هل توجد أنثروبولوجيا جزائرية أو مغاربية؟ سليم درنوني _جامعة تبسة الجزائر

الأنثروبولوجيا موجودة؛ ذلك أن الوطنيون يطبقونها، أو لأنها مفروضة كتخصص نموذجي بشكل ما في المنحة العالمية؟ نقول بتعبير آخر: توجد أنثروبولوجيا جزائرية  أو مغاربية لأن جزائريون أو مغربيون يطبقونها أو لأنها سائرة إلى فرض نفسها على الأنثروبولوجيين خارج بلدانها الأصلية؟

الصيغ الموحدة «الأنثروبولوجيا المغاربية»، «أنثروبولوجيا المغرب»، أو حتى «الأنثروبولوجيا والمغرب»، قد تبدو عناوين كثيرة لا مبرر لها. قبل كل شيء ومن وجهة نظر إبستمولوجية مهمة، فهذه المجموعة تطرح معنى موحدا من خلال التعبير (المغرب أو مغاربي). فهو تعبير ناجح قد يصادر على مكان جماعي رحب وواسع. في هذه الحال لا توجد «أنثروبولوجيا المغرب»، ذلك أن الباحث، وبعده السياسي، اختلقوها وأعادوا اختلاقها. الآداب وموضة "الدراسات الحقلية" لا تكفي لإقامة الحقائق السياسية، ستظهر في مظهر عقلاني، وفي أطر معرفية إبستمولوجية. إنها أيضا تهيئ في هذه الأثناء رد فعل مجاور لدى الإثنولوجي الأجنبي   أكثر من الذي ولد في هذه (الحقول). فكلاهما جامل داخل حدود أزيلت تعسفا، وليس خروجا لأجل دراسات مقارناتية داخلية أو إجراء مقاربات.

وتأسيسا على هذا التحديد الأولي، فان صفة "المغربية " الملحقة بالثقافة، وفق صيغة العنوان، تعني لدينا في هذه الورقة، هذه الثقافة الموسومة بالميسم المغاربي والموشومة بوشمه. أي هذه الثقافة التي ينتجها الإنسان المغاربي، وان اختلفت بينهم الأعراق وألسن اللهجات، دون أن يعني هذا بالضرورة، أننا نغفل أو ننفي التعدد الثقافي واللساني ضمن المشهد المغربي، فهو تعدد قائم وماثل يشي بحيوية هذا المشهد وجدليته الثقافية، أي يشي بخصوصيته وخصوبة هويته وانسيته، دون أن يستتلي هذا بالضرورة أيضا، تباعدا أو تنابذا بالألقاب والأحساب، فالمغرب ثقافيا، مؤتلف في اختلافه ومتحد في تعدده. ذاك كان مسيره، وكذلك سيكون مصيره. ولعله هنا، تشتبك بعنى الاسئلة الساخنة للثقافة المغاربية، إن بصيغتها الطبيعية السوية أم بصيغتها المصطنعة الملتوية.

من وجهة أخر، وعلى صعيد الجغرافيا التاريخية الأشياء لا زالت تظهر الفوارق الدقيقة. "فالمغاربي" الذي نتحدث عنه لا يتعلق إلا بثلاث دول، إلى درجة أن حدود التاريخ في أكثر من مرة  تبدو أكثر تحديدا من حدود الجغرافيا. السياسة، الجغرافيا، التاريخ القديم أو الحالي تثبت أن "مغاربي" تتميز بحدود غير ثابتة وأنها هندسة متغيرة وغير ثابتة. تجارب الدول التي تركب هذا الكيان حتى وأن كانت تقدم مفاهيم وتصورات متماثلة. وفي غالب الأحيان ليست هي هي.

غير أن "مغاربي" تقيم إطارا نسبيا مقطع لتطبيق أنثروبولوجيا مقارنتية قياسية واستدلالية. هذا الإطار يسمح للأنثروبولوجي بعدم نسيان المبدأ الأساسي والمركزي الذي أكده ليفي ستروس الخاص بهذا التخصص،: الأنثروبولوجيا علم يميز اللامتغير داخل التغيرات. إنها أفكار مختصرة غرست بصورة استثنائية داخل المعرفة. أفكار مستنفذة في مجال تم تقسيمه تعسفا من طرف السياسي.

على الرغم من أن كل الذخائر التي نريد صياغتها خلاف الإطار المغاربي. إنها تقيم وحدة من المعاني أكثر تعلقا بوجهة نظر إثنولوجية أكثر من تعلقها بالكينونة الوطنية. يجب في هذه الأثناء التأكيد على أن كلمة "مغاربي" لا تعني دائما التحديد أو التقسيم السياسي، والتي تزيل بشكل ما وتحت اختلافات تريد أن تشتمل على أطراف من الأقطار تأتي من واحدة أو من أكثر من دولة.  الحدث البربري مثلا، هو الحقيقة المغاربية التي تهم الدول المغاربية سواء من حيث نفس التسميات، أو من حيث نفس الأبعاد الديموغرافية والبيئية. السؤال التقريري لدى السياسي أكثر مما هو هنا وهناك. الشرعية السلفية، الشرعية الدينية أو الشرعية الثورية أفرزت قوانين سياسية مختلفة في كل بلد من هذه البلدان. نريد القول أن الإسلام في وجوهه المذهبية المختلفة. المالكية هي السائدة في معظم الدول المغاربية، وبالمساواة باقي المذاهب حاضرة بصورة أقل أو أكثر، مثل الحنفية، الشافعية أو الإباضية في مناطق مجاورة للحدود السياسية. على مستوى الإرتباط الإجتماعي، رسوخ (الشرفية) ليس هو نفسه في المغرب أو في الجزائر. العبودية المقامة ببعض التصورات، حقيقة نراها بصورة أقل أو أكثر في مناطق مختلفة وبحسب الدول. وتبعت ذلك أبحاث مختلفة وشديدة التباين أفضت إلى محو الفوارق، تبغي هنا أيضا أن تضع الأنثروبولوجيا في خدمة رؤى إديولوجية وسياسية.

للحديث عن أنثروبولوجيا جزائرية لا بل مغاربية، يجب الخروج من دائرة تحصيل الحاصل، والآلية المرجعية. لم نأتي بملاحظين جدد، لسنا بالضرورة ملاحظين بصورة أفضل، مدركين ومستوعبين بصورة أفضل. العقبة الأولى تأسست من طرف الآلية المرجعية المرجعية. والعقبة الثانية هي أن تكون محكوما لإقامة إخباري أبدي متميز؛ ذلك أن الرهان فيما وراء المعرفة المؤسسة اجتماعيا، والوصول إلى معرفة مؤسساتية مثبتة.

هذه العقبة الثانية تكون أكثر سعة من تلك التي تتعلق بالمكانة المطلوب من الأنثروبولوجي المغاربي شغلها على مستوى الهيئة العالمية. في هذا المستوى، لم يعد أمام هدف (ميدان أو أداة علمية) أو أمام إجراء، ولكن أما موضوع فاعل. هذا الأخير يكون قانونه قد هدد بغير حق من طرف الأنثروبولوجيين الذي ظهروا كالفطر في حقل غرس فيه أقدميته وشرعيته.[1]



[1] Abderrahman Moussaoui, « La pratique de l’anthropologie en Algérie »,PP 285-284.

يمكنك متابعة التعليقات الخاصة بهذه التدوينة من خلال الخلاصات.