Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > مسألة التثاقف

مسألة التثاقف

الراجي عبد الرحيم

تعد مشكلة التثاقف من المشكلات الفلسفية التي تثير اليوم اهتمام المفكرين على اختلاف مشاربهم، ويتجلى ذلك في الندوات الثقافية التي تعقد في هذا الموضوع، وفي المقالات والكتب التي تنجز تحت عناوين لها علاقة بمشكلة التثاقف، نذكر منها على سبيل المثال يلي: كتاب Figures d’altérité لجون بودريار، وكتاب Etrangers à nous-même لجوليا كريستفا وكتاب الحرب الحضارية للمهدي المنجرة… الخ. وأوضح في هذا السياق بأنني سأركز في مقالتي هاته على تناول مشكلة التثاقف من ثلاث جوانب أساسية:

ـ الجانب الأول: سأعمل فيه على تأطير مشكلة التثاقف تأطيرا فلسفيا وتاريخيا، لأن وضع المشكلات في سياقها التاريخي والفكري يساعد وييسر عملية الفهم والمساءلة.

ـ الجانب الثاني: سأنتقل فيه إلى تحديد معنى الثقافة والتثاقف.

ـ الجانب الثالث: سأبرز فيه بصورة موجزة كيف يمكن للمثقف العربي أن يساهم في عملية دعم ثقافته لمواجهة ثقافة الغرب الذي ينزع اليوم تحت فكرة العولمة إلى نمذجة ثقافته.

أولا: تأطير مشكلة التثاقف

الحديث عن مشكلة التثاقف هو في الأصل حديث عن مشكلة الغيرية التي ركز فيها ممثلو الفلسفة الحديثة والمعاصرة على مساءلة العلاقة بين الذات والغير، أي مساءلة العلاقة القائمة بين “الأنا والأنا الذي ليس أنا” كما يقول جان بول سارتر، ومشكلة الغيرية هاته من المشكلات الفلسفية التي تبلورت مع التحولات العميقة التي عرفتها أوروبا في القرن 18 على المستويات الثلاث الآتية:

1 – التحولات الاقتصادية: التي تجسدت مع الثورة الصناعية في إنجلترا.

2 – التحولات السياسية: التي تبلورت مع الثورة السياسية الفرنسية سنة 1789 بزعامة فلاسفة الأنوار الذين حملوا شعار “لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك”. إنها لحظة الدعوة إلى التخلص من الوصاية التي كانت تفرضها الكنيسة على الإنسان في أوروبا.

3 – التحولات الثقافية: التي عرفتها ألمانيا بزعامة عدة مفكرين وأدباء كهيجل وكانط ونيتشه وغيرهم.

ومشكلة التثاقف أو ما يسميه الفلاسفة بمشكلة الغيرية من المشكلات الفلسفية القديمة الجذور بمعناها المفهومي، بحيث نجد مفاهيم لها علاقة بمشكلة التثاقف في الموروث الفلسفي اليوناني وكذلك في الموروث الفلسفي العربي الإسلامي القديم مثل مفهوم: الذات، الآخر، الفقيه، الفيلسوف الخ. أما في الفكر الحديث فإن مشكلة الغيرية كمشكلة فلسفية لم تثر إلا مع هيجل في مؤلفه فينومينولوجيا الروح الذي تحدث فيه عن نظرية “جدلية العبد والسيد” وجاءت كرد فعل على مشكلة الذات أو ما يسمى بفلسفة الوعي التي أثارها ديكارت في القرن 17 من خلال مفهوم الكوجيطو.

فضلا عما تقدم تؤكد كتابات السوسيولوجيا الكولونيالية على أن مشكلة التثاقف من المشكلات التي ظهرت مع ظاهرة الاستعمار التي عرفتها دول العالم الثالث، وظهور ما يسمى بالحركات التحررية التي حاولت التصدي للمستعمر ومقاومته بكل الوسائل المتوفرة لديها. والسؤال الذي يطرح الآن هو: ما معنى الثقافة وما معنى التثاقف؟

ثانيا: الثقافة، التثاقف.

أ – الثقافة:

يقول محمد عابد الجابري في مقال له تحت عنوان: “العولمة والهوية الثقافية” في مجلة فكر ونقد العدد السادس من سنة 1998، معرفا الثقافة “بأنها ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحتفظ لجماعة بشرية بهويتها الحضارية، في إطار ما تعرفه من تطور بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء، وبعبارة أخرى إن الثقافة هي المعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم عن نظرة هذه الأمة إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده وما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي أن يأمل”[i].

وفي تعريف آخر للثقافة يقول كارل ماركس إن الثقافة هي ذلك الوعي الاجتماعي الذي يتحدد انطلاقا من نوعية البنية الاقتصادية السائدة في المجتمع. ويوضح ذلك في قوله: “إن الحياة المادية هي التي تحدد الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة، وليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم بل على العكس من ذلك، إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”[2]. وفي سياق الحديث عن الثقافة أو الوعي الاجتماعي يشير كارل ماركس إلى أن هناك نوعين من الثقافة (الوعي):

ـ هناك وعي أو ثقافة خاصة بالبرولتاري وهي ثقافة تدعو إلى الثورة وتغيير الواقع القائم الذي يخضع فيه الإنسان العامل للاستغلال في مجال العمل والإنتاج.

ـ وهناك وعي أو ثقافة خاصة بالبورجوازي وهي ثقافة تدعو إلى السلم الاجتماعي والاستقرار لضمان استمرارية الاستغلال والاستفادة.

إذا تأملنا هذين التعريفين للثقافة سيبدو لنا بوضوح أنه ليست هناك “ثقافة نموذجية واحدة وليس من المحتمل أن توجد في يوم من الأيام، وإنما وجدت وتوجد وستوجد ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية أو بتدخل إرادي من أهلها قصد الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة”[3]. إذن ما معنى التثاقف؟

ب – التثاقف:

إذا سلمنا بأنه ليست هناك ثقافة واحدة نموذجية، وبأن مشكلة التثاقف من المشكلات التي أثيرت في فترة الاستعمار، فينبغي أن نعلم بأن عملية التثاقف هي:

–        العلاقة التي تجمع بين ثقافة الأنا وثقافة الأنا الذي ليس أنا.

–        إنها العلاقة التي تجمع بين ثقافة السيد وثقافة العبد.

–        إنها العلاقة التي تجمع بين ثقافة البورجوازي المستغل وثقافة البروليتاري المستغل.

–        إنها العلاقة التي تجمع بين ثقافة الإنسان الغربي المستعمر وثقافة الإنسان العربي المستعمر.

إذن، مما تقدم يبين بجلاء بأن عملية التثاقف علاقة تكشف عن اللاتكافؤ الواضح بين ثقافة الإنسان العربي الذي استغل واستعمر ولا زال، وثقافة الإنسان الغربي المستعمر القوي السيد الذي يراهن اليوم على فكرة العولمة “كأسلوب جديد للاستعمار”[4]، وقد أصبحت ثقافة الإنسان الغربي ثقافة قوية مهيمنة بحكم قوته الاقتصادية والتقنية والعسكرية وهذا ما تجسد مع الغزو الاستعماري بكل بلدان العالم الثالث في مطلع القرن 19 بما في ذلك العالم العربي، وابتداء من هذه اللحظة بالذات فكر الإنسان الغربي المستعمر القوي، السيد، في مسألة تنميط وتكييف ثقافة الإنسان العربي المغلوب والضعيف، على ثقافته تحت فكرة التثاقف. وهذا ما يوضحه الأنثروبولوجي جيرار لكلرك في مؤلفه الأنثروبولوجيا والاستعمار قائلا: “يمكن استعمال التثاقف للإشارة إلى الأنماط التي يتم بموجبها قبول مظهر ثقافي معين في ثقافة أخرى بحيث يتلاءم ويتكيف معها مما يفترض مساواة ثقافية، بين الثقافة التي تعطي وتلك التي تتقبل، والتكيف هو السيرورة التي تتحول بموجبها عناصر الثقافة المستعمرة والمسيطر عليها نحو حالة تتلاءم مع شكل الثقافة المسيطرة”[5]. الاستفهام المطروح الآن هو: كيف يمكن أن يساهم مثقف “العالم الثالث” وأقصد هنا المثقف العربي كنموذج، في دعم ثقافته لمواجهة ثقافة المستعمر القوي الذي نزع بالأمس بناء على قوته العسكرية وينزع اليوم تحت فكرة العولمة إلى نمذجة ثقافته وفرضها على الإنسان العربي؟

ثالثا: دور المثقف العربي

قبل الحديث عن دور المثقف العربي في دعم ثقافته وتحديثها على كل المستويات السياسي، الاجتماعي الخ، لكي لتصبح قادرة على مواجهة ثقافة الإنسان الغربي، لا بد من الإشارة إلى أن تطوير الثقافة العربية يتوقف أولا وأخيرا على تطوير البنية الاقتصادية وتطوير الجانب التقنوي في عملية الإنتاج. فضلا عن ذلك، يجب على المثقف العربي أن يساهم في تعزيز ثقافته ودعمها، وهذا لا يتأتى في اعتقادي إلا بتجاوز القراءات السلفية التي كان ولازال يعتمدها المثقف العربي لأنها قراءات لا تنسجم وخصوصيات الثقافة العربية والمرحلة الراهنة فضلا عن كونها قراءات تكرس مبدأ الوصاية على الإنسان وتجعله عاجزا عن استخدام العقل، وأقصد هنا القراءات الثلاث الآتية:

1 –  القراءة الدينية السلفية التي انشغلت بإحياء التراث تحت شعار “ما تم في الماضي يمكن تحقيقه في المستقبل”. ويمثل هذا التيار الأفغاني ومحمد عبده. وعند هؤلاء أصبح الماضي الذي أعيد بناؤه هو مشروع النهضة نفسه. ذلك أن المستقبل لا يقرأ إلا بواسطة الماضي، إنها قراءة إيديولوجية ولا تاريخية كما يقول محمد عابد الجابري.

2 – القراءة السلفية الليبرالية أو ما يسمى بالقراءة الأوروباوية النزعة، إنها قراءة تنظر إلى التراث من منظومة مرجعية أوروبية، إنها قراءة تراث بتراث، إنها قراءة تفتقر إلى الموضوعية.

3 – القراءة السلفية اليسارية. وهذه القراءة تصورت التراث العربي الإسلامي، أي “الثقافة العربية الإسلامية”، كانعكاس للصراع الطبقي من جهة، وكميدان للصراع بين المادية والمثالية من جهة أخرى، بهذا انحصرت مهمة هذه القراءة في تحديد وضبط أطراف الصراع وقد فشلت هذه القراءة في هذا الخيار لأنها لم تراع خصوصيات المجتمعات العربية الإسلامية. بالإضافة إلى ذلك انتهت هاته القراءة اليسارية للثقافة العربية الإسلامية إلى “سلفية ماركسية”، أي إلى محاولة تطبيق “المنهج الجدلي” وكأن الهدف هو “البرهنة” على صحة “المنهج الجدلي” لا تطبيق “المنهج الجدلي”. وهذا هو سبب ضعف مردوديتها[6].

نخلص الآن إلى نتيجة مؤداها أن “هذه القراءات لا تاريخية وتفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية. إنها قراءات سلفية بالجملة لأنها تقدس الماضي وتنزهه وتستمد منه الحلول الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل. وإذا كان هذا ينطبق على التيار الديني فإنه ينطبق كذلك على التيار اليساري والتيار الليبرالي لأن لكل منهما سلف يتكئ عليه ويستنجد به”[7]. وفي هذا إقصاء لخصوصيات ومكونات الثقافة العربية الإسلامية. إذن في ظل تبلور ظاهرة الاستعمار الجديدة كما يقول المهدي المنجرة المتمثلة في العولمة، وأقصد هنا العولمة الثقافية التي تنزع اليوم نحو اختراق واحتواء ثقافة الإنسان العربي وطمس مقوماته الحضارية، أقول بأنه حان الوقت لتبني القراءة التي تراهن على “نقد العقل العربي” وتجاوز فكرة استخدام العقل بهذه الطريقة أو تلك، نعم لقد حان الوقت لتبني القراءة النقدية التي تراعي خصوصيات ومقومات الثقافة العربية سواء كانت مقومات تاريخية أو إيديولوجية أو معرفية  .


[i] – مجلة فكر ونقد، العدد 6، 1998، الصفحة 5 و6.

[2] – كارل ماركس، إسهام في نقد الاقتصاد السياسي عن كتاب الفلسفة، للجنة القومية للفلسفة، تونس، 1976، ص314.

[3] – مجلة فكر ونقد، العدد 6، 1998، ص6.

[4] – المهدي المنجرة، عولمة العولمة، منشورات الزمن، العدد 18، سبتمبر 2000، ص5.

[5] – جيرا كلرك، الأنتروبولوجيا والاستعمار، ترجمة جورج كتورة، الطبعة الثانية، سنة 1990، ص87.

[6] – محمد عابد الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، البيضاء، الطبعة الثانية، يناير 1982، ص22.

[7] – المرجع نفسه، ص27.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий