارية وقياسية وهيمنة الشرع على العرف، فيما خلا مساحات يسيرة بالمقاييس الإستراتيجية للاعتراب الثقافي.

( والواقع أن المنظار الاستعماري قد ضخّم الأمور أكثر من اللازم : فالقضية الأساسية التي كان العرف يخالف فيها صراحة الشرع الإسلامي هي قضية توريث المرأة لدى بعض القبائل الجبلية. ولم يكن ذلك بدافع التمرّد على الشريعة الإسلامية، بل كان بسبب ما ينجم أحيانا من أوضاع معقّدة قد تؤدّي إلى قيام خصومات بين القبائل.)
(-محمد عابد الجابري – المغرب المعاصر – الخصوصية والهوية.. الحداثة والتنمية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1988-ص.-94- .)

يشير الشاهد تلويحا إلى تمكّن الشرع من تفتيت مادّة العرف ماعدا توريث المرأة في المناطق الجبلية تجنّبا للاصطراعات البيقبلية؛ والحال أنّ للأعراف تركيبا انثربولوجيا، لا يخضع بيسر ثيولوجي للبنية المفهومية للفقه؛ وهذا ما لمسه أحد أقطاب السلفية الملبرلة بقوله :
( لا نريد أن نطيل القول في الأعراف البربرية؛ فهي مسألة مجمع من قومنا على ضرورة العدول عنها ؛ لأنه لا يختلف أحد في مباينتها للإسلام ولرغبة الشعب، ولكنه لا يكفي أن نجمع على ضرورة العدول عنها ثم لا نبذل مجهوداتنا لوضع هذه الإرادة موضع الواقع المنجز. إنّ كلّ إصلاح للأسرة المغربية لا يمكن بغير إصلاح حالة المرأة، وامرأتنا لا يتم لها إصلاح ما دامت الأعراف البربرية مفروضة في بلادنا. إن المسألة قبل كل شيء مسألة شعور بخطر بقايا الجاهلية في البلاد وكونها حجر عثرة في سبيل كل تطور أو تقدم نسعى إليه . )

(- علال الفاسي –النقد الذاتي –مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء- المغرب -– الطبعة السابعة -2002-ص. 232)

وللبرهنة على اتساع مساحة الاختلاف بين العرفيات والشرعيات، نحيل إلى شهادة لحسن الوزان :
( وفي مدينة تييوت قضاة وفقهاء يرجع إليهم في الأمور الدينية، أما المسائل الدنيوية فإن من كان أكثر أهلا كان أكثر حظا فيها وإذا حدث أن قتل رجل منهم آخر، فإن تمكن أهل القتيل من الاقتصاص من القاتل انتهى الأمر، وإلا نفي القاتل لمدة سبع سنوات أو بقي في المدينة رغم أنف أهل القتيل. وإذا نفي القاتل فتلك عقوبته، وعندما تنتهي مدة النفي يستدعي جميع الأعيان إلى وليمة ويتصالح مع خصومه. )
(- الحسن الوزان – وصف إفريقيا – ترجمه عن الفرنسية : محمد حجي ومحمد الأخضر – دار الغرب الإسلامي – بيروت – لبنان – طبعة ثانية 1983-الجزء الأول –ص. 117)

يقول الإكراري ما يلي :
( …ومن عادة سوس الأقصى من وادي ألغس إلى الساقية الحمراء، لخلوّه من أحكام السلطان، أن عينوا لمن يباشر أمورهم والفصل بينهم عوارف يسمونهم النفاليس، وهم في الحقيقة مفاليس إن لم تقل أباليس، يكتبون عقدا يسمونه عرفا، وليته يسمّى نكرا، يقولون فيه : من فعل كذا يعطي كذا، ومن ومن، حتى إن وقعت نازلة لم يذكروها، زادوها وتركوا أحكام الشريعة وراء، ويقولون : ما وجدنا عليه آباءنا، ولا يصدّهم عن ذلك صادّ، ولذلك اختلفت فتاوي العلماء أهل الحاضرة والبادية، زمن سيدي عيسى السكتاني، فأفتى هو بنفوذ بيوعاتهم للمصلحة، إذا لم يكن لهم غير ذلك، من إقامة أحكام الشريعة، فشيء من الجملة خير من لا شيء، وأفتى أهل الحاضرة بفساد ذلك، وأن من لم تصلحه السنة فلا أصلحه الله . )

(- محمد بن أحمد الإكراري – روضة الأفنان في وفيات الأعيان وأخبار العين وتخطيط ما فيها من عجيب البنيان – تحقيق : حمدي أنوش – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة ابن زهر – اكادير – الطبعة الأولى – 1998-ص. 107).

لا تملك الرؤية المتعالمة، أدوات استقصاء طرق تفاعل المشرع العرفي مع الملابسات الايكولوجية والتاريخية والاقتصادية؛ كما لا تملك روحية استكشاف آليات الإبداع التشريعي وتحقيق العدالة في حدود المتاح، عقليا وروحيا، في مجتمع تقليدي.

(إن هذا الموقف ليس إذن عنصريا أو تمييزيا ضدّ الإناث ولكن ظروف المجتمع القروي ونظامه الاقتصادي والاجتماعي المغلق هو الذي برّر الاعتماد عليه، والدليل على ذلك أن والدي البنت في مناطق عديدة يحرصان على تعويضها عند الزواج بأموال منقولة (مواش، حلي، نقود إلخ ) دون أن يكون لإخوتها الذكور حقّ الاعتراض، إضافة إلى أنّ حقّ السعاية الذي تناولناه فيما سبق يحول للزوجة أخذ نصيبها من مال الزوج النامي …)
(- الحسين رشيد –بعض المجالات المنظمة بالعرف الأمازيغي – ضمن القانون والمجتمع بالمغرب – المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية – مطبعة المعارف الجديدة –الرباط – 2005-ص.191).

يصدر العرف عن فلسفة تشريعية مختلفة عن الفلسفة التشريعية المتضمنة في الشريعة؛ كما يشي بتحقّق وجودي آخر غير التحقق الوجودي المتأتي عبر استمداد القوانين من مصادر مفارقة. وعليه، فلا يمكن حصر الاختلاف بين النسقين في منع توريث المرأة كما يعتقد الجابري، في سياق برهنته على التوحيد العقدي بالمغرب.

من الخصائص المائزة للثقافة الأمازيغية، طغيان التعبير الشفوي؛ وهذه الشفوية لا يمكن أن تقرأ إلا باستحضار السياق، وبلورة محاولة في التعليل والتأويل. لقد تمكّنت الثقافة الأمازيغية من المحافظة على عناصر أساسية من تركيبتها التاريخية، بالنظر إلى هذه الاعتبارات :
1- المحافظة على اللسان الغربي أي اللسان الأمازيغي.
2- المحافظة على القانون العرفي أو ازرفان، وعلى السلطة التشريعية أو الاعتبارية لانفلاس أو إمغارن وإمزوارن.
3- تنظيم الوحدات السياسية القبيلة أو اللفية، على أسس تضامنية، مما مكن القبائل والأحلاف الأمازيغية من بلورة ايكولوجيا ثقافية خاصة،
4- المحافظة على المتخيل الأمازيغي، وعلى قدرة المخيلة الأمازيغية على ترميز وقراءة الزمان والفضاء والطبيعة والعالم، رغم قوة الأرثوذكسية السنية، والتكريس المؤسسي لرؤية الكون الإسلامية.
5- استمرار الانتظام في أنساق ايكولوجية محمية ثقافيا ؛ وتكشف ظاهرتا اكدال وأمشارضو-مثلا- عن وعي ايكولوجي متناسق .

فمن الضروري استحضار كثير من العناصر السياقية، في أي محاولة للتعمق في فهم مرتكزات وضع انثروبولوجي معقد مثل الوضع المغاربي؛ كما يجب تقدير السمات والخصائص المجالية والتداولية لهذا الوضع؛ ونجملها فيما يلي :
1- افتقاد العالم الأمازيغي للتمحور العقدي الجامع، الرابط بين الكونيات والاجتماعيات والإلهيات؛
2- فرض المحوريات العقدية السامية على الفضاء الثقافي الأمازيغي وتشكيل أرثوذكسيات وارثوبراكسيات مضادة للرمزية الأمازيغية جوهريا.
3- فرض وترسيم الألسن المستوردة على حساب تقعيد اللسان المحلي ورقيه واضطرار المثقفين الأمازيغيين إلى الكتابة بتلك اللغات (نشير هنا إلى كتابة أبوليوس والقديس اوغسطينوس العنابي وتارتوليانوس وقبريانوس وفلوروس باللاتينية …الخ ).
4- اعتماد التنظيم المحلي والاستقلال النسبي للوحدات السياسية، القبلية أو الفيديرالية أو اللفية عن السلطة المركزية ؛ فقد تشكل إلى جانب تلك الاستقلالية السياسية، استقلالية لغوية وأدبية وفنية.
فتقعيد ومعيرة وترسيم تشريع من التشريعات، عادة ما يتم عبر فرض السلطات التالية :
1- سلطة المقدس الممركز،
2- سلطة أرثوذكسية فكرية شديدة التمركز فكريا، مثل الأرثوذكسية المالكية أو الفاطمية،
3- سلطة سياسة مركزية، نافية للتعددية الثقافية واللغوية، نظريا وعمليا،
4- سلطة ثقافة عالمة متشكلة في سياق المثاقفة والتناظر وصراع التأويل بين الفكريات .
واستنادا إلى هذه المنطلقات، فلا مجال لتطبيق مقتضيات المجال الثقافي العربي التراثي على المجال التداولي الأمازيغي. وهذا ما تعكسه رؤية الجابري وبنسالم حميش، الساعية إلى قراءة الثقافة الأمازيغية انطلاقا من منطلقات ومرسخات الثقافة التراثية العربية – الإسلامية، لا انطلاقا من متحققات ومنجزات الإنسية الأمازيغية في مضمار تقنين الفعل البشري. من المؤكد إذن أن مقاربة دافيد هارت أو جان- مونيي أو روبير مونتطاني أو جورج سيردون، هي أكثر إلماما بدقائق ورقائق الثقافة الأمازيغية التقليدية من الخطابات الاستمزاغية لنقاد حداثة الاعتراب الفائق.

واستنادا إلى هذا، فإنّ نقد الجابري وحميش للاستشراق، ينطبق بالذات على استمزاغهما، المطلّ على الأمازيغيات من مطلّ محورية عروبية متأسلمة، استئصالية من جهة وفاقدة للتماسك النظري والسوية الايطيقية من جهة أخرى .
يقول حميش عن انسداد آفاق الاستشراق ما يلي :
( الاستشراق إذن بين عجزين : عجز عن مواكبة العلوم الإنسانية ذات القدرة الاكتشافية من لسانيات وتاريخ اجتماعي وعلم الإنسان، وعجز عن الانتقال من النظر إلى العرب كمواضيع أو كائنات محددة انطولوجيا ببعدها الديني العقيدي إلى النظر إليهم كذوات مشخصة تمارس ككل الذوات الإنسانية الحية إرادتها وحقها في التقدم والتغيير ).

(-سالم حميش – الاستشراف في أفق انسداده – منشورات المجلس القومي للثقافة العربية – الرباط – المغرب – الطبعة الأولى – 1991- ص. 80-) .
أليس الاستمزاغ، أولى بالانتقاد المنهجي المسطر في الشاهد؟

6- نيل السعادة بالمقايسة :

طالب الجابري بإماتة اللهجات إبان الفورة القومية، لتكريس الاعتراب اللساني وتقوية الوعي العروبي بالمغارب. وقد اختار المثقف العضوي الداعي إلى الكتلة التاريخية، التحفظ إزاء النقاشات والمساجلات والمناظرات الدائرة حول تأهيل الأمازيغية، لغة وثقافة وأفقا انسيا. وهكذا يحتمي الخطاب الاعترابي بفراغات الزمان كلما صادف وقائع لسانية، أو تاريخية أو انثروبولوجية، معاندة لأفقه النظري ولقصده الفكراني الاستراتيجي. إنّ استمزاغ الجابري، يتحرّك، بين رغبة احتفائية بالاستئصال الثقافي حين يمتلئ يقينا، وبين رغبة اختفائية يتشبّث إبانها بظلال حقائقه المجالية حين يصادف أثير الايديولوجيا نار التاريخ. فاستمزاغ الجابري، استمزاغ استبشار بنهائية الزمن الأقوامي من جهة، واستمزاغ اندهاش أمام عودة اللامنتظر من جهة أخرى. أما الاستمزاغ المعرفي الصادر عن انشغالات ابستمولوجية أو انثروبولوجية، فيغيب عن نسقه الفكري كليا. وحين تنجلي تشعبات الوضع المجالي بالمغرب ويكشف المكبوت اللساني عن صلابته وصلادته، فإنه يكتفي بنصب إطاره المرجعي، إطارا معياريا وحالة قياسية ووحدة مرجعية.

( و أعتقد أنّ المهمة الأولى للدراسات الأمازيغية التي يجب أن تتم على مستوى جامعي – وباللغة العربية طبعا بوصفها ميتا-لغة، أي لغة تتحدث عن لغة أخرى وتحاول فهمها ودراسة منطقها – أعتقد أن مهمة هذه الدراسات هي محاولة بناء لغة أمازيغية تكون للهجات الأمازيغية في المغرب والجزائر وتونس وليبيا … الخ. كاللغة العربية الفصحى، لغة عرب الجاهلية تخصيصا، بالنسبة للهجات العربية الدارجة قديما وحديثا. وإذا وجدت مثل هذه اللغة الأمازيغية الأصل فمن المحتمل جدا أن نفهم طبيعة ذلك التشابه بل التطابق بين كثير من الكلمات والعبارات في اللغة الحميرية القديمة، والتي ذهل كثير من الأصدقاء الفجيجيين عندما سمعوا بعض اليمنيين يتحدثون بها . )
(- محمد عابد الجابري – حفريات في الذاكرة – من بعيد – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية 2004-ص.234)

يصدر هذا المقتبس عن تمركز عروبي قياسي، وعن تنرجس وتعال ثقافيين. فقد انتقل من الاستئصال اللساني، إلى الوصاية الثقافية على” الأغيار” الثقافيين، بعد اهتزاز الحقائق التداولية للمجال الثقافي- السياسي القومي، وانتهاء النظرية القومية العروبية إلى التفكك النظري والعملي. لا يدرك الخطاب هنا، السياق التاريخي والأنثروبولوجي المركّب، للفضاء الثقافي الأمازيغي؛ فهو يصر على قراءة المشهدية الأمازيغية استنادا إلى الموشور العربي- الإسلامي. والحال أن تأهيل النسق اللساني الأمازيغي و إنجاح إستراتجية التهيئة اللغوية، يقتضيان مراعاة كثير من المقتضيات المنهجية والابستمولوجية والميثودولوجية من جهة وخصائص السياق السوسيو-لساني من جهة أخرى .وبالنظر للاختلافات الكبيرة بين المجال التداولي العربي والأمازيغي، فإن معيرة الأمازيغية وتهيئتها اللغوية، سوف تنجز باستقلال عن الوصفيات المتعالية للعربية وعن أنموذجية مثالها “الجاهلي”. لا تستهدف التهيئة اللغوية، هنا، الاستجابة للتطلعات الاغرابية والاستيهامية، لخطاب المركزية الاعترابية، بل تنفيذ استراتيجية معيرة تدريجية متمرحلة ومتطورة وقادرة على ضمان البيتواصل بين المجموعات السوسيو-لهجية المختلفة، وحيوية السيمانتية السيو-ثقافية للمجموعات الأصلية.

(أما المستشرق المغرم بالمنهج الفيلولوجي فهو، رغم اختلافه مع زميله “الشمولي” في النظرة داخل الإطار الأوروبي، يتّفق معه خارجه، لأنه عندما يتجه إلى الفلسفة الإسلامية بنظرته التجزيئية لا يعمل على ردّ أجزائها إلى أصول تقع داخلها، أو على الأقل مقروءة بتوجيه من همومها الخاصة، بل هو يجتهد كل الاجتهاد في رد تلك الأجزاء إلى “أصول” يونانية، أي أوروبية، الشيء الذي يعني المساهمة، ولو بطريقة غير مباشرة، في نفس العملية، عملية خدمة “النهر الخالد” بتعميق مجراه وصيانة ضفافه، نهر الفكر الأوروبي الذي نبع أول مرة في بلاد اليونان وظل يشق طريقه غربا إلى أوروبا الحديثة.)
(- محمد عابد الجابري- التراث والحداثة – دراسات ومناقشات – مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت- لبنان – الطلعة الثالثة – 2006-ص. 78) .

لا فرق في هذا السياق بين المستشرق والمستمزغ، ماداما كلاهما، مأخوذا بأمثولته المخيالية، ومتشبعا بمنهجية إلحاق الآخر بأسطورة الأرض الخالدة، الحالة محل الفردوس المفقود !

إلا أن هناك فرقا لا يجب نسيانه، يتمثل في نفاذ المركزية الأوروبية إلى أعماق الموصوف فيما تركن المركزية الاعترابية إلى بادئ الرأي والمقايسات والمقارنات الانطباعية . يقول عبد الكريم غلاب ما يلي :
( وهناك أدلة علمية على قوة التشابه بين اللهجات البربرية واللغات السامية، ومنها وجود الحروف الأبجدية المنطوقة المتشابهة كحروف الحلق مثلا، ومنها التشابه في الأنغام الموسيقية والغناء، وخاصة التشابه الواضح بين أغاني الجنوب العربي والأغاني البربرية المتوارثة، وكذلك التشابه في البناء بين اليمن والمباني البربرية التي تحفل بها القرى في جبال المغرب وكذلك التشابه في العادات والتقاليد الخ …)
(-عبد الكريم غلاب – عروبة هذا المغرب – ضمن – معارك فكرية حول الأمازيغية – مركز طارق بن زياد – مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 2002-ص. ص. 32)

والواقع أن مسؤولية وايطيقا الفكر، تفرضان تجاوز الانطباعات والحدوس والفرضيات غير المؤسسة، وتجاوز السقوف النظرية للعقل السلفي، والانكباب على أسئلة التاريخ الحارقة . والحقّ أنّ الخطاب لا يحتمل غربة النقد، فيحتمي بالسلف اليمني، رغم كل الانتقادات الموجهة إلى خطاب الممكنات الذهنية والاستلاب السلفي .
( وأن يكون الخطاب، أي خطاب، محكوما بـ”سلف” معناه أنه خطاب لا يرى الواقع كما هو، لا يعبّر عنه ولا يعرف به، وبالتالي لا يرى المستقبل إلا من خلال “التمثال” الذي يقيمه في ذهنه لـ”السلف” الذي يستكين إليه، بل يستسلم له، فهو إذن، خطاب وعي مستلب.)
( – محمد عابد الجابري – الخطاب العربي المعاصر – دراسة تحليلية نقدية – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الثالثة – 1988-ص55) .

لا جدال إذن في ارتباط كتابة الجابري بإبدال الوحدة( وحدة اللغة ووحدة التاريخ ووحدة الأهداف والمصير)، لا بإبدال الاختلاف. فالمنطلق يحدد تحولات المسار ونتائج الاشتباك.إلا أنّ التسليم بالوحدة العروبية، وبتركيبتها الثلاثية، أمر وثيق الصلة بالوجدانيات لا بالمعرفيات.

7– المسار المعكوس للابستمولوجيا : من النقد إلى الاستجواب

برهن الجابري دوما عن انشغال خاص، فكريا ووجدانيا، بالقضايا المشرقية وبالإشكاليات الرائجة على الصعيد الكوني؛ إلا أنه لا يبدي نفس الحافزية أو التفاعل مع إشكاليات الاجتماع المغربي أو المغاربي في الغالب. فلئن مال خطاباته التحليلية المكرسة لإشكاليات الفكر النظري المشرقي إلى الاستفاضة في المداخل التحليلية وتحديد زوايا النظر واستئناف النظر والتفكير في التسويات والترضيات الفكرانية في سياق التكيفانية الإستراتيجية المتحكمة في صلب رؤيته التجديدية للتراث العربي – الإسلامي، فإنه لا يخص السياق التاريخي والأنثروبولوجي والاجتماعي المغربي، إلا بمعالجات عجلى، مفتقرة عموما إلى الأطر التحليلية والأجهزة المفهومية المعهودة في كتاباته المخصصة لنقد العقل العربي المعرفي والسياسي والأخلاقي .

فمن مفارقات المناولات الجابرية للقضايا المغربية، التخفف من الأجهزة المفهومية والأطر التصورية والميل إلى الأحكام التقريرية والاستنتاجات القطعية. تغيب مفاهيم “اللاشعور الثقافي” و”البنية اللاشعورية” و”المخيال الاجتماعي” و”اللاشعور السياسي” و”المجال السياسي” في تصوره للإشكالية الأمازيغية؛ إنّ الإشكال الحقيقي، في اعتباره، ليس إشكال حقوق لغوية أو ثقافية، أو مراجعة منهجية شاملة للمتخيل السياسي للحركة الوطنية والخطاب القومي عموما، بل هو إشكال اقتصادي اجتماعي لا غير.

(إذا ذهبت إلى الجبل، أو إلى الصحراء عند الأمازيغيين وسألتهم عن مطالبهم فإنهم سيقولون لك مثلا : “إن القائد ظلمنا”، أو “نحن محتاجون إلى الماء والكهرباء والشغل” الخ .يقولون ذلك بالأمازيغية أو بالعربية. لا فرق. ولكن لا يخطر ببال أحد منهم أن يتحدث عن” المسألة الأمازيغية ” ).
(- محمد عابد الجابري – مواقف-اضاءات وشهادات – العدد : 22 – دار النشر المغربية -الطبعة الأولى – 2003-ص. 84)

إن قراءة الإشكال الأمازيغي، بمفاهيم الصراع الطبقي والاستغلال الاقتصادي والاستبداد السياسي، تؤشّر على مفارقة أخرى في خطاب الناقد الابستمولوجي. فهو يتخلى عن منظوره المعرفي الابستمولوجي في هذا الإطار، ليردّد بداهات الخطاب الاقتصادوي الطبقاوي، ويبتعد عن آليات التمفصل والربط الجدلي بين بنية الواقع وبنية الوعي الاجتماعي – الطبقي كما أوردها في( إشكاليات الفكر العربي المعاصر). حين يرتطم الخطاب بلزوجة الواقع وباختلاجاته الثقافية وتشعبات مساربه الرمزية، فإنه يختار تغليب الممكن الذهني الاقتصادي ذي الجذور اليسارية الماركسية بدلا من أن ينكب على جينيالوجيا أو اركيولوجيا أو انثروبولوجيا الخطاب النقيض. والحقيقة أن خطاب ناقد العقل العربي هنا، خطاب قبل – إشكالي أو ضد إشكالي على الأصح، ينفي الإشكال من حيث المبدإ،ويغلب في سياق العولمة الإدراك على الوعي، مسجلا تراجعا مفهوميا وتصوريا حتى بمقاييس الخطاب القومي الغارق في الممكنات الذهنية:
( من هذا الموقع، وفي هذا المستوى الايبيستيمولوجي المحض، يمكن أن نسجل أن الخطاب القومي خطاب إشكالي ماورائي :
Problématique –وهو خطاب إشكالي …… بمعنى أنه يطرح مشاكل لا حل لها ، أو لا تتوفر – لا ذاتيا ولا موضوعيا – إمكانية تقديم حل حقيقي لها.
– وهو خطاب ماورائي بمعنى أنه خطاب في “الممكنات الذهنية” أي في “مابعد” الواقع العربي الراهن، وبالتالي فالعلاقات التي يقيمها بين هذه “الممكنات” أو بينها وبين الواقع تظل هي الأخرى داخل عالم الإمكان حتى ولو ألبست قالب “الضرورة المنطقية “)
( – محمد عابد الجابري – الخطاب العربي المعاصر – دراسة تحليلية نقدية – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الثالثة – 1988-ص132)

لا يمكن التفكير في إشكاليات الفضاء الثقافي الأمازيغي، من منظوره إلا في سياق سوسيولوجيا اقتصادية أولية واختزالية، أو في إطار جبر الضرر وتعميم الأوراش الإنمائية؛ والحال أن الخطاب الأمازيغي، خطاب استشكالي لجوهر الخطاب القومي ولأركان الوعي العروبي، ولموقع الذات المغاربية في خريطة الاستقطابات على الصعيد العالم. يستعير الناقد الابستمولوجي الخطاب اليسراوي، الاقتصادوي الطابع، في مواجهة الخطاب الأمازيغي، علما أن الإشكال النقيض، يطرح قضايا تاريخية وابستمولوجية وفكرانية وانثروبولوجية ويضع الابدالات والأطر المفهومية للحركات الوطنية بالمغارب على طاولة التشريح والتفكيك، ويعيد السؤال الاركيولوجي – التاريخي إلى” طاولة” التاريخ الحي من جديد .

.ليست الأمازيغية، مسألة استجوابات ميدانية، أو استقصاء آراء شرائح مهمشة أو مفقرة أو مضطهدة، أو فسحة للبحث عن آليات إرساء دعائم التنمية المستديمة أو المندمجة في المغرب غير النافع، بل هي مؤشر سوسيولوجي على اختيارات معرفية وتاريخية لانتلجانتسيا، ناقدة، جزئيا أو كليا، للعقل العربي – الإسلامي، وللسرديات المركزية لخطاب القدامة الكلاسيكية عموما .

فحصر الخطاب النقيض في حيز الصراع الطبقي في فهمه الاعترابي، أو في حيز السوسيولوجيا القروية، في غراراتها اليسراوية، يقوم على تصور اختزالي، لمنظورية خطابية ناهضة على مفاهيم ونظريات ومستندات لسانية وابستمولوجية وتاريخية وحقوقية وايطيقية قابلة للتعقيل وللانتقاد في ذات الآن .والحقيقة أن تمركز الخطاب وتنرجسه، يحملانه، على إفقار خطاب الآخر، وحصره في سطوح “الغنيمة” وفي مجالات وفضاءات الجبال والصحاري وفي الوعي العامي. إن العالم الأمازيغي، في منظوره، عالم بداوة وندرة وثقافة عامية منشغلة بالتحتيات وبالضروريات المعاشية لا غير. والحال أن الخطاب المتطلب، خطاب انتلجانتسيا وذاتية ثقافية، ناقدة للاستحواذ الاعترابي على التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغارب،وللخطاب التاريخي والثقافي المتنرجس والمعترب للحركات الوطنية، ومطالبة بإعادة توزيع لا الخيرات المادية فقط بل الخيرات الرمزية والرأسمال الثقافي على أسس وثوابت الحداثة الحقوقية والفكرية والسياسية.


8- من الأهازيج إلى التهيئة الثقافية
:

لا يقدم الجابري أي مساءلة نقدية للمسار الفكري والتاريخي للحركة الوطنية المغربية، رغم اتضاح محدودية اختياراتها الفكرية والسياسية، ومصادمة أجهزتها التصورية لكثير من المكتسبات المنهجية والابستمولوجية للعلوم الإنسانية والاجتماعية. والحقيقة أن الخطاب الابستمولوجي، كثيرا ما يرتد إلى المواقع الإيديولوجية – الفقهية، ليسم المناولة الفكرية المقترحة بميسم كلامي –فقهي لا جمجمة فيه. لا يغيب الدين كإشكالية في فكر الجابري، إلا ليحضر كايديولوجيا محايثة للفكر وثاوية في عمق المعالجة.وبما أنه يستبعد النقلة الحداثية في مقاربة الدين، فإنه يضفي صفة قروسطية على الدولة – الأمة ويستبعد الاختراق الابستيمي الحاثي للنسق العقدي اليهودي – المسيحي، ويستعيد،الصور الميثية للمتخيل الإسلامي .

لا يظهر ناقد العقل العربي، أي رغبة في نقد بيانية الحركة الوطنية، ولا في استشكال متخيلها السياسي .فمن غرائب كتابات الجابري في هذا الإطار، إصراره على نقد العقل البياني والأشعرية والقياس والتصوف من جهة وإحجامه على نقد خطاب الحركة الوطنية رغم بيانيته وقياسيته وأشعريته و أعرابيته اللغوية .فكيف تصير أعطاب وأعطال العقل النظري والعملي العربي، مزايا وامتيازات خطابية،لا بد من دعمها وتكريسها في خطاب الحركة الوطنية رغم اندراجه، المفهومي والآلي، في العالم التصوري للعقل المنقود؟ كيف يدرج الخطاب الوطني في التحديث الفكري، وهو لم يبرح الحدود النظري لعلم الأصول والمالكية الأشعرية المنفتحة على العرفان ؟ كيف تحارب الحركة الوطنية الصوفية الطرقية،علما أنها مدينة للمقولات والمفاهيم والتصورات الأشعرية والجنيدية؟

لا يكتفي الجابري بمحاباة العقل العربي كما تمثلته الحركة الوطنية المغربية، وتقديم قراءة تراثية لتراثها الخطابي، بل ينافح عن أعطابها الإستراتيجية، ويكثر من الاستنتاجات المدخولة ومن تسويغ ما لا يقبل التسويغ إلا من منظور متمركز، عقديا أو فكرانيا .

(…ولنأخذ مثال الحركة الوطنية، فهي ركزت على العروبة والإسلام لأن المستعمر أراد أن يجرد الهوية المغربية من عنصرين أساسيين فيها هما : العروبة والإسلام، وهذا مشروع مكتوب ومعروف، وحين دافع الوطنيون عن هذين المكونين لم يكونوا يلغون باقي المكونات الثقافية المغربية، الأهازيج الأمازيغية كانت موجودة أيام الحماية، تغنى في الأسواق وفي الإذاعة كما هو الحال اليوم، نفس الشيء بالنسبة للملحون ولمكونات أخرى، و إذن فالحركة الوطنية لم تحارب الثقافة الشعبية كما لم تمنع التعدد، لقد حاربت الطرقية المتعاملة مع الاستعمار، حاربت البدع في الدين، هل هناك من يستطيع القول إن الحركة الوطنية في المغرب قد همشت فعلا شيئا من الثقافة الشعبية سواء كانت من الدراجة أو من الأمازيغية .)
(- محمد عابد الجابري – لم يعد الانغلاق ممكنا – حوار أجراه بهجاجي والمسناوي ونجمي – أفاق – العدد : 2-1992- ص: 73).

تنهض بنية هذا المخرج، على المنافحة غير المسوغة عن خطاب استئصالي ثقافيا، ميتافيزيقي تصوّريا، وجدالي منهجيا. فمن مفارقة الرشدية الجديدة، إلغاء الفضيلة الشرعية تحت ضغط الاستيهام الاعترابي، وإلغاء الصرامة المنهجية والتنكب عن مدارج البرهان.وحين يختار الخطاب، المخاتلة والمغالطة، وتغليظ حجب المسكوت عنه، فإنه يخرج من حد المعقول إلى حد اللامعقول .

وللتدليل على لا معقولية هذا المقتبس نورد الملاحظات التالية :
– اعتماد المشروع الكولونيالي الفرنسي، على المجاورة المؤسسية، وعلى تأليف واحتواء البنيات الثقافية التقليدية باسم السياسة الإسلامية.
– اندراج الجمهورية الفرنسية الثالثة في إبدال دولتي حداثي، وفي إطار علماني، واضح خصوصا بعد قانون1905، – التركيز عن انخراط التصوف الطرقي في المسارات الاستعمارية والسكون عن مساهمة المحميين المباشرة أو غير المباشرة في تعبيد مسالك الاستعمار، علما أن ثمة نقاشا واسعا جرى بين متفقهة العصر. يقول أبو المواهب الكتاني ما يلي :
( والى هنا ينتهي المراد من الشق الأول من صرخة أبي المواهب الكتاني، ثم هاهو يأخذ في ذكر مفاسد الاحتماء بالأجنبي وما إلى ذلك في العبارات التالية :
” والمفاسد الدينية والدنيوية المترتبة على موالاتهم الواقعة والمتوقعة، ويأباها الإسلام ومن فيه عذوبة طبع، وانقياد للشريعة المطهرة : كثيرة جدا لا حصر لها ولا عد ولا إحصاء، فسحقا لأهلها ولها، منها ظهور شعائر الكفر ..ومنها الركون إلى العدو .. ومنها الرضى بحكمه.. ومنها التحريض على الضلالة واستنان الشر، وذلك أن كثيرا من الموالين له لم يقتصروا على تلطيخ أنفسهم بذلك، بل زادوا إلى تحرض من لم يواله عليها وتحسينها له.. ومنها إعانة العدو وتقويته.. ومنها تكثير سواده ولو من غير حلول معه أو إقامة ببلده، لأن الموالين له من جملة رعيته.. ومنها الدخول تحت قهره وغلبته، وينبو منصب الإسلام عن إعلاء غيره عليه، بل يعلو ولا يعلى عليه.. ومنها مفارقة جماعة المسلمين .. ومنها نبذ العزة الإسلامية، والطاعة الامامية، والبيعة السلطانية، وظهور السلطان النصراني عليها، و إذلاله ايايها …”)
(- محمد المنوني – مظاهر يقظة المغرب الحديث – دار الغرب الإسلامي – الطبعة الثانية – 1985-الجزء الأول – ص.330-331) .

يقتضي البحث الموضوعي، الكشف عن التوجيهات و الملابسات و الرهانات المتشابكة والمعقدة للصراع بين التصوف والتسلف بمغارب القرن العشرين، وعن المداميك النظرية المشتركة بين البيانيين والمتصوفة، وعن اختلاف التموقعات الظرفية على خريطة الوجود التاريخي .وحين نقارن المنجز بالمطلوب لا نجد إلا رواسم فكرانية ونظرة مانوية، يحتل بموجبها الطرقي مكانا منيفا في بيداء اللامعقول، فيما ينعم السلفي النهضوي بهناءة التنعم بفراديس المعقول الديني. والحال أن السلفية النهضوية ترميق نظري، جامع بين مالكية مخثّرة وأشعرية نافية للعلية وللطبائع ومصرّة على التجويز وخرق العادات، وموجهات تسلفية متوهبنة.

فمن المؤكد إذن أن لا اختلاف بنيويا أو ابستيميا، بين الرؤية الطرقية والرؤية الفقهية ؛ لا اختلاف بين الخطابين إلا في نوعية الاستجابة للإحداثيات التاريخية والسياقات الثقافية وآليات التجاوب التنظيمي مع الشركاء أو الفرقاء السياسيين أو الفكريين.

يقول نور الدين الزاهي عن المصدر الطرقي للطيف :
( واللطيف كطريقة من طرق الضغط على المستعمر جزء من طقوس الصلحاء والزوايا الدينية . فالزاوية الكتانية مثلا تحدد ترديد اللطيف في 4444مرة والدرقاوية تحدد ترديده في 70770 مرة والتيجانية في 1000 مرة .)
(- نور الدين الزاهي – الزاوية والحزب – الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي – أفريقيا الشرق – الدار البيضاء – المغرب – 2001-ص.207).

وبناء على هذا، فإنّ الإطلالة من موقع انتسابي ايديولوجي، على واقعة ابستمولوجية وتاريخية،نفت المعاصرة عن القراءة وأوقعتها في خدر المقروء وفي تسويد المسكوت عنه واللامقول والمغيب قصدا. يقول نور الدين الزاهي ما يلي :
( إن الزوايا على حد تعبير الوطنيين، كانت تنشر الاستسلام والقدرية، أي عوضت المقاومة بالغيب الديني. ومن خلال تحليلنا للظاهرة الاستعمارية، فإن النخبة عوضت أيضا المقاومة بالغيب السياسي. فلذا تتهم الزوايا فقط؟ إضافة إلى أن الحكم على الزوايا من خلال أفراد مثل عبد الحي الكتاني يمكن أيضا أن نقابله بالحكم على النخبة ككل من خلال المحميين الذين عملوا داخلها وهم يحملون بطائق حماية استعمارية.
(-نور الدين الزاهي – الزاوية والحزب – الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي – أفريقيا الشرق – الدار البيضاء – المغرب -2001-ص.130).

– الكشف عن سلفية الخطاب الوطني ومخالفته الصريحة لأبجدية الحداثة الفكرية. فكيف تتولى الحركة الوطنية محاربة البدع، وهي تصدر عن مقولات ونظريات وأراء كلامية – فقهية في حاجة إلى تأسيس جديد حسب ناقد العقل العربي؟ كيف يدمج الجابري الخطاب التبديعي في التجديد العقدي والحداثة الفكرية؟ هل استجمع مداورو الخطاب المقرظ “العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية ” وقاموا بتأصيل الأصول، حتى ينبروا لمصاولة خطاب التواكل الطرقي؟

– ينص الشاهد على اعتناء الحركة الوطنية المغربية بالثقافة الشعبية، من خلال رعايتها للأهازيج الأمازيغية والملحون ..الخ. والحق أن النص يمثل انعطافة حادة من الجدل إلى المغالطة.يقضي التناسق والانسجام الخطابيان، تصدي الخطاب السلفي، لغربلة الثقافة الشعبية، خصوصا وأنها شديدة الارتباط بالتصوف الطرقي؟ فكيف يحارب خطاب “التصحيح العقدي” البدع الطرقية، ويحتضن “البدع” الفنية الأمازيغية؟ هل تتحدد الثقافات بالفولكلور؟ أليس الفولكلور دليلا على استعمال براني غيري لإبداع ثقافي ذاتي؟ ألا يفصح حرمان ثقافة من الثقافات من وسائل ومقتضيات التمكين الحداثي عن تنرجس ثقافي وعن رغبة في الاحتواء بله في المهابدة؟

والواقع أن الشاهد يخالف البنية الفكرية للخطاب الوطني من جهة، ومعطيات الواقع التاريخي من جهة أخرى . يقول عبد الله العروي ما يلي :
( في المغرب، مثلا، أثناء عهد الحماية، كانت مدينة مراكش، التي يعتبرها سياح العالم بمثابة متحف مفتوح، موضوع اشمئزاز عند الوطنيين الشباب. كانوا لا يفتأون يهاجمون ما يرونه فيها من مظاهر التخلف والانحطاط، تلك التي كان يود قادة الاستعمار أن يروها لاصقة على الدوام بوجه المغرب. كانوا يقولون إنها سياسة تجهيلية متعمدة تهدف إلى تقوية عادات وبدع جاهلية على حساب إسلام سلفي سني. )
(-عبد الله العروي – الايدولوجيا العربية المعاصرة –( صياغة جديدة ) – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الثانية – 1999-ص.209)
فحصر الأمازيغية في الأهازيج، ينطوي على رؤية فولكلورية لهذه الثقافة، وعلى نظرة متعالية تبخيسية لمنجزاتها الإبداعية والفنية والأدبية، ولمنتجاتها وتناولها لكثير من القضايا الإيكولوجية والقانونية والتنظيمية.

فناقد العقل العربي المنفتح على الفكر البنائي وعلى المنهج الابستمولوجي، يصدر في تعامله مع الانثروبولوجيا الأمازيغية عن الثيولوجيا الإسلامية نظريا، وعلى رؤية استمزاغية متاعلية ومتعالمة، ينحصر فيها “الشيء”الأمازيغي في مجرد أهازيج للسوق والإعلام الشعبي. فالجابري لا يستحضر في تناوله للشأن الأمازيغي، لا الجدل الهيجيلي ولا الجدل الماركسي، ولا يرجع إلى الوعي الفينومينولوجي ولا إلى استراتيجية التناص أوالتثاقف .فالواقع الأمازيغي محصور، في الانثروبولوجيا والاثنوغرافيا والاثنولوجيا، ولا يمسه التاريخ الكوني إلا لماما، ولذلك فالتاريخ الجدير بالاعتبار، هو التاريخ العربي – الإسلامي .وكأني به يعقد مقارنة ضمنية بين ثقافة عالمة، راقية اللغة والمصطلح والعالم الدلالي، وثقافة اثنولوجية، منحصرة في أهازيج اثنوغرافية واغرابية. فالمثقف المغربي، الموغل في النقاشات النظرية والابستمولوجية، والمطالب بتفعيل مناهج حديثة ماركسية أو فينومينولوجية أو بنائية أو اختلافية أو سيميائية أو تداولية أو حجاجية، في مقاربة الانتاجات العالمة للثقافة العربية، كثيرا ما يتنكر لمقتضى المنهج الحداثي المتبع، في أي تعامل مع الشأن الأمازيغي، مكتفيا بالتشبث بالسرود الكبرى للتاريخ العربي- الإسلامي أو بالاحتماء بالآليات الحجاجية الدينية أو بتبسيط الإشكاليات حفظا لتماسك الخطاب المرجعي العربي – الإسلامي .

فناقد الخطاب العربي المعاصر، المدافع عن العقلانية البرهانية وعن المنهج الابستمولوجي، يلبس لبوس المتكلم حين يتحدث عن تصدي الحركة الوطنية المغربية، للبدع وللتصوف الطرقي، علما أن المحلل الابستمولوجي الحق، يستشكل الخطاب المعلن ويبحث عن حيثياته المعرفية والتاريخية.

فالحركة الوطنية المغربية، ما كان لها إلا أن تسقط الشأن الأمازيغي من اعتبارها، لاعتبارات ثقافية وسياسية، عميقة، مرتبطة بسيرورة تاريخية ممتدة على مدى قرون، ولا تتصادى مع الواقع الاستعماري إلا في محطات يسيرة الوقع من منظور التاريخ العميق .
فالإشكال المطروح إشكال تهيئة ثقافة شاملة، لا إشكال فلكرة واعتراف برغماتي بالثقافة الشعبية.

تركيب :

يبدو متن الجابري بالقياس إلى متون عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي ومحمد اركون وهشام جعيط، الأقل غوصا على حقائق المغارب. فكتاباته لا تستحضر المغارب بما هي فضاء ثقافي انثروبولوجي تاريخي، له دافعيته وديناميته التاريخية، بل تتعاطى معه في أفق تصاديه مع الأنظمة الفكرية الشرقية لا غير. فالمغارب تحضر في أسفاره بالعرض لا بالذات إذن. ومن هنا فلا أساس لإقليمية نقده ولا لشوفينيته المغربية، ولسوى ذلك من التهم القائمة على القراءة غير الحصيفة للمقروء ولدلالة المصطلحات والمفاهيم. فكيف نتهم مفكرا بالشوفينية المغربية، وهو ينادي بإماتة” اللهجات”، وينظر لمسح الطاولة لصالح التسنن التسلفي وينفي صراع الرمزيات باسم صراع الطبقات ويتشبث بالتاريخ الأسطوري المصاغ على مقاس ميتافيزيقا اعترابية امتلكت بعد الفاصل الكولونيالي الوسائل اللوجيستيكية والتقنية لتذويب الأنثروبولوجيا المغاربية في اوقيانوس التاريخي – التكليمي؟ ألا تدل صلابة المطالب والتطلبات الغيرية على رخاوة الخطاب القومي التأسيسي ومضامين الخطاب القومي النقدي كما مارسه الجابري في (الخطاب العربي المعاصر )؟ ألم يحن أوان التهيئة التاريخية والبحث فيما بين الأساطير والتواريخ من الانفصال؟

يقول محمد جسوس في مراجعة ناقدة لخطاب الحركة الوطنية المغربية ما يلي :
( أعتقد أنه من الأخطاء الكبرى للحركة الوطنية أنها، عند تطورها، مزجت بين مشاكل الظهير البربري وبيم مسألة الأمازيغية التي هي شيء آخر .. وبالتالي فإن الحركة الوطنية كما حاربت القبلية، كانت تعتبر أن أي كلام عن اللغات المحلية هو نوع من السقوط في خطة الاستعمار، كانوا يعتبرون مثل هذه الأشياء بمثابة مؤامرة استعمارية . )
( – محمد جسوس – طروحات حول الثقافة واللغة والتعليم – منشورات الأحداث المغربية –مطبعة دار النشر المغربية – الطبعة الأولى – يناير 2004-ص. 70) .

ثمة تهيئة لغوية ضرورية للخروج من التعريب القسري من جهة، ومن التنافس اللغوي الشرس بين الألسن من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن تدمج هذه التهيئة اللغوية في إطار تهيئة ثقافية شاملة، تتحدد فيها الأدوار استنادا إلى العمق التاريخي والأنثروبولوجي، والى الابتكارية المفتوحة على الهجانة التكوينية وعلى التكاملية العالمية للثقافات الإنسانية، بعيدا عن الإنشائية الثيولوجية للثقافات السكونية.

فهل يكفي البرنامج الاعترابي المقترح، لتحرير العقل العربي من محوريته التكوينية؟
( وإذن، فالمهمة الأولى والأساسية المطروحة على الفكر العربي هي تحقيق الاستقلال التاريخي للذات العربية، وليس من سبيل إلى ذلك إلا بالتحرر أولا وقبل كل شيء من سلطة النموذج / السلف وآليات التفكير التي يكرسها وتكرسه في آن واحد : آليات المقايسة والمماثلة التي تقوم على قياس الغائب على الشاهد والحاضر على الماضي.
وهذا ما يتطلب إعادة بناء شاملة للفكر العربي، كأداة وكمحتوى، قوامها تدشين “عصر تدوين” جديد يقطع مع الطريقة التي عولجت بها قضية النهضة منذ القرن الماضي، الطريقة التي كانت في حقيقتها وجوهرها امتدادا لأساليب التفكير القديمة التي انحدرت إلى الفكر العربي من “عصر التدوين” الأول على عهد العباسيين والتي تفسخت وتكلست طوال عصر الجمود على التقليد : عصر الانحطاط… وهكذا انتهى بنا تحليل البنية الإيديولوجية للفكر العربي الحديث والمعاصر إلى قناعة أساسية وهي ضرورة تدشين خطاب جدي في نقد العقل العربي. )
( محمد عابد الجابري – إشكاليات الفكر العربي المعاصر – مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر –الدار البيضاء – المغرب – 1989-ص. 44)

ألا يكشف هذا الشاهد عن صعوبة التحرر من مركزية الخطاب ومن آلياته التو صيفية والتحليلية والتقويمية؟ ألا يجدر بنا بعد انتهاء نقد العقل العربي إلى معانقة الحقائق التداولية للعقل العربي – الإسلامي،أن نغير المنظار، كليا، وأن نتوجه إلى نقد لا العقل بل الأنثروبولوجيا العربية؟ لماذا ينطلق الباحث من منظور “الأكثرية” وهو يتناول القضايا النظرية، وينطلق من موقع “الأقلية” وهو يتناول القضايا التاريخية المتعينة؟ لماذا يوسع مدى الاستشكال في النظريات، ويكتفي بتبرير المنقودات النظرية في التاريخيات ؟كيف يوفق الجابري بين نقد أعرابية اللغة العربية وقياس الشاهد على الغائب والمماثلة العرفانية، والذب السلفي والقياسي والأعرابي عن الاعتراب في استمزاغه؟ كيف يروم الخطاب القومي بناء الاستغراب وهو عاجز عن بناء الاستمزاغ؟

الجزء الأوّل من الدراسة

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий