Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > مستقبل الدراسات الأنثروبولوجية – محمد ديلان حنون

مستقبل الدراسات الأنثروبولوجية – محمد ديلان حنون

هناك من الأحداث ما له مستقبل يسهل التنبؤ به، والكثير من ظواهر العلم الطبيعي يقع داخل إطار هذه التوعية من الأحداث، إذ إن تناسق هذه الظواهر وانتظامها قد أضفيا على النظريات التي تصفها ميزة رائعة تُحسد عليها. فإذا استطاع أحد الأفراد أن يتوصل في البداية إلى بعض الملاحظات القليلة ثم استخدم نظرية ما للتنبؤ بالحال الذي ستؤول إليه ملاحظاته، وصحت تنبؤاته تلك بشكل متواصل، فسوف يكتسب هذا الفرد ثقة عظيمة في النظرية، لكن بمجرد أن يبتعد عن مجال العلوم الطبيعية تتزايد الصعوبة في التنبؤ بالمستقبل، قد يكون بمقدورنا أن نشكل تعميمات غامضة، لكن هذا هو أقصى ما في استطاعتنا.

البدايات:
كانت كمثيلاتها مبعثرة في متاهات فضاء العلوم، لم تستقل ولم تجرؤ على أن تكون كذلك، فهيمنة الطبيعة وعلومها لا يزال –وإلى الآن- عاملاً في خسارتها كما توهّم البعض، بل إن هيبة العلم الطبيعي أرتجى منها وغيرها أن تدفع –دائماً- ضريبة التقليد طبقاً للاتجاه السائد وما أنبرى عليه من توجهات، ربما كان هذا من حسنات العلم، فالتقليد لا يعني أنك متأخر مرتبة عن الأصل، بل هو طريق في الاتجاه الصحيح لتحقيق الذات.
أن نتناول الأنثروبولوجيا في بداياتها يعني هذا الولوج إلى معرفة مسائل المستقبل الذي ينتظرها، فإن تعرف شيئاً لا تخافه، لأنه قد جاوز إرهابه “المجهول” إلى دائرة “المعلوم”، كذلك لم تبرح الأنثروبولوجيا مكانها فقد ظلّتْ تغدو وتروح بين هذا العلم أو ذاك، كان صراعاً مع الاستقلال قاده روادها الأوائل، كان معظم هؤلاء يعيش حالة التأمل –ليس بالمعنى الفلسفي- وإنما يريد أن يقول أنّ هناك شيء مجهول نشعر به ولكن لا نستطيع اكتشافه، يبقى هذا بعيداً عنا، كلما اقتربنا منه خطوة ابتعد عنا خطوات. لماذا درس الإنسان كل مسائل الوجود بينما عجز عن دراسة نفسه؟ أليس حريا بنا أن نكتشف أنفسنا وقوانين علاقاتنا؟…
لقد غدا التأمل فكرة إذ ترجمها الأمل، كان إصراراً على بلوغ الطموح وكل ما يجري حولنا، إنها محاولة جادة لمعرفة الذات الإنسانية بمعناها المتكامل، إذ بدأت إشكالية الموضوع تتجرد شيئاً فشيئاً لتهرب كاسرة أغلالها من قيود العلوم الأخرى لتنطلق حرة طليقة ثابتة لوجودها واستقلالها وما تملكه من عزيمة في فضح مدلولاتها، ربما يكون الوضع ليس بهذه السهولة، لكنها الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها، فكل شيء يعاني بداية من “إرهاب المحاولة” وما أن يتقمصها أو ينصهر فيها تتبدد تلك المخاوف وتنهار هواجس الخوف ويغدو العكس هو الصحيح.
إلى الآن لم تستقل الأنثروبولوجيا كلياً فما زالت يافعة، إلا أنها تبدو وقد جمعت أكبر قدر من موضوعاتها في تسلسل طرائقي مترابط مع السوسيولوجيا الأقدم منها نسبياً في الزمان، وما كان يميّزهما هو المائز في موضوعهما وكأنهما اتفقا أن يختلف حقل دراستهما عن بعضهم، فحيثما تهتم السوسيولوجيا في دراستها للتكوين الحضري، يكون الشعب غير المتحضر مثار اهتمام الأنثروبولوجيا. ما قيل للتو يمنح أسباباً واقعية لميل الأنثروبولوجيا لمعرفة الشعوب الأخرى في المناطق النائية من العالم، ليس فضولاً من قبلها بل رغبة حقيقية لمعرفة سر وجودها وصمودها.
في البدء تربعت موضوعات “المجتمع البدائي” The Primitive Society على عرش الأنثروبولوجيا، ولكي تُسمّى أنثروبولوجياً Anthropologist خذ حزمة من الأوراق وصفْ عليها كل ما تشاهده، لم يكن الأمر بداية كذلك إذ لم تتبلور –في ذلك الحين- الدراسات الميدانية، وللتذكير فإن مفردة “أنثروبولوجيا” لم يكن معمولاً بها آنذاك، فـ”اثنولوجيا” أو “إثنوغرافيا” المفردتين السائدتين ذلك الوقت، إن ما يهمنا هنا الرغبة في تناول هذا العلم لموضوعه الذي لم يكن جديداً فقد درسه الرحالة القدماء إلا إنها دراسات تعاني التحليل ومقتضيات التفسير.
وكما إن لكل علم رواده ورجاله كذلك الحال في الأنثروبولوجيا، لا أريد هنا استعراض كل رجالاتها، ولكن فقط أن أسمي ما حدا منعطفاً في تاريخها وأظهر ملامح وجودها، لا جدال أن آباء العلم الأوائل اصطبغت دراساتهم عن حياة الشعوب هذه برؤى محض تجريدية، فلمسات الميدان ما كانت واقعة، فما دام هناك كم هائل من الكتب والموسوعات التي تخبرنا عنهم فما علينا إلا أن نجهد أنفسنا –قدر الإمكان- عناء البحث بتصنيفهم وبيان موقعهم جغرافياً وفكرياً.
كان “لويس مورغان” Lewis.H.Morgan -وهو أنثروبولوجي أميركي فذ- أول من قام بدراسة ميدانية في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، لا أحد ربما يعرّفنا بهذه الحقيقة، وقد يتناسى معظم الانثروبولوجيين عن قصد أو جهل حقائق من هذا القبيل، صحيح أن الدراسة لم تكن بمستوى طموحاتنا الآنية ولكنها أعظم من مستوى تفكيرنا نحن أبناء هذا القرن. ما جذب انتباه “مورغان” هو التناقض بين (ما يقرأه) و(ما يشاهده)، وما أسعفه كونه مواطناً أميركياً قريباً من حياة شعوبها الذين ينتشرون على السواحل الجنوبية من القارة فكانت دراساته عن الجماعات البسيطة في محيط مجتمع نيويورك.
إذ كانت المدرسة الأميركية نشطة بشكل مميز، كذلك المدرسة الإنكليزية، لكن الولايات المتحدة بلد كبير، وكان لديه الكثير من الاثنولوجيين مثلما لديه الكثير من كل شيء. وقبل أن أتذكر “بواس”Franz Boas لا بد من تناول “فريزر”J.Frazer؛ الأنثروبولوجي الموسوعي، المرجع في مسائل الدين والسحر، كانت حياته الفكرية غريبة نوعاً ما، فبالرغم انه عاش شطراً من حياته في القرن العشرين، غير انه فكرياً يعزّز انتماءه الإيديولوجي –دائماً- وكأنه من الأبناء المخلصين لمبادئ القرن التاسع عشر، مثل “تايلور” الذي عاش زماناً قبله.
وما أن أمر على ذكر “فريزر” أتذكر قرينه “مورغان” الذي سبق ذكره، كان “فريزر” باحثاً نادراً درس بعقلية المفكر شعوب هائلة واطلع على أدق تفاصيل حياتها، من مواقف وعادات وتقاليد، فإذا كنت تجهل طبيعة مجتمع معين، ففي ذلك المكان يقطن “جيمس فريزر”، وما يُحسب عليه انه كان باحثاً مكتبياً، لم يتوانى لحظة في أن تلمس قدماه الأرض أو أن يرفعها عن سطح مكتبه، وتجريدية “فريزر” هذه فسحت له مجالاً لتأثيره في ميادين أخرى كما يدين له الكثير من المفكرين.
ويُهيلني ذكر “فرانز بواس”، شهيد الأنثروبولوجيا، معلم الاثنولوجيا الأميركية، وعملاق لا نظير له من عمالقة القرن التاسع عشر، كان يتمتع بسحر كبير، راكم عملاً ليس بحجمه فحسب، بل بتنوعه أيضاً: أنثروبولوجيا فيزيائية، ألسنية، إثنوغرافيا، ميثولوجيا وفلكلور، لم يكن شيء غريباً عنه.. لقد غطى عمله كامل المجال الانثروبولوجي، ومنه نشأت كل الأنثروبولوجيا الأميركية.
كانت نسبويته الثقافية لا تسمح له بإقامة تراتبية قيمية بين الشعوب، كما إن تزمته الفكري صارم جداً. كان “بواس” يتصدى لكم هائل من المواد التي يجمعها بنفسه أو يجعل السكان الأصليين المتعلمين يجمعونها، لقد كان التنوع عنده الفضل الأكبر في غنى الإثنولوجيا الأميركية خلال عصرها الذهبي: أي من التجريدية النقدية عند “لوي” إلى التشكّلات الثقافية عند “بيندكت” أو الاهتمام الذي أعارته “مارغريت ميد” للسايكولوجيا الفردية في علاقتها بالثقافة.. كل هذا كان موجوداً عند “بواس” وكلهم كانوا من تلامذته.
لقد كان الأنثروبولوجيون يعتبرون أن “المنسب الدماغي” –وهو منسب أنثروبولوجي إحصائي يقوم على قياس أبعاد القحف في الأعراق المختلفة، ويعبّر عن العلاقة بين أكبر قطر طولي للقحف وأكبر قطر عرضي له- سمة ثابتة تفيد في تمييز الأعراق، أن “بواس” هو من أثبت في أعماله الأنثروبولوجية الفيزيائية أن المنسب الدماغي يتعلق بتأثير الوسط، كما إن الفروق التشريحية التي تكون صريحة في البداية بين المجموعات العرقية تمحى تدريجياً، وهكذا فإن نقد “العرقوية” نشأ منه.
وهو أيضا من أوائل من أكد على أن قواعد اللغة تعمل في مستوى لا واع خارج كل مراقبة من المتكلمين بها، وقد طرح هذا المبدأ الأساسي عام 1911م في مقدمته عن “دليل لغات الهنود الأميركيين”، لقد قيل أن “دي سوسير” أول من أشار إلى هذا المبدأ، لكن “دي سوسير” لم يعبّر عنه صراحة، بل كان ينساب بشكل غير مباشر خلال أعماله.
يروي “ستروس” Straus انه التقى في نادي جامعة كولومبيا “بواس”، كان البرد قاسياً وقد اعتمر “بواس” قبعة قديمة من الفرو تعود على الأرجح إلى بعثاته عند “الأسكيمو” وكان من المدعوين ابنته وعدة زملاء من الجامعة هم جميعا من طلابه القدامى: روث بندكت، ورالف لنتون وآخرون. وكان “بواس” فرحاً جداً، وخلال أحد الحوارات دفع الطاولة بعنف وسقط إلى الخلف، يقول “ستروس”: كنت جالساً قربه فسارعت لإنهاضه واندفع “ريفيه” –الذي بدأ حياته طبيباً عسكرياً- لإنعاشه لكن دون جدوى؛ كان “بواس” ميتاً.
هكذا تلتقي روح “بواس” مع روح “سوروكين” و”كروبر” كل هؤلاء وغيرهم عبروا عن أعمالهم بمواقفهم وأن تمحو أحداً لا تلغي فكره، كانت أعمالهم ذات أهمية كبرى في تاريخ تطور الأنثروبولوجيا ومستقبل دراساتها. وإن كنا قد أجزنا في البيان كان ذلك من أجل الوقوف على أبرز محطات تاريخ العلم، وإن ملّ اليراع فقد عجزت الأنامل على ضمه وهو يتلو منشداً لا صامتاً عمالقة الفكر ويرثي فيهم مآثرهم ويحنو لاستئصال جلّ أفكارهم وما شكّل منعطفا حقيقياً لما وظّفوه من معارف الحياة، فإن تدرس علماً ولكي تحافظ عليه، فإنك في مواجهة أو صراع مع مصيره، لأننا جزء من واقع لا يفتأ أن يذهب ليرحل عنا حتى نسير بعد ذلك أو يتملكنا واقع آخر علينا التصادم معه لأجل معرفته، هكذا نحن نسير وبجانبنا سلاح المعرفة سر الصمود، أنها معركة حقيقية لمن ينتصر في النهاية، التقاعس أو الكسل عن مجابهة الوقائع، أو الوقوف والمعرفة بحيثياتها.
أنها ضرورة علمية لا تفاد منها، فالوجود تحكمه قوانين –قل عنها ما شئت- حتمية أو احتمالية- المهم انه لا يعيش في فوضى Chaos وحياتنا، تنظيماتنا أنساقنا، مؤسساتنا تخضع كلها لاعتبارات الطبيعة وقوانينها، فلا مناص من التنظيم من أجل إحكامها والسيطرة عليها.

الانطلاقة الحضرية:
كانت محاولة لإثبات جدارتها بأنها لا تنحصر في نطاق المجتمعات القديمة أو الساحقة في القدم ليس زماناً وإنما التشابه مع عقلية الماضين، التجربة هذه أصبحت مسؤولية كبيرة، فإن الفشل ينذر بعواقب لا تحمد عقباها لحاضر العلم ومستقبله، كما إن العلم لا بدّ له أن يتجاوز دائرته المرسومة وقد يعتبر سابقة خطيرة إن لم نقل أنه يهدد حالة الاعتماد أو الثقة المكوّنة لدى باحثيه والمهتمين.
لقد رأت الأنثروبولوجيا ضرورة الولوج إلى الدراسة المتكاملة والشاملة للمجتمعات، وكعلم يؤمن بمبدأ التكاملية أو التناسق التام بين المكوّنات Constitutive، فإن خاصية التأثير لا تتوقف عند “الخلايا” الداخلية للمكوّن (المجتمع)، وإنما يغطي تأثيره الوضع الشامل للمكوّنات على اعتبار إن خاصية التبادل في التأثير حقيقة لا تنكر، إضافة إلى الرغبة الموضوعة في دراسة مجتمعات أخرى لبيان معرفة تأثير الثقل المنهجي والأسلوبي للأنثروبولوجيا على شعوب التحضر، ومدى توفر الإمكانيات اللازمة لاستخلاص النتائج المرجوة عند ممارسة التطبيق.
لم يكن الاندفاع أسلوباً مفاجئاً للانطلاقة الحضرية للأناسة، فقد سبقتها منذ زمن الرواد ما بعد المؤسسين توسيع مجالات الدراسة في نوع من التراتبية المنطقية لدراسة “البعث المنهجي” للأنثروبولوجيا على صعيد الشعب المتحضر، وهذا ما يعبّر عنه بأنثروبولوجيا المجتمعات المتطورة –بداية- وهو ما أبرز إسقاطا موضوعياً لإظهار الوضع الجدلي مع القيم الجديدة للتحضر. إذ كشفت الأنثروبولوجيا حقائق كثيرة أثر هذا الإدخال اتسمت من حيث الوقوف على أصل وجذور ظواهر السلوك الإنساني وإفراز طبيعة الأفضلية بين المجتمعات أو وحدة العقل البشري، كذلك التوافق في الفكر والسلوك كحالة تقف ضد وهم العنف المعنوي المستخدم في تفرقة وحدات النوع البشري.
وعلى أثر ذلك شهدت الأنثروبولوجيا مرحلة جديدة في بداية الستينات، كما لا تخفى بعض العوامل التي ذكرها الأكاديميون والباحثون من توسيع للمجالين الاجتماعي والاقتصادي بناء على هذا التحول Transformation وما أفرزه من مسائل مهمة تتعلق بحياة المجتمع المتحضر الذي هو امتدادا لمجتمع –ولا ريب- كان يمثل أصل نشأته وتكوينه، إذ يمنح هذا الإقدام قدرة الأنثروبولوجيا على اكتساح ميادين أخرى والخوض فيها لما تتصف به من قابلية معرفية ومنهجية.
إن طبيعة العلم يفرض كثيراً من مقوّمات وجوده على الواقع المدروس/الموضوعاتي، وهذا الفرض يعود إلى الطبيعة النظرية الموضوعة، لا إلزام الواقع بها أو إفراضه عليها، وإنما من حيث قدرة انسجام كل من الواضع والموضوع. كذلك إن هذا الاقتحام الأنثروبولوجي يعني بكلمة ما، إن الأناسـة (علم الإنسان) ليس علما دخيلا يعاني من وضعية التشارك الموضوعي مع أخرياته من العلوم، فإن فضاء الموضوع الأنثروبولوجي يشتمل على كل ظاهرات السلوك الإنساني بما في ذلك موضوعات وظواهر السوسيولوجيا، ولا يُقصد من ذلك توحيد المجال المعرفي بين الأناسة وعلم الاجتماع، فالحدود هنا مصطنعة ومبادئ التمييز بينهما أمست غير مقنعة للباحث والمتخصص، فما يدرسه الباحث الاجتماعي يكاد لا يختلف –موضوعاتياً- عن دراسة الباحث الأنثروبولوجي، ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالشروح التفصيلية الأخرى في تناول المدارس والنظريات وحتى في استخدام بعض الوسائل والأساليب الخاصة بالبحث هي نفسها، قد يكون ذلك تضييقاً للمجال السوسيولوجي بعد إقدام الأنثروبولوجيا لها واكتساحها لميدانه.
ليست هناك رغبة في استباق الأمور أو التكهن بالمستقبل المنتظر للسوسيولوجيا بعد أن أعيتها الدراسات النظرية، إذ نرى في المقابل التفوق الملحوظ في تطبيق الممارسات الانثروبولوجية، لا أقول في هذا العالم الذي أعيش فيه، بل في ذلك المكان الذي ولدت فيه ونمت ولا زالت. إن حجم المهمة يستدعي التأني في طرح الأفكار هذه، ولكن لا بد من حقيقة نذكرها: إن كل ما ندرسه من وقائع وأحداث وما نقوم نحن بتدريسه من نظريات وفرضيات ومدارس هي بعد ذلك “أنثروبولوجيا” وقد يتوهّم الآخر الذي يرى عكس ذلك.

رؤى المستقبل:
ليست مغامرة أن تخوض في مستقبليات العلوم الإنسانية، إلا أن المحاولات تقاس بمعايير تقدّر حجم الدراسة وأهميتها وما تنطوي عليه من حقائق علمية. قد نتفق جدلاً إن التنبؤات في الظاهرات السلوكية أو بمعنى ما في التحليل الانثروبولوجي قد لا يأتي ثماره في بعض الأحيان على الأقل من الناحية الواقعية، ولكن في أوقات كثيرة يضع الأنثروبولوجيست أمامه مجموعة “تصورات علمية” تقوده إلى وضع عدداً من القواعد أو المبادئ العامة، إن القيمة العلمية لدراسة الظاهرة –تطبيقية أو إنسانية- تتبع خطوات منطقية حتى توصف كذلك، بمعنى أن لكل واقعة أو حركة أو انتقال من شيء إلى آخر يخضع لعامل السبب و النتيجة، وهذا يبدو واضحاً في مجال العلوم الصحيحة، إلا أننا لا يمكننا الجزم بذلك في حقل الدراسة الإنسانية.
على أية حال؛ كانت هناك محاولات جادة ترمي إلى توحيد الرؤية المعرفية (الابستمية) لما يسمى بالثقافتينThe Tow Cultures ثقافة العلوم الصحيحة، وثقافة العلوم الاجتماعية الإنسانية، إذ يرى “إمانوئيل والرشتاين” رئيس الجمعية العالمية لعلم الاجتماع هذا المطلب بأنه ملح وذو مشروعية كبيرة مع مطلع القرن الواحد والعشرين. ويذهب عالم الفيزياء الشهير “إليا بريجوجين” إلى إن معظم أنساق الطبيعةNatural Systems تحتوي على عملياتProcesses حتمية وأخرى احتمالية ويقول: نستطيع الآن أن نقلب منظور “نيوتن” فنقول انه يمكن فهم ابتكار وإبداع الإنسان على انه تضخيم لقوانين الطبيعة الموجودة فعلا في علمي الفيزياء والكيمياء، فـ”بريجوجين” وحّد العلوم، وهو يدعو إلى الواقعية ٌRealism بدلا من العودة إلى منطق الحتمية الضيقة.
لقد جاء الإلحاح على وحدة الابستمولوجيا لأن علماء الطبيعة والرياضيات اكتشفوا في دراساتهم في الفترة الأخيرة أنّ العديد من الظواهر التي يدرسها علم الفيزياء –مثلاً- لا تتبع قوانين الحتمية المتشددة التي تتصف بها ميكانيكيا “نيوتن” يطلق عليها “بريجوجين” بـ(البنيات المشتتة)Dissipative Structures أي تلك البنيات التي ليس لها تأثير يتمتع بقوة الحتمية الكاملة. ويأمل “بريجوجين” أن يتخلى علم الفيزياء عن منطق الحتمية في دراساته، إذ يوجد في معظم الأنساق في عالم الطبيعة نوعان من العمليات: حتمية واحتمالية.
كذلك استعانة الدراسات الأنثروبولوجية بالبحوث والتحاليل الطبية، فالإشكاليات التي تطرحها ثورة ما بعد المعلوماتية (الثورة البايولوجية) كالاستنساخ البشري وثورة الجينوم تحتاج إلى مساندة ودعم العلوم الإنسانية بسبب طرحها لإشكاليات أخلاقية ربما كان المبرر لاستمرار الحاجة للإنسانيات. وهذا يعني أن التحليل الأنثروبولوجي له رأيه في عموم الظاهرة أياً كان شأنها أو موقعها ومضمونها، وهو أن له ثلاثة أزمنة: ماضي وحاضر ومستقبل، وثمة مستويات من الاعتماد الوظيفي المتبادل بين هذه الأزمنة، الأمر الذي يجعل السمات الثقافية سواء كانت تنتمي إلى الماضي أو الحاضر، تتعايش داخل العنصر الثقافي المركب، الذي بانتقاله إلى المستقبل يضيف سمة ثقافية مستقبلية.
أن ما قيل للتو عن وحدة الإبستمولوجيا وتشظية عمليات المعرفة إلى حتمية واحتمالية يحقق نوعاً من الفعالية الإجرائية للعلم الإنساني عبر التعديلات المنهجية والفكرية لإعادة النظر فيها وتخليصها من شوائب تكاد تقضي على فعاليتها، يضاف إلى إن الأنثروبولوجيا وكونها جزء من النظام الطبيعي فإنها تدخل ضمن مبادئه العامة وتخضع لنفس النمط من العمليات أو القوانين، وهذا يفسر من جهة أخرى قدرة الأنثروبولوجيا على بلوغ سلّم القواعد الحتمية شأنها في ذلك شأن العلوم الصحيحة أو الدقيقة، قد يمثل ذلك عودة على بدء يختصر كل تاريخ علم الأناسة من خلال مقارنة العلم الاجتماعي بالعلم الطبيعي، إلا أن حجة المتأخرين منهم والدلائل الواضحة تعزز من قوة النظرية في علم الإنسانيات أو العلوم الاجتماعية الأخرى.
إن المؤشرات الكثيرة تدلّ على إن الأنثروبولوجيا سوف تطوّق العالم الذي نعيش فيه إذ كل شيء سيخضع للتقدير الأنثروبولوجي وان المعرفة الأنثروبولوجية تضحى الأساس والأداة الرئيسية في التعامل مع كل الواقعات أو الظاهرات الكونية، مهما كانت درجة فعاليتها الآنية فلا بد من أن تصل لتحقيق أو اكتشاف قوانين سير الظواهر تلك، وإذا اكتشف العلم الحديث مواطن الضعف في مناهج العلوم الصحيحة فهذا لا يعني -إطلاقاً- تراجع مستويات اليقين في دراسة ظواهر العلوم الإنسانية.

المصدر:http://www.ejtemay.com/showthread.php?t=16665

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий