Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > مفهوم (الغــذاء): قراءة في التحضر الإنساني

مفهوم (الغــذاء): قراءة في التحضر الإنساني

ليس غريباً أن يقال إن الإطلاع على جزء وافر من تاريخ التحضر الإنساني إنما يقع في باب الغذاء وما تعوّده الناس من مأكلهم ومشربهم، وما طرأ على تذوقهم المأكولات والمشروبات من تغيّر وترقٍ. ربما كان يأكل كثير من الناس من قبل سدّاً للرمق كيفما اتفق أمر إشباع البطن، ولعله بقي بينهم من لا يزال على هذا المذهب في مأكله. ولا يخفى أمران، من بين أمور عديدة، على من يقرأ أنثروبولوجياً تحولات أنماط السلوك الإنساني وبعض مظاهر تحضره خصوصاً في مجال الغذاء. أولهما حسن استفادة الناس من النباتات في مأكلهم، والأمر الآخر جميل استخلاصه من التوابل، لا ما يعين على تطييب الطعام فحسب، بل ما يكشف عن رقي تذوقه وتحوله عن مطلب سد الرمق إلى مرحلة التذوق والتمتع بما يأكل ويشرب. تطلب التحول الجديد لمفهوم الغذاء من مرحلة التذوق والتمتع بما يؤكل إلى مرحلة الحرص على الجمع بين ما يطيب في الفم طعمه وتغلب فوائده على مضاره – تطلب القفز مسافات كبيرة في تطور مذاهب الناس وميولهم في الغذاء. وإن كان أسلافنا، وربما أسلاف غيرنا، قد عاشوا على ما يحمد لهم من بعض طرائق الغذاء والأنماط الاجتماعية، فإن ندرة ما تحدثنا عنه بعض كتب التراث من أمراض تسبب بها بعض أكلهم تفتح مجالاً لتساؤل كبير عن أمراض غذائية كثيرة أو قلبية ربما هلك كثيرون بها. يصح أنهم لم يفسد جوهم كما فسد جونا اليوم بأسباب التلوث العديدة، وأنهم كانوا أنشط إلى النهوض في أمر معيشتهم وسعيهم اليومي في طلب الرزق. غير أنه يصح أيضاً أن كثيراً من أكلهم كان تنويعاً على أصناف بعينها من الدقيق واللحوم مما ألفوا فيه الثريد وغيره. وصحيح كذلك أن غذاءهم، لا أنماطهم الغذائية وما قد جرَّبوه من تبدل لبعض مسلكهم الاجتماعي وعاداتهم وقد انفتحوا على عادات الأمم المختلفة ومذهبهم في العيش – كان سبباً من أسباب المرض أو الهلاك. يصعب أن يزعم من استقرأ أنماط التحولات الاجتماعية والغذائية في بعض البيئات العربية أن الحال مطرد على نظام واحد في جميع الأماكن. ذلك أن من كثر الزرع في أرضهم والماء، وعرفوا الخضراوات والبقول، وجربوا غير اللحوم الدسمة الأسماك والزيوت النباتية تعافت أبدانهم على غير من كان أكلهم اللحم والثريد فحسب في الصباح والمساء. ولا يزال يقترن التحول الاجتماعي بمظهر من مظاهر غذاء الإنسان، أو أن للأول لازماً من لوازمه الغذائية بالضرورة يكشف عن درجة تطور المفاهيم وتغير الأفكار. بل قد ارتبط الغذاء في القديم والجديد ببعض التصورات الفلسفية والمعتقدات الدينية والشعوذات الوثنية. وغدا تحقيق نوع من التوازن الغذائي يشترط قبلاً تحقيق نوع من هدوء النفس وحسن التأمل. وللشعوب الهندية والصينية وغيرهم في ذلك مذاهب. وربما أوحت بعض «منظومة» المطبخ الهندي الغذائية, ببعض منطلقات ثورية في الطب ومعالجة أمراض القلب في الولايات المتحدة. وإن كان هدوء النفس الذي يستصحب في العادة التأمل سبباً الارتقاء بالحالة النفسية للإنسان وإيجاد قدر من التوازن بين متطلبات الروح والنفس والحواس – فإنه تدور على الغذاء «الضروري» المتوازن الذي ينفي أمراض القلب والسكري والقرحة وما يلحقها، محاور عديدة يختلط فيها المجرَّب بالشعوذات الوثنية على ما هو في بعض مطالب اليوغا التي لا تنتهي بتحقيق هدوء النفس وصفاء الفكر وتوازن ما بين الحس المجرَّب والباطني. مهما يكن من أمر فإن لمطبخ الشرق النباتي خاصة، إلا لبعض الخليط الوثني من الشعوذات التي تتصل بفلسفاته وبعض معتقداته، ما قد يقدمه بديلاً غذائياً صحياً لأغذية تسهم ونمط المدنية المعاصرة في محاصرة الخيارات الصحية المتاحة لإنسان الهموم الجديدة. وإن كان التوسط على ما يألفه عامة الناس هو خير الأمور، فإن اطمئنان القلب بحسن الإنابة إلى الله، واستئناس النفس بطاعته، وتوطدها على ما ينفي مسببات الأمراض النفسية والبدنية – كل ذلك مجتمعاً إليه التوازن في الغذاء يعين على تحصيل راحة النفس والبدن بجميل التأمل ولطيف التفكر لا بما قد يشوب بعض المنظومات الفكرية وبعض الفلسفات من خرافات لا تسمن ولا تغني من جوع.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий