Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > المرأة العربية في منظور الدين والواقع – دراســة مقارنــة -جمانة طه

المرأة العربية في منظور الدين والواقع – دراســة مقارنــة -جمانة طه

المرأة في الديانة المسيحية

http://photos.azyya.com/store/up1/080624124214EHBg.jpg

في الإنجيل:

” أما قرأتم أنَّ الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى. من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان “(19 متى:5-6).

وهذا المعنى جاء بصيغة مقاربة في إنجيل مرقس (10: 6-10).

” ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حرّ. ليس ذكر ولا أنثى.لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع”(3 غلا:28) “فإنَّ الجميع ورثة الموعد”
(غلا:29 ) .

” الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الرَّبّ.لأنَّه كما أنَّ المرأة هي من الرجل هكذا الرجل أيضا هو بالمرأة.ولكنَّ جميع الأشياء هي من الله.”(1كورنثوس11: 12).

“لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذوناً لهن أن يتكلمن بل يخضعن كما يقول الناموس أيضا”(1كور14: 34) .

” أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح، وأما رأس المرأة فهو الرجل” “ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل”(1 كور11: 3) .

” وإن كان أحد لا يعتني بخاصته ولا سيما أهل بيته، فقد أنكر الإيمان وهو شرٌّ من غير المؤمن”(1كور5: 8).

” المسيح افتدانا من لعنة الناموس”(3غلا:12).

” لأنَّكم جميعا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع.لأنَّ كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح”(3غلا:26-27 ).

” يا أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب. لأنَّ الرجل هو رأس المرأة ” (5أفسس:22-23).

” لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع. ولكن لست آذن للمرأة أن تُعَلِّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت. لأنَّ آدم جُبل أولا ثم حواء. وآدم لم يُغوَ لكنَّ المرأة أُغويت فحصلت في التعدي”(1تيماثاوس2 :11-14)

” كذلكُّنَّ أيتها النساء كنَّ خاضعات لرجالكن حتى وإن كان البعض لا يطيعون الكلمة يُربَحون بسيرة النساء بدون كلمة. ملاحظين سيرتكن الطاهرة بخوف.ولا تكن زينتكن الزينة الخارجية من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب.بل إنسانَ القلب الخفي في العديمة الفساد زينة الروح الوديع الهادىء الذي هو قدام الله يزيِّن أنفسهن خاضعات لرجالهن.كما كانت سارة تطيع إبراهيم داعية إياه سيدها.”

” كذلكم أيها الرجال كونوا ساكنين بحسب الفطنة مع الإناء النسائي كالأضعف معطين إياهن كرامة كالوارثات أيضا معكم نعمة الحياة لكي لا تعاق صلواتكم”(1بطرس3:1-7).

*        *        *

توجهت التعاليم المسيحية لجميع الناس دون استثناء، ليتقبلوا نعمة الله وعهوده.وساوت بين الناس في القيمة، فإله واحد خلقهم، ومسيح واحد افتداهم بدمه من الهلاك الأبدي.

((وقد أراد المسيح، أن يعيد العلاقة بين الرجل والمرأة إلى ما كانت عليه قبل دخول الخطيئة:رجل واحد وامرأة واحدة، متساويان في المكانة، متعاونان في الرسالة والعمل.))(1).

فالفرقة التي خلقتها الخطيئة الأولى بينهما، أصلحها فداء المسيح في الخليقة الجديدة، ولم يعد هناك فرق بين الرجل والمرأة في الإنسانية.

ولاسيما أنّ الله خلقهما من طينة واحدة، ((فحين نظر الله إلى آدم، ووجد أنَّه ناقص كيانيا، اختار منه أقرب ما يمكن لـه، وليس من عنصر مواز له،فخلق(حواء) من ضلع آدم.وهذا يعني أنَّها ليست أقل منه، وليست مخلوقة من جِبلَّة غير جبلته، فهي من آدم، من ذاته ومن طينته.لذا فالمرأة، من ناحية الخلق، متميزة عن كل خليقة أخرى في هذا الكون، ومثلها هو الرجل.))(2).

ولأنّ الرجل والمرأة خُلقا على صورة الله ومثاله، كانت قيمة المرأة عند المسيح(ع) تعادل قيمة الرجل، وكان كلاهما مدعوين بالقدر نفسه لمعرفة الله.

((فالإنسان هو في قمة نظام الخلق كله، في العالم المنظور. والجنس البشري، الذي يبدأ في اللحظة التي دُعي فيها الرجل والمرأة إلى الوجود، يتوِّج عمل الخلق كله.فكلاهما كائنان بشريان، رجل وامرأة متساويان وكلاهما مخلوقان على صورة الله.))(3) .

((كما أنّ دعوة المرأة إلى الوجود إلى جانب الرجل”عونا بإزائه”في”وحدة الإثنين”،تنشىء في عالم الخلائق أوضاعا خاصة تساعد على”إفاضة محبة الله في قلوب”من خلقوا على مثاله.))(4).

*        *        *

عامل المسيح عليه السلام المرأة برقة، وركّز على الجوهر النقي عندها.فلم يجرِّح في سلوكها أو عواطفها، وإنما شجب الخطيئة عندها وعند الرجل على السواء.

وخصَّها عليه السلام بعطفه وصفحه، وعاش آلامها ومسح على جراحها، ووقف إلى جانبها.ولم يكن مترفعا عن التعاطي معها، أو بعيدا عنها كرها أو قرفا منها.بل كانت صحبته للنساء واضحة ومميزة، أدخلت الطمأنينة إلى قلوبهن، فدخلن الدين الجديد ليستعدن من خلاله كرامتهن،التي فقدنها في المجتمع اليهودي الذي”كان الرجل فيه يحمد الله على أنه لم يخلق امرأة أو عبدا”.

ولا نجد في تعاليم المسيح(ع)، وفي تصرفاته أي شيء يعكس التفرقة القائمة في عصره بين المرأة العادية والرجل. بل إنّ أقواله وأعماله كانت على عكس ذلك، تنم دائما عن الاحترام والتكريم، الواجب اعتمادهما في التعامل مع المرأة.

ويشكل أسلوب المسيح في التحدث عن النساء وإليهن كما في معاملتهن، تجديدا واضح المعالم إذا ما قورن بالعادات المتبعة في ذلك الوقت.

ويبدو هذا التجديد أكثر وضوحا، في حالة التعاطي مع النساء الخاطئات والبغايا، كالسامرية والمجدلية.

وأيضا في تقديره لفلس الأرملة، حيث جعله قدوة للجميع. لأن الأرامل لم يكن لهن من يدافع عنهن، في ظل النظام الاجتماعي والقضائي السائد حينذاك.

فقال:”إنّ هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر منهم جميعا.. ..لأنها من حاجتها ألقت جميع ما تملك لمعيشتها”(21لوقا:1-4).

وأدرك عليه السلام مدى تعلق المرأة بأسرتها وتفانيها في سبيل أولادها، فأقام من الموت ابن أرملة في مدينة نائين:”فلما اقترب إلى باب المدينة إذا ميت محمول ابنٌ وحيدٌ لأمه وهي أرملة ومعها جمع كثير من المدينة. فلمّا رآها الرب تحنّنَ عليها وقال لها لا تبكي. ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون، فقال أيها الشاب لكَ أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه”(7لوقا:12-15) .

وشفى “حماة سمعان التي كانت ملقاة على الفراش محمومة”(1مرقس:30)

وأعاد ابنة يائير من الموت إلى الحياة، قائلا لها في حنان:”يا صبية،لك أقول قومي.”(5مرقس:41) .

وقد تجلى قرب المرأة المؤمنة من المسيح(ع) بدالِّيتها عليه، وذلك حين عاتبته مريم لتأخره بالحضور لإنقاذ أخيها لعازر من الموت:”يا سيد،لو كنت ههنا لم يمت أخي”(11يوحنا:32) .

ومن خلال تعاليم المسيح وتصرفاته، يقدر القديس بولس المرأة-الأم ويكرمها، ويفسح لها مكان الصدارة في قلوب أولادها:”أطيعوا والديكم في الرب لأنَّ هذا حق.أكرم أباك وأمك، التي هي أول وصية بوعد”(6أفسس:
1-2 )”فإنَّ الله أوصى قائلا أكرم أباك وأمك، ومن يشتمُ أبًّا أو أُمًّا فليمت موتا”(15متى: 4) .

كيف لا؟ ومريم هي أم المسيح و(أَمَةُ الربّ)، التي خصَّها الله بمكانة لم تحظ بها امرأة قبلها ولا بعدها.فهي البتول التي حملت من الروح القدس، وتطَّهرت بحمله.وتطَّهر به، فيما بعد، كل إنسان مؤمن عاش حياة روحانية معينة:”فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المنعم عليها. الربُّ معك.مباركة أنت في النساء.”(1لوقا:38).

ومع أنّ الأناجيل الأربعة لا تقدم صورة واضحة للسيدة مريم، عدا بشارة الملاك في إنجيل لوقا التي تقدم ذكرها، ولا صورة عن طفولة المسيح للتعرف بالعلاقة بين الأم مريم وابنها المقدس ودورها في حياته، فإننا نستشف من الشذرات في إنجيل لوقا، محبة المسيح(ع) لأمه واحترامه لها. فقد أفسح لها مجالا في حياته، وتقبَّل منها، في بعض الأحيان، سلطتها عليه. وتظهر أمومة مريم مع ابنها المقدس، في الموقف الذي عاتبته فيه، للقلق الذي سببه لها لبقائه في أورشليم من غير أن يعلمها بذلك:”وقالت لـه أمه يا بني لماذا فعلت بنا هكذا”(2لوقا:48) .

((فالعذراء مريم دائما موجودة مقابل المسيح، ودائما تُرسم في الأيقونات مع المسيح الطفل الذي هي أمه.ولكونها مخلوقا استثنائيا، فلها نظرة رمزية في الكنيسة، وليس طابعا إلهيا مثل المسيح.فالمرأة حواء، والمرأة مريم، نموذجان أساسيان للمرأة في المسيحية.))(5).

جهاد المرأة:

تعلمنا الأناجيل، أنَّ أحداثا متعددة تميزت بها النساء على الرجال. فالنساء صدَّقْنَ المسيح، ووقفن إلى جانبه وشاركن في النشاط الديني التبشيري، وصرفن من أموالهن في هذا السبيل:”على أثر ذلك كان يسير في كل مدينة وقرية، يكرز ويبشر بملكوت الله. معه الإثنا عشر وبعض النساء. مريم التي تدعى المجدلية ويونَّا امرأة خوزي وكيل هيرودس وسوسنة وأخر كثيرات”وكنَّ يصرفن من أموالهن في هذا السبيل:” كنَّ يخدمنه من أموالهن”
(8 لوقا:1-3).

((في حين، كان الحواريون، على ما يبدو، مشغولين باندهاشهم بشخصية المسيح، وكانوا يقولون أمورا ويرون أمورا لم يكن لها وجود في الواقع.))(6).

فليس غريبا إذاً أن يضع المسيح(ع) ثقته بالمرأة المؤمنة ويحمِّلها بشارة القيامة، بعد أن غدر به أحد أقرب الرجال إليه. فالخيانة لـه وتسليمه لجنود بيلاطس، جاءت من رجل هو يهوذا وهو أحد الحواريين. وإنكاره ثلاثا، جاء من رجل هو الحواري بطرس!.

حتى أنَّه في اللحظة الحاسمة، لم يكن أيّ من الرسل إلى جانبه. فعندما كان المسيح على الصليب، لم يكن حوله، كما تذكر النصوص، غير يوحنا وأمه وعدد من النسوة اللاتي خدمنه حين كان في الجليل وفي أورشليم “النسوة رافقن الجسد إلى القبر”(27متى:61) “وأعددن الحنوط”(23لوقا:56).

“وكانت أيضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة، اللواتي تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل، وأخر كثيرات اللواتي صعدن معه إلى أورشليم”(15مرقس:40-41) “وكنَّ أول من شهد لقيامة المسيح من بين الأموات”(28متى:1).

وعندما حلَّ الروح القدس كان حلوله على المرأة والرجل بقدر متساو:”وامتلأ الجميع من الروح القدس”(2أعمال الرسل:4).

“هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطِلْبة مع النساء ومريم أم يسوع ومع أخوته”(1أعمال الرسل:14)،إذ لا فرق بين ذكر وأنثى في المسيح يسوع، فالقيم الروحية متساوية ومتطلبات الخدمة متساوية ومواهب الروح متساوية.

إنّ أول من اعتنق المسيحية على عهد القديس بولس، هي امرأة ليديا المكدونية، فالمرأة المؤمنة كانت جنبا إلى جنب مع الرجال في مواجهة الاضطهاد “وأمَّا شاول فكان يسطو على الكنيسة، وهو يدخل البيوت ويجر رجالا ونساء ويرسلهم إلى السجن”(8أعمال الرسل:3) وفي المناسبات الدينية، وفي تأدية الواجبات تجاه الكنيسة، وتجاه المؤمنين المحتاجين للمساعدة:”جمهرة من الرجال والنساء تنتمي إلى الكنيسة””وكان مؤمنون ينضمون للرب أكثر. جماهير من رجال ونساء”(5أعمال الرسل:14) “النساء يقبلن البشارة في عدة أمكنة”(8أعمال الرسل: 12) “ولكن لمَّا صدَّقوا فيلبُّس وهو يبشر بالأمور المختصة بملكوت الله وباسم يسوع المسيح، اعتمدوا رجالا ونساء”.

وقد صدَّقت هؤلاء النسوة البشارة بقيامة المسيح(ع)، بينما شك الرجال المؤمنون ولم يصدقوهن، واتهموهن بالهذيان. وما تكليف المسيح لمريم المجدلية، التي أخرج منها سبعة شياطين، بحمل بشرى قيامته من القبر إلى أتباعه من المؤمنين، إلا تأكيداً منه للدور الإيماني الفاعل للمرأة :”..لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى أخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم. فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب وأنه قال لها ذلك”(20يوحنا: 17-18).

وترسم لنا الأناجيل صورا مضيئة عن قمم المستوى الروحي لنساء أيَّدْنَّ المسيح، ووقفن إلى جانبه، على الرغم من وعورة الطريق المسيَّج برفض الرجال، لتواجد النساء على الساحتين الإيمانية والاجتماعية. من هؤلاء النساء:السامرية، التي تقبلت منه موضوع العبادة بالروح وموضوع الامتلاء بالروح القدس:”الله روح. والذين يسجدون لـه فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا”.(4يوحنا:24).

والكنعانية، التي أظهر إيمانها للجميع:”حينئذ أجاب يسوع، وقال لها:يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لك كما تريدين، فشفيت ابنتها من تلك الساعة”.(15متى:28)

والمرأة نازفة الدم، التي سمح لها أن تلمسه، وقال لها:”إيمانك قد شفاك”
(9متى:22).

وكأنَّ المسيح برقة تعامله مع المرأة، وبعدم ترفعه عن محادثة الزانية والمريضة والفقيرة، أراد أن يزيل حالة الترفع التي كان اليهود يمارسونها عليها. لأنّه يرى أنّ هذه الفئة من الناس، هي بأمس الحاجة إلى من يمد إليها يد العون والمساعدة.

ولم ينس القديس بولس، أن يوصي بالمرأة المؤمنة، في خطبه ورسائله، مشيدا بجهودها معه أثناء تجواله في المناطق لنشر تعاليم الدين:”أوصي إليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا. كي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين وتقوموا لها في أي شيء احتاجته منكم. لأنها صارت مساعدة لكثيرين ولي أنا أيضا.””سلِّموا على مريم التي تعبت لأجلنا كثيرا”.”سلِّموا على تريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب، سلِّموا على برسيس المحبوبة التي تعبت كثيرا في الرب”.”سلِّموا على فيلولوغس وجوليا ونيروس وأخته وأولمباس وعلى جميع القديسين الذين معهم”.(16رومية:1-2،6،12-15).

موقع المرأة المؤمنة في الكنيسة:

كافأت الكنيسة الأرثوذكسية مريم المجدلية لريادتها في تقبل البشارة ومن المسيح مباشرة،((ومنحتها لقب”المعادلة للرسل” أو”رسولة القيامة للإثني عشر”، كما دعاها الكاهن واللاهوتي هيبوليتوس.))(7) .

ولم تضعها في مصاف الرسل الإثني عشر، الذين أُنيطت بهم مسؤولية البشارة،((بسبب طغيان رهباني ذكوري))(8)، تَكَرَّسَ مع ظهور الرهبنة في القرن الثالث الميلادي. أو كما يعتقد الكاتب كوستى بندلي، أنَّ ضرورات البشارة ((كانت تقتضي حدا أدنى من المراعاة لذهنية العصر،ومن جهة أخرى فإنَّ الاثني عشر كانوا يمثلون أسباطا ينتسبون حكما إلى رجال حسب العرف”اليهودي”المألوف.))(9) .

لكنَّ المرأة المسيحية المؤمنة، لم تستكن لهذا التحديد ((فالكنيسة الأرثوذكسية،تشهد اليوم مطالبة ملحة بإحياء رتبة الشماسات فيها.))(10).

ولا بدَّ لنا هنا من أن نتساءل:إذا كان رجال الدين في بداية المسيحية، كانوا محكومين بذهنية ذلك العصر، فما هو عذرهم اليوم وقد مضى على ذلك العصر مئات السنين؟ ألم يحن الوقت لفتح، باب ترسيم المرأة العربية المسيحية كاهنة أو أسقفا؟ ألم يحن الوقت، لاتخاذ خطوة إيجابية تجاه النساء المؤمنات، تتناسب مع مناخ التقدم التقني والتحضر المديني الذي نعيش فيه؟.أم أنَّ آلية التفكير لدى أصحاب الرأي من رجال الدين، لا تزال تنتمي إلى ذهنية ذلك العصر الأول، مع أنَّ أجسادهم تعيش في القرن الواحد والعشرين ؟!

وهاهو أحد رجال الدين الأب اسبيرو جبور، يأخذ على الكنيسة إهمالها شأن رسامة كاهنات لجيوش الراهبات، برغم ضرورته لأديرة النساء.لكنه ما يلبث أن يبرر للكنيسة موقفها الذي تعبر فيه عن اقتدائها بالمسيح عليه السلام، الذي أقام الرجال أساقفة وكهنة ليرعوا كنيسة الله:”احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه”(20أعمال الرسل:26).فالذكور هم الرعاة وخادمو الأسرار، وما يصنعه الروح القدس هو ترتيب من الله. ومن ذلك الحين وحتى اليوم لم يستطع أحد من رؤساء الكنائس أن يغير موقف الكنيسة من دخول المرأة في سلك الكهنوت. واستمرت الكنيسة في اختيار رجال الدين من المؤمنين الذكور.

وهذا الموقف الذي تتبناه الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية، يؤكد أنَّ رجال الدين هم المخططون لكل شيء، دينيا كان أم دنيويا. فهم الذين حددوا للمرأة المتدينة سقفا لا تستطيع أن تتجاوزه إلا إذا أذنوا لها. وهم الذين أفسحوا لها الطريق إلى الرهبنة، وجعلوا منها أفضل ما يمكن أن تصل إليه المرأة المسيحية المؤمنة. وقد أكد هذا الأمر البابا يوحنا الثاني، الذي قال في أواخر أيار-أوائل حزيران1994:”إنّ بإمكان المرأة أن تكون ما تشاء في المناصب الدنيوية، إلا أنها غير قادرة ولا تتمتع بالمؤهلات التي تخولها التواجد في سلك الكهنوت.”(11) .

ونظرة البابا إلى أن المرأة منقوصة الإمكانيات الدينية، تخدم الفكرة التي وردت في التوراة، وحمّلت المرأة مسؤولية الخطيئة الأولى، ورسخت مفهوم نجاستها ودنسها. في حين أن بعض الفرق من الكنيسة الإنجيلية، قد أفسحت في المجال للمرأة لتنال رتبة القسوسية، مع معرفة هذه الفرق أنّ في هذا الموقف مخالفة لنص العهد الجديد.

الزواج:

إنَّ أكثر ما أثلج قلب النساء، هو رَفْعُ الكنيسة شأن الزواج إلى مقام القداسة، وجعله ميثاقاً بين الرجل والمرأة والله.(12) من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً.فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان”.والرجل والمرأة مدعوان منذ البدء، في إطار وحدة الاثنين، ليس فقط ليعيشا((الواحد إلى جانب الآخر،أو ليعيشا معا، بل ليعيش كل منهما للآخر.))(13).

فالزواج الأول في المسيحية، هو سرٌّ إلهي وليس مجرد عقد وارتباط.وهو عهد صنعه الله، يعبر عن التحام بين الزوج والزوجة، من غير أن يلغي أحدهما الآخر.

((حيث يتحد الزوجان اتحادا هو من الوثوق، بحيث يصبحان جسدا واحدا.))(14) .

((فمنذ البدء خلقهما الله رجلا وامرأة، واستودع كلاً منهما الآخر كشخصين مخلوقين على صورة الله ومثاله، وبمعيار عطائهما المتبادل يُقاس الحب، أعني الحب الزوجي.ولكي يكون الحب الزوجي هذا “العطاء المجاني المتبادل”يجب أن يشعر كل من الزوجين، أنه مسؤول عن هذا العطاء.))(15)

ويستدعي الزواج وجوب التعاون المتبادل بين الطرفين، لأنّ حياة الإنسان ذاتها على الأرض وعلى مرّ الزمن، تتحقق في الزواج وفي سياق الدعوة إلى التعاون المشترك.((فإذا أخذنا بالمبدأ القاضي بأن يعيش كل إنسان للآخر، ضمن الشركة القائمة بين الأشخاص، نرى عبر تاريخ البشرية، أن ما هو ذكر وما هو أنثى يندمجان تدريجيا في البشرية ذاتها كما أرادها الله أن تكون.))(16).

ولأنَّ”الناموس جُعِلَ من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل الناموس”، ألغى المسيح(ع) نظام تعدد الزوجات والطلاق الذي كان معمولاً به في التشريع اليهودي، وألزم الرجل بزوجة واحدة طيلة حياته، إلى أن يفرقهما الله بالموت أو علة الزنى: “وقيل من طلَّق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأمَّا أنا فأقول لكم إنَّ من طلَّق امرأته إلاّ لعلة الزنى يجعلها تزني.ومن يتزوج مطلقة فإنَّه يزني” (5متى:31-32) ويرى غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع، أنَّ أحادية الزواج في المسيحية،((جاء استجابة لأمر الله، الذي قضى أن يكون لآدم زوجة واحدة هي حواء، فالله لم يخلق لآدم غير حواء واحدة)). وفي هذا المعنى، يقول الشيخ محي الدين بن عربي في”فصوص الحِكم”: ((إنَّ وحدانية المرأة على المستوى الوجودي، تعبير عن وحدانية الله))، ويؤكد ((أنَّه لم يُخلق من آدم إلا حواء واحدة)). وقد نظر الدين المسيحي إلى العلاقة الزوجية بكثير من التقدير، واعتبرها علاقة الجسد الواحد. وهذا يفسر لماذا لم يفرق القديس بولس في المعاملة بين الزوج المؤمن والزوج غير المؤمن، حتى أنه طلب من المرأة أن تحسن معاملة زوجها غير المؤمن وأن تكون لـه وفية، كي لا يكون لزوجها حجة في طردها خارج المنزل.

ولعلَّه كان يرمي من وراء هذه المعاملة الحسنة، أن يستدرج الرجل إلى الإيمان، فربما يظفر بدخول ملكوت الرب:”كذلكنَّ أيتها النساء كنَّ خاضعات لرجالكن حتى وإن كان البعض لا يطيعون الكلمة يربحون بسيرة النساء بدون كلمة ملاحظين سيرتكن الطاهرة بخوف”(1بطرس3: 1).

“والمرأة التي لها رجل غير مؤمن ويرتضي أن يسكن معها فلا تتركه.لأنَّ الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل.”(1كور7: 13-14) . فالمسألة عند بولس لم تكن مسألة جنس مذكر أو مؤنث، إنما هي مسألة إيمان أو عدم إيمان. مسألة قيمة إنسانية أخلاقية عالية يتقدس من يحملها ويتقدس بها من يلوذ به.

وفي رسالته الأولى إلى الكورنثيين، لا يخفي بولس رغبته في أن ينذر بعض الشباب المؤمن من الجنسين، أنفسهم لخدمة الكنيسة، وللمساهمة في تثبيت الديانة الجديدة في نفوس الناس، فيحضهم على سلوك هذا الطريق ولا يأمرهم:”ولكن أقول لكم هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر.لأنِّي أريد أن يكون جميع الناس كما أنا، لكن لكل واحد موهبته الخاصة من الله. ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنَّه حسن إذا لبثوا كما أنا”(1كور7: 6-8).

لأنَّ،”غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب، وأمَّا المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته.إنَّ بين الزوجة والعذراء فرقا، غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدا وروحا، وأمَّا المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي رجلها”(1كور7: 32-34).

وبالمقابل هو لا يمنع أحدا من الزواج، بل يشجع الراغبين فيه بمن فيهم رجال الدين:”ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا، لأنَّ التزوج أصلح من التحرق.”(1كور7 :9) “إن تزوجتَ لم تخطىء”.

فالرهبانية وإن كانت نهجا مفضلا لدى بعض اللاهوتيين، إنَّما ليست فرضا،وهي متاحة أمام من يختارها طريق حياة. يقول غريغوريوس اللاهوتي: “المسيح ولد من عذراء. أيتها النساء شرفن البتولية، لتصرن أمهات للمسيح” (39الخطبة:1) .

إنّ فكرة العزوبية للتفرغ لخدمة الله التي جاء بها بولس، تعبر عن رأيه الشخصي وليست تشريعا أو أمرا من قبل المسيح(ع). فالزواج في المسيحية شيء مبارك، ولا تستقر الحياة بغيره”أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال”.
(1 كور7 : 27).

وينقل بولس وصية الرب للمتزوجات، أن لا يفارقن أزواجهن:”لا أنا بل الرب،أن لا تفارق المرأة رجلها”(1كور7: 10) .

((وهناك من بالغوا في التعفف والطهارة، إلى درجة أنهم يتزوجون، وفي ذات الوقت يمتنعون عن معاشرة زوجاتهم ويتآخون معهن، وقد كان ذلك في روسيا في مجمع ماكون.))(17).

وقوانين الكنيسة، تتشدد حيال الرهبان الذين (يَخْصُونَ) أنفسهم، وترد عليهم بحرمانهم من القبول في الكنيسة.

وقد شجب بولس كل من ينادي بعدم الزواج، ونعته بالكذب والرياء لأنَّه يخالف أمر الرب:”مانعين عن الزواج،وآمرين أن يُمتَنَع عن أطعمة قد خلقها الله “(4تيمو:2) ويشجع الشابات المترملات على الزواج ثانية، كي لا ينزلقن إلى هاوية الفحشاء:

“فأريد أنَّ الحدثات يتزوجن ويلدن الأولاد ويدبرن البيوت”(5 تيمو:14).

بينما لا يجد مبررا لزواج الأرملة، التي تجاوزت الستين من عمرها واستطاعت أن تربي بصلاح أولادها:

“لتُكتتب أرملة إن لم يكن عمرها أقل من ستين سنة امرأة رجل واحد. مشهود لها في أعمال صالحة إن تكن قد ربَّت الأولاد “(1تيمو5: 9-10).

في حين يوجب الزواج على الأفراد غير المرتبطين، أرامل أو غير ذلك، خوفا من السقوط في حمأة الزنى:

“ولكن لسبب الزنا ليكن لكل واحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها.ليوفِ الرجلُ المرأةَ حقها الواجب وكذلك المرأةُ أيضا الرجلَ.ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل، وكذلك الرجل أيضا ليس لـه تسلط على جسده بل للمرأة”
(1كور7: 2-4).

المهر:

ليس في الإنجيل آية تتعلق بمهر المرأة، لكن المسيحيين الشرقيين أوجبوا على المرأة مبلغا من المال تقدمه لعريسها لقاء زواجه بها، ويسمونه(الدوطة).

وهذه العادة منتشرة في بلادنا، والتعامل بها يتباين باختلاف الوسط الاجتماعي والمقدرة المالية للأسرة.

تعدد الزوجات:

عندما وجد المسيح(ع)، أنَّ الضرورة تقضي باتخاذ إجراءات جديدة تتناسب مع روحانية الدين المسيحي وتوجهاته، لم يتردد في ذلك مع أنَّه قال:”ما جئت لأنقض بل لأكمل”. ونهى عن تعدد الزوجات الذي كان معمولا به في المجتمع اليهودي. وقد تابع هذا الأمر القديس بولس، وطلب من الرجل أن يقتصر على زوجة واحدة، بما في ذلك رجال الدين:”فيجب أن يكون الأسقف بلا لَوْمٍ بعل امرأة واحدة صاحيا عاقلا محتشما مضيفا للغرباء صالحا للتعليم.”(1تيمو3:2).

وهذا يقودنا للقول إنّ تعدد الزوجات كان موجودا في الوسط المسيحي، بدليل أنّ الكنيسة المسيحية الأوروبية لم تعترض على الملوك والنبلاء الذين كان لهم أكثر من زوجة.((فقد كان للملك شارلمان زوجتان واثنتان من السراري، وأنّ الملك فردريك غليوم عقد زواجه على امرأتين بموافقة رجال الدين البروتستانت.))(18)

لكنّ الكنيسة بجميع مذاهبها، قررت فيما بعد منع التعدد وعدم جواز طلاق المرأة، معتمدة على تعاليم المسيح عليه السلام.

العلاقة الزوجية:

يأخذ بعض الباحثين في شؤون المرأة بعامة وفي شؤون المرأة المسيحية بخاصة، على بولس تشدده على المرأة، وتذكيره الدائم لها بسطوة الرجل عليها:”أريد أن تعلموا أنَّ رأس كل رجل هو المسيح، وأما رأس المرأة فهو الرجل””وأمَّا المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي رجلها”(1كور7: 33)

ويرى غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع، أنَّ المقصود بهذا التوجيه: ((هو موقع الرجل في الأسرة، لا أفضليته عليها. وعندما يطلب بولس من المرأة أن تسمع لزوجها، “يا امرأة اسمعي لزوجك”، فلأنَّه يحرص على استقامة الحياة بين الزوجين وعلى استمرار تآلفهما.)):”هذا أقوله لخيركم، ليس لكي أُلقي عليكم وَهَقا.”(1كور7: 35 ). وهذا يشير إلى أن بولس قد وضع للأسرة تنظيما تراتبياً، وأعطى كل فرد فيها دوره ومكانته.

ولكي نفهم مواقف القديس بولس علينا أولا، أن نضع باعتبارنا الفترة الزمنية التي عاش فيها، والديانة التي نشأ في رحابها وتأثر بفكرها وثقافتها.

فقد ولد في وسط يدين بالديانة اليهودية، وكبر في بيئة تتمثل مفاهيم هذا الدين وتمارس تصوراته. ولأنَّه لكل مرحلة زمنية رسل وأنبياء ورجال مصلحون، يكون لكل خطاب ديني أو إصلاحي لغة، تتناسب مع مدارك المخَاطب وبيئته.

وقد واجهت القديس بولس في جولاته الدينية- التوجيهية، ظروف اجتماعية معقدة، تباينت في قيمها بين مادية دين قديم ومثالية دين جديد. إلى جانب وجود الذهنية الفكرية القلقة، التي كانت مقصد خطابه الديني والاجتماعي.

بهذا المعيار نجد أنَّ القديس بولس، كان شديد الإدراك للشروط التاريخية والوجودية للجماعات البشرية التي يخاطبها. فهو لم يكن متطرفا في مواقفه، بل موضوعيا وعميقا في آرائه، التي جاءت ملبية لحاجة الناس في تلك البيئة وذلك الزمان.وكان حريصا على الاستقرار الاجتماعي في الأسرة، وناصحا للمرأة بكل ما يأتي بالخير لها ولبيتها.

بُنيت العلاقة بين الرجل-الزوج والمرأة-الزوجة، في مجتمع الديانة المسيحية على الفكرة اليهودية التي كانت سائدة في ذلك المجتمع، من أنَّ الرجل خلق أولا، وبعده خلقت حواء التي أغوته بأكل الثمرة المحرمة وأوقعته في الخطيئة. مع أنَّ العهد القديم، يقول:”ذكرا وأنثى خلقهم الله.”(1تكو:27) .

لقد حاولت المسيحية أن تصلح الاختلال الذي أحدثته المقولة التوراتية، من خلال تنظيم العلاقة بين الزوجين، ووضعها في إطار القدسية والمحبة والاستقرار، وتنبيه الجميع وتذكيرهم، بأنَّهم واحد في يسوع المسيح، ليكون التعامل فيما بينهم على هذا الأساس. والخضوع”اخضعوا بعضكم لبعض”خضوع في مخافة المسيح، لا استعباد ولا دونية ولا تسلط، وبهذا وحده يصبح الرجل والمرأة جسدا واحدا.

وقد شبَّه القديس بولس علاقة الزوج والزوجة، بعلاقة الجسد الذي لا يستغني عن أي عضو من أعضائه، فكلها مهمة وضرورية له. ووجد في خضوع الزوجة لزوجها، أفضل ضمان لاستمرار الحياة واستقرارها.”أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب. لأنَّ الرجل هو رأس المرأة كما أنَّ المسيح أيضا رأس الكنيسة، وهو مخلِّص الجسد. ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء”(5افسس: 22-24).

ويشير غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع إلى أن ((المقصود بالخضوع في دعوة بولس، أن يكون خضوع محبة وتراض بين الطرفين، لتسير حياتهما معا بهدوء وانتظام. فالخضوع بالمحبة غير الخضوع بالقسر والقهر. وكما أنّ المرأة أيضا مطالبة بحب زوجها والتضحية في سبيل راحته وطمأنينته، كذلك الرجل مطالب بحب زوجته وبمنح ذاته لها.فالمرأة أُخِذَت من الرجل، وهي جزء منه وقريبة إليه وهذا يؤكد على ارتباط كل واحد منهما بالآخر)).

وفي رأيي، لو كان القصد من كلام بولس هو الخضوع لمجرد الخضوع، لما طلب من الرجال أن يحبوا نساءهم:”أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحبَّ المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها. كذلك على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم. من يحب امرأته يحب نفسه.”(5أفسس:25-28).

ونلحظ اهتمام بولس باستقرار الحياة الزوجية، من خلال دعوته لتمتين العلاقة بين الزوجين:”وأمَّا أنتم الأفراد فليحب كل واحد امرأته هكذا كنفسه، وأمَّا المرأة فلتهب رجلها”.ويبدو أنّ الظرف الاجتماعي، كان يستدعي منه هذا الإلحاح على إقامة علاقة سوية بين الزوجين، طابعها المحبة والتآلف والانصياع. لذا نراه باستمرار يطالب النساء بالخضوع لأزواجهن، ويطالب الرجال بأن يحبوا نساءهم:”أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما يليق في الرب.أيها الرجال أحبوا نساءكم ولا تكونوا قساة عليهن”(3 كولوسي:
18-19 ).

وهذا الإلحاح على ضرورة خضوع المرأة للرجل، ووجوب حب الرجل للمرأة، يجعلني أتساءل:

ترى هل كانت النساء في ذلك الزمان متمردات على أزواجهن، عاصيات لأوامرهم ؟ أم أنّ الرجال كانوا عازفين عن نسائهم، ويبذلون عواطفهم خارج بيت الزوجية ؟ أم أنّ الدين الجديد يحاول من خلال تعاليمه ومثله، أن يعيد إلى العلاقات الإنسانية روح المحبة التي فقدتها في مجتمع طغت عليه المادية ؟

في كل الأحوال، ومهما كانت الأسباب أو المبررات، التي من أجلها يدعو القديس بولس المرأة للامتثال لزوجها والرجل ليحب زوجته، تبقى الغاية واحدة، هدفها مصلحة الأسرة والمجتمع.

وهذا أيضا ما يراه كوستي بندلي، فيقول: ((فكما تخضع الكنيسة للمسيح، تخضع النساء لأزواجهن))(19):”ما من حب أعظم من حب يبذل نفسه في سبيل أحبائه…لا أدعوكم عبيدا.. بل أدعوكم أحبائي”(15يوحنا: 13،15 ) .

ويرى أيضاً، ((أنَّ رئاسة الرجل للمرأة في فكر القديس بولس هي كأية رئاسة تستلهم الإنجيل، خدمة الحياة في المرؤوس إلى حد بذل الذات الكامل عنه إذا اقتضى الأمر. فهذه الرئاسة إذن تشكل انقلابا جذريا في مفهوم الرئاسة الشائع بين الناس والمسخر لصالح تسلط القوي على الضعيف))(20): “ألا تعلمون أنَّ رؤساء الأمم يسودونها، وأنَّ أكابرها يتسلطون عليها.فلا يكن هذا فيكم، بل من أراد أن يكون كبيرا فيكم، فليكن لكم خادما.ومن أراد أن يكون الأول فيكم، فليكن لكم عبدا.هكذا ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم، ويفدي بنفسه جماعة كثيرة ..”(20متى: 24-28).

لكنّ الناسك المتصلب يوحنا الذهبي الفم الذي جاء في نهاية القرن الرابع ميلادي، نقض الترتيب الذي وضعه بولس:”الرجل هو رأس المرأة”، وقال:((إنَّ المرأة كما عرفها في إنطاكية وفي القسطنطينية، كثيرا ما تكون سباقة للرجل في تقواها وفي نضالها المسيحي.لذا يمكن بالنضال الإنجيلي تجاوز ذلك الترتيب، بحيث تكون المرأة رأسا للرجل إذا كانت الأتقى.))(21)

ومثل الذهبي الفم، فعل باسيليوس الكبير، حين أشاد بحسنات المرأة وشدد على مساواتها للرجل، من خلال روايته قصة استشهاد جولييت المقدسة، الذي حصل في السنة307 في القيصرية على عهد أحد الأباطرة الرومان. فالقديسة جولييت كانت توصي النسوة اللواتي يحطن بها، أن لا يرضخن للرجال مدعيات بضعف جنسهن. وتقول: ((إننا خلقنا كالرجل في طبيعة على صورة الله ونحن مثله.والمرأة خلقت من الله بطاقة لطيفة كالرجل، إننا نعادلـه في كل شيء ليس فقط لحما من لحمه، بل عظما من عظامه؛ ولذلك يطلب الله منَّا إيمانا لا يقل صلابة عن إيمان الرجل.))(22).

الطلاق:

لقد هدف المسيح عليه السلام من وراء نهي الرجال عن تطليق النساء، إلى وقف هذه العادة البغيضة المتفشية في المجتمع اليهودي، والحد من آثارها السلبية على الأسرة وأفرادها.

ترى هل تحققت رغبة المسيح، واصطلحت شؤون الأسرة بوقف الطلاق؟

سؤال يخطر على البال، في مجتمع ليس فيه طلاق كنسي بالرغم من ضرورته في كثير من الأحيان. فإذا كان الطلاق شراً في بعض الأحيان، فإنه في بعض الأحيان خير كله.

الزنى:

يُعتبر الزنى في المسيحية، حالة من حالات التعدي على المرأة بما هي إنسان، والنظرة المشتهية تعني، اعتبار المرأة شيئا يمكن استعماله لإشباع غريزة أنانية. وفي الواقع أنَّ ((قيمة المرأة من ذاتها لا من علاقتها بالرجل كتابعة لـه.إنَّها قيمة مطلقة لا يمكن استعمالها ولا استغلالها لأي هدف كان.))(23).

“قد سمعتم أنَّه قيل للقدماء لا تزن. وأمَّا أنا فأقول إنَّ من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنا بها في قلبه”(5متى:27-28).

لم يقصد المسيح(ع) من تحذيره للرجل من فعل الزنى، أن يحمِّل المرأة وحدها وزر هذا الفعل. كما لم يقصد، ((إلى إخفاء المرأة لتفادي شهوة الرجل، فالانضباط مطلوب منه مثلما هو مطلوب من المرأة))(24).

لهذا منح (ع) فرصة التوبة، لمن يريد صادقا أن يعود إلى جادة الفضيلة وتقبَّله في عداد المؤمنين، ليعارض ما كان موروثا عند اليهود، من رجم للزانية دون الزاني، وليحقق العدالة بين الجميع، فلماذا تُرجَم الزانية ولا يُرجَم الزاني؟ أليس الزنى خطيئة مشتركة؟

أجار المسيح المرأة الزانية، وصدَّ عنها عقوبة الرجم التي كاد أن يوقعها عليها بعض الرجال الذين في الواقع هم الزناة، فأثار بذلك أكبر تحد دافع فيه عن المرأة:

“ثم حضر أيضا إلى الهيكل في الصبح وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلِّمهم. وقدَّم إليه الكتبة والفرّيسيون امرأة أُمسكت في زنى، ولمّا أقاموها في الوسط، قالوا لـه يا معلِّم هذه المرأة أُمسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى في الناموس أوصانا أنّ مثل هذه تُرجم، فماذا تقول أنت.قالوا هذا ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه، وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بإصبعه على الأرض. ولمّا استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطيَّة فليرمها أولاً بحجر. ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض. وأمّا هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تُبكتّهم خرجوا واحدا فواحدا مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين، وبقي يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدا سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك، أَمَا دانك أحد. فقالت لا أحد
يا سيد، فقال يسوع ولا أنا أَدينُك، اذهبي ولا تُخطئي أيضاً.” (8إنجيل يوحنا:2-11) .

((فعندما قدمت امرأة زانية ليسوع، طُلب منه أن يُدينها. فلم يرفع المسيح عن المرأة مسؤولية خطيئتها، ولكنه طرح المشكلة من زاوية أخرى. لذا صمت، وانكب يرسم على الأرض خطوطا تاركا للرجال الغيورين في الظاهر على الفضيلة والناموس، الذين تهافتوا على اتهام المرأة، فرصة مراجعة أنفسهم والتساؤل عما إذا كانوا لا يتسترون بحجة تشددهم في تطبيق الشريعة، عند رؤية ما يعتمل في أنفسهم من شهوة خفية أثارتها فعلة المرأة.))(25).

بهذا الموقف، أحيا المسيح(ع) روح هذه المرأة المخطئة وجسدها، فاستجابت لتسامحه وأعلنت ندامتها وتوبتها النصوح.

الحجاب:

لم يكن الحجاب بمفهومه المتداول اليوم، معروفا في المجتمع اليهودي والمسيحي. وكانت النساء الطاهرات يكتفين بوضع شال على الرأس، ليدللن على أمانتهن لأزواجهن. في حين كان الشعر المكشوف المرسل على الأكتاف، من سمات المرأة العاهرة.

وقد حبَّذت التعاليم المسيحية، التزام النساء المؤمنات بالحشمة في اللباس، وطلبت منهن نبذ المظاهر والتحلي بالإيمان والورع، وإظهار أفضل ما لديهنَّ من صفات لخدمة الدين وأخلاقياته:”أنَّ النساء يُزينَّ ذواتهن بلباس الحشمة مع ورع وتعقل لا بضفائر أو ذهب أو لآلىء أو ملابس كثيرة الثمن.بل كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة”(1تيمو2:9-10 ).

وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، ينصح المرأة المؤمنة بتغطية شعرها أثناء الصلاة، خوفا على المصلين من الإغراء والغواية:”كل امرأة تصلي أو تتنبأ، ورأسها غير مغطى فتشين رأسها لأنَّها والمحلوقة شيء واحد بعينه”(11: 5).

فإن لم تعمل بذلك، تُعاقب بقص شعرها أو حلقه:”المرأة إن كانت لا تتغطى فليقصَّ شعرها.وإن كان قبيحا بالمرأة أن تقص أو تحلق، فلتتغط”(11: 6).

((وقد أراد بولس من خلال استخدامه فكرة غطاء الرأس للمرأة، أن يحدد انتماء المرأة للرجل.كما أراد أن يفصل بين نساء الكنيسة المؤمنات والنساء غير الصالحات في المجتمع في أيامه.))(26).

ويمكن للمتابع أن يلاحظ، أنَّ تغطية الرأس والاحتشام في اللباس وعدم التزين المبالغ فيه، ليس تشريعا دينيا، ولو أنَّه كان كذلك لالتزمت به المسيحيات المؤمنات، وإنَّما هو نوع من التدبر والإصلاح الاجتماعي؛ يرتبط بواقع المجتمع في ذلك الحين، مع ملاءمته لكل حين.

فالحجاب في القديم، كما يقول غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع، ((لم يكن حجابا باللباس وإنما كان حجابا اجتماعيا، فالمرأة القروية المتزوجة في القرية التي كنت أعيش فيها، كانت تُعرف من عقدة على غطاء رأسها. في حين كان غطاء غير المتزوجة خالياً من هذه العقدة.))

أما موقف القديس بولس من المرأة التي ترسل شعرها في الكنيسة، فكان بدافع من حرصه على سلامة العلاقة بين الرعية الذكور، وإبعادهم عن الخصومات والعراك بسبب شعر امرأة:”وأمَّا المرأة إن كانت ترخي شعرها فهو مجد لها لأنَّ الشعر قد أُعطي لها عوض برقع.ولكن إن كان أحد يُظهر أنَّه يحب الخصام فليس لنا نحن عادة مثل هذه ولا لكنائس الله”(1كور11:
15-16).

في حين نجده يستنكر منظر الرجل الذي يرخي شعره، ويعتبر هذا عارا عليه: “أمَّا الرجل إن كان يرخى شعره فهو عيب له”.

ولأنّ الرجل صورة الله ومجده، أعفاه من وضع غطاء على رأسه:”لا ينبغي أن يغطي الرجل رأسه لكونه صورة الله ومجده”(11: 7).

وقد أُخذ هذا الموقف على القديس بولس، لأنّ فيه تمييزا صارخا للرجل وإعلاء لشأنه على المرأة. وفي رأيي، أنَّ إعفاء الرجل المسيحي من غطاء الرأس لم يكن القصد منه تكريميا، وإنَّما لتمييزه من الرجل اليهودي وتغيير سنَّة كان ولا يزال الرجال اليهود يتبعونها.

أما عن دعوة المرأة إلى الاحتشام في مظهرها في أثناء تأدية الفرائض الدينية، فيجد فيها بعضهم تضييقا على المرأة وخرقا لحريتها الشخصية. ويرفضون كل ما من شأنه إلزام الناس بزي أو لباس، على اعتبار أنَّ الله خلق الناس جميعهم أحرارا، ولهم الحق في تطبيق ما يرونه مناسبا لهم ولمجتمعهم.

وفي سؤال لغبطة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم حول الحجاب، يجيب: ((منذ سنوات طويلة، كانت المرأة في بلادنا تقف وراء الرجل في الكنيسة، وهي محجبة الشعر حتى لا ينصرف المؤمنون عن غاية العبادة التي جاءوا من أجلها.وهذا يؤكد على أنَّ الحجاب في الكنيسة تدبيري، وليس
عقيدة)) .

ثم يقول: ((المسيحية ليست ضد تجمل المرأة وتزينها، والإنسان ،بشكل عام، لا يتجمل فقط لنفسه وإنَّما لغيره، لكي يبدو مقبولا في نظر الآخرين.وهنا يتحول التقدير إلى قيمة ثانية، ليس قيمة الشهوة وإنَّما قيمة الجمال؛ وكل الفن أتى من هذه النظرة. فمن لا يعتني بمظهره يبدو وكأنَّه يستهتر بالذين حوله)).

ويضيف غبطته قائلا: ((ربما الحشمة تقضي أن يخفي الإنسان نفسه وراء المألوف، ووراء العام الشامل، وهذه الفكرة استقيتها من النساء أنفسهن)). ويروي أنه في إحدى زياراته إلى باريس سأل أحد الكهنة الذين يعترف عندهم الناس: ((ما هي العلاقة بين المظهر والأخلاق؟ فقال الكاهن: لا يوجد علاقة بينهما. والمسألة هي، أنَّ هناك ضغطا بالموضة حتى أصبح كل واحد نسخة عن الثاني)). ويعلق غبطته على ظاهرة التماهي بالموضة، فيقول:((الحقيقة أنَّ معظم الناس تمادوا كثيرا في مسايرتهم للموضة وخروجهم عن المألوف. وكثيرا ما تأتي العروس إلى الكنيسة، بلباس لا ينسجم مع جو الصلاة للعرس الإكليلي. حتى أنِّي في إحدى المرات نزعت جاكيت العريس وسترت به كتفي العروس العاريتين)).

ويقول أخيراً: ((وأنا بعد أن عرفت من النساء أنَّ هناك ثيابا خاصة بكل مناسبة، فإنِّي أميل إلى أن ترتدي النساء ثيابا خاصة أثناء الصلاة في الكنيسة)).

أما القس صموئيل حبيب فيعتقد، ((أنَّ الملابس(الحشمة)هي التي يقبلها المجتمع، أي مجتمع، ويرضى عنها.ولما كانت المجتمعات داخل البيئة
الواحدة، مختلطة ومتداخلة، فإنَّ قيم الحشمة تكون أحيانا مصنفة داخل ذات البيئة.))(27).

وفي كنيسة الاتحاد المسيحي الإنجيلية، المرأة ملزمة بتغطية رأسها أثناء الصلاة. لأنّ كل مجد بشري يجب أن يختفي أمام مجد الله. ولأن مجد المرأة هو شعرها، فعليها أن تغطيه. وليس هذا فحسب، بل عليها ألا تدخل الكنيسة بثياب فاخرة غالية الثمن، كالفراء مثلا.

وعن هذه المسألة، يقول الأب أنطوان مصلح من الكنيسة الكاثوليكية في أثناء حواري معه: ((إننا كرجال دين نطلب من النساء الاحتشام في اللباس عند دخول الكنيسة وأثناء تأدية الصلاة. فالاحتشام في الكنيسة هو نوع من التعبير عن روح الدين المسيحي)).

*        *        *

إنَّ لكل مجتمع أعرافه حول الحشمة ومفهومها، والتي قد تتغير وتتبدل بحسب الزمان والمكان.والحشمة التي كان بولس ينادي بها لم تنتف، وإنما أصبحت غريبة عن مجتمع اليوم، ولا تلتزم بها النساء في هذه الأيام.

مع الإشارة إلى اختلاف التقاليد الاجتماعية، بين الريف والمدينة.فما يقبله المجتمع الريفي، قد يرفضه المجتمع المديني، والعكس صحيح.

ومن المعروف في المجتمع السوري، أنّ المرأة المسيحية التزمت بغطاء الرأس في الكنيسة وخارجها، حتى مطلع القرن العشرين. وكانت تضع الحجاب أسوة بأختها المسلمة مراعاة للبيئة وأعرافها.

ولا بدّ من التنبيه، إلى أنَّ بعض الفئات في مجتمعنا، تُحوِّل بعض المفاهيم الاجتماعية إلى قيم دينية، فتحلل بعضها وتحرم بعضها الآخر، وذلك وفقاً لمزاجية الفئة الأقوى في المجتمع.

التعليم:

في رسالته الأولى إلى أهل تيموثاوس، لا يرى القديس بولس بأسا في تعليم المرأة، على أن يتم ذلك في صمت وهدوء مراعاة لقدسية الكنيسة:”لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع”. والعهد الجديد يؤكد وجود عالمات متنبئات، ووصول بعض النساء إلى مراتب دينية متقدمة، بفضل معرفتهن بالدين.

وقد حار دارسو الكتاب المقدس، في فهم المغزى الذي قصده بولس من الصمت. فقال بعضهم، المقصود ألاّ تتكلم المرأة بألسنة متعددة. وترجم بعضهم الآخر كلمة سكوت، بأنَّها تعني بهدوء وسلام وتجاوب، ولا تعني الصمت فعلياً.

بينما علَّق آخرون على صمت النساء في الكنيسة، بأنَّه صمت التأمل وعدم إحداث ضوضاء تشتت تركيز المؤمن.

في ذات الرسالة، يمنع القديس بولس المرأة من أن تعلِّم حرصا على مكانة الرجل وهيبته:”ولكن لست آذن للمرأة أن تعلِّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون بسكوت.لأنَّ آدم جبل أولا ثم حواء.وآدم لم يُغوَ لكنَّ المرأة أُغويت فحصلت في التعدي”(2تيمو: 11-14).

وقد تكون هذه التوصية هي التي أبعدت المرأة المسيحية عن مركز القيادة في الكنيسة، وجعلت القيادة في الكنيسة للرجل.

ويردّ غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع وصية بولس بمنع المرأة من التعليم في الكنيسة، ((إلى خوف بولس على كيان الأسرة، ومن أن يؤدي ذلك إلى إقلاق الترتيب الأسري، ولا سيما في حال كان الرجل لم يهتد للإيمان بعد)). ولو أخذنا بعين الاعتبار الخلفية التاريخية، فقد يبين السبب الذي دعا بولس للوقوع في هذه الازدواجية.إن الداخلين إلى الدين المسيحي لم يكونوا يهودا كلهم، بل كان القسم الأكبر منهم وثنيا.ومن هنا جاء خوف بولس وحرصه على عدم تشويش ذهنية المؤمنين، وإقلاق إيمانهم بأفكار بعيدة عن تعاليم الدين المسيحي.

أمَّا عن قناعة بولس، بخلق المرأة من ضلع آدم، وبأنَّها المسؤول الأول عن فعل الخطيئة، فهذا أيضا يعود إلى نشأته في البيئة اليهودية التي تكرس مثل هذه المقولات. فكلما حاول القديس بولس، أن يقتدي بأقوال المسيح(ع) ويردم الهوة بين المرأة والرجل باعتبارهما(كيانا واحدا)، يجنح إلى ثقافة عصره ويذكّر بفوقية الرجل على المرأة؛ إنسانيا وإيمانيا وبكونه المحور الذي تدور حوله الحياة.

*        *        *

تورد اللاهوتية الأرثوذكسية المعاصرة إليزابيث بير-سيغل، نصا معبرا لباسيليوس نفسه، يقول فيه: ((ذكرا وأنثى خلقهم، فالمرأة تملك أسوة بالرجل امتياز الخلق على صورة الله. وهما متساويان بالكرامة، كما أنهما متساويان بالفضيلة والثواب والأمانة)). ويرى فيه أيضا((أنَّ المرأة تفوق الرجل حرارة في الصلاة، وتحملا في الصيام وسيطرة على أهواء الخطيئة، بحيث أنها تمتلك القدرة على موقع الآمر)).

وتعلق اللاهوتية سيغل بقولها: ((إنَّ باسيليوس عندما يمدح المرأة بهذا الشكل، ويدعوها أن تتخطى بالقداسة الحدود المرسومة لجنسها، يستند إلى خبرته الشخصية.فقد عرف بنفسه نساء مسيحيات عادلن، بل فقن كثيرا من الرجال، ومنهن أخته مكرينا التي اعترف لها بأنَّها كانت معلمته ومرشدته في الحياة الروحية.))(28) .

لقد لاحظنا أنَّ المسيح عليه السلام أعطى المرأة، مكانة روحية لمسناها في مواقف متعددة.إنَّما الاجتهادات التي جاءت على لسان معظم القديسين، وقفت في وجه التوجيهات التي أتى بها المسيح وجاء من أجلها. فحين اتسع نطاق انتشار الدين المسيحي، أبطل رجال الكنيسة نظرة الدين الإيجابية إلى المرأة. ووضعوا نصوصاً وقواعد سلوكية جديدة لشتى مجالات الحياة، كلها تصبُّ في غير صالح المرأة. وهذه السلوكيات، أتاحت الفرصة للمتصيدين ليفسروا فكرة الخطيئة البشرية الأولى، تفسيرا خاطئا ويبنوا عليه نظرية تقول: ((إنَّ الغرائز البدنية تجعل الإنسان غير صالح للمغفرة. فالجنس البشري على بكرة أبيه لوَّثته خطيئة آدم وحواء. فكل آدمي وُلِدَ نتيجة اتصال الرجل بالمرأة، يولد ملوثاً بالخطيئة الأولى.))(29).

وفي هذه الأقوال مجافاة للحقيقة، لأنّ الأديان السماوية لا تجد خطيئة، في التواصل الإنساني بين الزوج والزوجة. والجنس ليس نجساً، والله هو الذي خاطب آدم وحواء وأمرهما بالزواج ليملأا الأرض من الأبناء.

وحواء لم تغو آدم، وإنما الحية هي التي أغوتها وجعلتها تأكل من الثمرة المحرمة، وتعطي زوجها آدم ليأكل منها.

لكنّ بعض رجال الدين، غالوا في نظرتهم الدونية إلى المرأة وأيدوا خضوعها لزوجها، ليقينهم أنَّها المسبب الأول لكل أوجاع الكنيسة، وأنها كارثة، وخطر منزلي، وفتنة مهلكة، وشر عليه طلاء. يقول القديس إمبراوز: ((حواء هي التي سارت بآدم نحو الخطيئة ولم يسر آدم بحواء نحوها. ومن قادته المرأة إلى الخطيئة من حقه أن يستقبل استقبال الأسياد.))(30).

ونتيجة المواقف المعادية للمرأة من بعض رجال الدين المسيحي، عارضت الكنيسة في عصر أوجها، استخدام المادة المخدرة في تيسير عملية الولادة، لتمنع تخفيف آلام الوضع عن المرأة، باعتبار هذا الاستخدام يناقض الحكم الذي جاء في التوراة، والذي يقضي على النساء بتكثير أتعاب الحمل والولادة:”تكثيرا أكثِّر أتعاب حملك، بالوجع تلدين”.

وجاوز بعض الرهبان حدّ التطرف في نظرتهم، فشنُّوا حربا على الفطرة البشرية، واعتبروا العلاقة الزوجية دنسا يجب التطهر منه، ولا سبيل إلى ذلك بغير التبتل والترهب. فتكرس في المسيحية مفهوم الرهبنة عند الرجال والنساء، وانتشر وما يزال منتشراً.

وذكرت الموسوعة البريطانية تحت لفظة (امرأة): أنَّ ((مجيء المسيحية لم يحسّن أحوال المرأة، رغم أنّ الكنيسة أقرَّتْ أنَّ للمرأة روحاً هي وروح الرجل شيء سواء عند الله. لكن الكنيسة لم تبدل من نظرتها للمرأة باعتبارها مصدر إغواء للرجل، وسبب خروج آدم من الجنة، وأنَّها من ذرية آدم في المرتبة الثانية.))(31).

وفي عام 1642، وهو عام انحياز الكنيسة الكاثوليكية للرجل ضد المرأة، لجأت النساء إلى نشر عريضة ضد البابوية جاء فيها: ((قد يبدو مستغرباً وغير لائق أن تعبِّر نساء عن آرائهن في عرائض عامة. لكن المسيح دفع، كي يفتدينا، نفس الثمن الذي دفعه من أجل الرجال وهو يطلب منَّا نفس الانصياع لنعمته.))(32)

* * *

الخلاصة:

أسعى في هذه الخلاصة إلى توكيد ثلاثة أمور:

أولها:

أنّ للموروث الديني نفوذاً، ليس فقط على مكانة المرأة الاجتماعية، بل أيضاً على السلوك الأخلاقي لكلا الجنسين، أحدهما تجاه الآخر.(33).

ففي الأسفار اليهودية والتعاليم المسيحية المتعلقة بالمرأة، تنعكس صورة مجتمع أبوي متعصب لذكوريته، يحمل نظرة تبخيسية للمرأة ويمارس سلطته عليها. والكهنة اليهود ومن اتبع رؤيتهم، يهملون الجانب المتعلق بالمساواة الإنسانية بين الرجل والمرأة، “وخلقهما رجلا وامرأة”، ويحفلون بقصة انصياع حواء لغواية الحية ووقوعها في شرك الخطيئة، ويجعلون منها رمزا للخطيئة والإغواء، ويسوِّقونها بهذه الصورة على امتداد العالم.

مع أنّ النص التوراتي واضح لا لبس فيه، حيث يؤكد معرفة الله بكل ما يجري بين الحية والمرأة.وهو الذي اتخذ من الحية وسيلة، ليجعل مخلوقه البشري عارفا بالخير والشر، مثله.

فالمرأة كانت لا تريد أن تأكل وزوجها من ثمر شجر الجنة، حتى لا يموتا.لكن الحية طمأنتها قائلة:”لن تموتا.بل الله عالمٌ أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر”(3تكو:4-5)

وبعد أن تفتحت أعينهما على عريهما، “صنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما”(3تكو:21).

وحينما اطمأن الله إلى أنّ الإنسان(آدم وزوجه) أصبح عارفا الخير والشر، منحه حياة إنسانية وأخرجه من الجنة إلى الأرض، ليعمل فيها:”وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفا الخير والشر، والآن لعله يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد.فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها”(3تكو:22-23).

فالشجرة المحرمة إذن هي شجرة المعرفة.وعندما قدمت حواء إلى زوجها بعضا من ثمر هذه الشجرة ليأكله، فإنما قدمت لـه معرفة تفتح العقل والعين.معرفة كانت من قبل محرمة عليهما، ألا وهي معرفة تفاصيل أعضاء الجسد وطرق أدائها.

وهذا يسوقنا للقول:إن حواء الأولى(أم كل حي)، لم تكن فقط الأنثى الولود، إنما قبل كل شيء، هي أنثى الفكر والعقل والإدراك.

ثانيها:

بناء مفاهيم مغلوطة عن قصة الخلق التوراتية، تم الترويج لها قديما وحديثا من قبل رجال دين ومفكرين وباحثين، ودائما المرأة هي الضحية.

ولو أنّ هؤلاء تفكروا في قصة الخلق كما وردت في العهد القديم، من أنّ الله أكمل الرجل بالمرأة لتكون عوناً لـه لأنَّه لا يستحسن أن يكون وحده، لتبينوا أنّ المكانة الأساسية للمرأة، تحددت منذ البدء على أنَّها عنصر مكمل مساو للرجل، وفي الوقت ذاته مختلف عنه. ويقول غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع: ((الله عندما خلق الإنسان، ذكرا وأنثى، على صورته، يعني أنّ آدم خليقة الله، وحواء أيضا خليقة الله)).وهذا الفهم لحقيقة قصة الخلق، لم يقف حائلا دون نفوذ الأفكار التوراتية إلى اللاهوت المسيحي، بسبب وجود الديانتين اليهودية والمسيحية، في بيئة اجتماعية واحدة ومرحلة زمنية متقاربة. وأيضا، بتأثيرٍ من كتبة الأناجيل الأربعة، ((فالإنجيل، كما يقول غبطته، هو وحي بالمضمون وليس باللفظ، كالقرآن. فالمخاطَب في إنجيل،مختلف عن المخاطَب في إنجيل آخر. والمسيح كان يخاطب اليهود بمقولة ما جئت لأنقض بل لأتمم، حتى لا يلغي كل شيء لدى اليهود ويثير حساسيتهم)).

لهذا دانت بعض الكنائس المسيحية المرأةَ، وحمّلتها وزر سقوط آدم في الخطيئة، وخروجه من الجنة. رغم أنّ هذه الإدانة تنافي الرؤية الحقيقية لقصة الخلق، وتنمّ عن تحيز ذكوري سافر ضد المرأة، غايته التقليل من قابلية الرجل لفعل الخطيئة. ويردّ معظم الباحثين في موضوعة المرأة المسيحية، هذا الموقف الكنسي إلى مقولة القديس بولس المستمدة من التوراة:”آدم جبل أولا ثم حواء. وآدم لم يُغو لكن المرأة أُغْوِيتْ فحصلت في التعدي”.

وإذا تمعنّا في مقولة بولس، نجد أنّه لا ينظر إلى المرأة على أنّها هي الخطيئة، وإنما يشير إلى أنها أُغويت من قبل الحية وأكلت من الشجرة المحرمة، فتعدت بذلك حدود الله وتجاوزت أوامره. ولا يغيب عن أحد أنّ الحية ليست حواء، وإنما هي كائن مختلف عنها.لذا فالحية مصدر الخطيئة، وليست حواء.

وهنا يتضح لنا أن لعبة الخطيئة قد قامت على ثلاثة عناصر، هي: الحية التي أغوت المرأة، والمرأة التي وقعت في فخ الإغواء وأكلت من ثمر الشجرة المحرمة، والرجل الذي استجاب لامرأته، ومثلها أكل من ثمرة الشجرة ذاتها.

وهذا يقودنا إلى معرفة طبيعة الخطيئة الأولى،((وأنها حالة عامة منها تولد كل أفعال الخطيئة.أي أنّ الإنسان انتقل من حالة الطهارة، وتولدت لديه القابلية لفعل الخطيئة. وهذه حالة إمكان وليس حالة فعل.))(34).

وهذا الفهم لما يسمى بالخطيئة الأولى، لا ينفي وجود مفهوم الخطيئة في الديانة المسيحية، لأنه مفهوم مترسخ في صلب العقيدة، من حيث أنّ المسيح ((جاء ليخلص الإنسان من الخطية الأصلية، ويبعد اليأس عن نفسه ويقوِّيه حتى لا يظن أنّه قد قضي عليه أن يكون خاطئا.))(35).

ويرى بعض اللاهوتيين، أن الخطيئة هي أمر يتعلق بإرادة الإنسان، وهم ضد القول بنجاسة الجسد. يقول القديس كيرلس: ((أنّه ليس الجسد الذي يخطىء من تلقاء ذاته، بل النفس بواسطة الجسد.))(36).

ثالثها:

لقد أدخل بعض رجال الدين إلى دياناتهم السماوية، آراء وتفسيرات شخصية، ألزموا الناس من خلالها بما لا يلزم، وفرضوا على عقولهم أفكارا لا تمت إلى التنزيل بصلة. وتمثلوا مقولات قديمة تنال من المرأة، زادت في إبعادهم عن جوهر الدين، وأدت إلى تغيير في بعض المفاهيم والمقولات الدينية التي تخص المرأة. وهذا التدخل البشري في الدين، حدا ببعض المفكرين، إلى إطلاق صفة الذكورية على الأديان.

ويظهر التدخل البشري في الديانة اليهودية، من خلال القوانين التلمودية التي وضعها الكهنة وأضافوها إلى شريعتهم، وجاءت في معظمها محابية للذكور ((محاباة بلغت من القوة، أنّها بعثت في نفوس أحبار اليهود الفزع من المرأة، فصاروا يلومونها لأنها أطفأت روح العالم ويرونها خفيفة العقل وأنّ شهادة مائة امرأة تعدل شهادة رجل واحد.))(37).

وفي المسيحية أيضا تظهر الاجتهادات البشرية، التي وقفت منذ البدء في وجه الجدة الإنجيلية. لذلك يدعو الكاتب كوستي بندلي، ((إلى قراءة النصوص المقدسة قراءة جديدة تحرص على التمييز بين الوحي الإلهي، وبين ما يعلق به أحيانا من تصورات بشرية.))(38) وهذا، ((ما تدعو إليه أصوات كثيرة في كافة الكنائس المسيحية، لكشف ما ألحقته الجماعات المسيحية التاريخية من إجحاف بحق المرأة.ولإعطائها الدور الذي يتناسب مع الرؤية الإيمانية الأصلية.))(39).

فالدين، كما يعلم الجميع، وسيلة ضبط اجتماعي لسلوك الأفراد في مجتمعاتهم المختلفة.وحضوره في حياتهم الاجتماعية كبير وفاعل، ويمثل المصدر الأول الذي تستند إليه القوانين والأعراف، وهو ما يبين مدى وجود الارتباط الوثيق بين هذه القوانين والأعراف، وقواعد الدين والأخلاق.ولكي يكون القانون الأخلاقي ذا أثر في النفوس، يجب أن يصدر عن مرجعية دينية صحيحة.

أمّا عن موضوعة المرأة العربية في المسيحية، فلا أظنها تختلف عن غيرها من الموضوعات العديدة، التي تدور في فلك مشكلات المرأة العربية المسلمة في المجتمع العربي، التي لا تزال بحاجة إلى إعادة فتح ملفها لأنّها لم تُطرق كعمل جاد. وانتماء المرأة، مسيحية كانت أو مسلمة، إلى مجتمع واحد يوحد المشكلات ومضامينها، فالأمراض واحدة والأوجاع واحدة، وإن اختلفت بعض وسائل العلاج.

والمجتمع المسيحي بحكم وجوده في بيئة عربية إسلامية، يخضع إلى حد كبير لعادات هذه البيئة وتقاليدها.

وإذا كانت ((المرأة المسيحية تعيش بعض ظروف التخلف، فذلك لكونها تعيش في مجتمع ذكري، لـه نظمه الاجتماعية وفكره الديني. وإذا كان هناك محاولات واعية للخروج من هذه الظروف، فهناك أيضا محاولات غير واعية تنبع من جهل المرأة لنفسها ولمكانتها.))(40) .

إنما لا يعني هذا أن المرأة المسيحية غائبة تماما. فهي موجودة في العمل الاجتماعي الذي ترعاه الكنيسة، ((تسهم في المجالات الخيرية، كالمياتم ودور العجزة، والتربوية والطبية وسوى ذلك.))(41).

ومع أنّ وضع المرأة ((قد تحسن كثيرا في الكنيسة المسيحية، واختفت تلك الآراء التي تتعامل مع المرأة ككائن أدخل الخطيئة إلى العالم، وعَرَّضَ الوجود البشري للإثم. لكنّ المساواة الكاملة بين الذكر والأنثى ما تزال غائبة عن الغالبية المطلقة من الكنائس المسيحية.))(42).

*        *        *

لقد ترك ارتباط الكنائس العربية بالكنائس الأوروبية، شرقية كانت أم غربية، على المجتمع المسيحي، بعض الملامح والسمات الغربية. ومن جراء ذلك، تنازعت رعايا الطوائف المسيحية تيارات ثقافية ودينية غربية، جعلتهم متأرجحين بين التراث الذي شاركوا في صنع تراكميته الثقافية والاجتماعية والفكرية، وبين معطيات الحضارة الغربية.

ومن هنا، ربما، تسرّب الوهن إلى العلاقة بين المسيحي وشريعته، وبينه وبين بعض عادات المجتمع وتقاليده. ومسحة التغريب التي طغت على المرأة في المجتمع المسيحي المديني، زادت في تبئير التناقض، وفي إحداث نوع من الانتقال والتغيير، في العديد من القضايا الاجتماعية، كالمظهر الخارجي، على سبيل المثال.

((وقد تخلت معظم النساء المسيحيات عن الاحتشام في لباسهن، مرة بحجة عدم فرضه في الإنجيل، وتارة باسم الحرية والتحرر والرغبة بالانعتاق من القيود.وهذا يعود إلى جهلهن، وعدم معرفتهن الواعية لذواتهن.))(43).

فآثرن تقليد المظهر الغربي في اللباس والزينة، ولحقت بهن شريحة كبيرة من الفتيات المسلمات، مخالفة بذلك التعاليم المسيحية التي تميل في جوهرها إلى لباس الحشمة، الذي يقترب في شكله من اللباس الشرعي للمرأة المسلمة، ودليلنا هو لباس الراهبات المسيحيات.

وإذا كانت الكنيسة العربية، قد غضت الطرف عن دخول بعض المظاهر الغربية إلى الأسرة المسيحية والمجتمع المسيحي، فإنها لم تهادن في العلائق الزوجية.

ولم تتأثر بموقف الكنيسة في الغرب من الطلاق، بل حافظت إلى أقصى درجة على سر الزواج ورباطه المقدس، وتشددت أيما تشدد قبل أن تفصم هذه العلاقة بين الزوجين.

ومع أنّ المرأة العربية المسيحية، نالت بموجب القانون العديد من الامتيازات السياسية والاجتماعية، فإنها لم تحقق أي تقدم في المجال الكنسي، على الرغم من الانفتاح على الغرب، فالهوة ما تزال كبيرة بين واقع المرأة، وطموحاتها.

والتضحيات الجليلة التي قدمتها النساء المؤمنات، في بداية الدعوة المسيحية وفي المراحل التي تلتها، لم تنعكس إيجابيا على وضع المرأة المسيحية المعاصرة بشكل حقيقي، يتناسب مع حجم نضالها في سبيل هذا الإيمان.

وقد يكون من الضروري اليوم أن يعيد القائمون على أمور الكنيسة ((تفحص المعطيات القائمة والمفاهيم والأعمال التي قد لا تتفق مع المبادىء اللاهوتية والكنسية الثابتة، وقد تكون تسربت من الخارج وتخلدت في الممارسة، وسمحت بأن تؤول على أنها مُبَخِّسة بحق النساء.)) (44).

*        *        *

الزمن يتغير، والاجتهادات تزيد، والآراء تتضخم، والمجتمعات تتبدل، في معظم مفاصلها الحيوية. ونحن للأسف ما نزال في مجتمعنا العربي، ندور في فلك مغلق نناقش فيه موضوعة المرأة في الدين والمجتمع، بهدف تصحيح النظرة إليها، ووضع الأمور على مسارها الطبيعي، من حيث أنّ المرأة صنو الرجل في الإنسانية، ومكملته في العمل الحياتي المنتج.

والجهود المبذولة الهادفة إلى تقدم المرأة العربية، وتحريرها من الجهل وإعطائها مزيدا من الامتيازات في البيت والمجتمع، تشمل المرأة المسيحية والمسلمة على حدّ سواء.ومما يثلج الصدر في العصر الراهن، أنّ المرأة العربية الجادة لم تعد وحدها المعنية بتحسين وضعها وتحريرها من الاستلاب الذكري، وإنما يوجد إلى جانبها جميع القوى الواعية من الرجال.

فالتغيير فاعلية حضارية، تشارك فيها العقول المبصرة والعزائم الصادقة، وفي مقدمتها علماء الدين، لترتيب البيت الاجتماعي ولرفع شعار، لا لتغييب المرأة عن مجالي الدين والحياة، ولا لاضطهاد المرأة، كما تجسده بعض الأقلام المغرضة، وتنفِّذه بعض المرجعيات الدينية والفكرية.

***

الهوامش

1-المرأة في الكنيسة والمجتمع، القس د. صموئيل حبيب، القاهرة: دار الثقافة، ط1، د.ت.،ص 56.

2- من أقوال صاحب الغبطة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، في لقاءين معه بتاريخ: 17/5/2000، 20/8/2000.

3-كرامة المرأة:رسالة رسولية للبابا يوحنا بولس الثاني، ص21.

4- نفسه، ص 14.

5- غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم.

6- المصدر نفسه.

7-المرأة في موقعها ومرتجاها، كوستي بندلي، ص70.

8-غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم.

9-بندلي، ص70.

10- نفسه، ص 111.

11-عن ماري الدبس، مجلة النهج، عدد 41خريف 1995.

12-قصة الحضارة: ج 16، ص183.

13- كرامة المرأة، مرجع سابق، 27.

14- نفسه ، ص72.

15- نفسه، ص62.

16- نفسه، ص 28.

17-غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع .

18- (الزواج عند العرب في الجاهلية والإسلام، ص240، نقلا عن ويستر مارك، عبد السلام ترمانيني، سلسلة عالم المعرفة الكويتية،عدد 80، 1984).

19-بندلي، ص81.

20-نفسه، ص80.

21-ذكره بندلي عن المطران جورج خضر، ص79.

22- بندلي،ص41.

23- المرأة في التاريخ والمجتمع، بشرى قبيسي، ص64.

24- القس د. صموئيل حبيب، ص57.

25- بندلي، ص38 .

26- القس د. حبيب، ص94.

27-مرجع سابق، ص118.

28- نقلا عن بندلي،ص42.

29- قصة الحضارة: ج16/ص175.

30- الجنس الآخر، ص43.

31- ج10

32- الثورة وتحرر المرأة، ص8.

33- الجنس القديم، ص24.

34- غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم.

35-المصدر نفسه .

36-انظر اسبيرو جبور، ص33.

37-قصة الحضارة: ج14، ص35

38 و 39 – بندلي، ص9.

40-الأب أنطوان مصلح.

41- نفسه.

42- حوارات في قضايا المرأة والتراث والحرية، نبيل فياض، ص 50.

43-الأب أنطوان مصلح.

44 بتصرف عن كوستي بندلي ، ص94.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий