أرشيف مايو, 2011

استقلال الجزائر، استقلال دريدا (3/2)

جان ليك نانسي Jean-Luc Nancy*

فَرَضَ ذلك التقارب نفسه عليَّ حين أخذ مصطفى شريف مبادرة القيام بهذا اللقاء(1). لقد تعاصر استقلال الجزائر مع استقلال دريدا وذلك بمعنى أنه في ذات اللحظة -1962، التي ولدَت فيها إتفاقيات “أيفان” accords d’Evian، وكتاب “أصل الهندسة” Origine de la géométrie- حصل دريدا بطريقة عامة على حريته الفلسفية.
أن هذا التوافق هو أكثر من توافق مع أنه توافق أيضاً. لأنه يوصل ما بين حدثين موضوعين تحت نوعي السياسة والفلسفة – النوع المزدوج للجنس الواحد والذي هو مغامرة البحر الأبيض المتوسط، أي بتعبير آخر ولتبسيط الأمور، جنس العقل La Raison-؛ حدثان، إذاً، يدلان على انعطافة un tournant. ليس وحدهما، بل بين أحداث أخرى، لكن بطريقة نموذجية.
أن الإنعطافة -لكي أنطق بها ضمن تعابير دريدا- هي إنفلاق الحضور على نفسه déhiscence de la présence à soi. كان استقلال فكر دريدا وما زال يحتفظ بالختم المفاهيمي لذلك الإنفلاق، “استحالة الإستراحة ضمن الحفاظ العادي على حاضر حيّ”، حاضر يكشف عن نفسه، على العكس من ذلك “دائماً آخر ضمن تطابقه مع نفسه واختلافه différant معها بلا كلل”.
أمّا استقلال الجزائر، النموذجي من بين كل الاستقلالات الأخرى التي شرعت منذ أربعين عاماً (مصر) عبر “الإمبراطوريات” الغربية، فكان استقلالاً لبلد كانت فيه السيادة autonomie متعددة دائماً والذي تشكلت هويته بصورة خاصة عبر قانون المقاطعة الفرنسية، وبالتالي ضمن اختلاف مع الذات ميزه وما زال يميزه عن جيرانه المغاربة -لكنه اختلاف مزدودج مع الذات، ما دام أنه اختلاف ضمن-فرنسي intra-française وضمن-أفريقي ومُخترق بدوره باختلاف ما بين “السكنة الأصيلة” « indigénat »والمواطنة citoyenneté. (ينبغي، بطبيعة الحال، الصعود إلى أبعد من ذلك، إلى حقبة الهيمنة التركية، بيد أنه ليس هنا محل الحديث عنها). تابع »

رؤية كليفورد غيرتز لـ«تأويل الثقافات»

السبت, 09 أبريل 2011
هيثم مزاحم

شاع استعمال كلمة الثقافة بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر بمعنى تلك القدرة الإنسانية الشاملة على التعلم ونقل المعارف واستخدامها في الحياة. وأصبح مفهوم الثقافة من المفهومات المركزية التي تعالجها الأنثروبولوجيا في القرن العشرين، ويشمل كل ظواهر حياة الإنسان. ومن أقدم التعريفات وأشدها رسوخاً وثباتاً كان التعريف الذي قدمه إدوارد بورنث تايلور في بداية كتابه «الثقافة البدائية» (1871) حيث عرَف الثقافة بأنها «تلك الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة الي أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضواً في مجتمع». تابع »

جاك دريدا (3/1)

حسين عجة

جاك دريدا

ترجمة: حسين عجة
دريدا في الجزائر
نظرة حول العالم

افتتاح
تقديم: مصطفى شريف*

“سوف لن يكون بالإمكان القيام بأي شيء جوهري ما لم يستجيب المرء لدعوة الآخر”.
جاك دريدا

كان دريدا يهودياً، جزائرياً، فرنسياً، ومواطن من مواطني العالم. لقد قدّمَ فكره للجميع، بلا استثناء.
عبر هذه الكلمات بودي الشروع في تقديم هذا المدخل، وقد أستوحيت ذلك الفكر المكين والذي لا ينضب لمؤلف أقتربت كتبه الفلسفية من ثمانين كتاباً. عمل عظيم يمس الكتابة، السياسة، الشعر، التحليل النفسي، اللغة، الدين وغيرها الكثير من المواضيع التي تعرضُ نفسها على التأمل، أو التي ما زالت عصية عليه. ومع ذلك كان دريدا، ذلك الرحالة الذي لا يكل، مٌمَرٌ الحدود هذا ce passeur de frontières، الفرنسية-المغاربية، العبرية-العربية، العالمية، والكونية، قد أخبرَ الجميع “برغبته في العزلة، والإبتعاد عن أية طائفة، وحتى عن أية “قومية”، وعن شكه حيال مفردة “طائفة” أيضاً(1).
وبالرغم من ذلك، كانت الجزائر، أرض ولادته، كما أكد لي هو على هذا، قبل عام تقريباً من وفاته، أثناء حوار جرى بيننا، تحتل دون منازع، كخلفية، مكانة متميزة في حياته وعمله، كما كان شأنها بالنسبة لكتاب كبار آخرين كجاك بيرك Jacques Berque وألبيرت كامو Albert Camus. لقد أبتدع داريدا، بحلاوة ومرارة ذكرياته، فكرة الحنينيةِ La nostalgérie*.
قد يبدو الثناء في بلد مسلم على هذا الفيسلوف العظيم، اليهودي، منشد الدنيوية، اللامتدين areligieux والكوني، بمثابة مُرهانة، أو، حتى أسوء من ذلك، تبجح سياسي ظرفي. تابع »

معاني وجمالية الفن الاسلامي

د. كاظم شمهود

معاني وجمالية الفن الاسلامي

كانت بداية نشأت الفن الاسلامي معتمدة على التراث الحضاري للامم القديمة التي شملها الاسلام كالحضارة الرافدية والفارسية والمصرية والبيزنطية والهندية والصينية . وبالتالي كانت هناك بواعث ودوافع وارضية خصبة لاحداث تحول وتطور على صعيد التفتح العقلي والنمو الوجداني وقد تمثلت هذه الارضية بوجود الزقورات وقصور الآشوريين وطاق كسرى والقصور الساسانية
التي كانت تعج بمحاسن الرسوم وجمال العمارة, وهناك الاهرامات والكنائس البيزنطية المنتشرة في الجزيرة العربية والتي كانت مزينة بانواع الرسوم والمنحوتات الدينية. وكذلك المعابد الهندية والمخطوطات المزينة بانواع الرسوم مثل مخطوطات ماني التي ظهرت في القرن الثالث ميلادي .. ثم وفد عدد من المصورين المانيين الى العراق في القرن الثالث الهجري للعمل في تزويق المخطوطات. وكان ماني مصلحا اجتماعيا ومصورا ماهرا من الطراز الاول. ويذكر بان مصطلح منمنمات جاء من اسم ماني..
وكانت صناعة الخزف والتزجيج اول ماظهرت في وادي الرافدين , حيث الالوان الساحرة المتلئلئة والتي نشاهدها تزين باب عشتار والقصور الآشورية وبنغمة اسطورية حضارية جميلة. كما كانت مادة الفسيفيساء مستخدمة بكثرة خاصة في جداريات الكنائس الشرقية وهو ما استفاد منه الفنانون المسلمون في تزيين مساجدهم مثل قبة الصخرة .
غير ان الفنانين المسلمين استطاعوا بعد ذلك من ان يبتدعوا سواء في فنونهم المعمارية او الزخرفية اوالتشكيلية ذلك الطابع المميز النابع من وجدانهم العقائدي . وقد شارك في انبعاث هذا الفن وازدهاره خلال مسيرته الكبرى التي استمرت اكثر من عشرة قرون عددا كبيرا من كبار الفنانين المسلمين منهم : تابع »

أسطورة ميلاد الربة أثينا والمنهج الأنثروبولوجي

 

الرواية الأولي للأسطورة :

إلتقي كبير الآلهة زيوس بالتيتنة ميتيس ، وعندما حملت منه . وصلت إلي أذنيه نبوءة أزعجته . سوف تلد ميتيس له أنثي ، وبعد ذلك سوف تلد ذكرا ً يقضي عليه كما قضي هو من قبل علي والده كرونوس ، فقرر أن يبتلعها كما ابتلع والده كرونوس أبناءه من قبل ، وبذلك سوف تصبح معزولة تماما ً عن العالم الخارجي ، ولن يمسها بشر أو غير بشر .

بعد فترة أحس كبير الآلهة زيوس بألم شديد يكاد يحطم رأسه . أفقده الألم كل لذة في الحياة ، حتي أنه تمني لو لم يكن خالدا ً لكان قد ناشد إله الموت كي يخلصه من الحياة . تابع »

مفهوم (الغــذاء): قراءة في التحضر الإنساني

ليس غريباً أن يقال إن الإطلاع على جزء وافر من تاريخ التحضر الإنساني إنما يقع في باب الغذاء وما تعوّده الناس من مأكلهم ومشربهم، وما طرأ على تذوقهم المأكولات والمشروبات من تغيّر وترقٍ. ربما كان يأكل كثير من الناس من قبل سدّاً للرمق كيفما اتفق أمر إشباع البطن، ولعله بقي بينهم من لا يزال على هذا المذهب في مأكله. ولا يخفى أمران، من بين أمور عديدة، على من يقرأ أنثروبولوجياً تحولات أنماط السلوك الإنساني وبعض مظاهر تحضره خصوصاً في مجال الغذاء. أولهما حسن استفادة الناس من النباتات في مأكلهم، والأمر الآخر جميل استخلاصه من التوابل، لا ما يعين على تطييب الطعام فحسب، بل ما يكشف عن رقي تذوقه وتحوله عن مطلب سد الرمق إلى مرحلة التذوق والتمتع بما يأكل ويشرب. تابع »

موقف الاسلام من التصوير

د. كاظم شمهود

موقف الاسلام من التصوير

معنى التصوير:

تشابكت الآراء والتفسيرات والمفاهيم حول تحريم الصور فمنهم من يحرم و منهم من يحلل و منهم من يكره ومنهم من يجزاء اي يحرم جزء من الصورة ويحلل آخر … وسط هذه الفوضى من الآراء نقف حائرين في عصر بلغ فيه العقل البشري اوج عضمته وتقدمه و تنوره الفكري حتى اصبح الانسان يشعر انه قد جمع واستوعب كل علوم ماقبله منذ فجر الحضارات البشرية الى اليوم … ومنهم من يتخندق مع السلف الصالح ومنهم من يفتح باب الاجتهاد على اساس ان الحياة في تطور وتجدد وان الدين يسر ولا عسر . ( لا اكراه في الدين )
ولكن اين يقع التحريم هل بصورة عامة ام هناك استثناءات ؟ وهل ان الديانات الاخرى كالمسيحية واليهودية قد وقع فيها تحريم الصور ام ان المسألة منحصرة في الدين الاسلامي فقط؟ ….. هذا ما نحاول توضيحه بشكل مختصر جدا في السطور الآتية معتمدين على مصادر القرآن والسنة النبوية وكذلك آراء العلماء من الاولين و المعاصرين على مختلف مذاهبهم .. ولنقف قليلا على معنى التصوير .
معناه في اللغة : ويعني الشكل والتمثال و يعني ايضا الصفة والهيئة وكذلك يعني الاشياء المجسمة وغير المجسمة .
معناه في الاصطلاح : ان الفقهاء يطلقون لفظ التصوير على اللوحات المرسومة على الورق او المنقوشة على الثوب وهو ما يعرف اليوم بفن الرسم او الصور غير المجسمة و كذلك يطلقونه على التماثيل المجسمة .
معناه في القرآن : لقد فسر العلماء صور و صورة التي وردت في القرآن الكريم بانها تعني التماثيل التي تحاكي الشكل المخلوق من ناحية تجسيمه و بروز اعضاءه . قال تعالى ( وصوركم فأحسن صوركم ) التغابن – اي انه كونكم التكوين الذي انتم فيه من تجسيم وبروز … تابع »

الأستاذة مارجريت ميد Margaret Mead


Margaret Mead

لقد كثرت الدراسات الانثروبولوجية الميدانية التي قام بها الانثروبولوجيون في القرون المنصرمة، إلا إن ابرز الدراسات الانثروبولوجية التي ضاع صيتها في الأوساط العلمية هي دراسة راد كلف براون لجزر الاندمان، وكذلك دراسة مالينوفسكي لجزر التروبرياند، و دراسة روث بندكت لقبيلة زوني ودراسة مارجريت ميد لجزر ساموا، وغيرها من الدراسات الانثروبولوجية التي يصعب ذكرها. إلا إن اغلبَ هذهِ الدراسات لم تحظى بأهتمام واسع، على الرغم من أن هذهِ الدراسات هي دراساتٌ رصينة وقيمة وتدّرس أينما توجد الانثروبولوجيا. لكن لم يكن هنالكَ إمتداد لهذهِ الدراسات، أقصد وجود نقد من قبل الانثروبولوجيين المُعاصرين لهذهِ الدراسات أو على الأقل تصحيحها أو الاستفادة من نتائجها بالشكل الذي يتلاءم مع ما توصلت إليهِ أنثروبولوجيا القرن الواحد والعشرين.وإن وجد نقد أو تصحيح فهو لا يتعدى أن يكون تسطيحاً لهذهِ الدراسات.
تابع »

دولاكروا يرسم الاميرات الجزائريات

د. كاظم شمهود

ديلاكروا يرسم الاميرات الجزائريات

يعتبر اوجين ديلاكروا 98 17- 1863 احد عباقرة الفن التشكيلي و مؤسس المدرسة الرومانسية للفن . عاصر عدد من المفكرين والشعراء والادباء الفرنسيين، امثال فكتورهيجو وجوتيه وبودلير وشاتو بريان وغيرهم . كما يعتبر واحد من اكثر المصورين خصوبة وغزارة في العمل, ولكنه
كان منعزلا في نشاطه بل وبصورة سرية .
ويقول بودلير فيه ( انه كان يتمتع بقدرة هائلة على العمل ).. وهذا يذكرنا بالفنان الاندلسي بيكاسو حيث يقضي جل وقته في الاستوديو يرسم ويحضر , بل اعتبره البعض من اكثر الفنانين المعاصرين غزارة في الانتاج . ويمكن الاطلاع على كتاب – حياتي مع بيكاسو – من تأليف احد زوجاته فرانسوا – كما يمكن الاطلاع على كتاب – اوجين ديلاكروا من خلال يومياته – تأليف زينب عبد العزيز -1971 – ويعد هذا الكتاب الاول في موضوعاته في بلادنا العربية . وهو عبارة عن مجموعة من الوثائق التاريخية والادبية الفريدة التي تتضمن خلجات نفس ديلاكروا وفكره ومعاناته الفنية , كما تتضمن آراءه في احداث عصره ورجال ذلك العصر… وجاء في مقدمة الكتاب مقولة جميلة لديلاكروا: ( كل شئ لم يقل بعد , والانسان لا يأتي متأخرا ابدا ….) . تابع »

رموز نباتية.. نماذج من البيئة الثقافية لأوروبا المتوسطية

رموز نباتية.. نماذج من البيئة الثقافية لأوروبا المتوسطية

بقلم: ريكليف كانديلير ووولفرام أولريش

ترجمة وإعداد: صالح الرزوق

لا تزدهر في بلدان الشمال ، خلال شهر تشرين الثاني، غير بضعة أنواع من النباتات البرية المزهرة ، ولكن جذوع نبات الهندباء ، التي يلحق بها الجفاف بالتدريج ، تستمر على قيد الحياة طوال فصل الشتاء البارد. وتظهر أزهاره الزرقاء البراقة ابتداء من الربيع وحتى أواخر الخريف، وهي بواسطة الجذور القوية المعمرة والأوراق الزهرية المسطحة تقوم بحماية النبات من البرد خلال الشتاء القارس. ولذلك لن نستغرب إذا كان نبات الهندباء في العصور المسيحية المتوسطة رمزا فنيا يدل على البقاء والانتظار والصبر وفي نفس الوقت على الفداء والشهادة. ويجب أن نذكر أيضا أن لهذا النبات قيمة مادية كقوت وغذاء وكعشبة للعلاج. تابع »