Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > نحـو أنثروبولوجيا عربية – د. عيسى الشماس

نحـو أنثروبولوجيا عربية – د. عيسى الشماس

مقــدّمـة

بعد هذا العرض المسهب لنشأة الأنثروبولوجيا وتطوّرها،  وفروعها ومجالات دراستها، ألا يحقّ لنا أن نتساءل : أين هو المجتمع العربي من الدراسات الأنثروبولوجية، بل أين الأنثربولوجيا العربية ذاتها، إذا كان ثمّة أنثروبولوجيا عربية خاصة بطبيعة الأمّة العربية وثقافتها التاريخية / الحضارية؟

قد تكون الإجابة عن هذا السؤال من الصعوبة بمكان، حيث لا توجد معطيات جاهزة وكاملة لهكذا إجابة، على الرغم من وجود محاولات لأنثربولوجيا عربية، سواء في الماضي أو في الحاضر. وهذا ما سنحاول تبيانه والوصول من خلاله إلى تصوّر – إن أمكن – لأنثروبولوجيا عربية معاصرة .

إنّ كون الأنثروبولوجيا كعلم لـه خصوصيته وطرائقه، غربي المنشأ والتطوّر، فهذا لا يعني تجاهل أو إنكار، أنّ العرب كانوا أسبق من الغرب (الأوروبيين) في دراسة الثقافات الأخرى، وصفاً ومقارنة، وفي وضع المبادىء والأسس المنهجيّة للبحث والدراسة في العلوم الاجتماعية والطبيعيّة.

وإذا ما عدنا إلى الفترة الممتدّة من منتصف القرن الثامن الميلادي إلى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، نجد أنّ العرب كانوا – على مدى أربعة قرون ونصف القرن ” عباقرة الشرق ”  في علوم الفلك والطبّ والاجتماع والفلسفة وغيرها، بينما كانت اللغة العربية، هي اللغة الأساسية في العلوم الإنسانية .

ولكنّ هذه العلوم كلّها  ذهبت إلى الغرب بعد سقوط الدولة العربية (العباسية) وتتالي الغزوات الاحتلالية والاستعمارية على الوطن العربي، والتي أسهمت في إضعافه اجتماعياً وثقافياً وعلمياً، بينما راح الغرب يستفيد من علوم العرب ويطوّرها، منذ فجر نهضته وحتى يومنا هذا.

أولاً-واقع الأنثروبولوجيا العربية :

يقول المؤرّخ العربي / جمال الدين الشيّال / : ” انقلب الأوروبيون إلى ديارهم بعدما منوا بالهزيمة في الحروب الصليبية، وقد بهرتهم أنوار الحضارة العربية / الإسلامية، وأخذوا مفاتيح تلك الحضارة، فتفرّغوا لها … يقتبسون من لآلئها وينقلون آثارها، ويدرسون توليفاتها. وقد ساعدتهم عوامل أخرى ،جغرافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية، على أن يسيروا بالحضارة في طورها الجديد، على طريقة جديدة تعتمد أكثر ما تعتمد، على التفكير الحرّ أوّلاً وعلى الملاحظة والتجربة والاستقراء ثانياً. فمهّد هذا كلّه لهم السبيل إلى كشوف علمية جديدة شكّلت الطلائع لحضارة القرنين، التاسع عشر والعشرين.”

ويتابع / الشيّال / : كان الأوروبيون يفعلون هذا كلّه، في حين كان الشرق – بما فيه العالم العربي- قد اتّخذ لنفسه، أو اتّخذ لـه القَدَر، أسلوباً آخر من الحياة، يختلف كلّ الاختلاف عن هذا الأسلوب الذي اصطنعته أوروبا لنفسها، أو اصطنعه القدر لها.” (الشيّال، 1958، ص 5)

وعلى الرغم من اعتراف بعض مفكري أوروبا بتأثير التراث الحضاري العربي على الحضارة  الغربية الحديثة، فقد ساد اتّجاه ناكر ومتنكّر لهذه الحقيقة التاريخية، من خلال السعي نحو طمسها، أو التقليل من شأنها. وقد دعم هذا الاتّجاه، حركة الاستعمار الأوروبي للعالمين : العربي والإسلامي، مؤكّدا عجز العرب  والمسلمين  عن الابتكار والإبداع، والإسهام في ركب الحضارة الإنسانية، الأمر الذي يجعل من ” التغريب ” أمراً  ضرورياً لمواكبة تطوّرات العصر الحديث.

ولهذا، فمن الضروري  العمل على فحص التراث العربي / الإسلامي، بتنوّعه وغزارته،ودراسته دراسة متأنية ومتعمّقة، ولا سيّما تلك الأعمال ذات الصلة المباشرة بالأنثروبولوجيا، من أمثال : مؤلّفات أخوان الصفا، وكتاب ” الحيوان ” للجاحظ،  وكتابا ت / أحمد ابن مسكويه/ الخاصة بآرائه عن النشوء وتحوّل الأحياء بعضها من بعض، وغيرها كثير.

فقد تؤدّي هذه الدراسات إلى إعادة تاريخ الأنثروبولوجيا من جديد، أو على الأقلّ، إعادة أصولها المعرفيّة والمنهجيّة، بحيث لا تردّ جميعها إلى عصر النهضة (التنوير) في أوروبا فحسب، بل قد يوجد في هذا التراث الحضاري العربي، الكثير من المفهومات والنظريات عن الجنس البشري والحضارة الإنسانية، وأوجه الحياة اليوميّة ومشكلاتها، ممّا لا يزال يشغل بال الباحثين الأنثروبولوجيين المعاصرين. (فهيم، 1986، ص 259)

وعلى الرغم من غنى العلوم في هذا التراث العربي، فإنّ علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) لم يلقَ الاهتمام في الدوائر العلمية والبحثية العربية، كما هي الحال في المؤسسّات العلمية الغربية وباحثيها، سواء في البحوث الميدانية / التطبيقية، أو في الدراسات الأكاديمية، كالدراسات الفلسفية والنفسية والتربوية..

وثمّة بعض الباحثين (الأكاديميين) العرب يشيرون إلى أنّ الأنثروبولوجيا، دخلت إلى العالم العربي، في الثلاثينات من القرن العشرين تحت اسم ” علم الاجتماع المقارن”  وذلك على أيدي عدد كبير من علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين، مثل : (إيفانز بريتشارد – هو كارت – وبريستافي)  ممّن تولّوا التدريس في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن ). ثمّ جاء بعدهم في الأربعينات، عميد الأنثروبولوجيين في ذلك الحين، الأستاذ / رادكليف براون /  الذي قام بتدريس  الأنثروبولوجيا في جامعة الإسكندرية، تحت اسم (علم الاجتماع المقارن) أيضاً، وذلك لعدم احتواء برامج التدريس الجامعي – في ذلك الحين – على مادة الأنثربولوجيا .( فهيم،  1986، ص260)

إنّ التوقّف قليلاً عند التصويرات التي تمّ تشييدها مثلاّ، عن الثقافة والمجتمع العربي في الفكر الأنثروبولوجي، ولا سيّما تلك التصويرات الناتجة عن علاقة الأنثروبولوجيا بالمجتمعات العربية، لهو أمر على غاية من الأهمية.

ولذلك، فإذا أردنا القيام بمحاولة تأريخ لعلاقة الفكر الأنثروبولوجي الغربي، بالمجتمع والثقافة في العالم العربي، فإنّ إيفانز بريتشارد وإرنست غيلنر، سيتصدّران ليس فقط قائمة عدد من الأنثروبولوجيين الذين تعاملوا مع ثقافات ومجتمعات العالم العربي والإسلامي، وإنّما  أيضاً لأنّ تجربة الاثنين معاً تعبّر عن أحد أشكال تجليات هذه العلاقة، في جانبها الأوروبي على الأقل.

فقد حاول كلّ من بريتشارد و غيلنر، ومن واقع انتمائهما للثقافة الأوربية المعاصرة، أي باعتبارهما مثقفين قبل أن يكونا أكاديميين، فهم هذا الواقع الاجتماعي والثقافي ذي الخاصية العربية الإسلامية، هذا الواقع الذي يقع في مقابل الغرب الثقافي والاجتماعي. وكان الهاجس الأهم الذي يشكّل صلب اهتمام غيلنر في هذا الجانب – وما زال -، ليس التفصيلات الأثنوغرافية المميّزة للثقافة العربية والمجتمع العربي، وإنّما هي البحث في الآليات والقوانين المنطقية، التي يعمل وفقها النظام الاجتماعي في هذه البقعة من العالم. (يتيم، 2001، ص 125)

لقد قام / إرنست غيلنر / الأنثروبولوجي والفيلسوف، وعبر دراساته الإثنولوجية أولاً والأنثروبولوجية ثانياً ، بتحليل جانبين على غاية من الأهميّة، يكوّنان من الثوابت الرئيسة البارزة في البنى الاجتماعية العربية ، ألا وهما: الإسلام والقبلية. فقد قادته محاولته الاستقرائية إلى عمله الحقلي (الميداني) الأنثروبولوجي في جبال الأطلس في الغرب العربي، بقصد اختبار مفهوم ” الانقسامية ” مثال :الأسرة / العشيرة، البداوة / الحضر، الشعبي / الرسمي ، وغيرها من الثنائيات. وذلك باعتبار أنّ الانقسامية هي السنة البنيوية البارزة للنظم القرابية والسياسية في المجتمعات العربية القبلية .

ومثلما ذهب المعلّم / إيفانز بريتشارد / إلى البحث في العوامل المحليّة المساعدة في إعادة التوازن في الانقسامية القبلية، أي فيما رآه المعلّم من دور للإسلام باعتباره نظاماً أيديولوجياً، تجسّد في التنظيم الاجتماعي لأبناء برقة (في ليبيا) وفي الحركة الصوفية السنوسية، هكذا أيضاً سعى / غيلنر / . وهذا ما أوضحه في كتابه ” أولياء الأطلس ” حين حاول إيضاح كيف كان التصوّف الإسلامي، يؤدّي عبر نظام الزوايا والأولياء، أدواراً تعتبر مفصلية في إعادة التوازن إلى بنى اجتماعية، يدفع بها نظامها الإيكولوجي (البيئي) نحو الانقسام المتتالي. (يتيم، ص 126 )

هذا من جهة، أمّا من الجهة الأخرى، فقد عزا معظم الباحثين العرب عدم الترحيب بالأنثروبولوجيا وانتشارها في العالم العربي، إلى سببين أساسيين :

أولهما : عدم تقبّل فكرة التطوّر الحيوي عند الإنسان، بالنظر لتعارضها مع الفكر الديني وتفسيراته التي تؤكّد أنّ الإنسان مخلوق من عمل الله، وليس نتاج حلقة تطوّرية ذات أصل حيواني .ولكن ثمّة بعض المفكّرين العرب من دعا إلى التوفيق بين الفكرتين، والأخذ منهما ما يفيد العلم.

فبينما يقول الباحث الجيولوجي الدكتور / عبد الله نصيف / في كتاب ” العلوم الاجتماعية والطبيعيّة ” : ليس ثمّة تعارض – مطلقاً-بين الإيمان ومعرفة الإنسان عن الكون، واستخدامه هذه المعرفة للخير .. نجد أنّ المفكّر / زكي نجيب محمود /  يقول في كتابه ” هذا العصر وثقافته “: ليست الشطارة في تخريج المعاني التي تجعلنا نتصوّر أنّ ما جاء به الدين، هو نفسه ما يجيء به العلم في عصرنا  .. وإنّما المهارة كلّ المهارة، هي في أن تبصرني بالطريق الذي أعرف منه كيف آخذ من الدين حافزاً، يحرّك الإرادة إلى (صنع) علم جديد أقدّمه لنفسي  وللإنسانية جمعاء .(محمود، 1980، ص 242 )

وثانيهما : ارتباط نشأة الأنثربولوجيا وبداياتها التاريخية بالاستعمار، حيث كانت الدراسات تتمّ على المجتمعات البدائية والمتخلّفة، بهدف معرفة بنيتها التركيبية وطبيعتها الثقافية، ممّا يسهّل استعمارها، في الوقت الذي كان فيه المجتمع العربي يعاني من الاحتلال والاستعمار، ويسعى للتحرّر والتقدّم .

فكما ارتبطت الجغرافيا مثلاً، بمشاريع علمية كانت تهدف إلى تحقيق كشوفات جديدة تتعلّق بتحديد طبيعة الكرة الأرضية، أي التخوم اليابسة منها وأقاليمها وبيئاتها والجغرافية، وكذلك توزيع البحار والمحيطات، وكذلك ارتبطت الأنثروبولوجيا  واهتماماتها (البيولوجية والثقافية والاجتماعية) بمشاريع استكمال معارفها حول الإنسان، وبيئاته الاجتماعية والثقافية، أي بتلك المشاريع الأنثروبولوجية التي بدأت في الغرب، والتي آن الأوان لاستكمالها خارج أوروبا. وقد أتت ظروف الاستعمار في القرن التاسع عشر، لتمهّد الطريق لتلك المشاريع العلمية، وبذلك  ارتبط تاريخ الفكر الجغرافي والأنثربولوجي  بالخبرة الاستعمارية، وبأقاليم ومجتمعات وثقافات غير غربية. (يتيم، 2001، ص134)

وكان أن أدّت هذه العقلية الاختزالية والروح المتحاملة، إلى سيادة ميل هائل نحو تسييس المعارف والعلوم، وكذلك المؤسّسات والعلاقات الناتجة عنها. وكان من أبرز ضحايا تلك العلوم : الجغرافيا والأنثروبولوجيا. وإذا كانت الجغرافيا قد سلمت بجلدها، لأسباب تعود مثلاً إلى ترسّخ هذا العلم في الأكاديميات العربية، منذ الأربعينات من القرن العشرين، وإلى إسهام العرب المسلمين، البارز في هذا العلم منذ القدم، الأمر الذي جعل العرب المعاصرين أكثر ألفة معه، فإنّ الأنثروبولوجيا لم تحظَ بهذا القبول، حيث كان نصيب الأنثروبولوجيين العرب  الأوائل، أقلّ بكثير – إن لم يكن معدوماً- عند مجاراتهم بالأوروبيين.

وهكذا تمّ التعاطي مع أي اهتمام أوروبي أو غربي، بالمجتمعات العربية أو الإسلامية وثقافاتها، على أنّه يقع في دائرة الأطماع الاستعمارية أو التآمر على العرب والإسلام. وأصبح كلّ إنسان غربي (يبدي شيئاً من الاهتمام بهذه الموضوعات) موضع شبهة وريبة في العالم العربي. (يتيم، ص 136)

وعلى الرغم من اتساع الدراسات الأنثربولوجية لتشمل المجتمعات البشرية المختلفة، سواء في تكوينها أو في درجة تطوّرها، فما زالت ثمّة رواسب تعوّق اعتمادها كعلم يبحث في مشكلات المجتمع العربي وإيجاد الحلول المناسبة لها، ولا سيّما القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

ثانياً- نحو أنثروبولوجيا عربية معاصرة :

إنّ توافر المناخات الأساسية لحرية الفكر والجدل والمناقشة الموضوعية، تعدّ من الضروريات اللازمة للانطلاق بالدراسات الأنثروبولوجية العربية، وذلك لأنّ العرب يحتاجون إلى دراسة معمّقة لثقافتهم، كما أنّهم في الوقت ذاته، يحتاجون إلى دراسة ثقافات الشعوب الأخرى .

فمفهوم الثقافة – بحدّ ذاته – ربّما يعدّ من أهمّ المداخل والإسهامات التي قدّمتها الأنثروبولوجيا للفكر والعمل الإنسانيين. فمن خلال الثقافة – وعلى حدّ تعبير كلايد كلوكهون- تضع الأنثروبولوجيا أمام الإنسان، مرآة تمنحه صورة أوضح لنفسه وأقرانه، وتسهم في نشأة المجتمع وطبيعة وظائفه ومنظّماته. كما توضح دوافعنا  وسلوكاتنا، فضلاً عن دوافع الآخرين وسلوكاتهم .. ويزداد تأثير الأنثروبولوجيا وضوحاً في ميادين الفلسفة والآداب والسياسة .

وفي إطار الاتّجاه الحالي، في كثير من البلدان العربية نحو التحديث والارتقاء، بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي، دون إحداث أضرار بالقيم والتعاليم الدينية، وأسس التراث الاجتماعي والتقاليد الأصيلة، فإنّ للأنثروبولوجيا دوراً كبيراً في إبراز هذا التراث، ودراسة تلك التقاليد وإحياء الحضارة العربية. ويتضح كذلك، الدور الفعّال الذي يمكن أن يؤدّيه الأنثربولوجيون العرب، في مجال مشروعات التنمية، وذلك من خلال تحليل مفهومات الأنثروبولوجيا الثقافية ودراستها دراسة (حقلية) ميدانية . (فهيم، 1986، ص 268 )

فإذا تفحصنا مفهوم القبيلة – مثلاً- نجده يحتلّ موقعاً مركزياً في الأنثروبولوجيا الإسلامية التي يطرحها / إرنست غيلنر /، ويستخدمه الكثيرون من كتّاب (الشرق الأوسط) للإشارة إلى كينونات اجتماعية ذات بنىً وأشكال عيش مختلفة.

وانطلاقاً من الرؤى لتصوّر أنثروبولوجيا عربية، فإنّ ثمّة أسئلة مطروحة أمام الأنثروبولوجيين العرب، لا بدّ من الإجابة عنها وتطويرها، من خلال تفهّم النقاط التالية المترابطة : (أسد، 2001، ص149)

1- أن تعمل الروايات الأنثروبولوجية المتعلّقة بالمثقفين الفاعلين، على ترجمة الخطابات التاريخية لهؤلاء المثقّفين، وتمثيلها على أنّها استجابات لخطابات الآخرين، بدلاً من محاولة التخطيط والانتزاع التاريخي لأفعالهم .

2- ألاّ تركّز التحليلات الأنثروبولوجية للبنية الاجتماعية على الفاعلين النموذجيين، بل على النماذج المتغيّرة للعلاقات والظروف المجتمعيّة، ولا سيّما ما يدعى (بالاقتصاديات السياسية ).

3- إنّ تحليل الاقتصاديات السياسية (الشرق أوسطية) وتمثيل الواقع الإسلامي، هما نوعان من الممارسة المتعدّدة الأوجه، وهما مختلفان جوهرياً، ولا يمكن استبدال أحدهما بالآخر، على الرغم من إمكانية تجسيدهما بصورة معقولة في البحث نفسه، إذا ما أخذا – بدقّة – على أنّهما خطابان.

4- إنّه لمن الخطأ تمثيل نماذج الإسلام، على أنّها مترابطة مع نماذج البنية الاجتماعية، عبر قياس ضمني على البنية الفوقية (الأيديولوجية) والأساس الاجتماعي .

5- وأخيراً، يجب أن يدرس الإسلام في المجتمع العربي، باعتباره موضوعاً للمعرفة الأنثروبولوجية، وأنّه تراث متعدّد الأوجه، يرتبط بترسيخ الأخلاق في النفوس، وبتلاؤم الناس أو معارضتهم، وبإنتاج معارف مناسبة.

إنّ من بين  مهام الأنثروبولوجيين العرب إذن، في الوقت الحاضر، ألاّ تقتصر جهودهم على إبراز النسق العربي على الغرب بصدد بعض المفاهيم النظرية فحسب، أو جمع المادة الأثنوجرافية، وإنّما لا بدّ أن تتضمّن دراساتهم أيضاً، الفحص الدقيق للأعمال التراثية بهدف الكشف عن الجوانب المنهجيّة المشتركة بين الكتّاب، والتي يكونون قد استمدّوا من معارفهم وتربيتهم الدينية أساساً لها. وذلك لأنّ الحياة العقلية عند الشرقيين – كما يقول توفيق الطويل – كانت أوثق اتصالاً بحياتهم الدينية منها بالتفكير الفلسفي الخالص . فقد امتزج هذا التفسير بالتفكير الديني في شتى العصور الإنسانية، حتى ليمكن القول  بأنّ كل محاولة تهدف إلى الفصل بينها، تنتهي –لا محالة- إلى العجز عن فهم كليهما. (فهيم، 1986، ص 72 )

إنّ مجال الأنثروبولوجيا واسع سعة الحياة، ويشمل الكثير من مظاهر الحياة الفكرية باتّجاهاتها وتياراتها ومذاهبها العديدة، وهو الأمر الذي لم يفهمه الكثيرون من الأنثروبولوجيين في العالم العربي، ممّن ضاقت آفاق أفكارهم بحيث انحصرت في عدد من الموضوعات التقليدية، لا يكادون يخرجون عنها، دون أن يجدوا في أنفسهم الجرأة الكافية على ارتياد ميادين المعرفة المختلفة، المتنوّعة والمتباينة .. وقد يكون ذلك راجع إلى ضعف في الإعداد العلمي والتكوين الثقافي، وعدم إدراك مدى اتساع البحث .. ولكنّه يرجع – بلا شك – وفي المقام الأوّل، إلى قصور في ملكة التخيّل وإلى الخوف من الانطلاق والمبادرة. (أبو زيد، 2001، ص 7 )

ومهما كان واقع الأنثروبولوجيا في العالم العربي، فقد اكتسبت أرضيّة جديدة منذ الستينات من القرن العشرين، حيث حظيت بتفهّم أفضل لإمكانيات استخدامها، لما يحقّق أهداف العالم العربي في التقدّم والازدهار. وقد تجلّى الاهتمام العربي بالأنثروبولوجيا، من خلال اعتمادها كتخصّصات ومقرّرات دراسية في الجامعات العربية  (جامعة القاهرة، جامعة الاسكندرية، جامعة دمشق، الجامعة اللبنانية ،جامعة البحرين … وغيرها)

وتتجلىّ أيضاً في قيام الكثير من الباحثين الأنثروبولوجيين العرب، بتأليف الكتب حول الإنسان وأصوله وحضارته، مفاهيم الأنثروبولوجيا وتطبيقاتها في الدراسات الثقافية والاجتماعية، منها على سبيل المثال : كتاب  (الأنثروبولوجيا) تأليف ابراهيم زرقانة، عام 1958. وكتاب (الإنسان – دراسة في النوع والحضارة) تأليف محمد رياض، عام 1974. وكتاب (الحضارة- دراسة في أصولها وقيامها، وعوامل تدهورها) تأليف حسين مؤنس عام
1978. وكتاب (البناء الاجتماعي – مدخل لدراسة المجتمع) تأليف أحمد أبو زيد، عام 1980. وكتاب (الأنثروبولوجيا الاجتماعية) تأليف صفوح الأخرس، عام 1984. وكتاب (الأنثروبولوجيا-  علم الإناسة) تأليف علي الجباوي، عام 1997. وغيرها .

وثمّة بعض الدراسات الميدانية التي قام بها عدد من الباحثين العرب، في مناطق متعدّدة من الوطن العربي، ونشرت هذه الدراسات في الدوريات (المجلات) العلمية العربية، ومنها على سبيل المثال : (مجلّة عالم الفكر، التي  تصدرها وزارة الإعلام الكويتية، ومجلّة المستقبل العربي، التي تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ومجلة الفكر العربي المعاصر، التي تصدر عن مركز الإنماء العربي في بيروت وباريس، إضافة إلى المجلاَت التي تصدر عن كليّات الآداب والعلوم الإنسانية، في الجامعات العربية. إلى الندوات والاجتماعات، على غرار الاجتماع التحضيري الذي عقده الاتحاد الدولي للعلوم الأنثروبولوجية في مصر، (كانون الثاني / 1986)

إنّ هذه التوجّهات، تبشّر – دون شك – بأن للأنثروبولوجيا العربية مستقبلاً زاهراً، شريطة أن تعمّق هويتها العربية، سواء في منطلقاتها النظرية، أو في أهدافها التطبيقيّة، وأن تبتعد مادتها عن النقل من دون نقد أو تطوير. وإذا ما تمّ لها ذلك، يمكن أن تتعزّز أصالتها العربية وإسهاماتها العالمية، في هذا الميدان. وهذا ما أكّده / كارلتون كوون / منذ عام 1953، في مقالة لـه بعنوان ” أنثروبولوجيا العرب ” حيث قال :

” من الأمور الحيوية، أن تقوم الشعوب التي تقطن البلاد العربية بالمشروعات الخاصة بها، وأن تجد الوسائل التي ترفع مستويات المعيشة لسكان جميعهم، لا لمصلحة هذه الشعوب فحسب، ولكن لصالح العالم كلّه … فعلى العرب أن يعنوا بالأنثروبولوجيا ويدرسوها  أكثر ممّا درسوها، مدركين تلك الحقيقة التي تتلخّص في أنّ خير طريق يتبعه أي إنسان أو أي شعب، إذا أراد أن يصنع أي شيء من الأشياء، هو أن يحزم أمره ويصنعه بنفسه ” (نقلاً عن : فهيم، 1986، ص 269)

لا شكّ إنّ في ذلك تحفيزاً على إيجاد أنثروبولوجيا عربية، تتّجه دراساتها نحو مشكلات المجتمع العربي، وتسهم في تقدّمه بما يتناسب مع معطيات العلوم الإنسانية المختلفة، لأنّ الجهل  بهذه العلوم، ولا سيّما علم الأنثروبولوجيا، ما زال سائداً – إلى حدّ ما – ويعوّق الدراسات الجديّة والموضوعية لطبيعة الثقافات الأخرى وإسهاماته الإنسانية، التي تؤدّي بالتالي إلى فهم حقيقي لطبيعة المساهمة العربية في الثقافة الإنسانية، وحجم هذه المساهمة .

وفي ذلك دعوة إلى فتح النوافذ الثقافية العربية على  الثقافات الأخرى، ولا سيّما تلك الثقافات التي يمكن الاستفادة منها في التعرّف إلى ثقافة العصر ودراستها والاقتداء بها، بما ينسجم مع جوهر الشخصيّة العربية المتمايزة، ومع مقوّمات الثقافة العربية، بما في ذلك التيارات الفكرية والاتجاهات والمذاهب الأدبية والفنية، والانتقاء منها والإغضاء عن أسطورة الغزو الثقافي. فالثقافات كلّها – ومنها الثقافة العربية – تنمو وتزدهر وتتقدّم، بالاتّصال والاحتكاك والتأثير المتبادل، والاستعارة والاستيعاب. (أبو زيد، 2001، ص10)

وهذا ما يجب أن تؤسّس لـه الدراسات الأنثروبولوجية العربية المعاصرة، بحيث  تظهر بجلاء  تلك العلاقة بين الحضارة العربية والحضارة الإنسانية، ومن جوانبها المختلفة، بعيداً عن الأحكام المسبقة، والأخذ بالفكر الأنثروبولوجي النقدي والمقارن، وتطبيق ما يمكن تطبيقه من نظريات الأنثروبولوجيا، بما يتناسب مع طبيعة المجتمع العربي، وتركيبته التاريخية (الديمغرافية والثقافية ).

**

مصادر الفصل ومراجعه :

أبو زيد، أحمد (2001) الطريق إلى المعرفة، كتاب العربي 46، مجلّـة العربي، الكويت .

أسد، طلال (2001)  فكرة أنثروبولوجيا الإسلام، تعريب : سامــر رشواني، مجلّة الاجتهاد، عدد 55، السنة 13، بيروت.

الشيال، جمال الدين (1958) رفاعة الطهطاوي، دار المعرف بمصر .

فهيم، حسين (1986) قصّة الأنثروبولوجيا – فصول في تاريخ الإنسان، عالم المعرفة
(198 )، الكويت

محمود، عبد الحليم (1968) التفكير الفلسفي في الإسلام، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة .

يتيم، عبد الله عبد الرحمن (2001) من المحراث إلى الكتاب، مجلّة الاجتهاد، عدد 55، السنة 13، بيروت .

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий