Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > مصطلحات انثروبولوجية: هويّة

مصطلحات انثروبولوجية: هويّة

مع نهاية الخمسينيات، انبثقت إشكالية نقدية للهوية الإثنية من أبحاث الأنتروبولوجيين العاملين في إفريقيا (ف.بارث، م. غلوكمان، س. نادل، و. واتسون) أو جنوب شرق آسيا (ك. ف. كيز، إ. ر. ليتش، م. مورمان، س. تامبياه). فقد نتج عن سياق التحرر من الاستعمار والصراعات من أجل الاستقلال، وكذلك التوزيع السياسي الجغرافي الجديد، ومطالبات الأقليات بالاستقلال، أن واجه الأنتروبولوجيون ظروفاً جديدة للعمل الميداني مرتبطة بالتحضرن مثلاً، وسياقاتٍ اقتصادية وسياسية جديدة، وشركاء جدد أيضاً. 

بحسب المثال البنيوي الوظيفي للأنتروبولوجيا الاجتماعية الكلاسيكية، والموروث عن رادكليف – براون ومالينوفسكي، والذي أعاد فيرث وايفانز – ريتشارد النظر فيه، تشكل الإثنية، التي تعرّف بهيئتها الثقافية، الهوية المرجعية بامتياز. يفترض هنا أن الجماعة الإثنية هي واقع أساسي وشامل للحياة الاجتماعية. وينطوي ذلك على التلميح إلى أن الجماعة الإثنية هي وحدة ذات طبيعة بيولوجية، كما هو النوع. قد يعكس الانتماء الثقافي بالتالي روابط الدم: يرى كايز (1981) أن الإثنوية (تتحدّر من التأويل الثقافي للسلالة). ويبرهن بارت في الجماعات الإثنية وحدودها (1969) أن الحدود الإثنية والهويات توجد وتصان بلعبة التواصل بين الجماعات. وهو يطلق بذلك مشروع تفكيك منهجي لمفهوم الإثنية، في أعمال ما تسمى مدرسة مانشستر (أ.كوهن، أ. إبشتاين، ك. ميتشل، ف. تورنر، ج. ويلسون)، أو في أعمال المستفرقين الفرنسيين المهتمين بالحراك الاجتماعي (ج. ل. أمسال، ج. بالاندييه، ج. ب. دوزون، م. إيزار، ك. مياسو، ب. ميرسييه، إ. تيراي).

لقد كانت بيئة استثمارات المناجم ومناطق الغيتو في المدن هي التي أتاحت تبيان تنوع وتعدد تشكيلات الهوية على أساس إثني، تلك التشكيلات التي تمثل رداً على مظاهر القهر والصراعات الخارجية، وتبيان دور القادة والعمل الفردي في إطلاق الهويات. لم تعد الهوية تمثل أمراً واقعاً، أي توزيعاً واضحاً للجماعات في مدى غير محدد المعالم الزمنية. فقد أصبحت مفهوماً نسبياً يرتبط في نفس الوقت بالنزاعات وموازين القوى، وبتوازن البنى أيضاً. إنها مسيرة في طور التشكل، وضع تاريخي، إلى الأبعاد العاطفية والنفسية للهوية وإلى أوليات اكتساب إدراك الهوية (عبر) تربية الطفل وعالمه الاجتماعي، ومع ذلك يبقى مفهوم الهوية
مفهوماً داخلياً يعكس معطيات خارجية.
تشير الصفة الاعتباطية للفئات الاثنية إلى طبيعتها السيميائية وليس إلى نقص في تأثيرها على العالم الحقيقي. ويصب تطور مفهوم الهوية من هذا المنظور في سلسلة من التساؤلات التي ينتمي أغلبها إلى مقاربة من النمط المعرفي. كيف تشاد وتنتظم هذه الإنشاءات؟ وكيف تتجذر في البعد الديني، وفي القيم والفنون؟ وما الذي يربطها ببنى التواصل؟ وعلى أي مستوى من الوعي تدل؟
إن واقع إقامة المجتمعات الأوقيانية في الجزر قد وضع الأنتروبولوجيين داخل حدود تعريف زماني – مكاني للهوية، وقد أنتج تأملاً يعتبر فكرة الهوية احد أشكال (العادة)، أو نمط حياة ومنظومة قيم، أو مرجعية وشيفرة أخلاقية. وقد ساهم سكان المجتمعات الأوقيانية أنفسهم في هذا التأمل فارضين وجوده في صلب السجالات حول نزع الاستعمار والاستقلال والوحدة الوطنية والنمو، ومستخدمين عبارة (العادة) للتعبير عن هويتهم (كيسينغ، 1989). قدّمت العادة في كل مكان وعلى مختلف الأصعد كمرجع رئيسي، كدرع الدفاع عن الهوية (دو ديكر وكونتز، 1998)ن وكخميرة وحدة تسمح بإعلانها. لا يقدّم لنا التاريخ الهوية كاملة على حد قول جان – ماري تجيباو، بل هنالك دائماً إعادة تأويل بحسب حاجة العاملين في الحاضر. وهذه هي حال العادة. فإن مطالبة سكان المجتعات الأوقيانية بالهوية (الطبيعية) للعادة تعكس تطلعهم إلى تخطي فكرة الإسناد إلى شرعية ماض غابر يجتهدون في ترسيخ فعاليته على الصعيد الراهن كما على صعيد الدول والدستور والقانون والبنى الإدارية.
إن اللجوء إلى مفهوم الهوية وإلى كافة مشتقاته من أجل إعادة تشكيل المفاهيم المؤسسة للأنتروبولوجيا – ثقافة، إثنية، شخصية – ينم عن الميل إلى قطيعةٍ مع أنتروبولوجيا تجيز ضمناً نوعاً من (لا مادية لا زمنية) بنسا، 1996) للمجتمعات التي تدرسها. يرمي البحث اليوم إلى تجاوز حتمية هذا الهدم للفئات من أجل عادة التركيز على تحليل (المشاريع الراهنة للهوية)، أي إلى وضع تقرير عن رهاناتها الموضوعية والرمزية، وفعاليتها الاجتماعية والسياسية، وتنظيماتها وأنماط تشكيلها، إن التطور في ميادين التواصل، والحركية المتزايدة، وتسارع التبادلات وتزايدها، والاتصالات ومختلف أشكال التهجين التي (تشوش) و(تناشد) في آن الأنظمة الاعتيادية لمرجعية الهوية، تفضي بنا إلى دراسة هذه الأنظمة عينها إذ أنها تطالبنا بأكثر من إعادة نظر في الهوية.
متعلقات
الهوية والمواطنة(1)
التعددية الثقافية.. الحرية والمواطنة..
الهوية: المعنى والاصطلاح
تتداخل كلمة الهوية مع عدد من المفاهيم التي تساعد في جلاء المعنى احياناً او تعقيده في احيان اخرى. وذلك بسبب مجالات الاستخدام مثل الثقافة والسياسة وعلم النفس والمنطق والاجتماع وغيرها من المعارف، مما يقتضي البحث عن جذر ثم تطويعه دون الابتعاد كثيراً. ولا تقدم المعاجم القديمة معنى شاملاً يعبر عن واقعها و نجد في معاجم اخرى، مثل المعجم الوجيز ان الهوية تعني: الذات «مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1997، ص 654» وفي المعجم الوسيط: تعني حقيقة الشئ او الشخص التي تميزه عن غيره «الجزء الثاني، 1989، ص 998» وقد ساعد الفلاسفة اكثر من اللغويين في تفسير الهوية (بضم الهاء) وهي منسوبة الى (هو) وهي تقابل الآخر او الغيرية. وتعني في كتاب التعريفات عند الجرجاني:« الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق» ويكمل (الصديق) في قاموسه الفلسفي المعنى بقوله:
«هوية، ما يعرف الشئ في ذاته دون اللجوء الى عناصر خارجية لتعريفه، ويستعمل ايضا للدلالة على الجوهر والماهية. وعند المتصوفة هي الحق المطلق الذي يحتوي كل الحقائق احتواء النواة على الشجرة في الغيب المطلق. اما في المنطق فان هذه اللفظة تشير الى معنيين:
1/ التساوي او التشابه المطلق بين كمين او كيفين وهنا تعني التوافق.
2/ ان يكون الشئ ثابتاً لا يتغير بما يعتريه او يعتري ما يحيط به وهنا تعني الثبوت تقول «الموسوعة الفلسفية العربية» هي كلمة مولدة اشتقها المترجمون القدامى من الـ«هو» لينقلوا بواسطتها ا لى العربية كما يقول – الفارابي – المعني الذي تؤديه كلمة «هسست» بالفارسية وكلمة «استين» باليونانية اي فعل الكينونة في اللغات الهندواوربية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثم عدلوا عنها ووضعوا كلمة «الموجود» مكان الـ«هو» والوجود مكان «الهوية» ومع ذلك فقد فرضت كلمة الهوية نفسها كمصطلح فلسفي يستدل به على كون الشئ هو نفسه.
تتداخل الهوية مع مصطلحات عديدة مثل الخصوصية بالذات حين يكون الحديث عن قيم ومبادئ عامة وانسانية مثلما نلاحظ في نقاشات حقوق الانسان على المستويات الدولية والاقليمية والمحلية. والاعتراض بسبب مفهوم الخصوصية يستدعى مباشرة وجود هوية مختلفة مما يتطلب سلوكاً وردود فعل مختلفة او حتى مقاومة لما يمكن ان يعتبر تهديداً للهوية بسبب «غزو ثقافي» مثلاً.
وتزايد التركيز على الهوية مع تصاعد سيرورة العولمة التي يرى فيها اصحاب فكرة الهوية الضيقة، خطراً ماحقاً على الثقافات الاخرى «غير الغربية». ويطابق البعض بين العولمة والامبريالية او القطب الغربي الواحد، ويرون فيها مخططاً او حتى مؤامرة للهيمنة على الثقافات الاخرى: بوعي وقصد فالعولمة حين تسقط الحواجز والحدود وتحول العالم الى قرية تهدد بالفعل ثقافات اخرى ولكن ليس بقصد المؤامرة والمخطط بل حتمية تطور التداخل: ثقافيا واقتصادياً.
وقد يقف دعاة الهوية عموما او المغلقة امام خيارين (اقرب الى المستحيل) وقف العولمة او تعميق الخصائص والميزات والصفات التي تحصن من دون اي تأثير خارجي. فأين الحل؟ هو حسب رأيي – التكيف باقل خسارة ممكنة. ولكن ماذا يبقى من الهويات؟ قد تكون هناك حالة انسانية عالمية لا يفترض فيها بالضرورة التعارض مع الهويات او تذويبها قسراً، اي تضمنيها والتبادل معها، وهذه وضعية تعبر فيها الثقافات التقليدية او الوطنية عن الحاجة الى الاندماج في العولمة وفي نفس الوقت تبحث عما هو خاص بها ويقول WALLERSTEIN «فالحقيقة ان الكونية يمكن معاينتها خلال الخصوصية والعكس صحيح».
يرى البعض صعوبة تحديد وتعيين الهوية او الخصوصية على صعيد الواقع وبالتالي اعتبر الكثيرون ان مفهوم الهوية مصطلح ايديولوجي اكثر منه علمي. وذلك لان الهوية يمكن التعبير عنها او تجسيدها من خلال الدين او اللغة او الدولة الوطنية او القومية. وكل هذه خصائص متغيرة حسب طريقة استخدامها وتوظيفها، لذلك يمكن لمجتمع واحد ان يبدل «هويته» حسب المراحل المختلفة تاريخياً ووفقاً للظروف الحاكمة.
ومثال ذلك التاريخ العربي المعاصر، حيث اثرت الايديولوجيا على تحديد الهوية. فالامة التي كانت مقتنعة بحتمية سيادة القومية العربية ورآها البعض رسالة خالدة للامة في الستينات، يتردد الآن بين الكثيرين شعار: الاسلام هو الحل.
هناك من يرى الهوية اصلاً مجرد مصطلح سياسي ولد ضمن عملية صراع سياسي. ويستهل المفكر الفرنسي «بابار» كتابه عن الهوية بمفهوم «بيان السياسة» منطلقاً من ان «العلاقات المعقدة بين التصورات الثقافية والممارسات السياسية والاساليب الشعبية في التحرك السياسي والخيال السياسي» هي سبب بالنزاعات التي تملأ العالم وترجعها الى الهوية. وذلك حسب افتراض يزعم بان «الهوية الثقافية» تقابلها بالضرورة هوية سياسية لا تخلو ايضا في الواقع من طابعها الوهمي.
والحق ان كلا الهويتين تكون في احسن الاحوال بناء ثقافياً او سياسياً او ايديولوجياً اي بناء تاريخي اصلا. فلا توجد هوية طبيعية تفرضها الاوضاع. ويؤكد ان الخبرة التاريخية تثبت ان هوية الفرد مرتبطة بالاوضاع ومتعددة الجوانب ونسبية وهي مفترضة ضمنياً. ويعطي مثالاً لهذه الهويات:« فالشخص المقيم في سان مالو سيعرف نفسه على انه مالوني (نسبة الى سان مالو ) في مواجهة آخر من رين، وكمواطن من مقاطعة بريتانيا في مواجهة مواطن من باريس، و كفرنسي في مواجهة مواطن الماني، وكاوربي في مواجهة امريكي، وكابيض في مواجهة مواطن افريقي، وكعامل في مواجهة صاحب العمل، وككاثوليكي في مواجهة البروتستانتي، وكزوج في مواجهة زوجته، وكمريض في مواجهة طبيبه.
وقد تكون هذه ادوار اجتماعية ولكنها هي التشكيلة الكبيرة لتعريف الذات. ويدين التفكير الثقافي الانغلاقي: «لانه لا يكتفي بتحويل الهويات المتغيرة باستمرار الى مسألة لا ترتبط بالزمن بل وتتستر على العمليات الملموسة التي يعرف انفسهم بها مجموعة من الافراد او فرد واحد في لحظة تاريخية معينة، وفي ظروف محددة ولفترة محدودة».
ويطرح اسئلة مهمة مثل لماذا انتظر الهوتو والتوتسي في رواندا طويلاً حتى يتقاتلا لو كان السبب هو يتعلق بالهوية الاثنية فقط؟ وسنجد صعوبة في فهم لماذا توقف الكاثوليك عن الصراع مع البروتستانت او كيف تصالح الفرنسيون مع الالمان؟
ويذهب «معلوف» في نفس الاتجاه، حيث يرى ان الهوية هي الانتماء الرئيسي الوحيد الذي يستمر في مختلف الظروف اقوى من الانتماءات الاخرى. وقد يكون لدى البعض هو الوطن او الدين او الطبقة. ولكن حين نتفحص النزاعات القائمة ندرك انه ما من انتماء له الغلبة بصورة مطلقة. فعلى سبيل المثال حين يشعر البعض بأنهم مهددون في عقيدتهم الايمانية يرتفع الانتماء الديني مختصراً لهويتهم.
ولو تهددت اللغة الام او جماعتهم الاثنية يمكن ان يواجهوا ابناء دينهم يقول:« فالاتراك والاكراد مسلمون لكنهم مختلفون في اللغة فهل النزاع بينهم اقل دموية؟ الهوتو كما التوتسي هم من الكاثوليك، يتكلمون نفس اللغة، فهل منعهما ذلك من التذابح؟ التشيكيون والسلوفاك كاثوليك ايضا فهل يسر ذلك العيش المشترك فيما بينهم».
التمسك بالهوية حصن الخائفين من العولمة(2)
غدت الهوية بؤرة السؤال ومدار السجال في الأوساط الفكرية والدوائر السياسية. وليس أدل على ذلك من مطالعة هذا الكم الهائل من الكتب والمقالات التي تتناول موضوع الهوية. فالإسلاميون يرون أن الهوية هي الحقيقة المطلقة المشتملة على كل الحقائق. ويرى بعض الإسلاميين أن الأمة الإسلامية في غنى عن رحلة البحث عن هويتها ما دام الإسلام قد حدد هويتها وقدرها. وهو وحده الذي يتوفر على نمط حياة شامل يقدم البديل المفتقد. ويرى الإسلاميون أنه بعد أن انهارت الشيوعية وفشل المشروع الليبرالي في قيادة العالم فإن الإسلام هو الخلاص.
وهكذا تصبح «الهوية الإسلامية» بمثابة حل للبشرية. ويرى بعضهم أن هذا التيار غير متناسق، فهو يعود إلى التراث لعله يمده بشيء يثبت كلامه.
أما القوميون فقد كانوا السباقين في إطلاق مصطلح «الهوية القومية» أي البوتقة التي تنصهر
بداخلها فكرة القومية العربية كما قال المفكر انطون مقدسي. ويأخذ التيار القومي على التيار الإسلامي عدم إمكان تعيين هويته سياسياً، وذلك لأننا أمام عدد من الأعراق والإثنيات واللغات والتواريخ العصية على التوحد.
أما التيار الماركسي الأرثوذكسي فإنه يعلن بأعلى صوته أن العولمة البربرية تهدد هويتنا إذ أنها ليست إلا «رسملة « للعالم. ويغدق هذا التيار في طرح الوصفات والنعوت الجاهزة التي ينتقيها بدقة خشية أن يفتضح إفلاسه المعرفي وفقر ايديولوجيته التي يفاخر بها.
يمكن القول إن الهوية في الخطاب العربي المعاصر باتت بمثابة المغارة التي يلجأ إليها الجميع للاحتماء بها في ظل ظلام العولمة الدامس على حد تعبير بعضهم. إنها الحصن الحصين لإثبات الذات، ورمز لمقاومة الذوبان.
ولكن عبثاً نحاول أن نحصل على تعريف واحد شامل لهذه الهوية. إنها تزداد التباساً كلما حاولنا الاقتراب منها أو الإمساك بها. إننا لا نعرف أين نجدها. أهي في الماضي حيث تكونت وتشكلت، وما علينا سوى الاقتراب منها بغية التطابق معها؟ وعندئذ ينبغي أن نعود إلى الماضي حتى تعود الأمور إلى نصابها أم هي في المستقبل؟ وإذا كانت في المستقبل فما هي مقوماتها؟ وكيف نستطيع تخيل مستقبل في عالم متحول؟
إن مفهوم «الهوية» يتضمن درجة عالية من الصعوبة والتعقيد والمشاكلة لأنه بالغ التنوع في دلالاته واصطلاحاته. وهذا ما ينفي الطرح التبسيطي والاختزالي الذي يتم تداوله لهذا المفهوم في الخطاب العربي المعاصر.
وكما لم يستطع العرب التعرف على النهضة الحديثة إلا من خلال الآخر، كذلك لم يستطيعوا أن يتلمسوا هويتهم إلا من خلاله. فعندما تحدث من يطلق عليهم «رواد النهضة» عن النهضة كان عليهم قبل أن يصلوا إليها أن يبشروا بها مجسدة من خلال الآخر (الغرب) 
ولا أكون قد اكتشفت جديداً عندما أتحدث عن مدى تغلغل الغرب الحاضر فينا ومعنا في خطابنا. إننا لم نستطع صياغة سؤال النهضة الخاص بنا، أو أن ننتج هوية ناضجة تتسم بالحيوية مع الاتصال بالآخر بدل طرح هذه الهوية المأزومة عند كل احتكاك أو اتصال به 
الثقافة والهوية (3)
الهوية لا تكتسب سلميا وتطرح في مواجهة خطر الابادة من قبل هوية أخرى
ما دور الثقافات والأديان في تشكيل الهويات وكيف تكتب المؤسستان الدينية والوطنية كينونة الأفراد؟  
أولا: الهوية الثقافية، الهوية الوطنية  
كيف يمكننا اليوم أن نقيم الدور الذي يلعبه مصطلح الهوية الثقافية؟ سأحاول القول هنا إن ذلك الدور يكمن في الثقافة. وللاجابة على السؤال السابق سوف أدرس استخدامات مصطلح الهوية الثقافية في الوثائق الرسمية للمنظمات الثقافية الدولية. ذلك أن تلك المنظمات تعتبر مؤسسات نموذجية للخطاب الشامل، كما أنها تتميز بكونها أماكن انتاج وتلقي خطابات عامة. بالاضافة إلى ذلك تعد هذه المنظمات الدولية الثقافية أماكن عامة لاستقبال واصدار الملاحظات والتعليقات بل فرضها بطريقة جبرية.
لقد أفرزت تلك الخطابات الثقافية العديد من القضايا التي تأثرت بها – نذكر على سبيل المثال “الحقوق الثقافية” للأفراد والجماعات، “الديموقراطية الثقافية”، زالتنمية الثقافية س والعلاقات بين زالثقافة س و “التنمية” “تعزيز اللغات الوطنية”، العلاقة بين “الحفاظ على التراث الثقافي” وبين “الخلق” أو “الإبداع”، الإعلام في علاقته بحرية التعبير أو التأكيد على السلام، وغيرها من القضايا- سواء على شكل تصورات نظرية أو حتى على شكل بعض الممارسات السياسية. ويمكن تحديد تلك القضايا على شكل مصطلحات ضمن أربع فئات أساسية:
1- الموضوعي والشخصي
تظهر الهوية الثقافية كمجموعة من الميزات والبنى الموضوعية، كما هو الحال في التفكير العفوي ضمن الإطار الجمعي، والإطار الاجتماعي والإطار التاريخي. كما أنها تظهر كمبدأ أو عملية موضعة للأشياء (كما هو الحال في التفكير العفوي في إطار “الخبرات المعاشة”، “الوعي و اللاوعي الفردي”). بين هذين القطبين المتضادين يظهر عادة بعض التوافق أو التبادلية، لكن في حالات معينة يظهر بينهما نوع من الصراع أيضا. الفكرة التي يمكن التأكيد عليها هنا أن ذلك التناقض قد يترجم إلى كارثة (أو حتى حالات مرضية)، وفي المقابل يمكن اعتبار التناقض أو عدم التوافق قاعدة. إن التوافق الذي سيسمح بتمييز أفضل للموضوعية الفردية في الهوية الثقافية أو إدراك أفضل لمعايير الثقافة الجمعية لهوية الموضوعات، سيظهر كمحدد يمكننا أو يجب علينا تحقيقه.
2- العالمية والفردية
توصف الهوية الثقافية عادة بأنها ما يعبر عن تفرد “المجموعات”، أفرادا أو مجتمعات، وما يمنعهم من الصراع الفكري أو العملي، وما يمسح ببساطة ونقاء “الحدود” التي تفصل بينهم، وما يترجم ميل العلاقات المتبادلة بين الحقائق اللغوية، والحقائق الدينية، وحقائق النسب، والحقائق الجمالية بمعناها الواسع (اذا قلنا بوجود أنظمة للحياة فإنه يوجد أيضا أنظمة موسيقية وأدبية)، والحقائق السياسية. لكن في المقابل تطرح الهوية الثقافية سؤال العالمية أو الشمولية. وذلك لعدد من الأسباب، أولها أن الثقافات لا يمكن التفكير فيها ضمن التنوع الاجتماعي والإنساني دون عقد مقارنة شاملة لها لم سواء كانت موضوعية أو علمية ~. ثانيا، هذا التنوع يتضمن اتصالا بين الثقافات أو بين الحدود الفاصلة بين الثقافات الفردية التي تجتهد لتعبر الحدود. ثالثا، وبالإضافة إلى الأسباب السابقة، تطمح الهوية الخاصة بكل ثقافة إلى اعتبارها إطارا من القيم لها صفة العالمية. هذا السبب يرتبط مباشرة بالاسباب السابقة بل ويذكر بها. هذا الاطار القيمي يتيح لنا التفريق بين مصطلحات “الخير” و “الشر” في الشمولية الثقافية، بين الأخلاقي ووجهات النظر السياسية. كما يتيح لنا التفريق بين صيغ “الخير” و “الشر” في الاتصال: تلك التي تحاول التأسيس للعالمية بالانتباه إلى الفردية أو التي تبحث عن توحيدهما بشكل متوازن، كمقابل لتلك الصيغ التي تقضي على الفردية بذريعة الاتساق أو الانتظام (في الوقت الراهن يخشى من تأثير ثورة وسائل الاتصال الجماهيرية ومن سيطرة نماذج – معينة على المستوى العالمي) أو في المقابل المتطرف تماما تحاول التأكيد على الفردية لدرجة الوصول إلى حد العزلة. وبين هاتين الصيغتين المتضادتين، سيوظف البعض وسائل الإعلام في خدمة إنتاج الاختلافات، تلك التي تؤكد الفردية بتوسط العالمية، أو بشكل عكسي تؤكد حقيقة العالمية بتوسط الفردية.
3- النخبة والعوام (الصفوة والشعبي)
هذه الفئة من القضايا موجودة في كل مكان، لكن بصياغات مختلفة بتفاوت علاقات التناظر الوظيفي بين الفترات الزمنية المتعددة. لعل أهم هذه الصيغ في الحديث عن النخبة والعوام صيغة كلاسيكية – على الأقل منذ القرن التاسع عشر- للتفريق بين الثقافة لم العلمية، التقنية، الأدبية) والثقافات التعبيرية للجماعات الاجتماعية (أو بشكل أفضل انتماءات الأفراد إلى الجماعات). وفي هذا السياق تسقط هذه الصيغة الجدل السابق الذكر بشأن العالمية والفردية في حقل علم التاريخ الاجتماعي. كما تضيف هذه الصيغة دلالات جديدة أخرى، أهمها إعطاء السلطة للمعاها والأنشطة التربوية (في المجال التطبيقي، المدارس) لتكون هي الجانب الأهم لحل التوترات التاريخية بين الثقافة العلمية – التقنية وبين الثقافة الجمالية، وبين التطبيقات اللغوية على مستوى الإعلام الدولي وبين ضرورات اللهجات غير القابلة للاختزال، بين الحفاظ على التقاليد وبين التجديد الثقافي، وأخيرا بين أدب المشاعر وتطوير الملكات الذهنية. هذه النقاط جميعا تقود مباشرة إلى الفئة الرابعة
4- الثبات والتحول
يعكس مصطلح الهوية الثقافية هنا بشكل معين نفسه تحت معيار الزمن، بفض النظر عن تحديد مرجعية التقدم أو نقد علاقة ذلك المصطلح – الهوية الثقافية – بالسلطة الزمنية للتاريخ والمفترضة سلفا في أي بحث عن تاريخية الثقافة.  
يبدو أنه يمكننا طرح المطالبة التي تأخذ شكل التعارضات المتحدة: الهوية الثقافية تقاوم الزمن كرمز للتغيير، كما أنها تعتبر نفسها أساسا ضمنيا لأي تحول (بمعنى إعطاء صلاحية التمييز، والتسمية “المناسبة” للموضوعات الجمعية). كما أن الهوية الثقافية تظهر بنفسها كنموذج للتغيير (تسمى ابتكار، حياة، تطور، التي تظهر في النهاية وكأنها مطلب لمعظم مصطلحات ز الثقافة س). هناك حضور لبعض المسلمات الواهنة التي تحاول بشكل منتظم تثبيت أو مقارنة أثار الثبات بالآثار التاريخية، وتغير فردية الجماعات. في المقابل هناك حضور لمسلمات قوية دفعت بوحدة الجماعات إلى ما وراء النقطة التي يمكن تسميتها- في المفاهيم الهيجيلية – هوية الهوية والاختلاف.
ودون الرغبة في طرح جدال حول الاستخدام الدقيق أو غير الدقيق، المعقد أو البسيط لهذه الفئات الرئيسية السابقة والتي تعتبر استخدامات ومصطلحات كلاسيكية في الفلسفة، سوف أطرح هنا سؤالين أساسيين على اعتبار أنهما يتضمنان تفاصيل خطاب المؤسسات في الهوية الثقافية، كما أن السؤالين يطرحان مقدما إطارات الاختلاف المحتملة.
 أخيرا، مشكلة العلاقة بين الجماعات القومية والجماعات اللاقومية. هذه العلاقة قد تكون علاقة صراع وقد لا تكون، وقد تعني كذلك بالمواجهة مع الأمة، أي أنها بشكل عملي في مواجهة مع الدولة -التي تقدم نفسها على أساس أنها دولة قومية – سواء كانت جماعات متخطية للحدود (على سبيل المثال جماعات التوحد الديني) أو جماعات مناصرة أو رفض القومية لم على سبيل المثال، التي تناقش حدود الدولة، أو التي تصارع الظلم السياسي والاقتصادي وفق قاعدة “إثنية”، وتطالب بإعادة التفكير بالحقوق، وبالحكم الذاتي أو الاستقلال). الأمر المدهش هنا هو ذلك التعميم في العالم اليوم فيما يخص خطاب الثقافة من أجل تشخيص الهوية واللاهوية، وتشخيص مبادئ السيطرة الوطنية واستقلال الجماعات اللاقومية. وعندما تأخذ هذه العلاقة إطار الصراع بين الجماعتين القومية واللاقومية، يمكن تلخيص مطالبهما على الرغم من الاختلاف بينهما في الصفات الشخصية والعزم التاريخي في تأكيد حقوق الأفراد: اتخاذ قرار “الاختيار”، أو حتى على الأقل المفاضلة بين عدد من “الانتماءات” المتنافسة. وبالتالي لا يمكننا إلا أن نفرض السؤال التالي: ماذا إذا كان مصطلح الهوية الثقافية اليوم ليمر أكثر من استعارة للهوية الوطنية؟
ثانيا: الهوية واثبات الهوية في حقل الثقافة
تبدو هذه المشكلة إلى حد ما مكملة للمشكلة السابقة. لكن في الحالة الأولى تمكنا على الأقل من صياغة فرضية اعتمادا على السؤال الأول، هنا نكتفي فقط بطرح الأسئلة، التي لا ندعي شموليتها، ثم نحاول تصنيفها. كل واحد من هذه الأسئلة سوف يستدعي مناقشات مطولة، وبالتالي لابد من الاختيار، خاصة إذا ما توافرت صياغات أخرى أجدر بالتفضيل.
من الهوية في الثقافة الى الهوية في المؤسسة
السؤال الأول الذي يبدو بديهيا ولا يمكن تجاهله: هل هناك أية أهمية أو معنى للحديث عن الهوية في حقل الثقافة، في الوقت الذي لاحظنا سلفا ازدياد التشابك أو التداخل في كل معنى “للثقافة” بحيث يدل كتعريف لموضوع أكثر من المكان أو الوظيفة التي لا تزال غامضة كعناصر في التعريف. إن إضافة نعت “ثقافي” لمصطلح الهوية لا يعطيها صفة التأهل أو القبول، بل على العكس من ذلك يضيف لها ذلك النعت مشكلة التعريف. أما الانتشار المعاصر للخطابات التي تتحدث عن أزمة الهوية الثقافية من الأفضل لها الحث على إدراك الفصل بين المصطلحين (الهوية والثقافة).
من أنا؟ من نحن؟ من هم؟ هذه أسئلة أساسية ومهمة والإجابة عليها تحاول ترجمة معرفة الهوية، تلك الاجابة لا تتحدد بشكل دقيق بمجرد مرجعيتها الثقافية، لأن حالة انتماء “الأنا” أو “الأخر” وارتباطهما بحقل الثقافة أمر مبهم. أما حل هذه الاشكالية فيتم إما عن طريق اعتماد التشابه الوظيفي بين الثقافة والواقع لم الهوية في الثقافة تقارن بالهوية في الواقع، تلك التي يمكن تصنيفها وتحديد خصوصيتها المحلية)، أو عن طريق تبني منهج التضاد أو التناقض بين الواقع والثقافة لم تصور الهوية في الثقافة وكأنها رفض للشيء الخارجي أو الوجود الطبيعي للأشياء في الحالة العقلية أو الروحية). في الحالة الأولى نظام من الاستعارات، وفي الثانية نظام من حالات الرفض والإنكار. لكن لا يوجد مبرر للقيام بإعادة تعريف زالشيء الطبيعيس من أجل التأكد من أهمية البحث عن السؤال: من أنا؟ الذي لا يعطي خصوصية للفردية بشكل دقيق ولا رفض راديكالي للموضوعية. بل على العكس من ذلك سيفتح ذلك السؤال مشكلة قد نتمكن وقد لا نتمكن من حلها: كيف يمكنني (كيف يمكننا، كيف يمكنهم) التلقي من الأخر أو من مجموعة الآخرين إشارات عن خصوصيتي (خصوصيتنا، خصوصيتهم). هذا السؤال لا يتواكب مع ماهية الهوية في حقل الثقافة أو مع الطريقة التي تحدد بها الثقافة الهوية، خاصة عند تعريف الثقافة كحقل من الخبرات التي يمكن من خلالها تمييز الهويات، أو ذلك الحقل الذي يمكن وصفه بعدد من الإجابات الفلسفية من قبيل: وجودي، منطقي، وواقع وراء الخبرة. 
لكنني سوف ألزم نفسي هنا بالاقتراح التالي: إن أي مصطلح يتضمن الهوية والثقافة يحتاج إلى ربطه بأكثر من مصطلح وبمتغيرات أصلية تفترض سلفا: الموضوع والمؤسسة – أو أي مصطلح أخر معادل – وبالتالي سأفترض هنا للتوضيح الفرضيتين التاليتين:
– هناك هوية عن طريق الموضوعات وللموضوعات فقط.
– وهناك ثقافة عن طريق المؤسسات وللمؤسسات فقط.
وبشكل واضح يمكن أن تكتسب هاتان الفرضيتان أهمية إذا لم يكن “الموضوع” تعبيرا أو كلمة أخرى للهوية – الهوية الذاتية – و “المؤسسة” ليست فقط مجرد كلمة أخرى للثقافة. ويبدو أنه يمكننا القول إن الموضوع يحمل مرجعية لأفراد يمكن تمييزهم من خلال اللغة، من مثل القول “أنا”، “نحن” و “هم” في السياق. أما المؤسسة فهي عادة تهتم بأي نشاط إنساني يتضمن نشاط توزيع محدد ´ لأوضاع بعينها أو تعهدات ووظائف منفعية، فعالية، واتصال. والمؤسسة قابلة أن تكون معبرة ومشرعة في خطابات معينة سواء عن طريق رموز، قصص أو برامج.
وفي هذا السياق يصبح سؤال الهوية أساسيا ويطرح بطريقة رسمية، لأن “أنا”، “نحن” و “هم”، تعبيرات متساوية لموقف ذاتي، ثم أن الموضوع -كاصطلاح – لا يمكن نسبته إلى أي من أولئك الأفراد (أنا، نحن، هم) لكنه يظل عائما باستمرار بين تلك الفئات الثلاث. كما أن سؤال الثقافة أساسي أيضا، لأنه باختلاف الزمان والمكان، لا تتقاسم كل المجتمعات – حتى وهي تمتلك طابع الدولة الوطنية بشكل عام – الأوضاع، ووظائف الإنتاج، واعادة الإنتاج، والاتصال، والذاكرة، والمعرفة وغيرها بطريقة واحدة. لكن ينتقل الموضوع من اللغة إلى الممارسة، وتنتقل المؤسسة من الممارسة إلى الخطاب.
إنه ليس من الضروري قبل أن نبدأ التأطير النظري للهوية الثقافية، السؤال عماذا يعني للأفراد أو الجماعات موضوع المواجهة مع المؤسسات، وما هي صيغ وأنماط تلك المواجهة، وهل هناك مخاطر من وراء تلك المواجهة؟ هذه المشكلة ليست لها علاقة بعلم الاجتماع أو النفس، أو حتى بشكل أقل بنظرية الفردية أو الأنظمة مثل علاقتها بنفعية اللغة أو الجانب السياسي لعلم دراسة الإنسان. لكن ليس من الضروري أيضا من حيث المبدأ تعطيل الافتراض المسبق الذي ينظر إلى الثقافة “ككل”، وبالتالي ينظر إلى علاقة الأفراد بالثقافة إما كعلاقة كلية أو أنها غير موجودة يحكمها منطق الهوية والاختلاف، والاندماج والإقصاء. لأن السؤال التالي لاستبعاد مثل ذلك الافتراض، ماذا يمكننا أن نضع مكانه؟ ببساطة نضع محله تلك الفكرة التي تؤكد أنه في مجال الممارسات الإنسانية، تزيد المواقف الذاتية من المعالجات المتعددة الإشكاليات في توزيع الهوية الثقافية. ثم أن تلك الإشكاليات في المعالجات كنظام أو كمجموعات تبادلية شاملة يمكن أن تصبح منطقيا ظواهر ثانوية.
الهوية أو إثبات الهويات
أليس من الضروري أن يستحضر أصحاب نزعات الاختلاف في صراعات أو أزمات معينة موضوع الهوية الثقافية؟ الهوية لا يمكن أن تكتسب سلميا: إنها تطرح كضمان في مواجهة خطر الإبادة أو الإلغاء من قبل هوية أخرى. وبالتالي يجب علينا أن لا نعمم ما وصف به علماء الاجتماع وعلماء النفس على حد سواء “صياغة الهوية” في الوقت الراهن سواء كانت عرقية أو دينية قائلين بأن الهوية التي تتم المطالبة بها -شكل علني أو صامت- إنما تتم دراستها كوظيفة للأخر، واستجابة لرغبته، وقوته وخطابه الذي يعرض قوته متفوقة على رغبته. إلى حد معين سيصبح مفهوم “الهوية التقليدية” (أو الهوية الموروثة) متناقض في معانيه. ونصبح أكثر دقة إذا قلنا أن الهوية هي خطاب التقليدية. في الحقيقة لا يوجد هويات وانما إثبات للهويات: سواء مع المؤسسة نفسها أو مع موضوعات تمر من خلالها، أو كما يفضل البعض، الهويات هي مجرد الهدف المثالي لعمليات إثبات الهوية، ونقاط ملكيتها، وهي تأكيد أو عدم تأكيد الشعور بها وبالتالي مرجعيتها المتخيلة. لكن هذا لا يعني أن عمليات إثبات الهوية مجرد عمليات متخيلة. ويمكن ببساطة وصف تأثيرات عمليات إثبات الهوية في بناء التمثيل أو الطريقة التي من خلالها توفر تلك العمليات مكانا يسمح للفرد بتصور نفسه “كذات”، بأنها تأثيرات غير كاملة. في الجانب العملي، نجحت بعض أنواع إثبات الهويات بطريقة متناقضة وسقطت أخرى بل أن التعايش معها أصبح صعوبة. فإلى جانب طابعها العام لابد من مراعاة هذا الاختلاف. إنه لا يتوافق ببساطة وبوضوح مع الاختلاف بين المطابقة أو عدم المطابقة، التلاؤم أو عدم التلاؤم مع الطقوس، الحكم والمعتقدات الموضوعة عن طريق المؤسسة المسيطرة. ويمكن الاقتراح بأن بناء الهوية ليست عملية ´ متخيلة إنما هي إعمال للخيال: سلوك، تاريخ أو استراتيجية فردية للموضوع في علاقته بالخيال (هو في علاقته بـ “الأخرين”). إذن، لماذا يجب أن يبلغ ذلك السلوك، الإستراتيجية أو التاريخ ذررته في إثبات مبهج لهوية ما، أو مقاومة عدائية تجاه ذلك الإثبات بعض الافراد مع أحادية وضخامة “نحن” أو مع رموز وشعارات تصور السلوك والإستراتيجية والتاريخ التي تحدد المقترح ككل متكامل أو لا يكون. في هذا الصدد أيكني تصور الفكرة العامة في الهيمنة أو السيطرة، او التفكير في التخيل كلحظة أو أداة لتوان ن القوة؟ لا يوجد ما يؤكد لنا أن التأثير العملي للحظة التخيل تلك، في أي ظرف، تعتمد على ضعف قدرة التمييز أو الفصل بين “الأنا” و “نحن”.
مشكلة الانتماء
إذا تصورنا أن قضية الهوية على درجة من الأهمية، هل يعني ذلك أنها قضية متفردة؟ نفس هذا الخطاب هو الذي جعل كل ثقافة في كل الأطروحات صعبة الانتماء إلى عدد من الثقافات: وبالتالي فإنه لا يوجد مجتمع مؤسس – بشكل أدق لا توجد أمة – يمكن اعتبارها متعددة الثقافة.
لكن نقاد هذا الموقف – متأثرون بروح الحركات السياسية – ببساطة وبشكل واضح مترددين في اتخاذ موقف مضاد لها. وإذا غامروا باتخاذ موقف ما فإنهم يظلون مترددين بين عدة طرق للتعبير أو اتخاذ ذلك الموقف الناقد: هل يجب علينا الافتراض أن كل فرد ينتمي دائما إلى أكثر من ثقافة؟  أو أنه يجب علينا افتراض أن مصطلح الثقافة إذا نظرنا اليه بشكل معزول متناقض المعاني وبالتالي فإن الانتماء إلى ثقافة ما يعني الانتماء إلى وحدة متكاملة تمثل نقطة تقاطع والتقاء لثقافات؟
يبدو أن هذه المعضلة لا يمكن حلها دون السؤال عن كيفية عمل “منطق الانتماء” الذي يبدو أنه يربط الهويات بالثقافات. هنا يفترض جين ملينز Jean-Claude Milnerx) التمييز بين نوعين من الطبقات أو المجموعات: طبقات التخيل وطبقات الرمز. ويضيف اليها نوعا ثالثا هي طبقات التناقض أو التعارض. بالنسبة لطبقات التخيل يمكن إيجادها متفوقة على نسبة الملكية أو الملكيات العامة للأفراد، على افتراض أنها تميز وتوجد مستقلة عن قضية النسبة تلك. بعبارة أخرى تجمع طبقات التخيل أولئك الأفراد على افتراض الشبه المرئي (الأسود أو الأبيض، العاري أو المكتسي) أو بشكل عام الشبه القابل للعرض (الشبه الشخصياتي أو الأخلاقي) بين أعضاء تلك الجماعات. أما طبقات الرمز فتكمن في الحقيقة التي يصعب عرضها من أن الموضوعات تستجيب لنفس الاسم الذي تستجوبه ويستجوبها. ولذلك نقول “رجل فونسي”، “مسيحي”، “شيوعي”. وبالتالي فإنه لا يتم تمييز أو تحديد الموضوعات على أساس تشابه الإفراد، بل على أساس أنهم أفراد متكافلون بالإضافة إلى أنهم مطلقا غير متشابهين (متفردين).
هوية الانسان في الوطن العربي – «مشروع قراءة جديدة»(4)
تعريف الهوية
اثبت العلم الحديث ان الانسان ، مهما كان لونه او عرقه ، يتساوى بصورة عامة مع اي انسان آخر مهما كان لونه او عرقه في المورثات البشرية ، التي تحدد قدراته وقابلياته واستعداداته واتجاهاته ، كما تؤكد الديانات والمدارس الفلسفية والمذاهب السياسية في الوقت الحاضر ، وفي سائر انحاء العالم ، ان الانسان مهما كان لونه او عرقه او عقيدته او جنسيته ، يتساوى تساويا كاملا ومطلقا في الحقوق والواجبات مع اخيه الانسان ، اينما وجد على سطح المعمورة ، كما تؤكد هذه الديانات والمدارس الفلسفية والمذاهب حق هذا الانسان في ان يعيش حياة كريمة لائقة بانسانيته ، حياة تسودها الحرية والعدالة والمساواة والامن والاستقرار.
ومع كل هذا التساوي ، فإن الانسان في اي مجموعة بشرية يختلف عن الانسان في اي مجموعة بشرية اخرى بشيء مهم جدا يطلق عليه اصطلاح «الهوية». يقول «احمد ماضي»: «… ان شعوب العالم واممه موحدة من موقع كونها شعوبا تشترك في كونها بشرا لهم آمال واحلام ومشاكل ، ولكنها متمايزة من موقع هوياتها. بعبارة اخرى ، ان للانسان هوية خاصة به تميزه عن غيره ، وبالتالي «هوية» خاصة بالمجموعة البشرية التي هو احد اعضائها وتميزها عن بقية المجموعات البشرية الاخرى في هذا العالم. من جهة اخرى ، ان هذه «الهوية» هي الرباط الرئيسي الذي يجمع.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Обсуждение закрыто.