III. مفارقة الأنثروبولوجيا المغاربية – الأستاذ درنوني سليم
إذن وبصورة دائمة الأنثروبولوجيا يبدو أنها انظمت إلى الميدان البعيد. في المغرب الأنثروبولوجيين هم بالأحرى (أنثروبولوجيي المنزل anthropologists at home ). فالنقاش الذي أثاره «جون ديدييJean-Didier» بين (الأجنبي exotisme والداخلي endotisme) يفضي بصورة فوضوية إلى نظرة الأنثروبولوجيين المغاربيين بصورة عامة، إلى درجة أن ميادينهم أساسيا تكون داخلية (endotiques ).
بصورة أولية ليس لأجل وضعية إبستمولوجية، أو اختيار منهجي في إطار (روح ماذا) كما يسميها «جورج بيرك Georges Perec »، ولكن (حقيقة من)، إلى هنا، لم تسأل. بالنسبة لقسم مهم من الأنثروبولوجيين (ولكاتب هذه السطور المدرجة) السهولة والمعرفة العفوية للميدان تكون في غالب الأحيان السبب الأول للاختيار حتى في الحرم الجامعي. وبالنسبة للآخرين، فيشجعهم مدراء هم أنسهم يملكون معرفة حول هذه الميادين. الأنثروبولوجيون المغاربيون يعملون كلهم لتهذيب وتنقية أو لمناقضة إثباتات أسلافهم. رد الفعل هذا إلى اليوم غير مقنع بصورة عامة. ليسوا هم، بصورة عامة فرصة تطبيق نظرته (Son ragard) إلى ميدان ما (بعيد)، الأنثروبولوجي المغاربي لا يعرف هذا المنعطف الذي يسمح بإنتاج (النظرة البعيدة) لنقلل هكذا مخاطر السقوط في الإثنولوجيا العفوية. بدون ملكية استثمار الحقل أو الميدان هنالك نريد بمشروعية نقد ميدان الهنا؟ السؤال جدير بالطرح، ذلك أن الأمر يتعلق بالقواعد المسلم بها في هذا المجال من التخصص، هي سلطة العودة إلى الذات الخارجية التي تسمح على سبيل المثال وحسب «بيار بورديو Pierre Bourdieu» الرؤية الحسنة لكل ما لا يمكن رؤيته في مسقط رأسه إذا لم يكن بعد قد لاحظها في منطقة القبائل.
وجدت المبررات الإبستمولوجية أو لم توجد، فإن الأنثروبولوجي المغاربي أنثروبولوجي منزلي أو داري. عندما أتى لتفادي (الوطنية المنهجية)، سقط في (الإثنية المنهجية). عندما لا يعمل على مدينته، منطقته، دولته، يهتم بالأطر الكبرى المحسوسة والمعلومة: الإسلام، الطقوس، القبيلة، الأساطير المؤسسة، الأخوة …إلخ. الأمر الذي يسمح بطرح السؤال: هل يوجد في الأعمال. غير القطيعة، على الأقل تغيير بالنسبة إلى الافتراضات القبلية الخاصة بعهد الإثنولوجيا الكلونيالية؟
لايوجد مغاربيا إلا الإثنولوجي الداخلي، بعد ذلك يمكننا التفكير. الحقيقة أكثر تعقيدا. على تميز هذا الإنثروبولوجي المنزلي أو الداري الذي اختار بتعمد بأن لا يسافر حتى يلتقي مع المطلق أو اللامعروف، لكن الذي يميز القريب، النسبي والغير معروف، الإثنولوجي المغاربي يعيد زيارة الميادين ليست فقط غير معروفة، ولكن حسبه لم تعرف على حقيقتها، أو تم تحريفها. نادرة هي الحالات التي يخاطر فيها خارج ميدانه لأجل السير بالموازاة مع محراث الحرث بهدوء بدون تقديم تبريرات ولا لتشويه السمعة.
إننا نختار في غالب الأحيان ميادين درست من طرف الإثنولوجيا الكلاسيكية. عمل الباحث يظهر تطبيقه عندما يعتقد بأن سيقوم بالتحديث. إنه يعتمد مواقف التي هي في الحقيقة مواقف تظهر المئازق. إننا نراها في الأعمال التي تنتقد المصادر وكتابها (المستعمرين)، لوضع اليد كاملة دون إبعاد. نستطيع في بعض المرات قراءة مابين السطور لكتابات بعض الأنثروبولوجيين الذين ينتمون إلى السكان الأصليين، مصطلحات “مرابطين” أو “الإخوة المرابطين” استأنفت دون أي انتقاد في نفس النص أو لأنها مسألة ترد إلى سببها، لتدبر أو لتعديل وجهة نظر الإثنولوجي الكولينيالي.
القبيلة غالبا ما تكون إطارا وميدانا للتحقيق بدون التساؤل والحكم المسبق الذي أقدم «جاك بيرك Jacque Berque» على البحث فيه في مقاله المشهور: «ماهي القبيلة شمال إفريقية Qu’est ce qu’une tribu nord-africaine ?». هناك شذرات من المناقشات، انطلاقا من ميدان خاص، كالتي نجدها لدى «حسان رشيق» حول (التضحية) أو من طرف «أ.حمودي» حول (الإنقسامية)، لا زالت لها سمعة. وفي معظمها، لا زالت الأنثروبولوجيا الجزائرية تسير على خطى الإثنولوجيا الكولونيالية. فالإشكاليات والخلاصات من الناحية المعنوي لم تتجدد. إن الإنتقادات يحملها مؤلفوا كتاب «جزائر الأنثروبولوجيين L’Algérie des anthropologues» تقود إلى التوافق مع المقاربات والطروحات الوطنية والتي تستمر في وضع تعارض بين (الحضر/البدو الرحل، البربر/العرب، القبائل الصغرى/القبائل الكبرى، الشمال/الجنوب، الشرق/الغرب، المسيحية/الإسلام).
اليوم أيضا، الوفاق الوطني يغطي موضوعات أخرى مثل: العبودية، التمييز العنصري، الجهوية، الطائفية الإثنية أو الحضرية. إن «الأطر الإجتماعية للمعرفة» لا زالت وبصورة واسعة تكونها الجماعات الإثنية، والتي تفرض التوجه أقل مما ينبغي إلى الشذوذ الجنسي لدى الرجال والنساء. مركب العذرية أو البكارة، أو الممارسات ذات الصلة بالمحارم.
يبدو أن الإثنولوجي المحلي يقدم من حيث المهمة الأولى مساهمة لموت البدائية. بأسلوب نقاش يتميز بالإثارة ورد الفعل، والذي لا يريد أن يعرف من الأنثروبولوجيا إلا وجهها الإستعماري، الأنروبولوجي المحلي قلب الشريط برده إلى المحيط ما يكون في الكون. وقفة من الوقفات يمكن أن تفسر من حين لآخر بالإديولوجيا المنتجة. منتوج سنوات الإستقلال، الإثنولوجي الجزائري عرف مؤسسات وتحولات بنائية متسارعة في الأوساط الحضرية، والتي تم تطعيمها ببعض التصورات لها صلة بالحقيقة الواقعية. ومن جهة أخرى، عندما يحاول الإرتباط بالكوني، ينظر إلى أن المهمة ليست سهلة.[1]
واقع الانتروبولوجيا قبل الاستقلال:
إذا أردنا الحديث عن تاريخ الانتروبولوجيا في الجزائر، فإننا نعيد ما قدمه مولود معمري الذي يميز ثلاث حقب: الأولى، تلك التي سماها الرائدة، و هي عصر الحملات العسكرية. الانتروبولوجيا حينئذ كانت عبارة عن وقائع لضباط عسكريين الذين كان همهم اكتشاف الميدان و إنتاج منوجرافيات Monographiques عن الأقاليم والسكان الذين يقطنونها. الحقبة الثانية: هي فترة الإداريين. و لم يكن همها الوحيد إحصاء السكان ووصف بعض عاداتهم. بل دراسة النظم التي تؤسس للروابط الاجتماعية (كالزوايا مثلا). وأثناء تلك الفترة رمت (الاثنولوجيا الاستعمارية) قواعدها الأولى بدء بالتخلص من الانتروبولوجيا الفيزيقية Anthropologie Physique ومن ثم بدأت تظهر مواضيع لها علاقة مع النظام الاجتماعي، المعتقدات و النظم القانونية والدينية.
الفترة الثالثة هي فترة الجامعيين. ظهرت في نهاية القرن 19 مع الأساتذة الجامعيين الذين خلفوا العسكريين: نخبة من الأساتذة مختصين في القانون قاموا بمساءلة معاني و شفرات و طرق تشريعات الأهالي، بينما أساتذة اللسانيات درسوا اللهجات و اللغات العامية….و تجدر الإشارة هنا إلى أن النزوات السياسية متواجدة بدرجة أقل أو أكثر في الأبحاث.
إن الإطار التاريخي للاستعمار سوف يشجع إنتاج فكر جديد موجه إلى معرفة الشعوب المهيمن عليها. هواة، عسكريين أو إداريين سيحاولون فهم التنظيم الاجتماعي والروحي للسكان. وبعد ذلك أخذ زمام أمور الأبحاث نخبة من العلماء الذين تركوا لنا في الحقيقة أبحاثا ذات قيمة عالية. إذا أردنا فحص أدبيات الاثنولوجيا في الحقبة الاستعمارية فإن القبائل و بالأخص البربر أخذوا حصة الأسد في انشغالات العصر. و كان التاريخ الاثنولوجي لتلك الفترة حافلا بالأسماء مثل Hanoteau الجنرال Daumas Eugène و Louis Mari Rinn……الخ
ولما تمت تسوية المسائل المورفولوجية الاجتماعية و كذلك اللهجات المحلية ووصف وتحديد الأقاليم، جاء دور المعتقدات، وكانت جلها تتسم بصفة الاستشراق Orientalisme وكان يجب الانتظار حتى سنة 1925 لمشاهدة جامعيين من أمثال Thérèse Rivière و Germaine Tillion و Jeane Jouin وآخرون.
إن كاتبة «الحريم و أبناء العمومةLe harem et les cousins» تابعت محاضرات «مارسال موس» قبل أن تستغرق أربع سنوات في الأوراس بالجزائر. و بعد مرورها على السجون النازية تعود إلى الجزائر في مهمة رسمية سنة 1950. التقارير التي كتبتها لم تكن إطلاقا مجاملة للإدارة الاستعمارية. إن «G. Tillion» ترمز إلى الالتزام الفكري وكذلك إلى القطيعة الابستيمولوجية والتي من خلالها أسست لنظرة جديدة و حقبة جديدة للاثنولوجيا الاستعمارية.
و في منحى آخر فإن ««Jacques Berque الذي يعتبر من الوجوه البارزة في حقل الدراسات المغاربية. و من خلال كتابه الكبير(البناءات الاجتماعية في أعالي الأطلس) ( les structures sociales du haut atlas ) و الذي من خلاله تبنى بوضوح (الانتروبولوجيا التاريخية). إن أعماله الأولى حول المنهج القانوني المغاربي، حول قانون الأعراف، حول العلاقة بين العادات البربرية والعادات الإسلامية قامت بإرساء لبنات (الانتروبولوجيا المغاربية). وكان بحق ملهم للأنتروبولوجيين المغاربيين في نهاية الاستعمار.
أعمال Bourdieu»» تضيف زخما علميا كبيرا للبعد العلمي للانثروبولوجيا بالكشف عن المنطق الذي يحدد المجتمع الجزائري. كل هذه الأسماء تحولت إلى معالم في هذا العلم، و للأسف فإنهم لم ينصفوا و لم يعطوا المكانة اللائقة بهم حتى أنهم و صفوا جورا بانتمائهم إلى الحقبة الاستعمارية للانثروبولوجيا.
واقع الانتروبولوجيا بعد الاستقلال:
إن إعادة إدخال الأنثروبولوجيا في الجزائر كعلم أكثر نبلا يعود أساسا إلى أزمة علم الاجتماع في سنوات 1970و1980 الذي قلص إلى خطاب يتبع الإنجازات الوطنية. و كان يتطرق إلى مواضيع عامة: الريف، المؤسسة، الثورة الزراعية متجاهلا الأشخاص و الأفراد أو الفاعلين الذين يحملون هذه الديناميات. وكان ذلك إيذانا بظهور أو إعادة ظهور الأنثروبولوجيا.
في خضم التجاذب السياسي والاجتماعي والفكري، فإن إعادة ميلاد الأنثروبولوجيا في الجزائر يعود أيضا إلى الظروف المحلية الخاصة. إن علم الاجتماع الذي عزف عن دراسة الحقل الديني ترك فراغات كبيرة في الوسط الاجتماعي الذي أعاد استثمار الحقل الديني بطريقة فيها نوع من الإنتقام و كان همهم الوحيد إثبات (لماديي) الأمس بان الروح يعلو عن المادة وأن روح الشعب يتموقع في قيمه الروحية.
و هناك أيضا الجانب السياسي. إن الدين إذا اعتبرناه بأنه يكون اللحمة الأساسية للمجتمع فإنه الوحيد الذي يمكن أن يثبت ويؤكد الوحدة الوطنية التي لم يستطع الفكر الاشتراكي إرساءها. و على هذا الأساس فإن فشل مشروع المجتمع أعطى الفرصة للانثروبولوجيا للعودة إلى مسائل تعتبر من قبل طابوهات.
I. الإرث المغاربي في مجال الأنثروبولوجيا.
الانتروبولوجيا في الجامعات:
في البداية الأنثروبولوجيا كانت تنشط في مراكز ثقافية تحت تسميات مختلفة إلى أن تبناها ما يعرف بـ: «مركز البحث في الأنثروبولوجيا الإجتماعية والثقافية crasc» أين تتعايش ميادين متنوعة من العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن ثم فقد إنضم إلى السوسيولوجييين والمؤرخين علماء النفس والجغرافيين والمعماريين. من هنا فان الأنثروبولوجيا التي طوردت منذ البداية لجأت إلى المراكز للإءتمان والاحتماء بعلوم تربطها بها علاقة دموية. وعودتها إلى مقاعد الجامعات تعتبر محتشمة. فكانت تدرس كمادة فقط في بعض الاختصاصات لتوضيح الخصائص الثقافية مثل جامعة تلمسان (ماجستير في الثقافة الشعبية) وفي تيزي وزو(معهد اللغات و الثقافة الأمازيغية). وكانت مهمتها توضيح هذا المفهوم الغامض والمعقد الذي هو(الثقافة الشعبية).
لكن المحاولة الأولى الحقيقية كانت في جامعة قسنطينة بالتعاون مع «مركز البحث في الأنثروبولوجيا الإجتماعية والثقافية crasc» أين فتحوا إختصاص ما بعد التدرج في الانتروبولوجيا الثقافية والاجتماعية. وكذلك معهد علم الاجتماع في وهران الذي فتح أيضا ماجستير في الأنثروبولوجيا. لكن المشكلة الرئيسية تتمثل في كون الأساتذة الذين لديهم الحق في الإشراف على التدريس لا ينتمون دائما إلى الاختصاص.
تجربة المركز الجامعي خنشلة:
إن الوعي بضرورة النقد المتفحص للإشكاليات الاجتماعية والثقافية لمجتمعاتنا و كذا أهمية المقاربات المقارنة خاصة في مجال التراث الثقافي الإرث الاجتماعي أصبحت هاجسا حقيقيا لمفكرين جزائريين لتوسيع فكرة تدريس الأنثروبولوجيا كاختصاص مستقل في الجامعات الجزائرية. وكان لزاما بعث دراسات ترقى إلى مستوى هذا العلم الذي يقدم لنا إرثا ضخما من المعارف المتراكمة على الصعيد العالمي و تنمية مناهج نقدية حول الأعمال التي كان موضوعها الجزائر.
و لما كان الأنثروبولجيون يستهويهم الميدان بمعنى أنهم يترجمون أقوالهم في الواقع. فقد سعى نخبة من المفكرين الجزائريين سعيا حثيثا لإنشاء هذا العلم ولم تكن الظروف سهلة بل اكتنفتها صعاب مختلفة. إن محاولة الكشف عن هذه الصعاب بعد اللمحة التاريخية عن واقع الانتروبولوجيا في الجزائر ليس تحدي. الرهانات السياسية وأدلجة العلوم من بين أهم الأسباب في نظرنا.
لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، لماذا تم اختيار خنشلة بالضبط؟ هل يعود ذلك إلى كون جل أعمال الأنثروبولوجيين انحصرت بدرجة كبيرة حول منطقة القبائل خاصة في نهاية النصف الأول من القرن 19؟ وبالتالي فإن خنشلة تمكن من إرساء دراسات مقارنة جديدة؟ هل الأوراس يعتبر ميدانا خصبا لدراسة الخصائص الثقافية والاجتماعية بمقاربات أنثروبولوجية؟ دون أن نرمي هذه الفرضيات. إن اندهاشنا عميق حينما نعرف بأن كاتبا مثل:«P.A. Fevrier» في كتابه «مقاربة المغرب الروماني» يعترف بأن «تاريخ الأوراس لا يزال مجهولا» و بدرجة ما يحتوي على ألغاز، ثم يضيف: «إنني أراهن على أنه سيكون أكثر تعقيدا مما نتصور في غالب الأحيان»[2].
و من جانبه فإن: «Louis Leschi» لا يتردد في القول بأن: « دراسة التنظيم الاقتصادي (… ) بجنوب قسنطينة من شأنه أن يعطينا إيضاحات جديدة… »2. ولعل من المناسب أن نذكر أيضا شهادة أخرى لمؤرخ فرنسي«Henri Fournel » الذي يقدم في كتابه «Richesse de l’Algérie» هذا الحديث: «قليلا نحو غرب بغاي[3]، يبدأ “جبل الاوراس”، جبال مشهورة منذ قرون بالذهنية التحررية لسكانه، بصرامة قادته الذين تعاقبوا على القيادة والذين قاوموا ضد الغزاة المتعاقبين على المغرب، حتى لما كان هذا القائد إمرأة وتسمى الكاهنة. تحت الوندال، تحت الرومان، حتى ضد الفتوحات الإسلامية، سكان الأوراس أبدوا عدم الرضوخ مهيأون للمقاومة ولا يقبلون أي نوع من السيطرة». لا أحد يناقض هذه المقولة المستمدة من القراءة المتفحصة لكتاب رومانيين و بيزنطيين وعرب. هذا بالإضافة إلى حرب 1954 التي كانت المنطقة مسرحا لكثير من أحداثها.