Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > مفاهيم أساسية في نظرية لاكان للتحليل النفسي

مفاهيم أساسية في نظرية لاكان للتحليل النفسي

الاربعاء 31 آذار (مارس) 2010
، بقلم    ترجمة : هشام روحانا
 

أقدّم في ما يلي وتباعاً، عرضاً للتعريف بمفاهيم لاكان النظرية، المستخدمة لديه في سياقها التاريخيّ، أي في سياق دعوته “للعودة إلى فرويد”، وكذلك في سياق تطوّرها المفهوميّ لديه هو. وأعني بهذا سيرورة تكوّن هذه المفاهيم، في علاقاتها وتمايزاتها واختلافاتها مع نظرية فرويد نفسه، ومع نظريات التحليل النفسي اللاحقة، وفي نفس الوقت مع الخطاب الفلسفي والألسني والأنثروبولوجي. من المتعارف عليه تفسير استعمال لاكان لأسلوب لغويّ معقّد، وامتناعه عن تقديم محاضراته الشفهية لاحقاً في شكل نصوص مكتوبة، برغبته في فسح المجال لتأويلات وتفسيرات مختلفة وعديدة ممّا يقلّل من إمكانية تحوّلها إلى عقيدة مغلقة ناجزة. إنّ هذا الأمر بالإضافة إلى أسباب أخرى عديدة يجعل مهمّة التعريف الدقيق والنهائيّ بهذه المفاهيم مهمّة مستحيلة. على هذا فإنّه من المفضّل التعامل مع هذه التعريفات كأدوات عمل فكرية إن صحّ التعبير.

لقد تمت ترجمة هذه المواد من كتاب” AN INTRUDICIONARY DICTIONARY OF

LACANIAN PSYCHOANALYSIS “لمؤلفه Dylan Evans

تزخر هذه النصوص باقتباسات من نصوص لاكان، وعندها يكتب الاقتباس بالحرف المائل والمشدّد بين قوسي الاقتباس ويليه مباشرة مصدر الاقتباس ويكون ذلك على شكل الحرفE ليشير الى Ecrites “كتابات” لاكان بترجمته الانجليزية أو على شكل Ec ليشير إلى النسخة الفرنسية الأصلية والتي لم تترجم بالكامل إلى الإنجليزية، أو على شكل الحرف S للإشارة إلى “سمينار” (أي إلى سلسلة المحاضرات التي كان يلقيها لاكان كلّ عام أمام جمهور مستمعيه). يلي هذا الحرف مباشرة رقم الصفحة أو الرقم التسلسلي للسمينار ومن ثم رقم الصفحة. يجري في سياق النص تشديد (تسويد) مصطلحات محددة للإشارة إلى أنها أيضاً عناوين يجري بحثها على انفراد في هذا المعجم.

لقد اخترنا المفاهيم المتعلقة بأنظمة لاكان الثلاثة : الرمزي الواقعي والخيالي، لنبدأ بها، ثمّ نعرض مستقبلاً مفاهيم أخرى.

نظام order ordre:

رغم أنّ لاكان كان قد بدأ باستعمال المصطلحات “رمزي”، “خيالي” و”واقعي” في مرحلة مبكّرة من حياته العملية، إلا أنّه بدأ بالحديث عنها كثلاثة “أنظمة” أو ثلاثة “مستويات” منذ العام 1953 فحسب. منذ ذلك الحين وصاعداً تحوّلت هذه المصطلحات إلى منظومة التشخيص الرئيسية، والتي تدور حولها تنظيراته بمجملها.

يشكّل الرمزيّ والخياليّ والواقعيّ معاً، منظومة التصنيف الرئيسية التي تُمكِّن من تحديد التمايُزات الهامّة بين المفاهيم التي قد جرى، بحسب لاكان، خلطها سوية في نظرية التحليل النفسي. يَدّعي لاكان مثلاً، أنّ عدم التمييز بين الأب الرمزيّ، والأب الخيالي، والأب الواقعيّ شكّل مصدراً لفهم مشوّهٍ داخل النظرية التحليلية. لهذا فإنّ لاكان يعتبر أنّ منظومته للتصنيف الثلاثيّ تسلّط ضوءًا بالغ الأهمية على أعمال فرويد:- ” إذا لم نعمل على ضوء هذه المنظومة الثلاثية، فسيكون من المتعذّر علينا فهم شيء ما من تقنية وتجربة فرويد ” (S 1،73).

يختلف كلٌ من الرمزيّ والخياليّ والواقعيّ فيما بينها اختلافا كبيراً، فكلُ واحدٍ منها يُحيل إلى مظهرٍ من مظاهر التجربة التحليلية مختلفٍ جذرياً، ممّا يجعل من الصعب رؤية ما هو مشترك بينها. مع هذا فإنّ حقيقة أنّ لاكان يتعامل معها كثلاثة “أنظمة” تُشير إلى وجود صفة مشتركة ما. يقوم لاكان بالبحث عن إجابة لهذا السؤال (ما المشترك بين الأنظمة الثلاثة؟)، بواسطة طوبولوجيا العقدة البوروميوية في سميناره لعام 1974-1975. ليست هذه الأنظمة بقوى عقلية كما في هيئات فرويد الثلاث في النموذج المسمّى البنيوي، ومع هذا فإنّها تتصل أوّلاً وقبل كلّ شيء، بأداء الوظائف العقلية، وتقوم هذه الأنظمة بتغطية مجمل حقل التحليل النفسي سويّةً.

رغم أنّ هذه الأنظمة تختلف اختلافا جوهرياً فيما بينها، إلا أنّ كلّ نظام يُعرَّف ضمن نطاق العلاقة التي يُقيمها مع كلا النظامين الآخرين. يظهر الاستقلال البنيويّ للأنظمة الثلاثة في العقدة البوروموية، حيث أنّ تحرير واحدة من الحلقات الثلاث المكوّنة للعقدة يؤدّي إلى تحرير الحلقتين الإضافيتين.

العقدة البوروموية:

رمزي symbolic symbolique

يَظهر المصطلح “رمزيّ”، مُستعملاً كصفة، في كتابات لاكان المبكّرة جداً(Lacan، 1936). يُحيل المصطلح في هذه النصوص المبكرة إلى المنطق الرمزي ومعادلات الفيزياء الرياضية (Ec، 79). في العام 1948 يُصَرّح بأنّ للأعراض “ معنىً رمزياً ” (E، 10)، ومع العام 1950 يكتسب المصطلح صبغة أنثروبولوجية، عندما يقوم لاكان مثلاً، بكيل المديح لمارسيل موس(Mauss) لأنّه أظهر أنّ “ بُنى المجتمع هي بُنى رمزية “Ec، 132) ).

تتّحد هذه التمايزات المختلفة في مقولة واحدة عام 1953، ليبدأ لاكان باستخدام مفهوم الرمزي كإسم علم، وليتحوّل حينها هذا المفهوم إلى واحد من الأنظمة الثلاثة، التي يستمر لاكان في المحافظة على مركزيتها في أعماله منذ الآن وصاعداً. من بين هذه الأنظمة الثلاثة يضطلع النظام الرمزيّ بالدور الحاسم في التحليل النفسي. فالمحلّلون النفسيّون هم “ مهنيون يزاولون الوظيفة الرمزية ” (E، 72). عندما يتحدث لاكان عن “الوظيفة الرمزية” فإنّه يوضّح بأنّ مفهومه للنظام الرمزيّ يدين بالكثير للأعمال الانثروبولوجية لـ ك.ل. شتراوس (ومنها يتمّ تبنّي المصطلح “وظيفة رمزية” أنظر، Levi-Strauss 1949a 203 ) ويستعير لاكان من شتراوس بالتحديد فكرة أنّ الوجود الاجتماعي يتّخذ بُنيته بواسطة قوانين محدّدة تُنَظِم علاقات القُربى وتبادُل الهدايا (أنظر أيضاً:Mauss 1923). أنّ مفهوم الهدية، ومفهوم دائرة التبادل، هما في صلب مفهوم النظام الرمزيّ للاكان ( S IV،153-154،182).

بما أنّ المظهر الأكثر أساسية للتبادل هو التواصل في حدّ ذاته (تبادل الكلمات، هبة التكلّم S 4،189 )، وبما أنّ مفاهيم مثل القانون والبنية لا يمكن تعقّلهما دون اللغة، فإنّ الرمزيّ من حيث الجوهر هو بُعدٌ لغويّ. جميع الجوانب ذات البنية الرمزية في الممارسة النفس – تحليلية تخصّ إذاً النظام الرمزيّ.

على أنّ لاكان لا يساوي النظام الرمزي باللغة، في مساواة تبسيطية، لا بل على العكس فإنّ اللغة تُشرك البعد الواقعيّ والبعد الخياليّ إلى جانب بعدها الرمزيّ. البعد الرمزيّ للغة هو الدالّ: لا تمتلك العناصر في هذا البعد وجوداً وضعياً (positive existence) وإنما قيامها المحض محكومٌ بقوةِ الفارق المتبادل في ما بينها.

الرمزي هو أيضا مجال الآخروية (Alterity) الجذرية، والتي يسمّيها لاكان أل- آخر، واللاوعي هو خطاب هذا أل- آخر، ولهذا فإنّه تابع للرمزيّ بالكامل. الرمزيّ، هو مجال القانون الناظم للرغبة في عقدة أُوديب. إنّه مملكة الحضارة، بالضدّ من النظام الخيالي التابع للطبيعة. وفي الوقت الذي يتميّز فيه الخياليّ بالعلاقات الثنائية فإنّ النظام الرمزي يتميّز بالبُنى الثلاثية. إذ أنّ مفهوماً ثالثاً دائماً ما “يتوسّط” في العلاقات البين- ذاتية، ألا وهو ال-آخر الكبير. النظام الرمزيّ هو أيضاً مجال الموت والغياب والنقصان. الرمزيّ هو أيضاً مبدأ اللذّة، المتحكّم بمسافة البعد عن الشيء. وهو أيضاً دافع الموت القادم من “ ما بعد مبدأ اللذّة ” بواسطة التكرار (S 2،210) وفي الحقيقة فإنّ “ دافع الموت ما هو إلا قناعٌ للنظام الرمزيّ ” (S 2،326).

يتمتع النظام الرمزي باستقلال ذاتيّ مطلق، فهو ليس بالبنية الفوقية التي تحدّدها البيولوجيا أو الوراثة. إنّ علاقته بالواقعيّ هي علاقة اعتباطية بالمطلق؛” لا وجود لأيّ سبب بيولوجيّ وبالتحديد لأيّ سبب وراثيّ لتفسير الزواج خارج المجموعة (exogamy). وفي النظام الإنساني، نحن أمام انبثاقٍ كاملٍ لوظيفة جديدة تشمل النظام بكامله وبالتمام”(S 2،29). لهذا ورغم أنّ الرمزيّ يبدو وكأنّه ينبثق من الواقعي ” كمعطى أوّليّ، إلا أنّ هذا ما هو إلا محض خدعة؛ ” يجب ألا نفكّر بأنّ الرموز أتت حقيقةً من الواقعي “(S 2،238).

إنّ تأثير النظام الرمزيّ الشموليّ والجامع للكلّ، يؤدّي بلاكان إلى الحديث عن الرمزيّ كعَالَم:- “في النظام الرمزي تدعى الشمولية عَالماً. يحصل النظام الرمزيّ على صفته العالمية منذ البدء. ولا ينبنى رويداً رويدا. ففي اللحظة التي يظهر الرمز فيها هنالك عالم من الرموز”(S 2،29). لا وجود ها هنا إذاً، للسؤال عن انتقال تسلسليّ وتدريجيّ من الخياليّ إلى الرمزيّ؛ فهما مجالان غريبان كلّيةً الواحد عن الآخر. وفي اللحظة التي يرتفع فيها النظام الرمزيّ فإنّه يخلق المعنى الذي كان فيه دائماً إذ أننا “نجد أنّه من المستحيل كليةً دون اللجوء إلى الرموز، تخمين ما قد كان سابقاً له “(S 2،5).. لهذا السبب لا وجود عملياً لأية إمكانية للتفكير حول مصدر اللغة وكلّ ما كان قبلها، ولهذا فإنّ قضايا التطوّر هي خارج نطاق التحليل النفسي.

ينتقد لاكان التحليل النفسيّ المعاصر له، لأنه يتجاهل النظام الرمزيّ ويختزل جميع الأمور إلى الخيالي. من وجهة نظر لاكان ليس هذا سوى خيانة لاكتشافات فرويد الأكثر جذريةً : “ اكتشاف فرويد هو هذا الاكتشاف لحقل التأثيرات هذه، في طبيعة الإنسان الناتجة عن علاقاته مع الرمزيّ. غضّ النظر عن النظام الرمزيّ يعني الحكم على هذا الاكتشاف بالنسيان “(E، 64).

يتناقض مفهوم لاكان للرمزيّ مع مفهوم “الرمزية” لدى فرويد تناقضاً كاملاً. فبالنسبة لفرويد توجد العلامة ضمن علاقة ثنائية- أحادية (bi-univocal) ثابتة نسبياً بين المعنى والشكل، ويقابلها المفهوم مؤشّر (index) لدى لاكان (أنظر،Freud 1900 SE V Ch6،sect.E حول الرمزية في الأحلام)، فبالنسبة له ما يميّز الرمزيّ هو تحديداً هذا الغياب لأية علاقة ثابتة بين الدال والمدلول.

خيالي imaginaire imaginary:

يستعمل لاكان المصطلح “خيالي” كاسم علم منذ العام 1936(Ec، 81). ومنذ البداية، يحيلنا المصطلح إلى الوهم، وإلى الافتتان والغواية، ويتصل تحديداً بالعلاقة المزدوجة بين الأنا والصورة المنعكسة. على أنه من الضروري التنبه إلى أنّ الخيالي، وإلى جانب أنه يحتوي على إحالات إلى الوهم والغواية، إلا أنّه ليس ببساطة مرادفًا للـ”وهميّ”، بهذا المفهوم الذي يكون فيه الوهميّ رمزاً لما هو فائض أو هامشيّ (Ec، 723). فالخيالي بعيدٌ عن أن يكون هامشياً إذ أنّه يمتلك إسقاطاته بالغة التأثير على الواقعيّ، ولا نستطيع ببساطة إقصائه جانباً متغلّبين عليه.

يغدو الخياليّ واحداً من الأنظمة الثلاثة منذ العام 1953 وصاعداً، ليشكلَ المثلثَ القائم في صدارة الأفكار اللاكانية متخذاً موقعه في مواجهة الواقعيّ والرمزيّ. يواصل تَشَكُّل الأنا في طور المرآة تكوينَ قاعدة النظام الخياليّ. وبما أنّ الأنا يتشكّل في التماهي مع النظير أو الصورة المنعكسة، فإنّ التماهي يمثّل جانباً هامّاً من النظام الخياليّ. الأنا والنظير يمثّلان النسق لعلاقة التبادل الثنائية وهما قابلان للتبادل فيما بينهما. إنّ معنى هذه العلاقة، حيث يتكوّن الأنا من خلال التماهي مع الآخر الصغير، هو أنّ هذا الأنا سويّة مع النظام الخيالي بعينه هما موضعا الاستلاب الجذري؛ “ الاستلاب هو عنصر مكوّن للنظام الخياليّ ” (S3، 146). إنّ هذه العلاقة، مزدوجة الطابع بين الأنا والنظير، هي علاقة نرجسية في أساسها، والنرجسية هي سمة مميّزة إضافية للنظام الخياليّ. ويرافق النرجسية دوما قسطٌ من العدوانية. الخياليّ هو دائرة الصورة والمخيلة والأحبولة والافتتان.والأوهام الأساسية للخيالي هي تلك التي تتصل بالتكامل، الكمال، التحكّم الذاتي والثنائية وقبل كلّ هذا، التشابه. ولهذا فإنّ الخياليّ، هو مظاهر السطح الخادعة، وهو هذه الظواهر المرئية التي تُخفي البنى التحتية، والتي هي مصدر هذه الظواهر.

إلا أنّ هذا التباين القائم ما بين الرمزيّ والخياليّ، لا يعني أنّ الخياليّ عديم البنية. لا بل بالعكس من هذا، يكون الخياليّ دائما مبنيّاً مسبقاً على يد الرمزيّ. فعلى سبيل المثال يتحدّث لاكان في نقاشه حول طور المرآة عن العلاقات داخل فضاء الخياليّ ممّا يعني وجود بنية رمزية لهذا الفضاء (E، 1). كذلك يشير التعبير “اللُحمة الخيالية” (‘imaginary matrix’) الى الخيالي المبني من قبل الرمزي (Ec، 221)، في العام 1964 يناقاش لاكان كيف يُبنى المجال البصري (Visual field) بقوانين رمزية (S11، 91–2).

للخياليّ بعدٌ ألسنيٌّ أيضاً. وفي حين أنّ الدال هو أساس النظام الرمزيّ فإنّ المدلول والمعنى يتبعان النظام الخياليّ. تمتلك اللغة إذاً، وفي نفس الوقت مظهراً رمزياً ومظهراً خيالياً، واللغة في مظهرها الخيالي هي:” جدار اللغة” الذي يقلب ويشوّه خطاب ال-آخر (انظر الرسم البياني –L).

الرسم البياني L –

المصدر : Jacques Lacan Ecrits ، Paris: seuil، 1966، p 53

إنّ قوى الخياليّ التي تأسر الذات تستند إلى التأثير الأخّاذ للصورة المنعكسة. وعليه فإنّ جذور الخياليّ تضرب عميقاً في علاقات الذات مع جسدها (أو بالأحرى مع صورة جسدها). إلى جانب أنّ هذه القوّة الأخّاذة\الآسرة هي قوّة إغواء (يظهر الخياليّ أكثر ما يظهر في المستوى الجنسيّ وذلك على نسق استعراضات جنسية وطقوس غزل Lacan، 1956b:272 ) فإنّها في نفس الوقت قوّة تثير الشلل، إذ أنّها تجعل الذات سجينة سلسلة من التثبيتات الساكنة (أنظر أسر).

الخيالي ودون سائر أبعاد الذات الإنسانية هو الأكثر قرباً إلى علم أسباب الأمراض (Etiology) والى النفس الحيوانية (S3، 253). وبالتالي، فإنّ كل محاولة لتفسير الذاتية الإنسانية بمفاهيم علم نفس الحيوان تبقى في حدود الخيالي (أنظر، طبيعة). رغم أنّ الخياليّ يمثّل نقطة التماسّ الأقرب ما بين الذاتية الإنسانية وأثيولوجيا الحيوان (S2، 166)، إلا أن هذا لا يعني التطابق التامّ فيما بينهما إذ أنّ النظام الخياليّ لدى الإنسان مبنيٌ من قبل الرمزيّ، بمعنى “ أنه لدى الإنسان، تم انفصال العلاقة الخيالية (عن مسارها في الطبيعة) “( S2، 210).

يستحوذ على لاكان شكٌ ديكارتيّ تجاه الخياليّ كوسيلة للإدراك. يصرّ لاكان كما فعل ديكارت على رِفعة العقل الخالص وعلى أنّه هو، دون الاعتماد على المخيلة، الطريقُ الوحيدةُ للوصول إلى المعرفة الموثوقة. وهذا ما يقف وراء استخدام لاكان للأشكال الطوبوغرافية غير القابلة للتمثّل في المخيّلة من أجل استكشاف بنية اللاوعي (أنظر، طوبولوجيا). تضع هذه الريبة تجاه المخيّلة والأحاسيس لاكان وبثبات في صف العقلانية (Rationalism) مقابل التجريبية (Empiricism) (أنظر، طبيعة).

يتّهم لاكان المدارس الأساسية للتحليل النفسي المعاصرة له بحصر التحليل النفسي في النظام الخيالي، إذ أنّها وضعت التماهي مع المحلّل هدفاً للتحليل، مختزلة التحليل إلى مجرّد علاقة ثنائية (E، 246–7). ينظر لاكان إلى هذا الأمر كخيانة للتحليل النفسي وانحراف ليس بمستطاعه سوى النجاح في تعميق استلاب الذات. يدّعي لاكان وبالضدّ من هذا الاختزال إلى الخياليّ، بأنّ جوهر التحليل النفسي هو في توظيفه للرمزيّ. في هذا التوظيف للرمزيّ، تكمن الوسيلة الوحيدة لتنحية الخيالي عن دوره في التثبيت المؤدّي للعجز. والوسيلة الوحيدة أمام المحلّل لفرض سيطرة ما على الخياليّ هي تحويل التخيّلات إلى كلمات، بالضبط كما يتعامل فرويد مع الأحلام كألغاز صورية:-“ يغدو الخيالي قابلاً لأن تفك رموزه فقط عندما نترجمه إلى رموز” (Lacan، 1956b:269). استخدام الرمزي هو الوسيلة الوحيدة التي يستطيع المتحلّل من خلالها “العبور خارج مدارات التماثل ” (S11، 273).

واقعي réel real:

يظهر مصطلح “واقعيّ” لأوّل مرّة كاسم علم لدى لاكان في مقالة له نشرت عام 1936. لقد كان هذا المصطلح شائع الاستعمال لدى بعض الفلاسفة المعاصرين له، وشكّل لبّ مقالة ألّفها إميل مايرسون (ويشير إليها لاكان في مقالته من عام 1936 ،Ec،86). يُعرف مايرسون الواقعيّ على أنّه “المطلق الوجوديّ، الوجود الحقيقيّ في ذاته” (Meyerson 1925،79 ، مذكور في Roustang 1986،61). يذهب لاكان في نقاشاته حول الواقعي إذا، في أعقاب تقليد متعارف عليه لدى تيّار فلسفي مطلع القرن العشرين. إلا أنه وبينما كانت هذه هي ربما نقطة انطلاق، فإنّ المصطلح يمرّ خلال سنوات إنتاجه بتغيّرات عديدة في معانيه واستخداماته.

في البداية، يوضع الواقعيّ وبكلّ بساطة نقيضا للخيالي، ممّا قد يوحي بأنه يتمركز في مجال الوجود، في ما عبر الظواهر(Ec،85). لكنّ حقيقة أنّ لاكان وحتى في هذه المرحلة المبكّرة يميّز بين الواقعيّ و”الحقيقيّ” تشير إلى أنّ الواقعيّ يقع ضحيّة لضبابية ما(Ec،75).

بعد ظهور المصطلح عام 1936 فإنّه يختفي من كتابات لاكان حتى سنوات الخمسين الأولى، حيث يعاود الظهور، حينها يستحضر لاكان مقاربة هيجل القائلة بأنّ “ كلّ ما هو واقعيّ هو منطقيّ (والعكس أيضاً) ” (Ec،226).فقط في عام 1953 يقوم لاكان بترفيع الواقعيّ إلى منزلة المقولة الأساسية في النظرية النفس تحليلية. من هنا وصاعداً يمثّل الواقعي واحداً من الأنظمة الثلاثة إلى جانب الرمزيّ والخياليّ، والتي وفقها يتمّ وصف جميع الظواهر النفس تحليلية. لا يوضع الواقعي منذ الآن مقابل الخياليّ فقط، بل ويوضع في ما عبر الرمزيّ. فليس كما الرمزيّ، المبنيّ بمفاهيم الأضداد، كتناقض بين الوجود والعدم،” في الواقعي لا وجود لأيّ عدم” (S 2،313). وفي الوقت الذي يشير فيه هذا التناقض الرمزي القائم بين الوجود والعدم، إلى الاحتمال المتواصل بأنّ أمراً ما قد يكون ناقصاً في النظام الرمزيّ، فإنّ الواقعي “ موجود دائما في مكانه : إنّه يحمله لصق كعبه جاهلا لما قد يؤدّي لجلائه من هناك ” (S 11،49؛أنظر Ec،25).

بينما يكون الرمزي مجموعة من العناصر المتمايزة والمتفردة والمدعوة دوالَّ، فإنّ الواقعيّ في حدّ ذاته فاقد للتمايزات “ الواقعي هو بدون شرخ إطلاقاً “(S 2،97). الرمزي هو من يقوم بإحداث “ شقّ في الواقعيّ ” ذلك في مسيرته لإنتاج المعنى:” إنّه عالم الكلمات هو ذالك الذي ينتج عالم الأشياء – كانت الأشياء، في الأصل، مشوّشة بالآن والهنا، للكلّ في صيرورة التكوين ” (E،65). في هذه الصياغات التي تعود إلى الأعوام بين 1953 وحتى 1955 يظهر الواقعي كأنه الشيء الموجود خارج اللغة، والغير قابل للتمثل الرمزي، أنه” ما يقاوم الترميز(symbolization) وبشكل مطلق “(S 1،66) ومرة ثانية، الواقعي هو” مجال كل ما هو قائم خارج الترميز ” (Ec،338). تظهر هذه الموضوعة في أعمال لاكان منذ الآن وصاعداً حيث تقوده للربط بين الواقعي ومفهوم”اللا-إمكانية”(impossibility) (S 11،167).الواقعي هو “اللاممكن”، فبما أنّه غير قابل للتصوّر، من غير الممكن تضمينه في النظام الرمزيّ ومن غير الممكن الوصول إليه عبر أية وسيلة. هذه الصفة، صفة المقاومة للترميز واللا-إمكانية هي التي تُضفي على الواقعي سمته الصادمة والمُميّزة له. هكذا وفي تفسيره للحالة “هانس الصغير” (Freud،1909) يقوم لاكان وفي سمينار عام 1957-1956 بتحديد عاملين واقعيين يتداخلان بتجانس في المرحلة القبل أوديبية الخيالية لدى الطفل ويلقحانها: العضو الواقعي الذي يبدأ بفرض نفسه في الاستمناء والأخت حديثة الولادة (S 4،308-309).

توجد للواقعي إحالات إلى المادّيّ. فيُفهم منه القاعدة المادية التي يتأسس عليها الرمزيّ والخياليّ (أنظر، مادية). تربط هذه الإحالات مفهوم الواقعيّ بمملكة البيولوجيّ أيضاً وبالجسد من خلال وظيفته المادية الخام (مقابل الوظيفة الخيالية والوظيفة الرمزية للجسد). مثال على ذلك، أنّ الأب الواقعيّ هو الأب البيولوجي و”الفالوس” الواقعيّ هو العضو الجسماني، في مقابل الوظائف الرمزية والواقعية لهذا العضو.

يقوم لاكان وفي أعماله جميعاً باستخدام الواقعي من أجل توضيح الظواهر السريرية :

القلق والصدمة : الواقعي هو موضوع القلق؛ لا وجود لوسيط ممكن له فإنّه” الموضوع الجوهري الذي لم يعد موضوعاً بعد الآن، وإنما الأمر الذي تنعدم أمامه كل الكلمات وتفشل جميع المقولات، إنه موضوع القلق بالـ- التعريف par excellence” (S 2،164 ). هذا اللقاء الغير متحقق مع هذا الموضوع الواقعي، هو الذي يعرض نفسه على شكل صدمة (S 11،55). إنه الطيخا (tyche) الذي تسكن ” ما وراء الأتوماتون(الرمزي)”(S 11،53) (أنظر، صدفة)*.

هذيان (هلوسة) عندما لا تكون هنالك إمكانية لضم أمر ما إلى النظام الرمزي، كما في الذهان، فإنه قد يعود في الواقعي على صورة هذيان (S 3،321).

تحاول هذه الملاحظات أعلاه تقصي جزء من استعمالات لاكان الأساسية لمقولة الواقعي، لكنها أبعد من أن تحيط بكلّ تعقيدات هذا المصطلح. يدأب لاكان عملياً، على محاولة الحفاظ على الواقعيّ، كنظام غامض وغير قابل للإحاطة من بين أنظمته الثلاثة، إنه يتحدث عنه أقلّ بكثير مما يتحدث عن النظامين الآخرين ويجعله موقعاً للا-تحديد الأقصى(Indeterminacy). لهذا فمن غير الواضح أبدا ما إذا كان الواقعيّ خارجيّا أم داخليّا؟ أو ما إذا كان قابلاً للإدراك أو عرضة للنقد ؟

خارجي\داخلي:

من جهة أولى قد يظهر مصطلح الواقعي وكأنّه يشير إلى الفكرة التبسيطية للواقع الخارجي الموضوعي- قاعدة مادية قائمة بحدّ ذاتها دون علاقة بوجود مراقب ما، من جهة أخرى، وبالضدّ من التصوّر الساذج تقف حقيقة أنّ الواقعيّ يتضمّن أيضا أموراً كالتهيّئات والأحلام الصادمة. إنّ الواقعيّ إذا في الداخل والخارج (S 7،118،أنظر،اكستيما). إن عدم الوضوح هذا، يعكس عدم الوضوح القائم في استعمالات فرويد نفسه لمصطلحين ألمانيين إثنين للواقعي (Realitat ،Wirklichkeit) وفي التمييز الذي يخطه ما بين الواقع المادي والواقع النفسي.

*(. في الكتاب الثاني من “الطبيعة”(Physics)، يقوم أرسطو ببحث وظائف الصدفة والحظّ في السببية. إنّه يميّز بين شكلين للصدفة؛ أوتماتون (automaton) الذي يشير إلى أحداث الصدفة في الكون بشكل عام والتيخا (tyche) التي تشير إلى الصدفة حينما تؤثر على مخلوقات ذوات قدرة على القيام بفعل أخلاقي.)

غير قابل للمعرفة\ منطقي من جهة أولى الواقعي غير قابل للمعرفة إذ أنه خارج نطاق الخيالي والرمزي معاً،أي ك”الشيء في ذاته “(كانط)، أنه X غير معرف. لكن لاكان يشير من جهة ثانية إلى مقولة هيجل بأنّ الواقعي منطقي والمنطقي واقعي مُلمِحاً إلى أنّه قابل للقياس والتعقل.

منذ سنوات السبعين المتأخرة من الممكن التعرّف في أعمال لاكان، على محاولات لحلّ هذا اللا-تحديد، بواسطة التمييز بين الواقعي و”الواقع” (مثلاً عندما يعرف لاكان الواقعي على أنه ” كلاحة الواقع “(Lacan،1973a:17 ، أنظر أيضاً، S 17،148 ). في هذا التضاد يقع الواقع في الجانب غير القابل للمعرفة أو في الجانب غير القابل للتمثل. بينما يشير “الواقعي” إلى التمثلات الخيالية والرمزية (“الواقع النفسي” لدى فرويد).رغم أنّ لاكان قد قام بعرض هذا التضادّ إلا أنه لا يستمرّ في العمل وفقه بشكل منهجي. فأحياناً يقوم بالمحافظة عليه وفي أحيان أخرى يعود إلى عادته مستعملاً كلا المصطلحين كمصطلحين تبادليين فيما بينهما.

التصنيف الثلاثي

الرسم البياني

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий