Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > حوارات ولقاءات > وجها لوجه – د. أحمد أبوزيد وصبري أبو علم

وجها لوجه – د. أحمد أبوزيد وصبري أبو علم

وجه لوجهالأنثروبولوجيا تدرسُ الإنسان في كليته وليس باعتباره كائنا حيا فقط
العلاقة بين العلماء ليست دائما مثالية وإنما هناك مجال للسرقة والتزييف
بدأت الأنثربولوجية كأحد أسلحة الاستعمار ثم أخذت موضوعية العلم
لا يمكن أن نتغلغل في الدين الإسلامي دون أن نعرف اللغة العربية جيدًا
ما يقال عن نقاء أي جنس بشريّ هو أسطورة من الأساطير

الدكتور أحمد أبوزيد أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة الإسكندرية، أثرى هذا الحقل العلمي بجهوده الوفيرة. حيث قام بالتدريس في جامعتي ليبيا والكويت وأسهم في إنشاء قسم الاجتماع بالجامعتين وتخرج على يديه نخبة من الأساتذة الذين يقومون الآن بتدريس الأنثروبولوجيا في وطننا العربي. عمل الدكتور أحمد أبوزيد أستاذًا زائرًا بجامعات إنجلترا وأمريكا، كما عمل خبيرًا بمكتب العمل الدولي بجنيف، مما أتاح له فرصة دراسة العالم العربي وإفريقيا. ويعتز د. أحمد أبوزيد بفترة عمله مستشارًا لمجلة (عالم الفكر) الكويتية تلك الفترة التي امتدت لمدة سبعة عشر عاماً. تلقى تعليمه بجامعتي الإسكندرية وأكسفورد، ودرس الفلسفة والاجتماع على أيدي أساتذة عظام منهم أبو العلا عفيفي أهم وأكبر الأساتذة الذين درسوا التصوف الإسلامي وبخاصة عند ابن عربي، ويوسف كرم الذي كرس حياته لدراسة الفلسفة اليونانية والوسيطة، ومصطفى زيور الذي يعد من أكبر أساتذة التحليل النفسي والذي كان يمهد لمحاضراته في علم النفس بمقدمة بيولوجية، وقد أسهم هذا في توسيع أفقه وإعداده المبكر لكي ينظر إلى الأمور من أكثر من زاوية على اعتبار أن فروع المعرفة المختلفة تتكامل جميعها في وحدة عضوية. فضلا عن هذه الإسهامات الفاعلة فقد أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات نذكر منها كتابيه: (المفهومات) و(الأنساق). أجرى معه هذه المواجهة الشاعر صبري أبوعلم الباحث الأنثروبولوجي أمين عام هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالإسكندرية..
أنتم أحد رواد علم الأنثروبولوجيا العرب، ولقد قمتم بدراسات ميدانية واسعة ومتعمقة في كل صحاري العالم العربي والشرق الأوسط، كذلك، أجريتم دراسات أنثروبولوجية في جنوب السودان وبين عدد كبير من القبائل في شرق إفريقيا وغربها، ولكم كتابات في ذلك بالعربية والإنجليزية والفرنسية، كما أنك انشأت قسما مستقلا للأنثروبولوجيا في جامعة الإسكندرية، وعلى الرغم من أن كلمة أنثروبولوجيا أصبحت شائعة الآن، فلا يزال هناك خلط بينها وبين علم الاجتماع.. فهل توضح لنا الفوارق؟

– بدون شك، هناك تداخل بين كل العلوم التي تدرس الإنسان والمجتمع، لأن المجال واحد والمناهج متقاربة ومتكاملة، ولكن الأنثروبولوجيا تتميز بأنها تدرس الإنسان في كليته ليس فقط باعتباره كائنا عضويا حيا، أو باعتباره كائنا عضويا يعيش في مجتمع، ولكن أيضا باعتباره كائنا عضويا حيا يعيش في مجتمع وله ثقافة، وهذا هو البعد الذي ينفرد به عن بقية الكائنات الحية، ونحن نقصد بالثقافة كل ما يصدر عن الإنسان من إبداعات وابتكارات، سواء كانت فكرية أو فنية أو جمالية أو حرفية، بل أيضا أسلوب الحياة ذاتها..س إذن اهتمام علماء الأنثروبولوجيا يغطي الأبعاد الفيزيقية والاجتماعية والثقافية للإنسان، أما المجال المشترك بين الأنثروبولوجيا والاجتماع فهو دراسة النظم والظواهر الاجتماعية، وهذا شق واحد صغير تهتم به الأنثروبولوجيا الاجتماعية. ولكن الفارق الأساسي بين العلمين يبدو في منهج البحث وأسلوب الدراسة، فنحن لا نستخدم الاستمارة إلا أحيانا كعامل مساعد فقط لنحصل بها على المعلومات الرقمية.. المنهج والأسلوب الذي نتبعه هو “المعايشة” بمعنى أن الباحث يعيش في مجتمع الدراسة سنة كاملة على الأقل ليشارك الناس أنشطتهم وحياتهم.. يلاحظها ويسجلها يوما بيوم ليعود إليها فيما بعد. وأضرب لك مثلا بذلك آخر بحث قمت به في صحراء سيناء، واشترك فيه ثلاثة وعشرون باحثا وباحثة.. عاشوا بمجتمع الدراسة عيشه مستقرة أربعة عشر شهرًا متصلة، درسوا فيها كل الظواهر والأنساق الاجتماعية والجوانب الثقافية، وقد ظهر المجلد الأول عن النظم الاجتماعية، ونحن الآن في سبيل إخراج الجزء الثاني عن الثقافة.

الأنثروبولوجيا وجوانب المعرفة
ولكن هناك من يرى أن تقوم الأنثروبولوجيا على مناهج العلم الطبيعي.؟

– الانثروبولوجيون أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: الذين يرون أن الأنثروبولوجيا علم يقرب من العلوم الطبيعية، ويستخدمون في ذلك مناهج العلم الطبيعي بقصد الوصول إلى تعميمات تقترب من القوانين العلمية، والذين يدرسونها على أنها أقرب في طبيعتها للإنسانيات وأنه لا يمكن بناء على ذلك الوصول منها إلى قوانين، وشأن الأنثروبولوجيا في ذلك شأن الأدب والفلسفة. وهذا الاختلاف في رأيي يثري الأنثروبولوجيا ويساعد على العمق في البحوث من الجانبين، ويظهر هذا واضحا في مجموعة التمهيدات والدراسات التي كتبتها لمجلة “عالم الفكر”، وأنت تعرف أني توليت منصب مستشار التحرير بها لمدة سبعة عشر عاما.. فقد أنشأت هذه المجلة مع المرحوم الأستاذ أحمد العدواني، والذي أحتفظ له بكل الذكريات الجميلة، لأنه كان إنساناً شاعرًا رقيقًا مثقفًا إلى أبعد حدود الثقافة والرقة والتهذيب.

في المقالات والتمهيدات التي كتبتها لحوالي ستة وستين عددا من المجلة، تناولت جوانب عديدة من المعرفة فيها ظواهر ومشكلات اجتماعية وثقافية وفكرية، مثل الملاحم والأدب واللغة والدين والمسرح والسيرة الذاتية والقضايا الكلاسيكية والسياسية وفلسفة العلم وغيرها، هذه الجوانب تناولتها من وجهة النظر الأنثروبولوجية.. وهذا يبين لنا مدى ثراء وغنى واتساع الأنثروبولوجيا، لدرجة أن هناك من قالوا إن الدكتور أبو زيد هجر الأنثروبولوجيا واشتغل بالأدب أو المسرح أو التاريخ.. لا طبعا.. كل هذه الموضوعات تندرج تحت الأنثروبولوجيا، المسألة مسألة منهج وأسلوب معالجة في المقام الأول، وهي كلها موضوعات تتعلق بالجوانب الثلاثة الأساسية في دراسة الإنسان.

العلم بين المثالية والزيف
أذكر أنك أثرت في أحد مقالاتك بمجلة “عالم الفكر” في منتصف السبعينيات حكاية عالم النفس الإنجليزي سيريل بيرت، الذي اكتشف بعد وفاته أنه كان يزيف أبحاثه عن الذكاء لتتفق مع نظريته في أن الذكاء وراثي وليس مكتسبا، وأنه كان يختلق المناقشات التي تعضد موقفه، لقد فوجئنا في نهاية الثمانينيات بمن يدافع عنه ويحاول التدليل على صدق أبحاثه وتلفيق الهجوم عليه.. ما رأيك في هذه البلبلة؟

– هذه ليست بلبلة، لأنها ليست الحادث الوحيد في تاريخ العلم الحديث، وأنا شخصيا أميل إلى تصديق الذين هاجموا سيريل بيرت، لأنهم قاموا بعملية استقصاء دقيقة وطويلة وحاولو أن يتتبعوا تاريخ الحالات والأشخاص الذين كان يشير إليهم سيريل بيرت، كما أنهم كانوا يراجعون كل شيء بدقة وموضوعية، ولكن بصرف النظر عن رأيي فيما كتب فإن تاريخ العلم الحديث به عديد من حالات التزييف بحيث إن بعض العلماء الذين نكن لهم قدراً كبيراً من الاحترام وذاعت شهرتهم في الأوساط العلمية أقاموا هذه الشهرة على تزييف الحقائق واختلاق الوقائع، وأعطيك مثالين: الأول من مجال الأنثروبولوجيا وهو حالة عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية “مارجريت ميد” التي ذهبت إلى جزر “ساموا” وكتبت عنها مجموعة من الدراسات كانت تعتبر مدخلا ممتازا لدراسة الأنثروبولوجيا.. وقد تشكك بعض العلماء في المعلومات التي جاءت في دراسات ميد، وذهب هؤلاء البعض إلى “ساموا” وقاموا هم أنفسهم ببحوث ميدانية متعمقة تأكدوا منها أن مارجريت ميد، هذه ذات الصيت الذائع لم تعش بين الأهالي ولم تعاشرهم أو تختلط بهم كما يجب، وكما يقضى المنهج العلمي، وإنما عاشت بعيدة عنهم واعتمدت على بعض الآراء التي وردت إليها.. بل إن كثيرًا من المعلومات التي ذكرتها من صنع خيالها، وبخاصة فيما يتعلق بحرية المرأة والحياة الجنسية البعيدة عن التعقيدات، وقد تعرضت لهذه المسألة في مقال لي بأحد أعداد مجلة الهلال بالتفصيل.

المثال الثاني هو سيجموند فرويد عالم التحليل النفسي الشهير، فقد ظهرت في السنوات الأخيرة عدة كتابات عن حياته تكشف عن تزييفه للمعلومات، وإن كثيرا من الأحلام التي نسبها إلى غيره هي أحلامه هو الخاصة، وأن نظريته عن الجنس لا تعتمد في كثير من الأحيان على تحليله لحالات المرضى، وإنما هي انعكاس لعلاقاته الجنسية الداعرة مع أخت زوجته.

ولا داعي للحديث عن الحالة الشهيرة المعروفة باسم أكذوبة بلتدون، والتي كشف فيها علماء الأنثروبولوجيا الفيزيقية في إنجلترا كيف أن أحد المحامين واسمه دامسن قام بتزييف عظام فك بعض الحيوانات وتلوينها بحيث تبدو قديمة كي يزعم أنه اكتشف فك إنسان قديم وهكذا.

.. إذن هناك حالات عديدة كما أن العلاقة بين العلماء ليست دائما مثالية، إنما المهم هنا هو أنه إذا ثبت التزييف في أبحاث أحد العلماء العاملين في الخارج، فإن الهيئات والمؤسسات الأكاديمية تقف منه موقفا حاسما وقاطعا بحيث يتم الكشف عن زيفه. وإن كان من الإنصاف أيضا أن نذكر أنه في بعض الحالات، حين يكون العالم الذي تم كشف زيفه يعتبر ثروة قومية – إن صحت هذه التسمية- فإن الهيئات العلمية تميل إلى ترك الحديث طويلا عن ذلك التزييف بعد الكشف عنه وفضح صاحبه، وقد يظهر بعض الأتباع الذين يحاولون الدفاع عنه وتبرير ما وقع فيه من خطأ. لكن على العموم فإن القيم الأكاديمية في الخارج أكثر صرامة مما هي في كثير من الجامعات والأوساط الأكاديمية في عالمنا العربي.

الأنثروبولوجيا.. هل هي علم استعماري؟
ظهرت في بعض الفترات دعاوي تصف الأنثروبولوجيا بأنها علم استعماري، على أساس أن حكومات الاحتلال كانت تكلف بعض الباحثين بدراسة تلك الشعوب، حتى تتمكن تلك الحكومات من التعامل مع القبائل الخاضعة للاستعمار وقد لا أوافق تماما على هذه الدعاوي، لأن هذه الحكومات كانت تقدم في الوقت ذاته مساعدات فنية وهندسية وطبية، وإن كانت هذه الخدمات تساعد من الجانب الآخر على توطيد أقدام الاستعمار. وأنا أعرف في الوقت ذاته أن لك أبحاثا ميدانية في الصحاري المصرية آخرها ذلك البحث الطويل والعميق في شمال سيناء، بالإضافة إلى بحوثك في الواحات الخارجة وفي النوبة والأحياء المختلفة في الإسكندرية وبعض مجتمعات الصعيد، كما أن بحوثك امتدت لتشمل بعض البلاد العربية بما في ذلك منطقة الخليج. فهل تعتقد أن الحكومات العربية استفادت من تلك الدراسات في التخطيط لترقية وتطوير وتنمية المجتمع العربي، مثلما كانت تفعل الحكومات (الاستعمارية) بين الجماعات القبلية في المستعمرات؟

– هذا سؤال معقد ومتشعب فهناك أولا مسألة أن الأنثروبولوجيا علم استعماري، هذه قضية كان يثيرها بعض الباحثين والعلماء الاجتماعيين كوسيلة للهجوم على علم الإنسان، استنادا إلى بدايات الأنثروبولوجيا التي كانت توجه اهتمامها إلى دراسة المجتمعات البدائية في إفريقيا وآسيا واستراليا أيام الاستعمار الأوربي. وكان بعض هذه الدراسات يتم بتكليف من الحكومات الأوربية المستعمرة لدراسة موضوعات معينة مثل نظم الحكم والتقاليد والعادات، لكي يعرف المستعمرون أسلوب سياسة هذه الشعوب. ومن هنا ظهر من كان يصف الأنثروبولوجيا بأنها علم خبيث، وطبعا لا يوجد علم طيب وعلم خبيث، فالعلم علم والعبرة بالأسلوب والمجال الذي يطبق فيه وطريقة الإفادة منه. وخير مثال لذلك هو الموقف في مجال علوم الذرة ويكفي أن أذكر هنا أنه في الوقت الذي كانت الحكومات الاستعمارية تستخدم المعلومات الإثنوجرافية لتوطيد إقامتها في المستعمرات، كان هناك أنثروبولوجيون وطنيون يفعلون عكس ذلك، ويستخدمون تلك المعلومات لتحرير أوطانهم والارتقاء بها. والمثال الذي أحب أن أشير إليه هنا هو الزعيم الإفريقي الشهير جومو كنياتا الذي درس الأنثروبولوجيا في بريطانيا، وقام بتأليف كتاب رائع بعنوان (في مواجهة جبل كينيا) Facing mount keny يفيض بالوطنية لأنه كتب من وجهة نظر قومية وقد تزعم جومو كنياتا حركة الماو ماو الشهيرة التي أسهمت في طرد الإنجليز وتحرير كينيا وأصبح كنياتا نفسه رئيسا للدولة.

ولابد أن نفرق بين نوعين من البحوث، وهي البحوث الأكاديمية التي تهدف إلى رصد المعلومات في الواقع وتحليل هذا الواقع، وبين البحوث التطبيقية التي تهدف إلى إصلاح المجتمع وتنفيذ مشروعات التنمية. أحيانا تكلف إحدى الهيئات الرسمية بعض الباحثين بدراسة نقطة معينة لكي تنفذ مشروعا معينا، في هذه الحالة تستفيد هذه الجهة الرسمية من البحث الأنثروبولوجي. ومع أن معظم البحوث التي أشرت إليها والتي لم تشر إليها- وهي أكثر- سواء قمت بها أنا أو قام بها العلماء والباحثون من زملائي وتلاميذي لا يستفاد بها على الإطلاق، إلا أنه من الإنصاف أيضا أن نقول إن بعض البحوث التي قمنا بها في أسوان وسيناء والواحات الخارجة درسها المسئولون عن إدارة تلك المناطق بعناية، بل أخذوها بعين الاعتبار عند تنفيذهم لمشروعات التنمية، وذلك على الرغم من أن الأبحاث كانت أكاديمية، وليست بتكليف من الأجهزة الحكومية. وقد حظيت دراستنا لشمال سيناء برعاية محافظ المنطقة الذي حضر المؤتمر الذي عقدناه في مدينة العريش وناقش الدراسة بوعي وفهم، وأخذ في الاعتبار بعض الجوانب التي ألقينا عليها الضوء، رغم أن هذه الدراسة كانت أكاديمية، وبتكليف من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية. ولكن لابد من الاعتراف بأن هناك هوة عميقة نسبيا بين الباحثين الأكاديمين وبين الهيئات التنفيذية وأصحاب القرار، وتقع المسئولية على الجانبين. واعتقد أن كلا الجانبين يخطئ في موقفه، فالأكاديميون يعتزون بأكاديميتهم وينظرون إلى التنفيذيين من عل كما يقول الشعراء، والتنفيذيون يعتقدون أن أيديهم في النار وأن الأكاديميين لا يدركون حقائق الأشياء، إذن لابد من أن يقترب كل من الفريقين من الآخر لنصل إلى أفضل نتيجة ممكنة من هذه البحوث.
ألم تطبق حكومة الكويت بعض الأبحاث؟

– لقد قمت ببعض البحوث التمهيدية في السنوات الأولى لإنشاء جامعة الكويت حين كنت أستاذًا بها وشاركت في إنشائها بين عامي 1966، 1970 ولكن هذه كانت أبحاثا مبدئية تهدف إلى وضع سياسة عامة للبحث الاجتماعي في منطقة الخليج.. وقد وضعت خطة للدراسة الأنثروبولوجية ليس في مجتمع الكويت فقط وإنما في مجتمعات الخليج العربي، وشاركني في ذلك الأستاذة الدكتورة دولت صادق أستاذ الجغرافيا حينذاك، ووضعنا خطة شاملة للدراسة، ولكن على حد علمي لا أعتقد أن الهيئات المسئولة أخذت بأي من هذه الدراسات، وقد أكون مخطئا في ذلك.

رؤية لبناء الإنسان
.. “إعادة بناء الإنسان المصري” كان بحثا كبيرا دعت إليه جامعة الإسكندرية في أواخر السبعينيات. وقمتم أنتم بالإشراف عليه، وشاركت فيه بعض أقسام كلية الآداب وبعض الكليات الأخرى، وتولى قسم الأنثروبولوجيا بعض جوانب البحث، مثل موضوع التنشئة الاجتماعية في بعض قرى النوبة والفيوم وغيرها، وكان لي شرف المشاركة في هذه الدراسة.. ما مصير هذا البحث المهم؟

– أنا سعيد لإثارتك هذا الموضوع لأن إعادة بناء الإنسان المصري كانت من الموضوعات الحيوية التي شغلت بال كثير من المفكرين، ولعلك تذكر أنه حينما شرعنا في هذه الدراسة العملاقة وجدنا من يسخر منها من بين الكتاب والمشتغلين بالعلوم الاجتماعية، وكان بعضهم يتساءل في سخرية هل نهدم الإنسان المصري ليعيدوا بناءه؟ الغريب في الأمر أن هؤلاء الساخرين ما لبثوا أن استعاروا هذه التسمية وبدأوا يكتبون حول الموضوع نفسه.. هذا البحث توقف مع الأسف لأسباب لا داعي لذكرها، وهي أسباب لا تتعلق بالجامعة إطلاقا ولا بالتمويل، وإنما تدخلت بعض القوى الخارجية ووضعت أمامه العراقيل. ولابد أن أذكر بالخير رئيس جامعة الإسكندرية في ذلك الحين المرحوم الأستاذ الدكتور على رضا الهنيدي، الذي وقف وراء هذا المشروع الذي شارك فيه عديد من الشبان وأنت منهم. الموضوع كان ولا يزال حيا في ذهني وإن كان قد تبلور في شكل موضوع آخر هو “رؤية الإنسان المصري للعالم” World View. ونحن نعمل به الآن مع المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة وحتى أكون منصفا، ولكيلا أغمط الناس حقوقهم وأفضالهم، فإن موضوع رؤى العالم اقترحه المركز القومي للبحوث- كجزء من بحث شامل عن السياسة الثقافية في مصر – وعهد إليّ بدراسة نظرة المصريين للعالم، ورحبت بالموضوع لأهميته في ذاته ولأنه اختار من بعض جوانبه على الأقل موضوع بناء الإنسان المصري، وإن كان أشمل منه ويشارك فيه عدد من الباحثين الأذكياء المتحمسين من المركز ومن قسم الأنثروبولوجيا وجانب من البحث سوف يتعرض بالضرورة إلى نظرة المصريين – أو القطاعات التي سوف تدرس من المجتمع المصري – إلى العرب والعالم العربي وإلى العالم الخارجي بل وإلى العالم الآخر فهو موضوع طريف وعميق ولم يسبق أن تمت معالجته على الأقل على هذا المستوى من العمق.

الدين فكر وعاطفة
عللت اكتساب اللغة العربية في مصر بأنها لغة القرآن والإسلام، ألم يدخل الإسلام بلاد الفرس والترك والهند والأفغان – وهو أيضا لغة القرآن عندهم- ومع ذلك احتفظوا بلغاتهم الأصلية!!

– يا سيدي.. هناك فارق كبير جدا بين أن تأخذ الدين فتعمل على أن تتفهمه وتتمثله بحيث يصبح جزءا منك، وبين أن تأخذ الدين على أنه مجرد شعائر لا تتعمق في فهمها. القرآن نزل بلغة عربية، ولن تستطيع أن تتغلغل إلى جوهر ذلك الدين إلا لو أخذته بلغته التي نزل بها وتعمقت في دراسة وفهم هذه اللغة، ولذا نجد المصريين أكثر فهما وأكثر تعمقا للدين الإسلامي من هؤلاء الذين ذكرتهم. يمكنك أن تقول لي إن هناك فلسفات إسلامية وصوفية ظهرت في الأندلس وتركيا وإيران. أنا لا أتكلم عن نتاج الفكر، وإنما أتكلم عن تشبع الرجل العادي بالدين حتى أصبح الدين جزءا من كيانه، وذلك لأنه يفكر باللغة العربية التي يقرأ بها القرآن. وفهم الرجل المصري العادي للدين رغم كل ما يختلط به من شوائب أوصلته بما يسمى “بالدين الشعبي” إذا صح هذا التعبير، هذا الفهم نجده أصدق وأقرب من فهم الرجل التركي العادي أو الفارسي العادي. ولعلك تلاحظ أن الحركات البعيدة عن الإسلام السمح ظهرت في الشعوب التي احتفظت بلغاتها ولم تتقبل اللغة العربية، لأن الدين في بعض جوانبه وأبعاده فكر وعاطفة، واللغة تعبير عن الفكر والعاطفة، وأنت لا تستطيع أن تفصل اللغة عن الفكر.

اللغة والفكر لا ينفصلان
هذا الاستطراد يقودنا إلى تساؤل عن الشعب المصري الذي غير دينه ولغته ثلاث مرات في أقل من ألف سنة، كيف نتصور هذا؟

– أولاً هو غيَّر دينه مرتين أو على الأصح تقبل دينين سماويين اثنين وهما المسيحية والإسلام، لأن الشعب المصري ككل لم يتقبل الدين اليهودي، واليهودية ليست دينا تبشيريا، فموسى عليه السلام حينما جاء إلى مصر، خاطب الفرعون ولم يخاطب الشعب، وهذا له معنى، فالذين آمنوا به يعتبرون أنفسهم نخبة تمثل الفرعون، وهم الذين شاهدوا معجزات موسى، ولذا فهم يرون في أنفسهم شعب الله المختار. وهؤلاء الذين آمنوا بموسى هم الذين خرجوا معه من مصر، أما بقية الشعب المصري، فلم يعرف شيئا عن اليهودية. ولا أرى في هذا أية مفارقة، بل كان المصريون منطقيين في هذا التحول أو التقبل فلقد دعا أخناتون إلى التوحيد رغم الوثنية السائدة، وبعض المفكرين يرون أن أخناتون كان نبيا غير مرسل. والمسيحية فيها هذا الجانب من التوحيد – وإن لم يرق إلى التوحيد المطلق الموجود في القرآن – على أساس وجود فكرة التثليث. إذن كان من المنطقي والميسور أن الشعب المصري الذي عرف فكرة التوحيد أيام الفراعنة، أن يتقبل هذا الدين المسيحي بدون صعوبة، وأن يقبل معه بالضرورة اللغة القبطية، فكما قلت اللغة والفكر يتماشيان معا ولا ينفصلان. وهذا ينطبق على تقبل المصريين للإسلام وترحيبهم به لأنه يدعو للتوحيد المطلق. لقد كان من السهل جدا على المصريين الأقباط حين تصلهم الدعوة إلى هذه الدرجة العالية من التوحيد أن يتقبلوها ويتحولوا إليها! أنا أنظر إلى هذا التحول على أنه تحول فكري وليس تحولا سياسيا. فبعض الناس يقول إن عجز المصريين عن دفع الجزية كان وراء تحولهم إلى الإسلام. لا، فهذا التحول نوع من التطور الفكري الطبيعي في الخط الواحد – خط التوحيد – وهذه تراكمات ثقافية، وتاريخ مصر تاريخ تراكمي، ولابد من النظر إليه على أنه سلسلة متصلة بها نوع من التطور من الأدنى إلى الأرقى، وهو نوع من النضج في الفهم والإدراك يؤدي إلى إثراء الشخصية المصرية التي ظلت متمسكة بالأصول الأولى، والتي تظهر حتى الآن في بعض كلماتنا اليومية.

لا يوجد جنسٌ نقي تماما
ومع ذلك فإننا نلاحظ أن الشعب المصري الآن خليط من كل الشعوب التي عاشت على أرضه كالفرس والهنود والإغريق والرومان والعرب والبربر والمغاربة والأرمن والأتراك وغيرهم وانصهروا جميعا في بوتفة واحدة، وانحصر الجنس النقي في النوبة فقط.. ماذا يعني هذا؟

– في الواقع نحن منطقيون مع كل ما قلناه حتى الآن، وما تثيره أنت الآن يعزز ما قلت. لابد أن ننظر هنا إلى مصر بموقعها الجغرافي، وتاريخها الطويل، لا نفصل الزمان والمكان أحدهما عن الآخر، فالبعد الزمني طويل جدا يرجع إلى آلاف السنين، والبعد المكاني فريد وعبقري لأنه ملتقى عدد من القارات. ومن الضروري أن تمر تحركات الشعوب بمصر، وكان من الطبيعي أن كل شعب من هذه الشعوب يترك أثرا في مصر. إنما الثقافة المصرية بقوتها تمتص كل هذه التأثيرات ثم تفرزها كما قلت لك. فمثلا نحن هنا في الإسكندرية خليط من المصريين القدماء والعرب والأتراك والمغاربة وشعوب جنوب أوربا (يونان وطليان وقبارصة وإسبان) كل هؤلاء اختلطوا عن طريق التزاوج، وأثروا الثقافة والشخصية المصرية وعمقوها، وتباعدنا بالتالي عن الجنس النقي.. وعموما لا يوجد جنس نقي بالمعنى الدقيق للكلمة، فطول هذه الفترة – الخمسة آلاف سنة – لا يمكن أن تحفظ لشعب نقاءه.

أما النوبة فقد كانت مجتمعا منعزلا إلى حد كبير نظرا لموقعها الجغرافي، حيث توجد جنادل النيل وحيث يضيق الوادي وتقترب منه الجبال، وهذا لا يغري أية جماعة وافدة بالإقامة، ولذلك نرى التأثير العربي يحيط بالنوبة فيظهر جنوبها في شمال السودان، مثلما يظهر شمالها في باقي مصر. وهذا يدل على أن الموجات البشرية التي أتت لم تتوقف طويلا في منطقة النوبة لفقرها ولأنها بيئة طاردة للناس وبالتالي طاردة للتأثيرات.. وهذا من طبيعة الوضع الجغرافي والأوضاع الإيكولوجية السائدة في تلك المنطقة. وإذا كان هذا يفسر نقاء العنصر النوبي بعض الشيء، إلا أننا نؤكد عدم وجود عنصر نقي بمعنى الكلمة، فلقد كان للنوبيين اختلاطات مع السودان ومع شمال وادي النيل، ومع بعض الأتراك الذين عاشوا معهم، وأنت تعرف أن النوبة التي درسناها في قسم الأنثروبولوجيا – تنقسم إلى “الفديجا” و “الكنوز” و “العرب” ومنهم “خليط”. وما يقال عن نقاء أي جنس إنما هو أسطورة من الأساطير.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий